أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - حدود اللغة في فضاء العدم














المزيد.....

حدود اللغة في فضاء العدم


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8485 - 2025 / 10 / 4 - 03:46
المحور: قضايا ثقافية
    


________________________________________

اللغة ليست مجرد أداة نُمسك بها العالم كما نمسك بأداة عمل، بل هي الكيان الذي به نفكّر، وبه نتذكّر، وبه نؤسس مع الآخرين معنى مشترَكًا. إنها بيتنا، كما قال مارتن هايدغر، "بيت الوجود". غير أنّ هذا البيت قد يفرغ من سكّانه، وقد ينهار سقفه حين لا يجد ساكنًا آخر يتلقّى الصدى. عندها، تتحوّل اللغة إلى يتيمة، لا قُدرة لها على الغناء، كعصفورٍ يبحث عن فضاء، فلا يجد إلا الفراغ.
البُعد الفلسفي
يرى فيتغنشتاين أن "حدود لغتي تعني حدود عالمي". فإذا كان العالم المحيط بي خرابًا أو صمتًا مطبقًا، فإن لغتي تفقد مجالها الحيوي، وتتقوقع في صمتٍ يُذكّرني بحدودي كبشر. أمّا جاك دريدا فقد ذهب إلى أن اللغة ليست وعاءً ثابتًا للمعنى، بل هي سلسلة من الاختلافات والتأجيلات، أي أنها لا تصل أبدًا إلى مركز ثابت. في فضاء اليباب، تنكشف هذه الحقيقة بجلاء: لا شيء يثبت، ولا معنى يستقر، بل كل ما هناك هو انزلاق الكلمات نحو العدم.
البُعد الأدبي
في الأدب الحديث، عبّر صموئيل بيكيت عن مأساة اللغة في أعماله مثل في انتظار غودو: حيث الكلام يكرّر ذاته حتى يفقد معناه، لأنّ العالم المحيط به لا يمنحه سندًا واقعيًا. هنا، اللغة تُشبه غناءً بلا جمهور، أو خطابًا في قاعة فارغة.
كذلك نجد عند كافكا أن اللغة تتحوّل إلى مرايا للاغتراب: شخصياته تكتب رسائل لا تُرسل، أو تنتظر جوابًا لا يصل، أو تحاول التحدث في بيروقراطيات صمّاء لا تفهم إلا صدى ذاتها. إنها "لغة يتيمة" بكل معنى الكلمة.
وفي الشعر العربي، عبّر أبو الطيب المتنبي عن هذا العجز حين قال:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ / فلا تقنعْ بمـا دونَ النجومِ،
فهو يرى أنّ اللغة العظيمة لا تقبل أن تُختزل في trivial أو يُتاجر بها، بل تسعى إلى فضاء أبعد. لكن ماذا إن لم تجد هذا الفضاء؟ ستظل معلّقة بين السماء والأرض، كما هي حال الشاعر المعاصر الذي يُلقي قصيدته في "بحور اليباب".
البُعد الصوفي
أما في التجربة الصوفية، فاللغة لا تنطفئ حتى في الفراغ، بل تتحوّل إلى ذكر. يقول ابن عربي: "الكلمة روح، فإذا تجلّت في السمع صارت معنى، وإذا تجلّت في القلب صارت نورًا". هنا، لا تعود اللغة بحاجة إلى جمهور خارجي، بل تتحوّل إلى حوار بين العبد وربه، إلى صدى الغيب في قلب الذاكر. وفي هذا البُعد، يصبح الصمت نفسه لغة، بل ربما أبلغ من الكلام، كما قال جلال الدين الرومي: «حين تعجز الكلمات، يبدأ الشعر».
البُعد الوجودي الإنساني
كل إنسان في حياته يختبر هذه الحقيقة. الأم التي تبحث عن كلمة تُسعفها لتهدئة طفلها المريض، ولا تجد سوى دموعها، تعرف معنى "اللغة اليتيمة". الحبيب الذي يقف عند قبرٍ ولا يجد عبارة تفي بالفقد، يختبر حدود اللغة. الطبيب، العالم، المعلّم، جميعهم يعرفون أن الكلمات، مهما عظمت، تصطدم بلحظات عجز.
اللغة كدعوة للآخر
ورغم ذلك، فإن هذه المأساة لا تقتل اللغة، بل تكشف حقيقتها: أنها لا تعيش في عزلة، وأنها تحتاج دومًا إلى الآخر. يقول إيمانويل ليفيناس إن جوهر العلاقة الإنسانية يبدأ بالوجه الآخر، بالحوار، بالمساءلة. واللغة هي الوسيط لهذا اللقاء. فإذا انقطع الآخر، انقطعت اللغة عن أصلها، وعادت إلى يتْمها الأول.

إذن، "اللغة اليتيمة في بحور اليباب" ليست صورة شعرية فقط، بل هي وصفٌ وجودي عميق: اللغة لا تُزهر إلا في أرضٍ تُصغي إليها، ولا تغني إلا حين تجد من يرقص معها. لكنها أيضًا تحمل طاقة تجاوز: ففي الفلسفة تكشف حدودنا، في الأدب تعبّر عن عزلة إنساننا، في التصوف تتحوّل إلى ذكر وصلاة، وفي الحياة اليومية تُذكّرنا أن المعنى لا يولد من الكلام وحده، بل من اللقاء، من الإصغاء، من المشاركة.
إننا جميعًا، مهما اختلفت ثقافاتنا ومشاربنا، نفهم هذه الحقيقة: أن الكلمات إذا لم تجد صدى، انطفأت، وأن الصمت حينئذٍ قد يغدو أبلغ من الكلام. ومع ذلك، فإننا نُصرّ على المحاولة، لأن اللغة في جوهرها وعدٌ أبدي، وعدٌ بأننا لسنا وحدنا في هذا الوجود.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الطابق الممنوع-
- -الساعة التي تبتلع الوقت-
- رحلة فب عوالم الأدب الافريقي .من الأدب المكتوب بالإنجليزية إ ...
- رحلة في عوالم الأدب الأفريقي: من التراث الشفهي إلى الأدب الم ...
- -غرفة رقم صفر-
- التفاعل مع التفاصيل بين الواقعية والرمزية الجمالية
- رحلة في عوالم الأدب الأفريقي: من التراث الشفهي إلى الأدب الم ...
- أدب المرأة الأفريقية: من الهامش إلى المركز وتأثيره في الأدب ...
- الظلّ الأخير
- -حين يتنفس الغياب-
- -الأدب الأفريقي: من إرث الهوية إلى آفاق العالمية-
- -رحلة في عوالم الأدب الأفريقي: من التراث الشفهي إلى الأدب ال ...
- رحلة النشيد والارتعاش
- -قبور تمشي بيننا-
- -أشرعة الروح في ليل المنفى-
- درسٌ في الحساب: بين الأعداد واللّا-نهاية
- سنرو الأدعياء: هجاء قصير في زمن الأدب الزائف
- مفهوم السعادة والشقاء
- مِنْ حِكَمِ الأَجْدَادِ إِلَى الفِكْرِ الفَلْسَفِيِّ الحَدِي ...
- الملل المدرسي بين العوامل النفسية والبيداغوجية: قراءة في الأ ...


المزيد.....




- ثماني حلويات أمريكية شهيرة تستحق التجربة
- وزير خارجية لبنان لنظيره الإيراني: هل تقبل بلدكم تنظيما مسلح ...
- مصدر يوضح لـCNN سبب عدم تعليق المسؤولين الإسرائيليين علنا عل ...
- -الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى النفط الفنزويلي- – واشنطن ب ...
- روسيا تضرب أوكرانيا بصواريخ فرط صوتية.. ودعوة لمغادرة كييف - ...
- غارة جوية روسية على عدة مبان سكنية في كييف تسفر عن مقتل 4 وإ ...
- سقوط 13 قتيلا في قطاع غزة بينهم 5 أطفال جراء ضربات إسرائيلية ...
- فنزويلا تفرج عن -عدد كبير- من السجناء بينهم أجانب
- الجيش الروسي يطلق 36 صاروخا و242 طائرة مسيّرة على أوكرانيا
- باريس سان جيرمان يتوج بكأس السوبر الفرنسية بعد فوزه على مرسي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد بسام العمري - حدود اللغة في فضاء العدم