أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - البيض الأمارة - نظرة ثقافية














المزيد.....

البيض الأمارة - نظرة ثقافية


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 7377 - 2022 / 9 / 20 - 17:56
المحور: كتابات ساخرة
    


هم يتدثرون في ثيابهم البيضاء النواصع ككائنات فضاء ملائكية تطهرية تتهيب من أن تعلق بها ذرة غبار سوداء متطايرة من طين الأرض السمراء تحت أقدامهم؛ يولون البياض رمزية ترفعه إلى مصاف الملائكية والقداسة، والسواد على الوجه النقيض. الله نور، كما يرددون. وربما هم في هيئة المصابيح البيضاء المنيرة تلك ينشدون التشبه بالنور الإلهي. لكنهم هم أنفسهم أيضاً يلبسون نسائهم السواد المطبق لتتحولن إلى خيم سوداء تمشي على قدمين من دون ملمح بشري ظاهر. فبينما هم يبدون في هيئاتهم البيضاء قبضة من نور السماء غير مرئية لمن هم حولهم يمشون فوق تراب الأرض، تبدو نسائهن في هيئاتهن السوداء القح كنتئ من طين الأرض قد لا يميزه المار فيتعثر به. لماذا اختاروا لأنفسهم الأبيض ولكن الأسود لنسائهم؟! ولماذا عالمهم أبيض وأسود فقط إلى حد استبعاد الألوان الأخرى وكأنها غير موجودة رغم وجودها فعلياً؟!

هذه الفئة من المسلمين المتدينين ليسوا وحدهم من يتدثرون باللباس الأبيض لهم والأسود لنسائهم ولا يمكنهم الادعاء بابتكار أو احتكار هذا التقليد. عبر عصور وثقافات شديدة التباعد والتباين سنجد ثوب العروس كذلك أبيض اللون، منذ الأزل حتي اللحظة؛ وثوب الحداد أسود. لكن اللافت في الحالتين أن هذين اللونين في هاتين المناسبتين تحديداً حكر على نساء الأرض وحدهن من دون الرجال. فلا حرج في أن يرتدي الرجل لون آخر في أي من المناسبتين أو كلاهما. ربما الظاهرة أكثر عمقاً مما قد يبدو للوهلة الأولى وأكبر حتى من معتقد جماعة الإسلاميين النورانية المتطهرة.

ربما يعود الأمر ببساطة إلى الظاهرة الفلكية المتمثلة في دورة الأرض حول نفسها دورة كاملة كل 24 ساعة، ليضيء شطرها المواجه لأشعة الشمس نهاراً أبيضاً ويظلم الآخر المحتجب في ليل أسود حالك. وكان عالم الإنسان القديم في الحالتين شديد الاختلاف والتناقض، حيث اليقظة والنشاط والحيوية بمجرد أن تشرق الشمس وتنور الأرض بأشعتها، في مقابل السكون والانزواء والتقيد بمجرد أن تغرب الشمس ويخيم الظلام. من هنا ارتبط الشروق والضياء في مخيلة الإنسان القديم بالحياة، وارتبط الغروب والظلام بالموت والقبر. فوق ذلك، ربط الإنسان القديم بين الشمس وضيائها الأبيض وبين الأرواح الخيرة المحبة له والمعينة له في معاشه ومماته، ليوشحها ويصفها دائماً بالنور والبياض؛ وفي المقابل، خص الشر دائماً باللون الأسود. وهكذا كانت الأرواح والآلهة الشريرة، وكل ساكني العالم السفلي، حتى الأعداء والكارهين من بني جنسه، متشحين دائماً بالسواد. حين نشاهد الدراما التلفزيونية تصور الحقبة الإسلامية الأولى، سنجد الشاشة منقسمة إلى شطرين. في جهة المسلمون الأوائل كلهم يكتسون باللون الأبيض، حتى النساء منهم، وفي الجهة المقابلة المشركون والكفار كلهم متشحون بالأسود، حتى نسائهم. هي رمزية ظاهرة، لكنها بالغة القدم والانتشار، وربما أكثر قدماً من كافة الأديان والثقافات الحية في عالم اليوم.

ليس كل الإسلاميين المتطرفين يلبسون الأبيض. فبينما كان رمزان بارزان- أسامة بن لادن وأيمن الظواهري- يفعلون، سنلاحظ أن أخرون أكثر تطوراً من أمثال أبو بكر البغدادي يتعمدون اختيار اللون الأسود لأنفسهم لباساً. كانت راية الخلافة العباسية سوداء، وكذلك راية الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش). لكنهم في الحالتين كانوا لا يخفون أن تعمدهم اللون الأسود راية لهم هو بغرض بث الرعب في قلوب أعدائهم. في قول آخر، هم بذلك يؤكدون اعتقادهم في الشر الكامن في اللون الأسود، ولأنهم في حالة حرب ضد أعداء فإنهم يتعمدون اختيار الراية السوداء لإنذار كل من يعترضهم من شرهم. اللون الأسود هو لون الشر، وهم ينشدون من إشهار هذا الشر المستطير إرهاب أعدائهم. وهم لا يجدون عيباً ولا تناقضاً في ذلك، لأن الشر ضد الأعداء جهاد.

قد يقال أن استمرار هيمنة الثوب الأبيض وسط سكان الجزيرة العربية والإسلاميين المتطرفين في مناطق أخرى حول العالم مرده ببساطة إلى غرض نفعي- أن اللون الأبيض يعكس أشعة الشمس في هذه المنطقة الحارة ويلطف من أثرها الحارق على الجسم. لكن ماذا عن نساء الجزيرة العربية، ألا يحق لهن تلطيف حرارة الشمس عن أجسادهن كذلك؟! قد يقال أن هذا الثياب الأسود يساعد في إخفائهن عن أنظار الذئاب البشرية المفترسة أثناء تنقلهن تحت جنح الليل في الظلام، وربما تكون هذه المنفعة، من وجهة نظرهم، أكبر وأعظم من تلطيف أشعة الشمس الحارقة نهاراً عن جلود أجسادهن الرقيقة.



#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدين في العالم القديم 4
- الدين في العالم القديم 3
- الدين في العالم القديم 2
- الدين في العالم القديم
- -حاجة لله- - المفهوم الاجتماعي للنص
- شرعية المحكومين المهدرة
- استعلاء الثقافة العربية على الفرد
- في الحكم في تربية العجول
- ورثة الملك وخبيئة الباشا
- مَكْؤُونات مصطنعة
- الأزمة السورية: خطة تركيا الكبرى
- معضلة فلاديمير بوتين الفكرية.
- معضلة فلاديمير بوتين الفكرية
- كيسنجر مقابل سوروس بشأن روسيا وأوكرانيا
- الغرب منقسم حيال مآل الحرب في أوكرانيا
- بوتين يحكم روسيا كمصحة نفسية
- لعبة الشياطين والملائكة
- يهوه-إله بني إسرائيل
- ثورة ذوات المحركات
- تفجير الثقافة العربية الإسلامية من الداخل


المزيد.....




- رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق يتحدث عن زيلينسكي اليهودي الك ...
- بعد سيادة الخوف.. هل ساد النص الغاضب في الأدب العراقي؟
- بعيد ميلادها.. حبيب الفنانة نادين نسيب نجيم يفجر مفاجأة غير ...
- فعاليات مجانية بمنصة إطلاق مهرجان الإمارات الآداب
- صورة / فنان عربي شهير يودع الحياة
- كيف واجه الممثل والمخرج العالمي ميل غيبسون محاولات القضاء عل ...
- مهرجان برلين.. الجائزة الكبرى من كليرمون فيران لفيلم صومالي ...
- وفاة الفنان المغربي محمد الغاوي عن عمر 67 عاما
- تكريم الفنان السوري دريد لحام في سلطنة عمان (صور)
- انطلاق الدورة الـ 12 لمهرجان السينما الأفريقية بمعبد الأقصر ...


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - البيض الأمارة - نظرة ثقافية