أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - الدين في العالم القديم 4















المزيد.....

الدين في العالم القديم 4


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 7374 - 2022 / 9 / 17 - 02:15
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


الدين اليوناني والروماني

كانت طقوس إحياء ذكرى الموتى كفريضة دينية على المرء جزء لا يتجزأ من معتقدات اليونانيين كذلك. فمواظبة الأحياء على إحياء ذكرى موتاهم تجلب السعادة والسرور لروح الميت في الحياة الآخرة. واعتقد اليونانيون، مثل ثقافات أخرى ذكرناها، في أن ثمة آلهة متعددة تعتني غالباً بمشاغلهم وهمومهم البشرية لكنها تنغمس أيضاً، وبالوتيرة نفسها، في ملذاتها الخاصة.

يلاحظ أن هذه الطبيعة النزوية للآلهة ربما قد أسهمت في تطور الفلسفة في اليونان نظراً لأن الفلسفة لا تتطور سوى في ثقافة يعجز فيها الدين عن إشباع الاحتياجات الروحانية للناس. لذلك كان أفلاطون دائم الانتقاد للمفهوم اليوناني للآلهة وزعم كريتياس أن البشر صنعوهم ببساطة بغرض السيطرة على بشر آخرين. وادعى زينوفانيس، كما أشرنا أعلاه، أن النظرة اليونانية كانت خاطئة بالكامل لأنه من المستحيل على البشر أن يتخيلوا الله.

كان أغلب اليونانيين، لأغراض تتعلق بتنظيم المجتمع وحسن أدائه، مطالبين بتقديس الآلهة وبجوارهم الأشخاص الذين قد قضوا وانتقلوا إلى مملكتهم. فمجرد أن يفارق الشخص الحياة الدنيا لا يعني أن يُنسى ذلك الشخص كليتاً مثلما لا ينسى المرؤ تكريم الآلهة غير المرئية له. وكما الحال مع ثقافات قديمة أخرى، كان الدين في اليونان متوغل بعمق في حياة المرء وروتينه اليومي.

لقد استشار اليونانيون آلهتهم حول أمور شتى تتراوح من شئون الدولة إلى القرارات الشخصية بخصوص الحب أو الزواج أو وظيفة المرء. ثمة قصة قديمة تحكي كيف ذهب الكاتب زينوفون (430 – حوالي 354 قبل الميلاد) إلى سقراط يسأله إن كان الفيلسوف يرى أن عليه الالتحاق بجيش سايروس الأصغر أثناء الحملة على بلاد فارس. لكن سقراط لم يجبه وأرسله بدلاً من ذلك ليطرح سؤاله على الإله في دلفي. وبدلاً من أن يطرح زينوفون سؤاله الأصلي، سأل الإله في دلفي عن أي الآلهة المتعددة الأفضل لخطب وده حتى يضمن مغامرة رابحة وعودة آمنة. وقد حصل على ما يبدو على الإجابة الصحيحة لأنه نجا من حملة سايروس الكارثية ولم يرجع إلى أثينا فحسب بل أنقذ الجزء الأكبر من الجيش.

لقد سار الدين في روما وفق نفس النمط السائد في اليونان. وفي أغلب الظن أن الدين الروماني قد بدأ كنوع من الأرواحية ثم تطور لدى اتصال الرومان بثقافات أخرى. فكان لليونانيين أكبر الأثر على الدين الروماني، وأغلب الآلهة الرومانية هي ببساطة آلهة يونانية بأسماء رومانية وصفات محرفة قليلاً.

كانت عبادة الآلهة في روما متداخلة بقوة مع شؤون الدولة واعتقد الرومان أن استقرار المجتمع مرهون بمدى التزام الناس بتعاليم الآلهة والمشاركة النشطة في طقوس عبادتهم وتقديسهم. ويعد طقس عذارى فستال من الأمثلة الشهيرة لهذا الاعتقاد في الاعتماد على هؤلاء النسوة للوفاء بما أخذنه على أنفسهن من نذور وتأدية واجباتهن بطريقة مسؤولة بغرض التقديس المتواصل للإلهة فستا وشكرها على كل ما تهبه للناس.

رغم استيراد الرومان لآلهتهم الرئيسية من اليونان، سنلاحظ أن الآلهة الأجنبية لم تعد موضع ترحيب في روما بمجرد أن توطد الدين الروماني وارتبط برفاهية الدولة. لذلك حين جُلبت عبادة الإلهة المصرية الشهيرة إيزيس إلى روما، سنلاحظ أن الإمبراطور أغسطس حَرَمَّ بناء أي معابد تكريماً لها أو تأدية مراسم عامة لعبادتها لشعوره بأن إيلاء هذا الاهتمام لإله أجنبي من شأنه أن يقوض سلطة الحكومة والمعتقدات الدينية القائمة. اعتقد الرومانيون أن الآلهة قد خلقت كل شيء كيفما شاءت وحفظت الكون بأفضل صورة ممكنة ومن ثم كان من واجب البشر أن يحمدوهم ويشكروهم على نعمهم.

لم يصدق ذلك على آلهة البانثيون الروماني ’الكبرى‘ فحسب إنما أيضاً على الأرواح التي تسكن البيت. كانت آلهة البيت (بيناتس) عبارة عن أرواح أرضية مهمتها حراسة غرفة المؤونة وحفظ بيت المرء آمناً ومطمئناً. لذلك ينتظر من المرء أن يبدي امتنانه وشكره لمجهوداتهم وأن يذكرهم كلما دخل البيت وخرج منه. كانت تماثيل آلهة البيت تؤخذ من خزانة الطعام وتوضع على المائدة أثناء تناول الوجبات لتكريمها، والأضاحي تترك بجانب الموقد لإمتاعها. فيثاب المرء بالصحة والسعادة الدائمة إذا لم يقصر في شكرها والتسبيح بحمدها، ويلحق به المرض والبؤس إذا أنكر النعمة وجحدها. وكان الاعتراف بأرواح المكان- البيت على وجه التحديد- أمراً شائعاً في أديان الثقافات الأخرى، وإن لم تتضمن بالضبط هذه الأنواع نفسها من الأرواح.

الموضوعات المشتركة في الدين القديم واستمراريتها

تشاركت أديان العالم القديم فيما بينها العديد من الأنماط نفسها حتى على الرغم من عدم اتصال هذه الثقافات أبداً ببعضها البعض. فقد تم التعرف على الأيقونية الروحانية المشتركة بين الأهرامات المايانية والمصرية منذ لفت العالمان جون لويد ستيفنز وفريدريك كاثروود انتباه العالم للمرة الأولى خلال القرن التاسع عشر إلى المايانية، وكانت الأبنية العقائدية الفعلية والقصص وأبرز الشخصيات في الأساطير القديمة متشابهة بشكل لافت من ثقافة إلى أخرى.

سنجد في كل ثقافة الأنماط نفسها أو شديدة الشبه بها، التي وجد فيها الناس ضالتهم وأعطت الحيوية لمعتقداتهم. وتشمل هذه الأنماط وجود آلهة متعددة لها مصلحة شخصية في حياة الناس أنفسهم؛ وكيان خارق للطبيعة يخلق الوجود عبر النطق به أو تسويته بيده أو بأمره كن فيكون؛ وكائنات خارقة للطبيعة أخرى تنبعث من الكيان الأول والأعظم؛ وتفسير خارق للطبيعة لخلق الأرض والكائنات البشرية؛ وعلاقة بين البشر المخلوقين وربهم الخالق تقتضي منهم عبادته والتضحية من أجله.

هناك تكرار للشخصية المعروفة باسم إله الموت والبعث، غالباً هو نفسه كيان قوي، الذي يُقتل أو يموت ثم يعود مجدداً إلى الحياة لخير شعبه: أوزوريس في مصر، كريشنا في الهند، إله الذرة في أمريكا الوسطى، باخوس في روما، أتيس في اليونان، تموز في بلاد ما بين النهرين. وهناك غالباً حياة آخرة مماثلة للحياة الدنيا (مصر واليونان)، أو مناقضة لحياة الأرض (أمريكا الوسطى وبلاد ما بين النهرين)، أو خليط من الاثنين (الصين والهند).

تتكرر الرسالة الروحانية المدوية لهذه الأديان المختلفة في نصوص من فينيقيا (2700 قبل الميلاد) إلى سومر (2100 قبل الميلاد) إلى فلسطين (1440 قبل الميلاد) إلى اليونان (800 قبل الميلاد) إلى روما (حوالي 100 قبل الميلاد) وبقيت أصداؤها حية في معتقدات من جاءوا بعدهم. سنجد هذه الفكرة الجوهرية متمثلة في اليهودية في شخصية يوسف (سفر التكوين 37، 39-45) الذي باعه أخوته للرق في مصر، ثم يُلقى به في السجن عقب اتهامه بالتعدي على زوجة بوتيفار (العزيز)، ثم يُخلى سبيله ويُكرم في وقت لاحق. فرغم عدم موته فعلياً، لكنه بعد ’إعادة البعث‘ الرمزية تلك ينقذ البلاد من المجاعة، ويغيث الناس بنفس الطريقة تماماً مثل شخصيات متجددة البعث أخرى سابقة.

كانت الحكاية الفينيقية عن الإله الأعظم بعل وعودته إلى الحياة للنضال ضد الفوضى التي أحدثها الإله يام قديمة بالفعل في عام 2750 قبل الميلاد تاريخ تأسيس مدينة صور (بحسب هيرودوت) والقصة اليونانية حول إله الموت والبعث أدونيس (حوالي 600 قبل الميلاد) مشتقة من حكايات فينيقية أبكر نُسجت حول الإله تموز واستعارها السومريون (وفيما بعد الفارسيون) في الأسطورة الشهيرة ’نزول إنانا‘ إلى العالم السفلي.

لقد بلغ هذا الموضوع الخاص بالحياة بعد الموت وخروج الحي من الميت و، بالطبع، الحساب بعد الموت، أوج انتشاره بفضل الجهود التبشيرية المحمومة للقديس بول الذي نشر كلمة الرب الذي يموت ويبعث عيسى المسيح عبر فلسطين القديمة وآسيا الصغرى واليونان وروما (حوالي 42-62 م). كانت رؤية بول لشخصية المسيح، ابن الله المبارك الذي يموت ليفتدي البشرية، مستمدة من نظم عقائدية أبكر وشكلت وعي الكتبة الذين سيخطون فيما بعد الكتب التي ستؤلف الكتاب المقدس.

وقد صنعت الديانة المسيحية من الاعتقاد في الحياة الآخرة معياراً وأسست لمجموعة منظمة من الطقوس التي من خلالها يستطيع المؤمن الفوز بالحياة الأبدية. كان المسيحيون الأوائل بفعلهم ذلك يسيرون ببساطة على الدرب ذاته الذي سبقهم إليه السومريون والمصريون والفينيقيون واليونانيون والرومانيون الذين كانت لهم جميعهم طقوسهم المنظمة الخاصة لعبادة آلهتهم.

وعلى خطى المسيحيين، أسس المفسرون المسلمون للقرآن طقوسهم الخاصة لفهم الإله الواحد الذي، رغم اختلافه الشاسع من حيث الشكل عن نظرائه في المسيحية أو اليهودية أو أي من الأديان ’الوثنية‘ الأخرى، خدم نفس الغرض تماماً مثل الطقوس التي مورست ذات يوم في عبادة الآلهة المصرية قبل أكثر من 5.000 سنة: لمنح الكائنات البشرية شعوراً بأنهم ليسوا وحدهم في نضالاتهم ومكابداتهم وانتصاراتهم، وأن باستطاعتهم كبح جماح نوازعهم الدنيئة، وأن الموت ليس نهاية الوجود. لقد أعطت أديان العالم القديم الإجابات على تساؤلات الناس حول الحياة والموت، وهي في ذلك لا تختلف في شيء عن المعتقدات السائدة وموضع الممارسة في عالم اليوم.

______________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://member.worldhistory.org/religion/



#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الدين في العالم القديم 3
- الدين في العالم القديم 2
- الدين في العالم القديم
- -حاجة لله- - المفهوم الاجتماعي للنص
- شرعية المحكومين المهدرة
- استعلاء الثقافة العربية على الفرد
- في الحكم في تربية العجول
- ورثة الملك وخبيئة الباشا
- مَكْؤُونات مصطنعة
- الأزمة السورية: خطة تركيا الكبرى
- معضلة فلاديمير بوتين الفكرية.
- معضلة فلاديمير بوتين الفكرية
- كيسنجر مقابل سوروس بشأن روسيا وأوكرانيا
- الغرب منقسم حيال مآل الحرب في أوكرانيا
- بوتين يحكم روسيا كمصحة نفسية
- لعبة الشياطين والملائكة
- يهوه-إله بني إسرائيل
- ثورة ذوات المحركات
- تفجير الثقافة العربية الإسلامية من الداخل
- بداية الإصلاح الديني في إنجلترا-2


المزيد.....




- الجيش الأردني يعلن إحباط محاولة تسلل وتهريب كميات كبيرة من ا ...
- بعد الطرود المفخخة.. إرسال طرد -دموي- إلى السفارة الأوكرانية ...
- البيت الأبيض يصحّح تصريحات بايدن حول نيته التفاوض مع بوتين
- واشنطن تدرج شركة -فاغنر- العسكرية الروسية على قائمة -منتهكي ...
- هابل يرصد تصادم مجرتين -غير عاديتين- في -رقصة مذهلة-
- الكرملين يشترط الاعتراف بضمّ -الأقاليم الجديدة لروسيا قبل ال ...
- السوداني يحدد مرشحي حقيبتي البيئة والاعمار ويوجه طلباً للبرل ...
- دول الاتحاد الأوروبي تتفق على تحديد سقف أعلى لسعر النفط الرو ...
- وزير الخارجية التركي: من الخطأ اعتبار التطبيع مع إسرائيل -خي ...
- فيديو يوثق قتل جندي إسرائيلي لشاب فلسطيني من المسافة صفر


المزيد.....

- معرفة الله مفتاح تحقيق العبادة / حسني البشبيشي
- علم الآثار الإسلامي: البدايات والتبعات / محمود الصباغ
- الابادة الاوكرانية -هولودومور- و وثائقية -الحصاد المر- أكاذي ... / دلير زنكنة
- البلاشفة والإسلام - جيرى بيرن ( المقال كاملا ) / سعيد العليمى
- المعجزة-مقدمة جديدة / نايف سلوم
- رسالة في الغنوصبّة / نايف سلوم
- تصحيح مقياس القيمة / محمد عادل زكى
- التدخلات الأجنبية في اليمن القديم / هيثم ناجي
- الإنكليزية بالكلمات المتقاطعة English With Crosswords / محمد عبد الكريم يوسف
- الآداب والفنون السومرية .. نظرة تاريخيّة في الأصالة والابداع / وليد المسعودي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - الدين في العالم القديم 4