أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ناهض الرفاتى - الجدة -هادية-














المزيد.....

الجدة -هادية-


ناهض الرفاتى

الحوار المتمدن-العدد: 8519 - 2025 / 11 / 7 - 18:15
المحور: الادب والفن
    


لم تكن تعرف الطب، لكنها كانت تعرفني.
لم تكن جدتي ترى، لكنها كانت تبصر.
كانت يدها تعرف طريقها إلى رأسي، حتى في الظلام.
حين كنت أمرض، كانت تقرأ عليّ ما تحفظه من القرآن، بصوتٍ يشبه النسيم.
الآن، وأنا أقرأ عن الإدراك اللاواعي، أتذكرها.
الكاتب يقول إن الضرير يبصر دون أن يدرك.
وأنا أقول: جدتي كانت تدرك دون أن تبصر.
كانت تنام وسط إخوتي الستة، تروي لنا الحكايات قبل النوم.
لم تكن حكاياتها مجرد تسلية، بل كانت طقوسًا من الحنان.
يدها، وهي تمسح رؤوسنا، كانت تقول لنا: "أنا هنا، لا تخافوا".
كنت أشعر أنها أمي، لا جدتي.
كانت تقرأ المعوذتين، الإخلاص، وآية الكرسي.
لم تكن تحفظ الكثير، لكنها كانت تحفظنا من كل شر.
بيت جدتي كان أنظف من قلب طفل.
تعيش وحدها، لكن دارها كانت مرتبة كأنها تنتظر ضيفًا كل لحظة.
لا ذبابة، لا عنكبوت، لا فوضى.
كانت تضرب زوايا البيت بمنشفة، تمسح الأرض بالكاز، ترتب كل شيء في مكانه.
خزانة الملابس، الزيت، الصحون، المعالق... كل شيء له مكان، وكل مكان له معنى.
هل كانت تتحدى العمى؟
أم تقول للدنيا: "أنا هنا، أعيش، لا أحتاج أحدًا"؟
ربما كانت تفعل كل ذلك، وربما كانت فقط تسكن سلامها الداخلي.
في الثامنة عشرة، زرتها.
أصرّت أن تطعمني.
أشعلت "بابور الكاز"، لم يخرج الغاز.
أمسكت بإبرة، وسلكت العين المسدودة.
ضريرة؟ نعم. لكنها ترى بأهداب الروح، تشعر بالحركة، تغلق الأبواب، تحمي بيتها من كل شيء.
كانت شجاعة، رصينة، مطمئنة.
تمشط شعرها الأبيض، تضع الحناء، دون شامبو أو مستحضرات.
كل شيء طبيعي، نقي، بسيط.
كانت تعيش وحدها لأن الجد تزوج أخرى، والأب انتقل.
لكنها لم تترك بيتها. كان عالمها، وكان يكفيها.
الآن، حفيدتي "روز"، التي فقدت والدها في حرب غزة، تطلب مني كل يوم أن أقص لها الحكايات.
فأقص لها ما كانت "هادية" تقصه لي.
"الغولة"، وغيرها.
الحكاية لا تموت، طالما هناك من يرويها.
حين كبرت، ذهبت للعمرة، ثم للحج، وأهديت النسك لروحها.
شعرت بعذوبة النية، كأنني أرد لها جزءًا من المعروف.
أما جدي، فلم تسنح لي الفرصة.
ربما لأنه كان بعيدًا، وربما لأن الذاكرة لا تحفظه كما حفظت "هادية".
كان يأتي في العيد، أنيقًا، بعقاله وعطره.
يعطينا العيدية، يخفي الحلوى في سرواله، يخشى أن تراه زوجته.
بيت الجد الآخر كان مزرعة صغيرة: دجاج، حمام، بط، وأرانب.
لكنه لم يكن بيتًا للروح كما كانت دار "هادية".
الآن، وقد بلغت الستين، أشعر أنني أحتاج إلى روحها.
إلى شجاعتها، حماستها، بصيرتها.
أروي الحكايات لأحفادي، كما كانت تفعل.
لكن ما ينقصني هو طمأنينة القلب.
تلك التي لا تُشترى، ولا تُدرس، بل تُمنح من الله.
حين رحلت، لم تمت.
فقط غطّت في نومٍ عميق.
وجهها كان



#ناهض_الرفاتى (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مجزرة القبور
- العقل المعرفي تاملات في سورة المائدةنننا
- غزة بين هدنة الضرورة ومأزق التسوية: قراءة سياسية في لحظة ما ...
- التكية مفردة مشئومة فلسطينيا
- اسرار اسم سورة ال عمران
- التكية
- العقل المعرفي
- تقدير موقف حول تهديدات نتياهو-انتظروا-
- تقدير موقف حول نجاح او فشل مبادرة ترامب ذات 21 بن
- الرواية: ساحة المعركة الحقيقية
- مرأة العذاب
- الوحش والمئذنة*
- مغسلة الموتى
- اسباب نتياهو لعدم وقف الحرب
- صناعة المأساة والخلاف السياس والدينى
- الإمارة والخلافات السياسية السلفية نموذجا
- مت قضايا الفكر الإسلامي والأنظمة السياسية محددات التقارب وال ...
- الحرب نجاه وبعث
- الفتنة الكبرى لطه حسين فى عيون المسيرى
- ثقافة الحزب أولها استبداد وأخرها فشل -رواية جورج أورويل والح ...


المزيد.....




- اللغة العربية.. اقتحام أنيق لعالم الموضة والمجوهرات والتصميم ...
- إطلاق خدمة البث باللغة الفارسية
- عودة «اللغة النووية» إلى واجهة المشهد السياسي العالمي
- أبرز ما قاله أحمد السقا عن طليقته وصديقه الفنان الراحل سليما ...
- مسؤول يمني: اليونسكو أوفد بعثة للتحقيق في الانتهاكات التي تع ...
- تركي آل الشيخ يشارك -أجواءًا طربية- من حفل أنغام في رأس السن ...
- من الاحتفال إلى -فيلم رعب-.. تفاصيل حريق مروع في سويسرا
- ترامب ينتقد منح باريس الممثل الأمريكي جورج كلوني الجنسية الف ...
- سيدرا التركية.. مدينة سكنت بها معاصر الزيتون في كل بيت
- المخرج والمنتج كمال الجعفري: فيلمي -مع حسن في غزة- يستخدم ال ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ناهض الرفاتى - الجدة -هادية-