أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -حين يتنفس الغياب-














المزيد.....

-حين يتنفس الغياب-


محمد بسام العمري

الحوار المتمدن-العدد: 8480 - 2025 / 9 / 29 - 09:52
المحور: الادب والفن
    


كان المساء يغمر المدينة بحزن خافت، مثل لحن قديم تنساب نغماته في زاوية مظلمة من القلب. وقف "ياسر" على شرفة غرفته، يحدق في الأفق الغائم، حيث تلاشى ضوء الشمس في أعماق السماء. في يده كوب شاي بالكاد ارتشف منه، بينما كانت أنامله ترتجف برقة، كما لو كانت تحمل بقايا ذكرى لا تود التخلي عنها.
كلما أغمض "ياسر" عينيه، كان يجد نفسه في عالم من العطر. ليس عطرًا يُشترى من الأسواق أو يهدى في المناسبات. إنه عبق متجذر في النفس، يربط بين الماضي والحاضر، كما تربط الجذور الشجرة بالأرض.
كانت تلك الرائحة أشبه بنشيد صامت، ينبعث كلما غاص في ذكرياته. ليست مجرد عطر ليلى، بل روحها التي تركتها خلفها. كان العبق مثل حارس وفاء، يرفض أن يغادر، وكأن الزمن أراد أن يحفظ له تلك اللحظات، ليظل مرتبطًا بها مهما ابتعدت المسافات.
"ياسر" كان يتساءل:
• "كيف يمكن لشيء غير مرئي أن يكون حاضرًا بهذا العمق؟ هل يمكن أن يكون هذا العطر هو الحب نفسه، متجسدًا في أبسط صوره؟"
هنا أدرك أن بعض الذكريات لا تُحكى، بل تُشم. فالعبق كان يتحدث عنهما، يروي قصة حب نقية، لا تنطفئ برحيل الجسد.
جلسا في ذلك المقهى الصغير على أطراف المدينة، المكان الذي صار فيما بعد معبدًا لذكرياتهما. كانت "ليلى" مختلفة. لم تكن تهتم بصخب العالم الخارجي، بل كانت ترى الحياة في تفاصيل صغيرة: نسيم يمر، أغنية عابرة، أو فنجان قهوة يتصاعد منه بخار دافئ.
قالت يومها:
• "ياسر، هل تعلم أنني أؤمن أن الروح تشبه العطر؟ لا يمكن رؤيتها، لكنك تشعر بها في كل مكان."
"ياسر" حدق في عينيها طويلاً، محاولًا فك شيفرة كلماتها. كان يشعر أن ليلى لا تعيش في هذا العالم، بل تنتمي لعالم آخر، عالم أثيري، تملؤه الزهور البرية واللحظات التي لا تُنسى.
حينها سألها بخجل:
• "وأنا؟ هل تركت عبقًا في حياتك؟"
ابتسمت وأجابت:
• "أنت عبقي، ياسر. لن أنسى ذلك أبدًا."
في تلك اللحظة، أدرك أن الحب ليس فقط كلمات تقال أو لحظات تُعاش، بل هو ما يتركه أحدهم في روح الآخر. عبق لا يزول، حتى لو اختفت الأجساد.
بعد رحيل "ليلى"، تحول كل شيء في حياة "ياسر" إلى فراغ مترامي الأطراف. لكنه لم يكن فراغًا خاليًا. كان فراغًا مكتظًا. مكتظًا بالغياب، بالذكريات، وبعبق ليلى الذي صار كالظل، لا يفارقه.
لم يكن غيابها مجرد فقد لشخص، بل كان فقدًا لعالم بأسره. كان الفراغ الذي تركته أشبه بمساحة بيضاء واسعة، خالية من الألوان، لكنها مشبعة برائحة لا تزول. كان يتساءل:
• "كيف يمكن لفراغٍ أن يكون مليئًا إلى هذا الحد؟ هل يمكن أن يكون الغياب حضورًا من نوع آخر؟"
كان يمشي في الغرفة، يلمس أشياءها، يحدق في الأماكن التي اعتادت أن تجلس فيها. كل زاوية كانت تتحدث، تحمل صوتها، ضحكتها، وحتى صمتها. لكنه كان يشعر أن هذا الفراغ ليس عدوًا، بل شريكًا في الحزن، يذكره بأنها لم ترحل حقًا.
حين كان يطفئ النور في الليل، كان العبق يظهر بوضوح أكبر. كأن الظلام يحرر ما تبقى من روحها لتملأ المكان. وهنا أدرك "ياسر" أن الحب، حين يكون عميقًا، يترك أثرًا لا يُمحى. يترك عبقًا يسكن الحاضر، حتى لو كان هذا الحاضر فارغًا.
كان "ياسر" يتأمل:
• "هل الحب هو ما نعيشه مع من نحب، أم هو ما يبقى بعد رحيلهم؟"
وصل إلى يقين داخلي بأن الحب لا يقاس بمدة البقاء، بل بمدى تأثيره. أن العبق الذي يملأ روحه ليس مجرد ذكرى، بل هو الخيط الرفيع الذي يربطه بأعمق حقيقة في الحياة: أن الحب، في جوهره، أبدي. يترك أثرًا لا يُمحى، يعيش في التفاصيل، في الصمت، وفي الهواء الذي نتنفسه.
هكذا، لم يعد العبق مجرد رائحة. صار رسالة. رسالة من ليلى تخبره أن الحب الحقيقي لا يرحل، بل يبقى، يتجلى في لحظات الوحدة، ويمنحها معنى.



#محمد_بسام_العمري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- -الأدب الأفريقي: من إرث الهوية إلى آفاق العالمية-
- -رحلة في عوالم الأدب الأفريقي: من التراث الشفهي إلى الأدب ال ...
- رحلة النشيد والارتعاش
- -قبور تمشي بيننا-
- -أشرعة الروح في ليل المنفى-
- درسٌ في الحساب: بين الأعداد واللّا-نهاية
- سنرو الأدعياء: هجاء قصير في زمن الأدب الزائف
- مفهوم السعادة والشقاء
- مِنْ حِكَمِ الأَجْدَادِ إِلَى الفِكْرِ الفَلْسَفِيِّ الحَدِي ...
- الملل المدرسي بين العوامل النفسية والبيداغوجية: قراءة في الأ ...
- حين يتجلى الجمال في مرآة الأخلاق: بين نيتشه والفكر المعاصر
- السلبيات والحلول الممكنة لمشكلة الملل والتسرب المدرسي
- -المرأة العصبية: بين الحقائق العلمية والافتراضات الاجتماعية-
- من سباحة الأجرام إلى تعاقب الليل والنهار: حوار العقل والقلب ...
- الملل والتسرب المدرسي: قراءة في الأسباب النفسية والاجتماعية ...
- الذئب الذي يقطف الإوزة
- الملل المدرسي بين العوامل المؤثرة والاستراتيجيات العلاجية: م ...
- بين الفهم والوهم
- فنون التعليم الحديثة: بين تعزيز المشاركة وبناء العاطفة وتنمي ...
- أشياء لا يفعلها الرجل إلا للمرأة التي يحبها حقًا


المزيد.....




- تركي آل الشيخ يعرب عن سعادته بأول مسرحية قطرية بموسم الرياض ...
- تغريم ديزني لانتهاك خصوصية الأطفال على يوتيوب يثير تفاعلا وا ...
- زفّة على الأحصنة وسط الثلوج.. عرس تقليدي يحيي الموروث الفلكل ...
- حارب الاستعمار ثم تفرغ للبحث.. وفاة المؤرخ الجزائري محمد حرب ...
- إبراهيم عدنان ياسين: قصص قصيرة جدا - 2
- سعاد الصباح لـ-الجزيرة نت-: أنا صوت مَن لا صوت لهم والخسارة ...
- 5 أفلام رسوم متحركة ملهمة لا تفوتك مشاهدتها مع أبنائك المراه ...
- وثائقي -مع حسن في غزة-.. صور من 2001 تفسر مأساة 2026 دون كلم ...
- الساحة الفنية 2026: منافسة خليجية حادة والقارة العجوز لم تقل ...
- ماذا خسرت فلسطين برحيل سادن تراثها حمزة عقرباوي؟


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد بسام العمري - -حين يتنفس الغياب-