أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/9















المزيد.....


بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/9


أحمد عبد العظيم طه

الحوار المتمدن-العدد: 7258 - 2022 / 5 / 24 - 10:04
المحور: الادب والفن
    


تنويه دقيق

كالوقت الدقيق، لما كان الأمر غيريًا بشكله النهائي، في تصنيفه المللي؛ فقد آثرنا نحن الموقعون أدناه إلا أن يكون النسق معممًا على المستويات جميعًا. حرصًا على تفادي التفلسف الأعمى، والأخرس، مما سيُشكل مرجعًا أساسيًا من التجمد الثري. ذلك بُعدًا عن المؤامرة – النظرية – والتهيب من الشرق اللعين. وجزمًا لابد كان الأمر سيصل إلى تلك النقطة الفضية، من الرمز المرسل على عواهن الذكريات القريبة، المخيفة كمثل بركان بلا نار يدخن حممًا من أبخرة فقط، تصعد الهوينى إلى زوال. حتى أن الناس قد انشقوا إلى شقين متكاسلين حتى عن المعرفة. مؤثرين البقاء بسلام لفترة طويلة، أو غير طويلة. مما أبدى استياءً ملحوظًا بعموم الأجواء الخطرة، والتي تشي بقرب انتهاء، لا يدوم سوى وقت التبدد، ثم إنه يعود. ثم ينتهي – الانتهاء هذا– كشيء لا يكون عمدًا، ولكنه مقررٌ سلفًا، إجباريًا، بوجوده المبدئي بالملف الأحمر في أزرق، القابع بالخزينة الصخرية المصمتة، المستقرة بقاع المحيط.

*******

آندي..

آندي أميريكي من أصل شرق أسيوي، أي أنه ياباني صرف، ذو برمجة أميريكية.. في منتصف الأربعينات تقريبًا. ولا أدري ما عساها الفائدة المرجوة من تحليل فيسيونومي لمعرفة سطحية هشة كآندي. غير أن الأمر على ما يتضح لي من الرؤية، هو أنني لا أستطيع إيقاف تلك الهيمنة السينمائية على الأجواء المحيطة. فعندما التفتُّ إلى الصوت الزاعق بتسمية المشاريب، ومنظره مسرعًا بطابقين من الأكواب الفارغة؛ تصورت القهوجي يبدأ المشهد...

- ......................... (كان هناك حوارًا دائرًا بين آندي ومارتن).
- .......................... (لازال الحوار ينشط بينما أحاول ترتيب الكادر).
- في تفكيري.. أرى أنها فلسفة روحية تدعو إلى التقشف والسمو because أنهما يصوران الطريق إلى التعالي على هذا الواقع الحيواني الذي difficult بالنسبة للإنسان.. (قال آندي بلغة واثقة، وكان يعدل من نظارته النظر بيد، ويشير بالأخرى إلى الواقع)...
- لكن يوجد المقدس بالبوذية.. الطريق بذاته مقدس.. يبدأ بفكرتك وينتهي بالذوبان في الفكرة.. التفاني النهائي في الإحساس بالوجود على نحو proved.. وجودك أنت... (يقول مارتن ذلك بلهجته السمحة مفرطة النعومة).
- إذا كان هناك ما يفعل ذلك فهو الموت ليس أكثر.. الموت فقط. (هكذا قلت متضامنًا مع آندي بالرأي إلى درجة كبيرة)...

- Cut.. (المخرج لا يتكلم أثناء التصوير يا أخي.. كن مخرجًا واهتم بذلك.. غادر المشهد تمامًا بعد إذنك)...
- ................

- أنا لا أعترض.. butأعتقد أن التجربة هي التي تخلق الحكم وليس النظرية (أعجبني قول آندي، فقربت وجهه ثلاث مرات، وسلطت الرؤية على عينيه، وكان يعدل من نظارته النظر مرة أخرى)...

- .......................... (يستمر الحوار بينهما ولكن الصمت يكتنف المشهد فجأة يا أخي.. هناك قط شيراز ضخم، يعبر الشارع وراء قطة سوداء ذات برقشات بيضاء متسخة...)
- الحياة بشرق آسيا روحية بالأساس.. Specially كلما اقتربت من الهيمالايا أو التبت.. وهذا يرجع في تأويل العديد من باحثي المعتقدات الوثنية إلى تشكل الطبيعة في صورتها الخارقة عند هذه الأماكن.. (آندي شخص مثقف ولا بأس من تتابع جيوجرافي سريع للجبال الشاهقة)...
- So هناك معتقدات وثنية، وأخرى غير ذلك؟... (سؤال صميمي يطرحه مارتن)...
- No.. لا أظن ذلك.. أرى أنها just طرق مختلفة للتعبير.. hahahah (يضحك آندي مثبتًا النظارة من بين عينيه...)

- .............. (يمشي بالشارع رجل وامرأة وجهاهما هائل بالضخامة. الصبي بتصـ..... cut...
- لا تتردد يا أخي.. فالسياق يحتمل هذا.. والتناص ليس بعيدًا جدًا.. رواية الصبي – بتصرف…... cut

- كم يومًا بقي لك هنا؟... (بدا آندي وكأنه قد انتبه للمراقبة، فابتسمت في وجهه ابتسامة صفراء)...
- Three days... (وكان بوجهي آثار ابتسامة صفراء....)
- ................
- ....................
- ..................................

.... ولما ظهرت السيدة فريال بمرايا المقهى في كامل زينتها، تتلاعب أصابعها بميدالية مفتاح السيارة؛ التقطتُ شغفًا فرحًا يطرأ على قسمات آندي، ويلحظه مارتن بدهشة. صافحتنا وقوفًا، وانحنى هو لها بتقدير كبير كأنما يؤشر بلا قصد على أصله البعيد.

*******

RE: maaaaaarrrryyy I am fareeeeeeeed
Friday، October 27، 2006 2:28 PM
From: "margaret"
View contact details
To: [email protected]
Hi fareed،
I have just read the most beautiful email from Marten and then I opened another one from you. You write very well and very clearly in English! Yes I understand your email Fareed. It is so strange because I have not felt you around me for sometime and then yesterday you came through to me suddenly and very strongly، and now here is your email!
There is a very strong connection between us that I have never experienced before- you are not strange to me Fareed but this experience is.
I have been in a bad time-that is life!
But whenever you are around me I feel I have been strengthened in some way. I would like to see you again but you know I hate Cairo. I am living 10 metres from the sea ... your de----script----ion of the butterfly over the sea is a starnge coincidence. I go to with the sound of it and wake up in the morning to see the sun throw its dancing light from the sea through my windows. You must come to Dahab and feel its lovely energy one day... I know you would be peaceful here.
Marten wants to email you ... Do you have his address?
Metta
Mary

من : ماري
إلى : فريد
التاريخ : 27 / 10 / 2006

مرحبًا فريد

لقد قرأتُ توًا أجمل رسالة لمارتن. وها أنا أفتح واحدة أخرى منكَ، إنكَ تكتب جيدًا بالإنجليزية وبوضوح تام. نعم أنا فهمتُ رسالتكَ فريد. إنها شديدة الغرابة. لأنني لم أكن أستشعرك حولي بعضًا من الوقت. ثم حدث أمس أنكَ قد انتهيت إليّ فجأة وبقوة كبيرة. والآن ها هي رسالتكَ!
هناك اتصال شديد القوة فيما بيننا، ذلك الذي لم أعايشه أبدًا من قبل– أنتَ لستَ غريبًا بالنسبة لي فريد ولكن هذه الخبرة هي الغريبة.
نعم أنا مررتُ بفترة سيئة – تلك هي الحياة!
ولكن عندما أشعر بكَ من حولي أكون قوية إلى حد ما. أنا أود رؤيتكَ ثانية ولكنك تعلم كم أكره القاهرة. إنني أعيش على بعد 10 أمتار من البحر... إن وصفكَ للفراشة التي تطير فوق البحر لهو مصادفة غريبة. الآن أخلد إلى النوم يصحبني صوت البحر وسأستيقظ في الصباح لأرى الشمس ترمي ضوئها الراقص من البحر نحو نوافذي. أنتَ يجب أن تأتي إلى دهب وتشعر بهذه الطاقة الرائعة في يوم من الأيام... أعرف أنكَ ستنعم بالسلام ههنا.
مارتن يريد مراسلتك... هل لديكَ عنوان بريده؟

Metta

ماري

*******

اختراق

اليوم .. كنت أطفأ النور، وأغلق الباب جيدًا، وأجلس مفرود الظهر، ممدود اليدان على الركبتين بغير توتر أعصاب الذراع، بالضبط كما أتصور النسق القياسي لجلسة تأمل.
الآن.. أنا بمعسكر الشركة العظيمة، التي تعمل المشاريع العظيمة أردد عزيمة السعادة – التي أغرمْتُ بها– عن ظهر قلب.
رحت أكرر بسرعة مضطردة، حتى وصلتُ إلى مرحلة الآلية المتناغمة ما بين النطق والتنفس العميق. إلى درجة أنني قد واجهت صعوبة لإيقاف الصوت والتفرغ للشعور.
سأشعر بذات الإحساس الذي خبرته من قبل، لكنه أوضح هذه المرة. لكأنني أغوص بالراحة والفرح.. لحظات تشبه الانبثاق بالعدم، ثم تخمد الحالة دفعة واحدة، لكن آثارها تظل عاملة بالقلب.

- إن الأمور تضطرني إلى تفنيدها بجدية أكبر، فلا أريد أن أصدر أحكامًا متعجلة بشأن ما يجري، خاصة أنه يأتي بفترة محورية من الحياة، تتداعى بها الغرائب والأحداث الجسام، خلال نفسي، وفوق رأسي. كأنما قد جهزت للوجود. ثم الافتتان من بعد، أو صد الفتنة.. الموت.. ربما؟!........ فريد.
- لا أدري ما الذي سيحدث بالضبط . فأنا أكتب من قلب الأجواء الغامضة، محاولاً الثبات وعدم السماح لهذا التشوش الرهيب بأن يتسيد الموقف. فعند هذه النقطة من المسار الحرج للحياة المتربصة لي في الهيش – أتصور حالتي بهذا التعقيد الدلالي – حتمًا ولابد من الهدوء، والصدق مع النفس، كي لا يختلط الحق بالباطل، فتحل الظلمة النهائية بجميع كمالياتها المعتمة.
- إذن سأتلقى ما يحدث بتمعن فائق، وثباتٍ انفعاليٍ رشيد. حتى يجيء ميعاد الحكم القاطع. مع العلم بأنني أدري أن قواي العقلية، لا يمكن تسميتها بالصحيحة تمامًا............ فريد الوهمي.

أعدل من جلستي المقبية. أفرد ظهري، وأعاود تنظيم التنفس. مهيئًا نفسي لتجربة الـ meditation وحيدًا .
لكنني سأطبقها بطريقتي الخاصة – أعتقد أن بوذا بذات نفسه سيكون ممتنًا لذلك – فلا تراتيل، ولا تخيل لتلك الصور المجازية للمستنيرين وهم يخرجون من الورد، ويعانقون القمر.. وما إلى ذلك من ميوعة خيالية قد يطأها الشعر باستبداده المستنير.

أنا أريد فهم الأمر بشكل بائن، لذا، سأتأمل شيئًا واحدًا، نقطة واحدة، سأتقمص الوجود في نقطة، فهذا – بحسب الإرشاد الروحي – هو مفاد فلسفة التأمل بالوجود الحر. فنقطة هى الكل، والكل هو في نقطة يكون.

بيد أنه لابد من التنويه أنك إذا ما أوغلت بالتفكير على هذا النحو المستمر– حتى وإن سلمنا بأهمية ما تفكر به – فأنت لا تكون قد فعلت فعلاً تأمليًا. إذ لامناص عن التوحد كلية مع الفكرة الواحدة، النقطة الواحدة، وحين تتحول الفكرة إلى أفكار، والنقطة إلى نقاط – عبر نفس المفهوم التوحدي– فأنت حينئذٍ قد تجاوزت الحيز البشري للوجود مجسمًا، حيث لا يشكل الجسم عائقًا في تلك المرحلة، أمام الانتقال بالروح.
حينئذ ستكون أنت من أهل الخطوة، ومستنيرًا كبيرًا، مجعد الجلد، أبيض الذقن والشعر، أشعثهما ،غائر البصر، والسمع، تكاد لا تأكل أو تشرب. وتقيم على مشارف قرية نائية، يحسبكَ ساكنوها لا تدري حاجة في حاجة، بينما تكون أنتَ الدراية بذات نفسها. وبالطبع ستعي أن أشكالك لا يصلون الـ نـرفانا إلا في هذه السن الشائخة يا أخي...........

الأفكار لا تريد التوقف، ولا ينفع التفكير بها لأكثر من ذلك، ذلك أنه سيكون بمثابة أفكار موازية.
فالرحمة أيتها الدماغ الأرجوانية.. ولتصمتي لصمتي، وتركزي لتركيزي/ ....
ركز / ركز / ركز / ركز / ركز / كز / كز / كز / كز / ز / ز / ز / . / ./.................
أوغل بأجواء التركيز.. باحثًا عن ركيزة رئيسية أتمسك بها، نقطة أتقمصها إلى درجة التوحد. إن الأمر مجهد بجشع – حقيقة – ولكنني لن أعاود التشظي ثانية. بل سأجد حلاً.. نقطة.. أحدد النقطة.. كما حدث من قبل.. إنها نقطة مجربة.. لتكن ماري هي النقطة...
ماري / ماري / ماري / ري / ري / ري / ي / ي / ى / ى / ى/........................

كم مر من الوقت؟ لا أدري. فما نبهني من هذا الاستغراق النهائي هو أنه قد حدث ما لم يدركه عقلي، رغم أنه قد حدث في خلاله – أقسم أنه قد حدث – لقد طفقت صورة حية لماري. ظهرت بمنتصف العتمة الحالكة التي تمتد أمام عينيّ المغلقتين، صورة حية، مجسمة، بالمعنى الدقيق للكلمتين. حية/ مجسمة/ كانت ترتدي مئزرًا يابانيًا أحمر اللون – كيمونو– باسمة الوجه، وترفع بيمناها صولجانًا ذهبيًا.

بدا الأمر لحظيًا، إلا إنه كان أيضًا من الوضوح الشديد بمكان.. حتى أنني قد أوقفت تفكيري عليه لأيام عدة.. فقد كان غريبًا جدًا.. بالضبط مثل أن يخرج عليكَ أحدهم من التلفاز.

*******

دعوة

كان لقائي بـ ريتا وزوجها ما يمكن تسميته بالعابر، فلم يدر بيني وبين عاصم سوى هذا الحوار القصير. بينما سألتني ريتا بضعة أسئلة مدرسية من قبيل: ما اسم مدينتك؟.. مدينة صغيرة أم كبيرة؟.. مزدحمة أم هادئة؟.. ما رأيك في دهب؟.. ما هو عملك؟.. ما مدة عطلتكَ التي ستقضيها هنا؟... وأكاد أجزم اليوم أن ماري هي التي نوهت لها وقتئذٍ، بأن تكون شديدة الترشيد في استخدام الإنجليزية معي. لهذا فلقد أشعر بسعادة آمنة، بينما تخبرني أننا مدعوان غدًا إلى حفل ميلاد الصغير جاسر...
وقلتُ في نفسي أنها ستكون فرصة جيدة للاطلاع على أجواء اجتماعية جديدة، إضافة إلى أنني أريد اختبار ما وصل إليه أدائي اللغوي بعد قرابة الأسبوعين من التعامل المستمر. إذ أنه لابد وحتمًا من المرور فوق تلك العقبات المعمول حسابها قبلاً. عقبة اللغة، عقبة المال، عقبة الأغراب.....
لقد أفادني العمل بالشركة العظيمة كثيرًا، فلم أكن لأعي هذه المرونة المنهجية قبل التحاقي بقسم تخطيط المشاريع.

- وأين سيقام الحفل؟
- Surprise...
- أرجو أن تكون سارة
- محمية نبق
- Wow...
- منطقة الـ Bedouins
- Woooow...
- ليلاً...
- الرحمة

كم يكون التمني فعلاً مقدسًا، شرط أن يتحقق دائمًا بهذه السرعة.. فمنذ بضعة أيام كنتُ أتمنى المكوث مع البدو بصحراء نبق حتى يأتي الليل. كنتُ أعرف كم سيصبح مثل هذا السمر القبلي – مدفوع الأجر– بديعًا في الظلام، على مشهد الراكية الفائضة بالجمر، ورائحة الشاة المشبوحة على السفود البدائي يقلبها أحدهم فوق الصهد، وضوء الكلوبات – ذات الفتيل– المعلقة بكثرة فوق أوتاد الخيام، وصوت خلاخيل النسوة المبرقعات أثناء الرقص الجماعي، وهذا العدد الوافر من الأجانب مختلفي الجنسيات..
أما هذه الجبال الشاهقة – صانعة الصحراء – فهي لا ُتعطف على كل ما سبق، إذ أنها كيانات مفردة لا تجمع بالأشياء، بل تحيط بها.. وأنا أقترب كثيرًا من الإيقان بأنها سرمدية بصورة ما...

كنت أعرف أن الليل سيكون خياليًا إلى أقصى حد. لكن رحلة السفاري كانت تنتهي قبل الغروب بساعتين تقريبًا. وكان لابد من المغادرة، فلا مواصلات من هناك سوى موتوسيكلات الـ Diesel/ الصحرائية – والتي أتينا فوقها بأربعين دولارًا للفرد – حيث عدنا إلى منطقة الـ Blue Hall لنستقل إحدى عربات الجيب العائدة إلى دهب...

كنت أشعر بفخر لا أدري مصدره، بينما أعتلي موتوسيكل الـ Diesel مسابقًا ماري طوال الطريق، وجرى كثيرًا أن كنتُ أتجاوزها لأسابق واحدًا من ذوي البشرة الحمراء.. أبناء العالم الأول.. الأجانب!


*******

قربان

.....، ليلاً من المعبد طالعًا، مر الموكب إلى جوار المنارة الكبيرة للتبرك، وقد كان الخروج من بعد فراغ قربة ماء مثقوبة إبان مقدم الليل مباشرة، طِبقًا لحسابات الوزير معت – والذي كان قد أجرى عدة تجارب خلال مدة الستة أيام.
بالمقدمة يمشي الكهنة بحيوية واستقامة – لكأنهم لا يشيخون رغم هذه الشعور البيضاء والتجاعيد الظاهرة – يتوسطهم الملك فوق محفته، وعن يساره محفة العروس محكمة الستر.. بالتبعية كان هنالك نفرًا غفيرًا تكاد همهماتهم لا تخرج من فرط الصمت، ويحيط حملة المشاعل بالجميع لإنارة الطريق بشكل منظم....

انتهت المسيرة إلى المنصة، والتي عمل نجارو الأسطول بأنفسهم يومًا كاملاً على نصبها بما يليق بقداس استثنائي كهذا، فلسوف يحكونه لأحفادهم بعد مرور الحياة من هنا، قرب منجرية السفن...

تكلم رئيس الكهنة بصوت تعود الاستهلال والخطابة الروحية، فبدا صوته مقدسًا: سيدي الملك.. المحترم رئيس الوزارة وأعضاء وزارته.. ثم من بعدهم.. فالموالي وجهاء البلاد والقرى، ومن بعد أذكر كهنة الأنحاء جميعًا والمقدسين الورعاء... إنه في هذه الساعة الحالة، لابد أن يشعر الجميع بالمسؤولية والرهبة الغائلة، فاستحضروا الصمت.. لئلا يكون أحد من الوقوف مغضبًا للنهر، فالنهر لا يقبل أن يحضر عرسه مغضبًا له ولو كان بكلمة أغضبه.. لذا ليذكر كل منكم أفعاله بنفسه، فإذا وجد ذنبه فليرحل آمنًا كي يستقبل النهر عروسه بالشيء الحسن..............

- هل تحترمينه؟
- أقدسه. (وكانت الفتاة تحدق بومضة نجمة على ظلمة النهر)...
- هل تحبينه؟
- أعشقه. (ويسمعها الفرعون الشيخ حائرًا بهذا الكيان الناطق...)
- أتقبلينه زوجًا راضية غير مرغمة؟
- أقبله وأتمنى رضاءَه بي زوجة أبدية. (قيد صوتها الرقيق بدت تعني ما أجابت به)...

توجه اثنين من أشداء كهنة المعبد إلى محفة العروس، تأبطاها من ذراعي مسوحها، متقدمين بها بتؤدة، على مبعدة من خطوات رئيس الكهنة البطيئة المقدسة، سيارين إلى منتهى المنصة الذي اكتُنز عرضه بما لا يكفي لمرور أكثر من هذا العدد في صف واحد، وقد تبع الموكب النهائي المهيب بقية كهنة المعبد في صفوف ثلاثية متقاربة... كذلك لم يستطع أحدًا من النفر الغفير أن يقترب لأكثر مما هو عليه، فلا أحد بالطبيعة يستطيع تجاوز محفة الملك القابعة عند بداية المنصة...
- تقبل أيها النهر الإله عروسك الحية، زوجة مطيعة وراضية، ولتفض بصباح عرسك على البلاد والقرى من نبع نعمتك الأبدية..

وكان صوت استقبال النهر لعروسه مدويًا إلى مسافة، فتصايح الوقوف بأذكار الرهبة وتضرعات القبول، بينما كانت الشمس تضرب أول شقشقة بالسماء... نظر الفرعون الشيخ بإعجاب للواقف عن يمينه الوزير معت، فتمتم الأخير بـ"أجنادك سيدي الملك" شاعرًا بزهو إذا يتلفت بوجوه الوزارة...

على أثر إشارته المزدوجة، ارتفع الحملة بمحفة الفرعون الشيخ ومحفة العروس الغارقة في وقت واحد. فتنظم النفر الغفير تلقائيًَا بحيث أصبحت المحفتان تتقدمان المسيرة العائدة، وصار الكهنة إلى الخلف كثيرًا....

*******


المعبد الذي على البحر

- Fareed....!
- أريد مواصلة النوم!
- get up.. get up get up
- مش قايم يا ماري (بدا لي أنني على حافة استعمال المحلية النابية)
- لن أدعك to (تشد الغطاء بضحكة ماجنة...)

دائمًا ما أعتقد أن النشاط الجسماني هو أيضًا نوعٌ من الحضارة – الثقافة – ذلك أن حاجتي القهرية للنوم لفترات طويلة، تجعلني أبدو كالميت مقارنة بها. لكن ذلك لا ينفي طبيعة هذا الاسوداد الشفيف تحت جفنيها، وهزة أصابعها حين تمسكُ السيجارة.. تلك الأعراض الناجمة عن قلة النوم وفرط التدخين. مما يجعلني أراجع المعادلة بشكل يومي، منتصرًا لثقافتي النائمة في كثيرٍ من الأحيان.

تناولنا فطورًا من القهوة والعصير، ثم انطلقنا سريعًا إلى الخارج. قالت أننا ذاهبان لشراء هدية لـ جاسر، ابن ريتا، مما جعلني ألعنه في سري، فلم تكد الساعة تغادر السابعة صباحًا بعد.

تقول شيئًا لسائق الجيب، فينعطف بنا في طريق رملي، يقترب من البحر كلما توغلنا بداخله!.

النوم ما انفك يملأ رأسي، ويجعلني ناقمًا على العالم بشكل لا إرادي. ثم أنني لا أفهم سر هذه السعادة الطافحة على وجهها بلا مبرر، وماذا تعني هذه الابتسامة المنتصرة!.. أهو حنين إلى الأمومة يا ماري؟ أم هي قلة عقل منكِ؟ أنا توقظيني من النجمة لشراء هدية لابن صديقتكِ وأنتِ الوحيدة التي تعلمين كم شقيتُ ليلة أمس؟ إذن فلا تكرريها مرة أخرى يا هانم.. وإلا عليّ النعمة لـ ........

تقف السيارة. فأفيق من غفوتي الغاضبة على أثر الفرامل، أفيق مباشرة على مشهدٍ بديع – من الفئة الخالدة بالنسبة لذاكرتي الضوئية – لقد جعلني المشهد أنتبه انتباهة من نام ليومين متتاليين – بلا توقف – فمن الندرة أن تحيا لحظة كهذه.. لترى تصميمًا إسمنتيًا بالغ الروعة، يضرب في الفراغ بطول يراوح الثمانية أمتار، ويبتعد عن البحر مسافة لا تتجاوز بضعة خطوات.. وهو في الفراغ مفرد، وحيد، فلا شيء يحيط به من أي اتجاه لمسافة تقترب من الخمسمائة متر...
إنه صرح بوذي مصغر، ومصممٌ بضمير، يقوم هيكله الأساسي على مساحة سبعين مترًا تقريبًا ( 10 * 7 ) م2. ولكن الأدهى من الفكرة.. هو دقة تنفيذها، وهذا الإتقان البائن لشكل الأعمدة، والسلالم العريضة المرتفعة حتى الباب خرافي الجمال، وإفريز السقف المسحوب لأعلى من أطرافه الأربع، وتلك التربيعة المكتنزة من أسفل إلى أعلى بالباحة الرئيسية للبناء... إنه شغلٌ شديد الفنية في الواقع...

يحد من انبهاري مرأى عاصم والكثير من العمال يخرجون من الداخل، بينما راحت ماري تضع يدها فوق فمها لتكتم صراخها الفرح، المتزايد.. ناظرةً نحو عاصم بمنتهى الامتنان والتبجيل. ألمح عددًا من العمال – الذين ينز فقر التنائي من وجناتهم المدببة – يلمزون فيما بينهم ويختطفون البصات إلينا، وأكاد أجزم أن تلك السعادة المرتسمة فوق وجوههم، هي من ذات النوعية التي تصيبهم حينما تأتي الملاهي إلى قريتهم......... فريد الوهمي...

هي تبني معبدًا على البحر– ياللخيال العلمي– معبدًا بوذيًا حقيقيًا، وليس مجازيًا كما كنتُ أتصور، فلطالما ظننت أن الشاليه الذي تستأجره من oom sabeeh هو المقصود بهذا المصطلح "معبدي الذي على البحر"، والذي ورد لأكثر من مرة في رسائلها.

- أوم تاري توتاري أوم. أوم تاري توتاري أوم . أوم تاري توتاري ...........
(هي تذكر للأرواح البوذية الكبرى بالسنسكريتية)

...، وإذن أنتِ ثرية زيادة عما تصورت أيتها الشقراء الأجنبية. ومن ثم فأنتَ السيد الـ contractor يا/ عاصم الشمالي المتذاكي... الآن قد أتفهم سر اهتمامـ...............

- لا أدري لماذا أحمل استهجانًا دائمًا تجاه شخصيات بعينها. ذلك على الرغم من كون عاصم قد صافحني بحرارة، وكلمني عن ملوحة الأرض، ومدى قوة الإسمنت المائي المستخدم في الأساس والأعمدة، ونوع التشطيبات التي ينوي استعمالها بالأرضية والأبواب والنوافذ.. كنت أنتظر مبررًا يُثبتُ نقمتي عليه، بيد أنه لم يعطني شيئًا... فريد الوهمي...

- من صاحب الـ design؟ (نحن نتفحص المبنى من الداخل...)

- Me... (ماري تنطق الأنا بانتشاء عظيم)...

- إن مفاجآتكِ لا تنتهي يا فتاة

- لعلها تسعدكَ

- Greatly سعادة.. لكن حدثيني بالحقيقة.. هل تنوين التبشير في دهب؟.. hahahha.. أم ستقومين بالخلوة.. هاهاهاههـ...

- لا هذا ولا that، إنه كما ترى تصميم منزلي، غرفة استقبال، غرفة نوم، مطبخ، bathroom.. أنا سأعيش هنا، لقد تخيلته منذ جئت إلى هنا.. ثم إنني لستُ ممن لديهم القدرة على القيام بالتبشير. فأنا حتى لا أستطيع الخلاص بنفسي، فكيف لي بالآخرين...

- والدراماكايا!

- of course سأواصل هنا ما بدأته، Marten يمدني بالتعاليم أولا بأول، وقد بدأت أحقق تقدمًا...

في طريق العودة، لمحت الكهل الكسيح من نافذة السيارة أمام أحد البازارات، واصطدمت عينه الحقودة بعيني... لكأنه كان ينتظر عبوري يا أخي...... اللعنة.



#أحمد_عبد_العظيم_طه (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/8
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/7
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/6
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/5
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/4
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/3
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/2
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/1
- 00
- كتاب التبيُّن
- كتاب الخواطر
- الصورة الكاملة -فصل من رواية-
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/8
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/7
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/6
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/5
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/4
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/3
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/2
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/1


المزيد.....




- شاهد: فنانة وشم تونسية تحيي تصاميم أمازيغية قديمة للجيل الجد ...
- إيقاف الراديو العربي بعد 84 عاما من البث.. -بي بي سي- تعلن إ ...
- بي بي سي تخطط لإغلاق 382 وظيفة في خدمتها العالمية توفيرا للن ...
- هيئة الأدب والنشر والترجمة تطلق معرض الرياض الدولي للكتاب
- نادية الجندي تكشف مواصفات فتى أحلامها: من حقي أتزوج ولا أحد ...
- فنان مصري مشهور يثير الجدل بوشم أثناء أداء العمرة في السعودي ...
- -الفلاش باك- لعبة الذاكرة في السينما.. لماذا يفضله المخرجون؟ ...
- الأردن يرشح فيلم -فرحة- الروائي لنيل الأوسكار في الدورة 95 ل ...
- ممثلة مصرية: هشام سليم تعرض لإساءات كثيرة آخر أيامه
- الرؤيا والتشكيل في قصيدتي: -الليل مهنة الشعراء- وقصيدة -1917 ...


المزيد.....

- هاجس الغربة والحنين للوطن في نصوص الشاعرة عبير خالد يحيى درا ... / عبير خالد يحيي
- ثلاث مسرحيات "حبيبتي أميرة السينما" / السيد حافظ
- مسرحية امرأتان / السيد حافظ
- مسرحية ليلة إختفاء الحاكم بأمر الله / السيد حافظ
- مسرحية ليلة إختفاء فرعون موسى / السيد حافظ
- لا أفتح بابي إلّا للمطر / أندري بريتون- ترجمة: مبارك وساط
- مسرحية "سيمفونية المواقف" / السيد حافظ
- مسرحية " قمر النيل عاشق " / السيد حافظ
- مسرحية "ليلة إختفاء أخناتون" / السيد حافظ
- مسرحية " بوابة الميناء / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/9