ليث الجادر
الحوار المتمدن-العدد: 8502 - 2025 / 10 / 21 - 14:01
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في الثامن عشر من أكتوبر نشر الكاتب الإسرائيلي بن درور يميني في صحيفة يديعوت أحرونوت مقالًا بعنوان "هكذا حوّل ترامب إسرائيل إلى جمهورية موز". المقال أثار اهتمامي ليس فقط من زاوية محتواه، بل من زاوية تقاطعه التحليلي العميق مع ما كتبته قبل ذلك بأيام قليلة، في الرابع عشر من أكتوبر، تحت عنوان "العلاقة الأمريكية – الإسرائيلية: اختلاف تكتيك أم خلاف استراتيجي؟".
ورغم أن النصين يكتبان من موقعين مختلفين تمامًا في الجغرافيا والرؤية — أحدهما من داخل المؤسسة الفكرية الإسرائيلية، والآخر من منظور عربي نقدي للنظام الدولي — فإنّ تماهي المنطق التحليلي في كلا المقالين يكشف عن تحوّل فعلي في البنية السياسية للعلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، لم يعد بالإمكان تفسيره بعبارات المجاملة الدبلوماسية أو "التباين في وجهات النظر".
يميني يرى، من الداخل الإسرائيلي، أن ما جرى خلال الأسابيع الأخيرة — خصوصًا فرض وقف إطلاق النار على حكومة نتنياهو — هو تعبير عن فقدان إسرائيل لسيادتها القرارِية وتحولها إلى ما يشبه “جمهورية موز” خاضعة لإملاءات البيت الأبيض. أما في قراءتي السابقة، فقد أكدت أن هذا المشهد لا يمكن فهمه إلا ضمن انزياح استراتيجي في وظيفة التحالف ذاته: فواشنطن لم تعد تتعامل مع إسرائيل باعتبارها ذراعًا منفذة لمصالحها الإقليمية، بل كطرف يجب ضبطه ومنعه من تجاوز الإطار الأمريكي الأشمل في إدارة التوازنات مع الإسلام السياسي وإيران وتركيا وقطر.
المفارقة اللافتة أن الكاتب الإسرائيلي — من داخل الخطاب الصهيوني ذاته — يصل بالتحليل إلى نتيجة قريبة جدًا من المنظور العربي النقدي: إسرائيل فقدت استقلال قرارها. لكنه يقرأ ذلك كـ"خضوع مذلّ" فرضته واشنطن، بينما أراه تحولًا في هندسة النظام الدولي جعل حتى الحلفاء التقليديين خاضعين لمنطق إعادة توزيع القوة داخل المركز الغربي نفسه.
تاريخ المقالين يكشف أيضًا أن هذا التحول لم يعد قراءة استشرافية أو اجتهادًا فكريًا، بل أصبح حقيقة موضوعية يقرّ بها كل طرف من موقعه؛ فبين الرابع عشر والثامن عشر من أكتوبر فقط، تحولت المؤشرات إلى وقائع ملموسة: وقف النار فُرض أميركيًا، ونتنياهو قَبِل به مكرهًا، وتحوّلت إسرائيل من فاعل مستقل إلى طرف منضبط ضمن الإيقاع الأميركي.
إن تقاطع القراءتين — رغم اختلاف اللغة والموقع السياسي — يشير إلى أن المشهد الجديد في المنطقة لا يُقرأ من داخل تل أبيب وحدها ولا من واشنطن وحدها، بل من خلال شبكة أوسع تتشكل فيها التحالفات تبعًا لوظائفها لا لهويتها. وربما تكون هذه المرة الأولى التي يلتقي فيها التحليل العربي النقدي والإسرائيلي الداخلي عند نقطة مشتركة: أن واشنطن لم تعد تترك حرية القرار حتى لأقرب حلفائها، وأن مفهوم “التحالف” ذاته يعاد تعريفه على أساس المصلحة الأميركية الخالصة لا على أساس الثقة التاريخية.
#ليث_الجادر (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟