أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله مهتدي - الحذاء















المزيد.....

الحذاء


عبدالله مهتدي

الحوار المتمدن-العدد: 7279 - 2022 / 6 / 14 - 07:35
المحور: الادب والفن
    


هل سبق لأحدكم أن سمع عن شخص يخبئ طقم أسنانه في جيبه خوفا من أن يزدرد فمه العالم ، و
عن شخص آخر يقود عصابة من قطاع الطرق والصعاليك للإحتجاج في الشارع من أجل احتلال الهواء ، وعن شخص ثالث يحول أصابعه إلى مسدس ، ورأسه إلى عربة ، وجسد ه إلى قطار ، وحين يقف أمام المرآة ، يخرج جنود كثيرون من يديه ، ليتبادلوا إطلاق الرصاص على الاشباح ؟ أنا سمعت عن ذلك أحيانا كثيرة ، بل كنت شاهد عيان ، أستطيع أن أبصم لكم بالعشرة كي تتأكدوا من أن ذلك حدث بالفعل، ويحدث دائما ، وسوف يحدث مرارا أيضا ، لم أكن نائما ، كما قد يتبادر إلى ذهن بعضكم ، أضغاث الأحلام لا تزورني إلا في أوقات أكون فيها سكرانا ، حين تلعب الكأس برأسي ، وتصبح رجلاي رجلي راقص على حلبة من جليد.
كل ما في الأمر أني حين لا أكون على ما يرام، أصبح شخصا آخر .....
الأسئلة التي باتت تغزو رأسي أدخلتني في حالة أشبه بالجنون ، جعلتني أشك في أنني كنت يوما ما طفلا بعينين مغمضتين ، وأسنان حليبية ، وفم لا يثقن سوى الصراخ ،صرت أفكر في الانتحار ، كلما وقفت خلف نافذة الشقة ، إنهاء الأمر بقفزة حرة سيكون مناسبا لشخص مملوء باليأس، لكنني حين أتذكر فنجان القهوة على المائدة ، أنسى كل شيء ، أهرع جريا إلى المطبخ ، أفتح الثلاجة وأنا ارقص، وآكل بعض قطع الخيار مع القليل من الخبز والفلفل الحار ، تغزوني في الليل افكار اكثر غرابة مما يحدث لي في النهار ، كلما تمددت على سريري ، واغمضت جفناي رأيت أشياء لا رابط بينها ، دودة داهمها صداع في الرأس ، بعد أن خرجت من تفاحة ، وتاهت بين أصابعي ، دمية صغيرة فقدت أطرافها في حادثة مفاجئة ، وعوض أن يقبضوا على الجاني، اعتقلوا شرطة الطرقات بتهمة مخالفة قواعد الجولان، حاوية أزبال تشعر بالوحدة ، وهي مسمرة على طرف الشارع ، مثل جندي حراسة يجلده الضقيع ، نملة صغيرة تتمايل بحبة قمح على كاهلها النحيف ، مثل سكير ، هاربة من حداء عملاق ، مقعد في حديقة يشكر الاشجار لحمايته من الريح ، بإلقاء قصائد غزل لابن الشمقمق ، امرأة عجوز تعبر الشارع حاملة كيسا كبيرا من الصبر ، الكثير من الحقد على الحياة ، وكلاما بذيئا على لسان كثير الشكوى .....
آخذ نفسا عميقا تلو آخر ، كأني مصاب بالربو ، أو بحساسية ما اتجاه الأفكار الغريبة ، مزاجي سيء ، والنوم يفلت من عيني مثلما تفلت طريدة من صائدها ، أن اقوم بأشياء كثيرة دفعة واحدة ، صار أمرا عاديا بالنسبة لي ، لم يعد للزمن تلك السلطة التي يمارسها على بشر أسوياء مثلي ، هل أنا حقا بشر سوي ؟
البارحة فقط ، نعم البارحة ، دخنت لفافات من القلق الناضج، وأنا اشرب حليب طفلتي وأغني فيروز، فكرت في الغرق في النهر ، وأنا أرقص مع زوجتي ذات الوزن الزائد رقصة الصامبا البرازيلية ، زرت طبيب الأسنان بسبب مغص البواسير في الحلق ، عالجت جاري الطيب ، بلكمة في مؤخرته ، عربون صداقة قديمة ، أهديت قطتي روزا فأرا روميا في عيد ميلادها العاشر ، قمت بتمارين يوغا على صفيح ساخن ، وأنا أتامل الخريف ، وافكر في البرق...
زعموا اني مصاب بمرض نادر ، لم أصدق ذلك يوما ، لأني وحيد ، الوحدة والمرض خطان متوازيان لا يلتقيان ، والمرض يأتي من مخالطة البشر ، هكذا كانت تقول جارتي التسعينية ، وهي تتلمس طريقها لزيارة بيت العائلة ، كنت أثق في خبرتها كثيرا مثلما أثق في أصابعي التي تعبث بعكازها ، كلما نسيت اخده معها وخرجت تقفز مثل سنجاب ، الماكرة ...كانت تتظاهر بأنها لا ترى ، كي لا يضبطها أحد تتلصص على أسرار الآخرين ، كنت أنا ايضا أتظاهر بأني اصدقها ، حين تحدثني عن أزواجها التسعة، الذين دفنتهم تباعا ، ومازالت تمني النفس بزوج عاشر ، فكرت في أن أكتب عنها قصة يوما ما ، أن اخلد ذكراها في كتاب يليق بامرأة سليطة اللسان ، عدلت عن ذلك وأنا أتامل الساعة اليدوية المعطلة على معصم سائق الأوتوبيس ، حين كنت عائدا إلى الشقة ، الجريدة وهي تقرأ نفسها بصوت متحشرج على صف طويل من الكراسي ، حين كنت في المقهى ، كراتين زجاجات الويسكي وهي تنادم بحارة قدامى عندما دلفت إلى البار ، المرآة العمياء وهي تغازل امرأة فائقة اليأس ، عندما كنت في محل لبيع الملابس ، الليل وهو يقف على باب شقتي ، يريد أن ينام معي على سرير واحد ، هربا من البرد ....
عزيزي القارئ ، لقد حذرتك سابقا من أني لست على ما يرام ، ما يحدث لي يكفي لأبرهن لك أني كائن منخور من الداخل ، يائس ، وبئيس ، لكن ليس إلى الحد الذي قد أبدو فيه مجنونا ، الجنون مهنة صعبة على إنسان مثلي يا عزيزي، وأنا لا أملك القوى العقلية الكافية لأكون معتوها ، لا تتق كثيرا في كراتين الادوية الموضوعة على المنضدة ، هي فقط عقاقير لتسلية الضجر الذي يداهمني عندما يحل الربيع ،الأشخاص الذين تراهم بوزراتهم البيضاء وهم يتعقبوني بين الغرف والأدراج ، هم فقط أصدقائي القدامى في حينا العتيق ، نعيد تمثيل لعبة الهروب الكبير ونحن نحتسي اقداحا من الذكريات ، أصوات مزاليج الأبواب التي تفتح وتغلق ، ليست سوى موسيقى ادفئ بها عزلتي في الشتاء ، حتى الطبيب الذي كنت أداوم على زيارته جبرا لخاطر زوجتي ، وكان يحدثني مرارا عن خطر التدخين والحمى القلاعية ، والسباحة في الماء الآسن ، فاجأته يوما :
- مشكلتي دكتور أنني أرى كل شيء دفعة واحدة ، الزمان والمكان ، اللحظة والماضي ، الحاضر والمستقبل
تعمدت أن أصارحه بأني كائن عابر للزمن ، خفت أن يضاعف حصتي من حقنة المورفين ، إذا ما علم أني أسمع الأشياء تكلم بعضها البعض ، نعم كما سمعت عزيزي القارئ ، ولتكن كاتم أسرار جدير بثقة شخص يعاني من مرض نادر ، حدث ذلك أول مرة حين هرعت ليلا إلى المطبخ ، هاربا من نوبة أرق حاد ، تعمدت أن أترك الأضواء مطفأة ، أن أجلس مثل بحار وحيد يناجي الليل على قارب ، لم أصدق أذني اللتين سيأكلهما التراب والدود ، كانت الثلاجة تتكلم بهمس مع قناني الحليب وعلبة المربى الفارغة عن الصيف القادم ، الملاعق تتحدث مع السكاكين عن وجبة الكسكس يوم الجمعة الفائت ، آلة العصائر المعطلة تصف للكؤوس المعلقة ، لذة الفواكه والآيس كريم ، الكراسي الأربع تؤلف للطاولة نوادرا كثيرة عن مؤخرات سكان الشقة ....
صرت أفهم مع العادة لغة الاشياء ، أكثر من فهمي للغة البشر العقيمة ، لم يعد سماع حديث الأشياء مقتصرا على المطبخ ، تجاوز ذلك إلى غرفة النوم ، المرحاض ، البهو الصغير ، صرت في الشارع أسمع الإسفلت يكلم أضواء المرور ، عربة خضار تتكلم مع شباك نافذة ، دراجة عادية في حوار مع حداء رياضي ، كرسي متحرك يناجي شجرة في حديقة ...
لا زلت أتذكر أول مرة سمعت حذاء يتكلم مثلما نتكلم نحن معشر الناس ، كان ذلك مساء احد ماطر ، وقفت أمام متجر لبيع الاحدية الفاخرة ، حتى يكف المطر ، تسمرت عيناي باتجاه حذاء أسود لامع ، خلته على مقاسي وأنا أسترق النظر في أسمالي البالية ، تذكرت آخر مرة اشتريت فيها حذاء ، كان ذلك منذ زمن بعيد ، لم اعد اتذكره مع الاسف ، كنت أعرف أن الاشياء تتكلم أيضا ، انتظرت أن يقول شيئا ، حين هممت بالإنصراف خرج صوته من قاعه :
- أنا من فلورانسا ، هاجرت من بلدي على متن باخرة لتهريب الخمور والحمير وطيور الزينة ، أسر لك بأمر لن يعرفه أحد غيرك ، أستحق أكثر من الثمن الذي علقوه على صدري
لم أتمالك نفسي من الضحك في سري ، كنت التفت من حين لآخر يمنة ويسرة ، تارة أنظر إلى البائع ، وأخرى إلى جمع من الزبائن والمارة
- أنت تعرف أن العالم يمر بأزمة ، لا احد يستطيع أن يبيع اليوم شيئا بسهولة ، خاصة إذا كان ماركة ثمينة ، العمال الذين تعاقبوا على صناعتي ، قبضوا نصف أتعابهم ، الباقي إلى أجل غير مسمى ، لكن لا تقلق ، كورونا ستختفي يوما ، وستتحسن أمور البيع والشراء ، هل تعلم ، أنا في الأصل كنت تصميما على ورق ، تم تحولت إلى رسم على جلد تمساح، جلود البشر لم تعد تصلح لشيء ، انأ لا أملك كعبا عاليا كما ترى ، الكعب العالي للنساء فقط ، رغم أن بعض الرجال صاروا يفضلون ذلك ، تنقلت بين أيدي كثيرة ، كنت أحس بطراوة أيدي النساء أكثر من الرجال أيدي النساء مختلفة ، عرقها مثل رائحة طيب، المرور بين الآلات يشعرني بتوتر زائد ،وأنا لا أحتمل العيش بين الضجيج ، الأ سود يليق بها كثيرا ، الألوان الوردية التي انتشرت مؤخرا لا تناسب الرجل الصلب ، أونا أحب أن يلبسني شخص بكامل رجولته ، أنظر هناك ، الحذاء الأبيض الذي تراه في الزاوية ، مصنوع من البلاستيك الرخيص ، لقد جاؤوا به من بلاد الهولولولو خصيصا لضعاف الأجور ، لكنهم يبيعونه الآن على أساس أنه من جلد الثعبان ، مع كثرة الاستهلاك والاحتكاك بالقدمين ، تحس أن رائحته صارت تشبه رائحة حاوية أزبال مركونة تحت الشمس ، إن كنت عاشبا ، فإن الحذاء الذي علقوه فوقي ، مصنوع من نبات القطن وبقايا الذرة ، يمكن تحويله لسماد الأرض عند نهاية الخدمة ، عدا أنه خفيف الوزن ، أخبرك أنه قريبا سيتم الاستغناء عن جلود الحيوانات لصنع الاصناف المشهورة من الاحدية ، فكما تعلم ، نحن أيضا لنا شجرة ، ونمتد طويلا في الزمن ، وستكون فرصة لا تعوض أن تعرف أيضا ، أن صنفا من البشر عديمي الصلاحية سيعوض هذا الفراغ ، لصنع أحدية ثلاثية الأبعاد ....
كاد الملل يتسلل إلى نفسي ، وأنا أنصت للحذاء مثل مجنون ، قررت أن أغادر المكان بأقل الخسائر ، أحسست بأن رجلاي قد تسمرتا في مكانهما ، بأصابع قدمي توخزني ، تكاد تخرج من حذائي الذي سبق أن عالجه الإسكافي أكثر من مرة ،شعرت بألم حاد رميت الحذاء جانبا ، نزعت جواربي المصنوعة من مادة السيلكون الرهيبة ، وأنا أحذق في أصابع رجلاي مليا ، كانت حمراء تقطر غضبا ، رأيتها تبصق في وجهي ، ثم سمعتها تشتمني و تصرخ....



#عبدالله_مهتدي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قص قصيرة:التايكه
- في صحبة مولانا دويستويفسكي
- الحرية اولا
- مهنة القتل
- مزرعة الحيوان
- قصة قصيرة بعنوان روزا
- قصائد مكممة بنبيذ معقم (2)
- قصائد مكممة بنبيذ معقم
- درب غلف
- قراءة في -سيرة المهجرين بين الأسماء- ل -عبدالرحيم ناصيف ومصط ...
- -غنو-
- موريزكو
- ابنتي تعاني بسبب الحجاب
- استغلال -المقدس- لإرتكاب -المدنس-
- ستصير مفخخا كالألغاز
- الحانة
- عبلة
- لترقد بسلام وسكينة
- الذين رأوا كثيرا فصاروا عميان
- مثل شيء يشبه الغرق


المزيد.....




- أنجلينا جولي تتهم براد بيت بمهاجمتها وأطفالهما وهو في حالة س ...
- مخرجة فيلم صاحبتي: شارك في آخر لحظة في مهرجان فينيسيا.. ومش ...
- -فنان الصراخ- في السينما.. عندما تصبح الحناجر القوية وسيلة ل ...
- الفنان العالمي البريطاني جورج روجر ووترز: أنا على -قائمة الق ...
- -كتاب الليل والنهار- لصلاح بوسريف.. قصبة ناي تجترح موسيقى ال ...
- أمينة النقاش تكتب: إحياء دور الثقافة الجماهيرية
- بعضها يتحدثها 20 شخصا وأكثر من نصفها في بلد واحد.. تعرف على ...
- مشاركة إماراتية متميزة في معرض الرياض للكتاب
- دبي: أسماء الفائزين بجوائز -منتدى الإعلام العربي-
- هل تفوز لودميلا أوليتسكايا المعارضة للكرملين بنوبل للآداب؟


المزيد.....

- مسرحية -الجحيم- -تعليقات وحواشي / نايف سلوم
- مسرحية العالية والأمير العاشق / السيد حافظ
- " مسرحية: " يا لـه مـن عـالم مظلم متخبـط بــارد / السيد حافظ
- مسرحية كبرياء التفاهة في بلاد اللامعنى / السيد حافظ
- مسرحيــة ليـلة ليــــــلاء / السيد حافظ
- الفؤاد يكتب / فؤاد عايش
- رواية للفتيان البحث عن تيكي تيكيس الناس الصغار / طلال حسن عبد الرحمن
- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالله مهتدي - الحذاء