أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - بوتين يحكم روسيا كمصحة نفسية















المزيد.....

بوتين يحكم روسيا كمصحة نفسية


عبد المجيد إسماعيل الشهاوي

الحوار المتمدن-العدد: 7259 - 2022 / 5 / 25 - 02:42
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بقلم: فريدة رستموفا، مراسلة صحفية مختصة بتغطية السياسة والمجتمع في روسيا.

"إننا منذ القرن السادس عشر ونحن نعيش وفقاً لقوانين الذهان الاكتئابي الهوسي"، هكذا كتبت الصحفية الروسية المنشقة فاليريا نوفودفورسكايا.

نُشرت مقالة نوفودفورسكايا بعد عامين من انهيار الاتحاد السوفيتي، وتسلط الضوء على حقبة فوضوية ومضطربة على نحو خاص من التاريخ الروسي. بيد أنها في الوقت نفسه تسلط الضوء كذلك على مرض عضال ومزمن ينخر في جسد المجتمع الروسي. فمنذ زمن إيفان الرهيب، كما تمضي نوفودفورسكايا، وروسيا تعاني من الذهان الاكتئابي الهوسي- حيث "يستبيح" أبناؤها حكوماتهم الضعيفة بينما "يلعقون نعال" حكامهم المستبدون الأقوياء. وكانت النتيجة بلد "معلق بين الفاشية والشيوعية،" ومواطنين عجزة عن أن يحيوا حياة كريمة مثل البشر العاديين.

إن اجتراء الاستعارات من عالم الطب النفسي لا يأتي من فراغ. ففي 1969، تعرضت السيدة نوفودفورسكايا ذاتها للاعتقال وعمرها لا يتجاوز 19 عاماً على خلفية توزيع منشورات مناهضة للسوفيت، وحكم عليها بعامين في مصحة للأمراض النفسية. لذلك هي تعرف من التجربة الحية فظائع منظومة الطب النفسي العقابي للمنشقين كما وضعتها وطبقتها لجنة أمن الدولة أو الاستخبارات السوفيتية (الكي جي بي). ومن وجهة نظرها، تعتبر هذه المنظومة العقابية تجسيداً للمنطق الحاكم لحكام روسيا، القياصرة أو السوفيت. فالغاية كانت ولا تزال إنتاج كتلة طيعة، تتقلب بين نار التعصب والانفعال وبرودة السلبية والجمود – وفي جميع الأحوال عاجزة عن أن تشكل خطراً يهدد النظام.

لقد أحيا فلاديمير بوتين على مدار العقدين الماضيين العمل بمنظومة الطب النفسي العقابي، سواء بالمعنى الحرفي أو المجازي. فالسيد بوتين، مثل كبير الأطباء بمؤسسة طب نفسي عقابية سوفيتية، يستخدم أي وسيلة في متناوله لكي يحكم قبضته ويستأصل الانشقاق. في عنبره يقبع 144 مليون شخص معظمهم من الفقراء والبؤساء، مقسمين بين 11 منطقة زمنية وأربعة مناطق مناخية. إن غالبية المجتمع الروسي، في حالة من اللامبالاة تحت تأثير التخدير والوهن بسبب جرعة القمع الزائدة، قد ارتضت حكم بوتين- وحربه الوحشية في أوكرانيا.

بالنسبة للسيد بوتين، الشعب القابع في عنبره هم ملك يمينه: هو يستطيع أن يفعل بهم كيفما شاء. هو من وقت لآخر يطعهم- لكن ليس أبداً بسخاء- لكي يضمن استمرار نسب قبوله وشعبيته مرتفعة. ومن عادته أيضاً أن يجزل لهم الإكراميات، خاصة قبل كل جولة انتخابات صورية. وهنا تعتبر الهبات المالية المستهدفة ومدفوعات المعونة لمرة واحدة تكتيكاً مفضلاً. ليس الهدف بالطبع التيسير المادي على المواطنين الروس، بقدر تدعيم أركان النظام وضمان استمرار معدلات التصويت مرتفعة بدرجة مقبولة، في انتخابات زائفة وتجميلية في جميع الأحوال.

ثمة قسم كبير من الشعب الروسي في عنبر بوتين لا هم أحياء، ولا هم أموات. فرغم صعوبة الحصول على إحصائيات موثوقة، قدرت الاقتصادية المستقلة ناتاليا زوباريفيتش أن 15 بالمئة من الروس في 2019 كانوا يعيشون في فقر، بينما كانت 49 بالمئة أخرى على وشك الانحدار إلى تلك الفئة. وقد تسبب عامان من جائحة كورونا في تفاقم الوضع سوءاً. إذ وفقاً لمركز ليفادا المستقل كان 40 بالمئة من الروس خلال الصيف الماضي غير قادرين على أن يطعموا أنفسهم بطريقة لائقة، بينما لم يتمكن 52 بالمئة منهم من توفير حاجاتهم الضرورية من الملابس والأحذية.

في ظل هذا الوضع المزرى، لا عجب أن يجنح الناس للتفكير أولاً وقبل أي شيء في بطونهم. وبالنسبة للكثيرين منهم، فالسياسة تشبه الطقس، أو حقيقة حياتية غير قابلة للتغيير وغالباً غير مفهومة لهم. لقد سدت أمامهم كل الفرص لكي يفهموا لماذا هم يعيشون بهذه الطريقة بحاجز دعاية الدولة المنيع، والساسة الذين كان بمقدورهم مساعدتهم على أن يفهموا إما ماتوا أو وضعوا في السجون. كذلك لا يمكن العثور المعلومات المستقلة، المتاحة على شبكة الإنترنت من عدد متضاءل من المصادر، من دون متسع غير متاح من الوقت والجهد والمعرفة.

معظم الطبقة الوسطى الروسية يقبع في نفس العنبر. ثمة أقلية هزيلة من القطاع الخاص، لكن الأغلبية تعتمد على الدولة- وهؤلاء منهم الأطباء والمدرسين والموظفين الحكوميين وضباط الشرطة وعمال الشركات المملوكة للدولة. ولأنهم يعيشون حياة أفضل قليلاً من الطبقات الأدنى، فإنهم يتوجهون للسيد بوتين بالشكر والعرفان لنعمة رغد عيشهم الأفضل بعض الشيء. وهم لا يريدون التغيير ولا يعلمون لماذا قد يحتاجون إلى التغيير: أغلبهم لم يسبق لهم السفر إلى الخارج أو الاطلاع على الأحوال المعيشية لشعوب أخرى. وكل ما يقال لهم على شاشات التلفاز هو أن أوروبا منحلة والناس هناك تتزاحم على طوابير الخبز. لا مكان في الدنيا أفضل من روسيا.

هؤلاء هم التعساء في مصحة بوتين النفسية. شعارهم المكتوم: "طاطئ رأسك، وإلا كانت العواقب وخيمة". هم إلى حد بعيد لا يعنيهم أن تشن روسيا نيابة عنهم حرباً ضد أوكرانيا أو أن يواصل الجيش الروسي قتل المدنيين في بلد جار كل يوم منذ قرابة ثلاثة أشهر. إلى حد ما يعنيهم الأمر، هناك عملية عسكرية خاصة تجري في مكان ما بعيداً عنا، تديرها دولة نعتمد عليها أشد الاعتماد. لا حاجة لنا لمعرفة ما هو أكثر من ذلك، فلا طاقة لنا به ولا فرصة أمامنا إليه.

إن مصحة الطب النفسي لا تمتلئ بالمرضى وحسب. هناك الأطباء والأطقم الطبية أيضاً. في روسيا بوتين، هذه الأدوار يؤديها موظفو الحكومة والدفاع وإنفاذ القانون وعمال الدعاية ورجال الأعمال الأثرياء، وجميعهم يخضعون لسيطرة صارمة من الأجهزة الأمنية. وأفراد هذه الحاشية، التي تخضع للغربلة والفرز بمعرفة الكرملين ذاته، يعتبرون أنفسهم أسياد البلد والبلد ذاته ملك يمينهم. ما من أيديولوجية تحركهم عدا العبادة الذليلة لرؤسائهم طمعاً في لقمة عيش رغدة وجني أكبر قدر من المكاسب الشخصية.

بوتين يأمرهم ببث الخوف في قلوب الناس، وإذكاء الكراهية، ووأد حرية التفكير- وكل منهم يساهم قدر استطاعته في إنجاز تلك المهمة. وبفضلهم، تستطيع الدولة أن تتوغل وتحشر أنفها في كل كبيرة وصغيرة بطول البلاد وعرضها. وعبر المجتمع، يشيدون نماذج مصغرة لنظام بوتين- في الحكومات المحلية، وقطاع الأعمال الخيرية، وحتى في الجمعيات التطوعية- لا لشيء سوى لمنع أي أحد من المبادرة بشيء لا يخدم مصلحة الدولة كما يريدونها. وفي المقابل، يتغاضى بوتين عن فساد هؤلاء الأشخاص وعن قسوتهم وعن تنكيلهم بالمعارضين والمنشقين طالما حالفهم التوفيق في الحفاظ على الأمن والنظام داخل العنبر. كل منهم يعمل بطريقته الخاصة، لكنهم مجتمعون يستنفدون طاقة المواطنين وإرادتهم ويعززون من طاعتهم لأوامر ونواهي النظام. فكما يقولون في روسيا، هناك نصف البلد قابع في الزنازين، والنصف الآخر حراس عليهم.

بالطبع الحياة الفعلية أكثر تعقيداً من أي استعارة مجازية، لاسيما في مجتمع مهلهل مثل المجتمع الروسي. وهناك الكثيرون في روسيا لا هم من المرضى ولا هم من الطاقم الطبي في مصحة بوتين النفسية العقابية- كما تدلل التظاهرات وحركات الاحتجاج المتفرقة التي عارضت الحرب فور اندلاعها، وضمت العلماء والطلاب وأعضاء الجمعيات الخيرية والمهندسين وحتى فنانين مشهورين نزلوا إلى الشوارع ووقعوا العرائض الرافضة للحرب. ولما قوبلت هذه المقاومة المتواضعة بالقمع والتنكيل، لم يكن أمام أغلب ذوي العقول المستقلة هؤلاء سوى مغادرة روسيا كليتاً.

لكن الاستعارة المجازية تسلط الضوء على حقيقة جوهرية إزاء روسيا اليوم: بوتين لا يمسك بالسلطة عبر الرضا بل بواسطة القمع. ومن ثم كان التأييد لحرب الرئيس، على سبيل المثال، محدوداً وهزيلاً في أحسن الأحوال. بخلاف ذلك ما كان بوتين سيضطر إلى أن يسميها "عملية خاصة"، وما كان أغلق القليل المتبقي من النوافذ الإعلامية المستقلة بعدما بدأت الحرب مباشرة، وما حجب شبكات التواصل الاجتماعي، وما سن قوانين قمعية جديدة وما ألقى بالناس في ظلمة السجون لأتفه الإيماءات المناهضة للحرب.

إن السيد الرئيس بوتين يعلم أيضاً علم اليقين أن فترة مكوثه في الكرملين طالت أكثر من اللازم، وأن قبضته ضعفت على البلاد. على سبيل المثال، عبر 41 بالمئة ممن شملهم استطلاع للرأي في فبراير 2021 عن رغبتهم في أن يغادر الرئيس منصبه بعد عام 2024- وهي نتيجة مثيرة للاهتمام بالنظر إلى مخاطر الإفصاح عن مكنون نفوسهم بحرية. لكن بوتين لا ينوي المغادرة ويعلم أنه بصرف النظر عن مدى عظمته كشخصية تاريخية كما رسمها بنفسه، فإنه بعد رحيله سيضطر إلى أن يدفع ثمن خطاياه.

بعد أقل من عامين سيواجه بوتين انتخابات شكلية، من أجلها أعاد كتابة الدستور. وفي أوكرانيا، أراد نصراً سريعاً يمنع أي أحد حتى من التفكير في استبداله بشخص آخر. كانت خطته تقوم على إعادة توجيه الإحباط والغضب العام المتراكمين بعيداً عن نفسه وباتجاه "أعدائه"- أوكرانيا والغرب. بتلك الطريقة سيستطيع تثبيت حقه في البقاء على العرش كزعيم عظيم استطاع أن يغير النظام العالمي. لكن خطته المتعطشة للدماء تبعثرت هباءً منثوراً فوق صخرة المقاومة الأوكرانية الباسلة.

من الواضح أن بوتين يخطط لإطالة أمد حربه الدموية، أملاً في التغلب على الطامعين في الكرسي من الداخل. من المستحيل التنبؤ بالمستقبل. لكن ما يمكن قوله من غير لبس هو أن المجتمع الروسي، بعد كل هذه السنين الطويلة داخل مصحة بوتين للعلاج النفسي العقابي، سيحتاج حتماً لزمن طويل من النقاهة وإعادة التأهيل.
_________________________
ترجمة: عبد المجيد الشهاوي
رابط المقال الأصلي: https://www.nytimes.com/2022/05/23/opinion/russia-putin-war.html



#عبد_المجيد_إسماعيل_الشهاوي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لعبة الشياطين والملائكة
- يهوه-إله بني إسرائيل
- ثورة ذوات المحركات
- تفجير الثقافة العربية الإسلامية من الداخل
- بداية الإصلاح الديني في إنجلترا-2
- بداية الإصلاح الديني في إنجلترا-1
- بداية الإصلاح الديني في إنجلترا
- ولاد الحرام
- التحول من الفلسفة إلى الدين: مقتل هيباتيا
- كائنات جبارة من صنع البشر
- الكائن المفكر الأوحد
- مع إبليس- الوجود الإدراكي التطوري
- لقاء مع إبليس- المساواة في الوجود
- لقاء مع إبليس
- كيف أصبحت الكلاب من أعز أصدقائنا: رحلة ممتدة منذ القدم حتى ا ...
- الاحتكار وابن عمه الشرير
- جنرال الكتريك والإيمان بسحر الإدارة
- سفاح الحمير
- أحياة بلا خطة هي؟
- عذاب الوعي


المزيد.....




- توب5: وفاة برويز مشرف في دبي.. وخامنئي يعفو عن آلاف السجناء ...
- مسؤول عسكري أمريكي متقاعد يؤكد ضرورة تجاوز أوكرانيا -خط بوتي ...
- وزير الخارجية الروسي يصل العاصمة العراقية بغداد
- علم نفس القوميات والعوامل المؤثرة على تشكل عقلية الشعوب. الع ...
- إيران: بدء عمليات تعدين اليورانيوم في أكبر مناجم البلاد
- آخر تطورات العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا وأصداؤها في ...
- فاينانشال تايمز: حادث المنطاد يقوّض فرص تحسين العلاقات الأمي ...
- الدفاع الأوكرانية: إسرائيل وعدتنا بتقنيات الإنذار بالصواريخ ...
- الأردن.. انتشار جديد للحمى القلاعية وإغلاق أسواق المواشي 14 ...
- سابقة سيئة..خبير صيني يقارن الإجراءات الأمريكية ضد المنطاد ب ...


المزيد.....

- تهافت الأصوليات الإمبراطورية / حسن خليل غريب
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية PDF / ياسر جابر الجمَّال
- طه حسين ونظرية التعلم / ياسر جابر الجمَّال
- الخديعة - منظمة الفساد الفلسيطينية / غسان ابو العلا
- قطرات النغم دراسة في موسيقى الشعر العربي / ياسر جابر الجمَّال
- سيميائية الصورة في القصيدة العربية / ياسر جابر الجمَّال
- مُتابعات – نشرة أسبوعية العدد الأول 07 كانون الثاني/يناير 20 ... / الطاهر المعز
- مدار اللسان / عبد الباقي يوسف
- عوامل تبلور الهوية الفلسطينية(1919-1949م) / سعيد جميل تمراز
- الحد من انتشار الفساد المالي والأداري في مؤسسات الدولة / جعفر عبد الجبار مجيد السراي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبد المجيد إسماعيل الشهاوي - بوتين يحكم روسيا كمصحة نفسية