أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد سالم - رؤية المستعرب بدرو مارتينث مونتابث العالم العربي من خلال مصر البلورة السحرية















المزيد.....


رؤية المستعرب بدرو مارتينث مونتابث العالم العربي من خلال مصر البلورة السحرية


خالد سالم
أستاذ جامعي

(Khaled Salem)


الحوار المتمدن-العدد: 7535 - 2023 / 2 / 27 - 12:10
المحور: الادب والفن
    


"لكنها تدور يا ملوك الطوائف..."


د. خالد سالم
شهدت السنوات الأخيرة رحيل عظام في عالم الإنسانيات، كان آخرهم المستعرب الإسباني العظيم ورئيس جامعة مدريد أوتونوما بدرو مارتينيث مونتابيث الذي ترجل إلى السماء في عيد الحب، بعد عقود طويلة من العطاء العلمي والإنساني. سيظل اسمه علامة فارقة في تاريخ الإستعراب الإسباني، مثلما كان آسين بلاثيوس مكتشف تأثير الإسلام في الكوميديا الإلهية لدانتي، لكونه مؤسس الإستعراب الإسباني المعاصر، بعد أن كان هذا الفرع المعرفي في إسبانيا مقصورًا على الحقبة الأندلسية.
حري أن نشير إلى أن الاستشراق يرتبط عمومًا في المِخْيال العربي والإسلامي بالاستخبارات والتآمر الغربي، لما لهذا الاختصاص المعرفي من صلة وثيقة بهما خلال فترات تطوره. فعندما نسمع كلمة استشراق أو استعراب تنتابنا ريبة لا إرادية من هذه الرافدة البحثية والمعرفية لارتباط بعضها بدوائر المخابرات الغربية، إذ كان ولا يزال بعضها يمهد الطريق أمام نشر النفوذ الغربي وامتداده واستمراره في الشرق كله. والاستعراب الإسباني تحوم حوله شبهات أقل في هذا الصدد.
وإذا كانت الأندلس ظاهرة فريدة في تاريخ البشرية فإن الاستعراب الإسباني يمثل ظاهرة فريدة أخرى بين حركات الاستشراق الغربية، إذ لم يخرج من رحم الاستعمار وتعبيد دروبه للسيطرة على العالمين العربي والإسلامي. وباستثناء حالتين معروفتين، من القرن التاسع عشر، فإن المستعربين الإسبان تاريخيًا انكبوا على البحث والتنقيب في التراث المشترك بيننا، الأندلس، زمردة تاج الحضارة الإنسانية.
إنها مسألة مصالح دول وإن خالفت الأعراف الأكاديمية، ومن السذاجة أن نفكر أننا نتعامل مع مقرأة قرآن أو حسينية أو زاوية مغاربية، لكن المشكلة تكمن في أن يرتدي المستشرق أو المستعرب رداءً جامعيًا ثم يضطلع بدور استخباراتي، فلكل دوره، للأستاذ الجامعي خط وللمخبر مسار آخر، كلاهما متوازيان بحثًا عن المعرفة، لكنها لا يلتقيان، وهناك حالات مخالفة في المشرق والمغرب، وبعض من جمع بين الخطين له مملكته الآن رغم وصوله تقدمه في العمر. الحالات عديدة وبعضها معروف على ضفتي البحر المتوسط. إلا أن الذين آثروا المعرفة، دون الولوج في عالم البالوعات، كثيرون ومعروفون.
يطلق على الاستشراق في إسبانيا مسمى الاستعراب، نظرًا لانكفائه في بحوثه ودراساته على المنتج العربي دون الإسلامي، على الأقل حتى الولوج في القرن الحادي والعشرين إذ امتد ليشمل بعض بقاع العالم الإسلامي مع انفراج اهتمام الدوائر الرسمية بإلغاء المعهد الإسباني العربي للثقافة وتحويله إلى معهد التعاون مع العالم العربي ثم دمجه في الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي في نهاية القرن العشرين، بعد أن ظل يضطلع بدور ثقافي كبير منذ تأسيسه في خمسينات القرن.
وحول هذه المعضلة، أي اقتران الاستشراق في بعض الفترات بالإمبريالية أو اتهامه بالتحالف مع الحركات الاستعمارية الغربية، وما إذا كان ينسحب هذا الحكم على الاستعراب الإسباني، ينفي المستعرب والمترجم فدريكو أربوس هذه الصفة عن الاستعراب الإسباني المعاصر بقوله: " على الأقل منذ الثلث الأول من القرن العشرين، فمنذ نشأة الدراسات العربية والاستشراقية في إسبانيا في القرن الثامن عشر، كانت لها علاقة إلى حد ما بسياسة الملك كارلوس الثالث تجاه شمال إفريقيا وتجاه المستعمرات الإسبانية القديمة في المحيط الهادئ. كذلك في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين خلال الحماية الإسبانية في المغرب، لأن أغلبية اهتمامات الاستعراب الإسباني آنذاك كانت تنحصر في الأندلس أو في المغرب. لكن في الواقع اتبعت هذه الدراسات مسارًا تاريخيًا لا يمكن الجزم بأنه كان متأثرًا بالسياسة الملكية منذ قيام الجمهورية الإسبانية في ثلاثينات القرن العشرين وبعدها منذ الأربعينات نجد أن الاستعراب الإسباني يعتمد أساسًا على البحث والدراسة ويبعد كل البعد عن الحركة الاستعمارية.
بيد أن الاستعراب الإسباني ظل حبيس الحقبة الأندلسية، الحقبة الأكثر ثراءً واثارة للجدل بين ضفتي البحر المتوسط، ثم بدأ استجلاؤها في عشرينات القرن العشرين عندما وصل إلى القاهرة المستعرب الشاب سنتئذ إميليو غارثيا غوميث ليدرس العربية فتعرف إلى بعض رموز الثقافة المصرية حينئذ، من بينهم الدكتور طه حسين وأحمد زكي باشا الذي فتح له خزائن مكتبته وساعده في ترجمة قصائد كتاب "قصائد عربية أندلسية" الذي كان له تأثيره على جيل كامل من شعراء إسبانيا، جيل 27، وكان بين أعضائه فدريكو غارثيا لوركا ورفائيل ألبرتي وبيثنتي أليكساندري، حائز نوبل الآداب عام 1977. ثم ألحق كتابه هذا بترجمات من الأدب العربي المعاصر، كان أبرزها كتابي "يوميات نائب في الأرياف" لتوفيق الحكيم و"الأيام" لطه حسين، فكانا فاتحة طريق ترجمة الأدب العربي المعاصر.
فتحت ترجمات غارثيا غوميث هذه أعين طلابه على وجود أدب معاصر في العالم العربي ولا يقتصر على الحقبة الأندلسية، فسار بعضهم على خطاه بالدراسة في القاهرة وزيارة عواصم عربية أخرى، وبرز بينهم المستعرب الأبرز بدرو مارتينيث مونتابيث وواضع القواميس فدريكو كورينتي.
وإذا أطللنا على ساحة الاستعراب في إسبانيا اليوم فإننا نجد أن العلامة بدرو مارتينيث مونتابيث الذي توفي منذ أيام كان آخر القامات السامقة في عالم الاستعراب الإسباني المعاصر.
وضع بدرو مارتينيث مونتابيث، بذرة هذه المدرسة الحديثة فنمت وكبرت وصار لها أفرع في جامعات ومؤسسات إسبانيا البحثية المتخصصة. ولد سنة 1933 في قرية شوذر Jodar، وهو اسم ذو أصل الفارسي، في محافظة خايين، أو جيان العربية في إقليم الأندلس، جنوبي إسبانيا. إضافة إلى هذا فلا يكاد يكون قد درس في إسبانيا في فروع الإنسانيات طالب عربي إلا وعرّج على مكتبه وشخصه واغترف من معارفه وتوجيهات.
كان مذ عرفته في مطلع الثمانينات، قلقًا على العالم العربي وظل هكذا إلى أن رحل عن عالمنا، فهذه البقعة من الجغرافية العالمية لم يتحسن وضعها بل يزداد تدهورًا بأيدي أبنائه وأيادٍ خارجية تعبث به من الغرب من زمن الإمبراطورية البيزنطية إلى اليوم. ومنذ أن اقتربت منه وجدت فيه حنينًا للفترة التي عاشها في مصر، فترة التجربة الناصرية، نهاية الخمسينات وبداية الستينات، حيث شغل منصب مدير المركز الثقافي الإسباني ودرّس في كلية الألسن، مدرسة الألسن العليا سنتئذ، ومن يومها آمن بتلك التجربة القومية وأن خلاص العرب في أيديهم، في وحدتهم.
ظل يحمل تلك القاهرة بزخمها القومي العربي في داخله إلى أن رحل، ومؤمنًا بفكرة الوحدة العربية وأن الغرب يستخف بالعرب بسبب حكامها وافتقار العالم العربي إلى الحرية والديمقراطية.
خرج من عباءته عشرات المستعربين الإسبان والأمريكيين اللاتينيين ودارسي الثقافة الإسبانية العرب في قسم اللغة العربية في جامعة مدريد أوتونوما، القسم الذي أنشأه في سبعينات القرن العشرين، وظل يحنو عليه برئاسته أكثر من عقدين، وضحى من أجله بمنصب رئيس الجامعة ليعود إليه، إلى طلابه وبحوثه. ومن هذا الوليد العزيز انتقل إلى رئاسة جامعة مدريد أوتونوما، ليصبح أول رئيس جامعة يُنتخب ديمقراطيًا، وهو المنصب الذي آثر عليه العودة إلى دروسه وطلابه إذ استقال منه عام 1982، ثم واصل رئاسة القسم لسنوات طويلة ليصبح أستاذًا متفرغًا.
تعرفت إليه شخصيًا بينما كان رئيسًا لجامعة مدريد حينئذ حيث ذهبت أشكو له من رئيس قسم اللغة الإسبانية في الجامعة نفسها إذ حملني خمس وعشرين مادة للمعادلة. كان قد سبق لي أن عرفته من خلال كتاب للغة الإسبانية وضعه مع كل الدكتور لطفي عبد البديع والمستعرب خواكين بالبيه. وكانوا قد أخبروني أنه عاش في مصر التي يعشقها، إلا أن موقفه من معاهدة كامب ديفيد قطع أواصر العلاقة مع مصر ممثلة في السفارة في مدريد.
لا أزال أتذكر صورة أول لقاء حيث كان ممسكًا برسالة في يده، وطلب مني ألا أناديه بلقبه العلمي، دكتور، مما راعني، حيث جئت من بيئة جامعية تنادي المعيد بالدكتور. أحسن استقبالي لكن الدبلوماسية غلبت على اللقاء إذ كانت أجواء معاهدة كامب ديفيد تخيم على روحه. تحدثنا قليلاً عن كلية الألسن، حيث درّس هو ودرست أنا، ومن منطلق درايته بمستوى مناهجها البدائية في تلك الأثناء نصحني بأن أواصل دراسة مواد المعادلة للارتفاع بمستواي. ثم عملت بنصيحته فلم أنتقل إلى جامعة مدريد كومبلوتنسي التي كانت تسهل الدراسة للأجانب بموجب مرسوم ملكي جديد صدر سنتئذ، وخيرًا فعلت. ثم التقينا في حلقة دكتوراه مشتركة بين قسم فقه الإسبانية وقسم الدراسات العربية والإسلامية، وكانت عن أدب توفيق الحكيم، ركز فيها على التعادلية التي طرحها الحكيم، دون أن ينسى التعريج على وسطية المصريين. كلنا أدلى بدلوه في هذا الصدد انطلاقًا من دور النيل وطبيعة الأرض والزراعة في أرض الكنانة.
ورغم علمه الغزير وثقافته الواسعة، إلى جانب أنه مفوه، كان ينصت إلى الطلاب العرب بغية الاستزادة وفهم العالم العربي، المستغلق في بعض جوانبه، العالم الذي يعشقه.
كان بدرو مارتينث مونتابيث المرجع الأول لحركة الاستعراب المعاصر في إسبانيا، وأبرز المناصرين للعرب وقضاياهم، على كافة المستويات. فقد ظل عقودًا الناطق المتطوع بلسان حالهم، ليخاطب ابناء جلدته بلغتهم، في محاولة لتفهم العرب وثقافتهم. إلا أنه كان وضعًا غير مريح، فكثيرًا ما تسبب له في ازعاج، كان في غنى عنه كأستاذ جامعة. والغريب في الأمر أن بعض العرب عاداه، إما حسدًا أو رغبة في كسب تأييده واستمالته.
كان من أوائل من ألحوا على تسميته بالاستعراب، وليس الاستشراق، نظرًا للتباين بين العلم الذي يدرس الشرق كله والآخر المتخصص في دراسة العالم العربي. وبذلك فتح المجال أمام دراسة وترجمة الثقافة العربية منذ الستينات، وقرأ أعمال نجيب محفوظ وصلاح عبد الصبور وتوفيق الحكيم، وعبد الوهاب البياتي وبدر شاكر السياب، ونزار قباني وسليم بركات، وأدونيس، ومحمود درويش، وعبد الله القرشي، بين آخرين.
عرفه طلاب الدراسات العليا العرب كافة الذين تخرجوا في جامعات إسبانيا، فهو مرجعهم الأول ومذلل مشكلاتهم العلمية والجامعية طوال عقود مضت. وعرفه الإٍسبان خارج الجامعة من خلال مناظراته التلفزيونية حول العرب وقضاياهم ومقالاته الصحافية حول عالمنا. وخلال مسيرته الطويلة في هذا الحقل المعرفي حافظ على مواقفه، فلم يفت في عضده التقلبات ولا الاغراءات، ولم يتحول إلى الضد كما فعل البعض من تلامذته وزملائه، إذ تحول أحدهم إلى مناهض لما هو عربي وإسلامي من خلال مؤسساته يمينية وصهيونية تسانده.
بدأت علاقته بالوطن العربي من خلال دراسة العربية وآدابها في جامعة مدريد المركزية، فأثارت اهتمامه، ليس فقط على المستوى اللغوي بل القضايا الثقافية. ويعترف بأنه كان محظوظًا بأن تعلمها على يد مستعرب كبير آخر، الراحل إميليو غارثيا غوميث، الذي أسره بشخصيته الجذابة التي كانت تفوق الوصف فسحره في الكثير من الجوانب: "ربما كان طابعي كأندلسي المولد له دور في هذا الامر."
كان عالمنا العربي يشغله دائمًا، إذ مارس استعرابًا حيويًا، أي أنه لم يقتصر على الجوانب العلمية، بل امتد ليشمل الجوانب الإنسانية والاجتماعية. ورغم قلقه فإنه كان يرى أننا، أبناء يعرب، لسنا ذوي طبيعة معقدة، يصعب التعامل معها، كما يدّعي البعض في الغرب: " العرب ليسوا أكثر تعقيدًا أو صعوبة من الشعوب الغربية. وكل ما هنالك ببساطة، أنهم مختلفون عنا. وأمام هذا الوضع علينا أن نحاول فهم الآخر، المختلف، ويمكن فهمه انطلاقًا منه، على ما هو عليه، وليس على أساس مفاهيمنا ومعاييرنا. وإذا حاولت تفسير الآخر على أساس مبادئك وأفكارك، فلن تحصد سوى الفشل. أي أنه إذا لم تفهم الآخر من داخله، من أعماقه، كما هو، فلن تفهمه اطلاقًا".
وعن عدوانية الغرب تجاه العرب يؤكد أن: "غربيين كثيرين لا يفرقون بين معنى مسلم ومعنى عربي. وفي إسبانيا على وجه التحديد، يُستخدم لفظ moro (1)، لغويًا يعنى مسلم ولكنه يستخدم للتحقير، للمفهومين، أي لكل ما هو عربي وما هو مسلم. والعدوانية تقف وراؤها أسباب عدة، فتاريخيًا نجد أنها اسباب فريدة تضرب بجذورها في التاريخ، وتقوم على أساس أقوال مطروقة، ولم يتم الرد عليها أو مضاهاتها. إنها أسباب معاصرة وقوية، من بينها أن الغرب لايزال يرى في العالم العربي منطقة يملكها، منطقة احتلال. وبما أن الاحتلال السياسي صعب، يلجأ إلى أساليب اقتصادية للتوصل إلى امتلاكه، أي احتلاله بأساليب غير مباشرة، والعمل على اخضاعه بكافة السبل. إلا أن أحد هذه الأسباب يكمن في العرب أنفسهم، إذ لا يعرفون كيف يقدمون أنفسهم، ولا يعرفون الآخرين. يوجد خطأ كبير في الاتصال، فوسائل الاعلام الغربية، باستثناء حالات معينة، ليست مستعدة بما فيه الكفاية للتعريف بالعرب، ووسائل الاعلام العربية ليست مجهزة لمعرفة الغرب، والتعريف بالعرب أنفسهم".
كثيرًا ما يرتبط الاستشراق أو الاستعراب في أذهاننا بالاستعمار، إذ نشأ في كنفه، إلا أن الاستعراب الإسباني مختلف، ويبرر مارتينيث مونتابيث ذلك "بأن الاستعراب الإسباني كان قائمًا ومحصورًا في الدراسات الأندلسية، فكل ما كتب في الماضي كان حول الحضارة الأندلسية التي نعدها حضارتنا، وهذا لا يعنى أنها ليست عربية، فهي جزء من التاريخ العربي الإسلامي، يتقاسمه الإٍسبان مع العرب، وبقدر ما تنتمي إليكم تنتمي إلينا نحن الإٍسبان.
وعلى ضوء ذلك، سلك الاستعراب الإسباني طريقًا مختلفةً، فلم يكن كحركات الاستعراب الغربية، ملتزمًا بالقضايا السياسية، كان مسيسًا بدرجة أقل من الحركات الأخرى. أي أنه كان أقل ارتباطًا وخدمة للأطروحات والمصالح الاستعمارية، على عكس ما حدث في دول أخرى. ويرى أن هذا الاتهام لا ينطبق على الاستعراب الإسباني، ولكن هذا لا يمنع أن جزءًا منه مخترق من قبل بعض المؤسسات السياسية، وقد يكون هؤلاء المستعربون على وعي أو دونه بأنهم يقومون بنشاطات تخدم هذه المؤسسات الحكومية، ولا داعي لذكر اسماء أو حالات. عندما تتدخل السياسة بشكل مشين فإنها تقلص حرية هذا المفكر.
حري أن نذكر أن الاستعراب الإسباني رغم تخصصه في غالبيته في الدراسات الأندلسية، فإنه لم يحظ بالدرجة نفسها من العالمية التي نالتها حركات استعراب أوروبية أخرى، إذ نجد، على سبيل المثال، أن مستشرقًا مثل لوي ماسينيون أوجاك بيرك وغيرهما قد نالوا شهرة عالمية، الأمر الذي يفتقر اليه الاستعراب الإسباني. وهو أمر مؤسف رغم نزاهة الاستعراب الإسباني في مجمله. هناك عدة أسباب، أولها ذو طابع عام، خاص بالثقافة الإسبانية المعاصرة، إذ لم تنتشر دوليًا وعالميًا، نظرًا لأن إسبانيا ظلت ردحًا من الزمان معزولة، إلى حد كبير، عن الثقافة العالمية. إضافةً إلى أن اللغة الإسبانية، رغم أنها إحدى اللغات الأكثر أهمية في العالم من حيث عدد المتحدثين بها والدول التي تستخدمها، مما يجعلها لغة عالمية، فإنها ليست معروفة بدرجة كبيرة دوليًا، وبشكل خاص في العالم العربي، فوصولها إليه جاء في مرحلة متأخرة. وحتى تلك اللحظة لم تكن منتشرة، ومعها الثقافة الإسبانية، بالشكل المطلوب. ويستثنى من هذا المغرب الذي يمثل حالة خاصة. أضف إلى ذلك أن العالم العربي لا يزال يتبع، وبشكل مخيف، لغتين وثقافتين بعينهما، الإنجليزية والفرنسية، لسبب تاريخي، الاستعمار الفرنسي والإنجليزي لغالبية العالم العربي.
هذا في الوقت الذي لم تدرك إسبانيا بعد أن الوسيلة الرئيسة، على المستوى الدولي، هي اللغة، وهي ضرورية في اتصالها بالعالم الخارجي، كما أن الإسبانية لم تكن لغة استعمار في العالم العربي. إسبانيا لم تحسن بعد استغلال ثقافتها ولغتها مثلما فعلت فرنسا، وهنا يجب الاعتراف بأن الفرنسيين أساتذة في هذا المجال في نشر ثقافتهم ولغتهم.
أفكاره عن عالم الاستعراب الإسباني التقليدي والمعاصر واضحة، ورؤيته ثاقبه في هذا الصدد. وهو من المثقفين الإٍسبان الذين يرون أن الأندلس تنتمي إلى الثقافتين، العربية الإسلامية والغربية. أما عن حضور الأندلس في الثقافة الإسبانية المعاصرة فكان له رأي واضح إذ يقول:" أعتقد أن الأندلس كانت دائمة الحضور في الثقافة المعاصرة بشكل مختلف ومتنوع، حسب كل كاتب وحسب رؤى ما هو إسباني في كل كاتب، فإذا قرأت كاتبًا إسبانيًا شغوفًا بمعالجة قضية تغريب إسبانيا، أو البحث عن طابعها الغربي، ستجد أنه لا يعالج موضوع الأندلس، إذ أنه يبحث عن وهم الهوية الغربية لهذا البلد. أما إذا أخذت أعمال كاتب ذي نظرة عالمية، أكثر شمولًا واتساعًا وتعددية لما هي إسبانيا وثقافتها، فستجد أن الأندلس حاضرة دائمًا. المثال الواضح على الملاحظة الأخيرة يكمن في حالة الكاتب خوان غويتيصولو، وهناك كتاب آخرون، يمثلون الأدب الإسباني المعاصر ويعالجون هذا الأمر في كتاباتهم، منهم فرناندو سانشيث دراغو. الفارق إذن يكمن في الاختلاف في وجهات النظر والافكار بين كاتب وآخر. في الوقت الراهن يرون ما هو عربي من خلال ما هو أندلسي.
وفي الأدب العربي "نجد أن الأندلس كانت ولا تزال موضع ألم، درسًا، وتجربة أليمة، ابتداء من أحمد شوقي إلى نزار قباني، وأدونيس. الأندلس تصاحبكم، أنتم العرب، بشكل دائم، من الناحية التاريخية والمعاصرة. إنها مصدر قلق على المصير العربي، فوضع العرب الحالي يجعل من الأندلس محورًا لتذكر أكثر فترات الحضارة العربية ازدهارًا، وفي الوقت نفسه ذكرى أليمة ومريرة، وهو ما تحمله الأندلس من معنى. إنه وضع يميز الأدب العربي المعاصر عن الأدب الإسباني، إذ أنكم تتعاملون مع هذا العنصر من جانبيه، العظيم والأليم."
وعن استقبال القارئ الإسباني للأدب العربي قال مارتينيث مونتابيث: "كما تعلم حدثت طفرة في ترجمة وانتشار الأدب العربي بعد حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب، فحتى تلك السنة كانت الأعمال الأدبية المترجمة تواجه صعوبات في الانتشار بين الإسبان. إلا أنه قبل نوبل محفوظ كانت قد ترجمت أعمال، وعامة بشكل جيد، لكتاب مثل توفيق الحكيم، وطه حسين، وعبد الوهاب البياتي، ونزار قباني، وأدونيس، ومحمود درويش. وابتداء من فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل تحولت الترجمة إلى ثقافة عامة واجتماعية، اذ بدأت الترجمات تنتشر، ليس لأعمال محفوظ فقط، بل لأعمال كتاب آخرين، فكثر الكم بشكل ملحوظ وهو ما دعاني إلى التفكير في جودة هذه الترجمات، ففي الكثير من الحالات اختيرت النصوص على عجل، ولم تنق، تماشيًا مع لغة السوق. كل هذا في غياب خطة او برنامج لترجمة الكتب العربية، تختص به المؤسسات التي تهتم بالعالم العربي، وهو ما تفتقر اليه الدراسات العربية بشكل عام. هناك كثير من الدخلاء على هذا العمل، اشخاص يكتبون عن الأدب العربي دون أدنى إعداد مهني في هذا المجال، فيكتبون آراء وتعليقات بها تجاسر وغير متسقة مع النص. على أية حال فإنني أرى الوضع مطمئنا، ويدعو إلى التفاؤل اذا تمكنا من تلافي هذه العيوب والاخطاء، خاصة أن الأدب العربي المعاصر ثري، وفي بعض الحالات صعب ومعقد، إذ كُتِب في جو يفتقر إلى حرية التعبير، وهو ما يجب أخذه في الحسبان عند ترجمته ونقده. ورغم هذه الصعوبات فأن هذا الأدب يستحق مزيدًا من الانتشار والعالمية، وهو ما تحاوله إسبانيا."
بعيدًا عن الخطاب السياسي الأجوف عند الحديث عن العلاقات التاريخية والصداقة بين إسبانيا والعالم العربي، كان لبدرو مارتينيث مونتابيث رأي في حقيقة هذه العلاقات: " هذا حبكة سياسية، لها أهداف معينة، وهو الغزو الاقتصادي وادخال رسائل أيديولوجية. إلا أنه من حين لآخر تدرج الثقافة في هذا الإطار السياسي البحت. السياسيون قليلو الاحترام للثقافة، في كل مكان، بما في ذلك إسبانيا والعالم العربي، وعلينا الاعتراف بأن هذا خطأ. يجب التعامل مع الثقافة بما يليق بها من احترام وكرامة، فلا يمكن اعتبارها القريبة الفقيرة أو الخادمة للسياسة، ولا يمكن ترويضها ووضعها في خدمة السياسة بطريقة رخيصة ومزرية".
في عام 1997 أعددت ملفًا ثريًا حوله بقلم أصدقائه من العالم العربي وإسبانيا وأميركا اللاتينية ونشره الراحل جمال الغيطاني في جريدة "أخبار الأدب". وكان من بين من شاركوا في هذا الملحق نزار قباني، صلاح فضل، كارمن رويث برابو، الشاعر خوسيه يرّو، الفيلسوف كارلوس باريس، إلخ. كان نزار قباني ممن استكتبت عن المكرم، وجرت بيننا مراسلات جميلة عبر الفاكس لا أزال أحتفظ ببعضها بعد ربع قرن، وقد عنون مقاله عن بدرو بكلمات ثاقبة "كان عربيًا، لا مستعربًا". وعندما التقينا لأسلمه نسخة من الجريدة التي نشرت صورة كاريكاتورية له ضحك وقال يبدو أن الرسام ظن أنني شامي، فاستلهم ملامح شامية في وجهي، فبادلته المزحة بأخرى قائلًا "ربما لأن أصولك أموية"، فهو من بلدة قريبة من غرناطة.
عاش بدرو خمس سنوات في القاهرة الناصرية وسكنته مصر إلى أن رحل، ظل يعشقها ويجيد لهجتها تمامًا، ومن خلالها ظل يراوده حلم وحدة العرب، ويرى فيها مرآةً للمنطقة، فكانت البلورة السحرية التي رأى منها العالم العربي.

هوامش:
((1 اللفظ الإسباني moro ويعني مسلمًا، ويطلق على كل عربي أو مسلم، وهي اسم النسب إلى سكان موريتانيا قديمًا، وقلما كان يستخدم لفظ عربي في الماضي، وإن كانت هذه الكلمة تستخدم اليوم للتحقير والنيل من العرب. وإذا بحثنا عن دلالة المورو El Moro في الاصطلاح الحديث، ومعناه المعجمي حسب ما ورد في قاموس أكاديمية اللغة الإسبانية وجدنا اللغويين الإسبان يقولون: مورو: كلمة مشتقة من الأصل اللاتيني: موروس maurus ، وهم سكان موريطانيا الأقدمون ، أو سكان شمال إفريقيا ، أو هم السكان العرب الأندلسيون ، بل قد يكونون السكان المنحدرين من الشعوب الصحراوية، المولدين من العرب و البربر و السودان. والمرأة الإسبانية اليوم عندما تريد أن تتهكم أو تتهم زوجها بالغيرة فتنعته بهذه الصفة، وبصفة عامة عندما يستخدم الإسبان هذه الكلمة للدلالة على المهاجر العربي، المغاربي، بينما عندما يكون الحديث عن أغنياء العرب، عرب الخليج، فيستخدمون عامةً لفظ عربي، وهذا يوضح التفرقة التي يلجأ إليها الإنسان عند الحديث عن الفقراء والأغنياء.



#خالد_سالم (هاشتاغ)       Khaled_Salem#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حسن عطية ومسرح وسينما إسبانيا وأميركا اللاتينية
- الناقد الدكتور صلاح فضل ينهل من ينابيع إسبانيا الفكرية
- ولوج الشعر مفيض وسائل التواصل
- بين مدريد العربية ومدريد الإسلامية
- غيفارا يغني للنيل
- الميكروتياترو بين النشأة في بيت التسامح وتسمية المنشأ الإسبا ...
- ذكريات إسبانية في وداع رائد الأدب الشعبي والحكاء الأخير الدك ...
- نكسة يونيو في مرآة الأندلس
- خواطر حول جيل ال 27 الشعري الإسباني: من الطليعة إلى الالتزام
- الإنفصال ونكسة يونيو في مرآة الأندلس
- البربر والمسألة الموريسكية في مرآة اليهود السفرديم
- جائزة ثربانتس في الآداب للأوروغويّة كريستينا بيري روسّي
- جائزة ثربانتس في الآداب للأوروغوانية كارمن بيري روسّي
- خمسة وثمانون عامًا على مقتل غارثيا لوركا دون التوصل إلى رفات ...
- أميركا اللاتينية وانتفاضة الشيخ جرّاح المقدسية
- في ذكرى مولد غارثيا لوركا أسطورة الشعر العالمي في القرن العش ...
- جيل شعراء إسبانيا العظام وأزمة المنفى
- الاحتفال بذكرى سقوط غرناطة في زمن الكورونا
- المعهد المصري في مدريد في ذكرى تأسيسه ودوره في التقارب بين ض ...
- في ذكرى مقتل الشاعر الأسطورة غارثيا لوركا


المزيد.....




- ثبتها أطفالك هطير من الفرحه… تردد قناة سبونج بوب الجديد 2024 ...
- -صافح شبحا-.. فيديو تصرف غريب من بايدن على المسرح يشعل تفاعل ...
- أمية جحا تكتب: يوميات فنانة تشكيلية من غزة نزحت قسرا إلى عنب ...
- خلال أول مهرجان جنسي.. نجوم الأفلام الإباحية اليابانية يثيرو ...
- في عيون النهر
- مواجهة ايران-اسرائيل، مسرحية ام خطر حقيقي على جماهير المنطقة ...
- ”الأفلام الوثائقية في بيتك“ استقبل تردد قناة ناشيونال جيوغرا ...
- غزة.. مقتل الكاتبة والشاعرة آمنة حميد وطفليها بقصف على مخيم ...
- -كلاب نائمة-.. أبرز أفلام -ثلاثية- راسل كرو في 2024
- «بدقة عالية وجودة ممتازة»…تردد قناة ناشيونال جيوغرافيك الجدي ...


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - خالد سالم - رؤية المستعرب بدرو مارتينث مونتابث العالم العربي من خلال مصر البلورة السحرية