أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/3















المزيد.....



بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/3


أحمد عبد العظيم طه

الحوار المتمدن-العدد: 7254 - 2022 / 5 / 20 - 06:11
المحور: الادب والفن
    


موسيقى

- It s good ..That s right? (ماري تقرأ أفكاري وتشير إلى السيجارة مادحة؛ بينما تزم شفتيها وتنفث الدخان من منخريها في وجهي بتأن).

- Yeah. That’s great! (تقبلني في عنقي.. بالأحرى تعقرني من فرط حاجة للدماء على ما يبدو)...

- Music?..The best one... (تضع اسطوانة بالمشغل وتضغط الزر، ثم تتمدد إلى جواري متدرمغة...)

تنساب الموسيقى التي لم أكن أتخيل وجودها بهذا العالم، ولا حتى بالعوالم المجاورة، فهي موسيقى لم تدرج في وعيي من قبل قيد كل هذا الجلال. أنا لا أعرف الآلات التي تعزف، ولا أفهم الملائكة الذين ينشدون جماعة. ولكنني أشعر تقريبًا كما شعُرتُ أول مرة، حين أسمعني مارتن موسيقاه القادمة من الأعالي – التِبت تحديدًا– أشعر أن كياني كاملاً قد اجتمع في صدري، خفيفًا، فرحًا، قلقًا،...
غير أنها حالة شديدة الإرهاق روحيًا في الركون إليها، ومن الأكيد أن صوت الأمواج وهي تضرب الشاطئ الصخري أمام الشاليه، قد صنع معادلاً موضوعيًا ما بين واقعية المكان وخيالية الموسيقى.

- نعم! المكان!.. المكان والزمان!!.. زمكان!!!.. مصطلح لا نهائي؟.. مضحك!.. مضحك جدًا!!...
- لا لا عفوًا: فلا زمان بالموضوع أصلاً.
- إذن الأمر من قبيل كتابة الغائب إلى الغيوب شيئًا ما عما يكتب والسلام يا أخي.. لا بأس!.. ألف لا بأس...
- إنه المكان.. المكان فقط..
- نعم!
- المكان. فقط.
- ماذا تفعل بالضبط يا أخي؟...
- ليس لك فيه شيء...
- كلب حقير...
- .....، كما أعتقد أنه لابد من وصف مبدئي للمكان، حتى وإن كان وصفًا مختصرًا بدرجة ما، غاية الإيفاء بالتزامات التصور الحكائي تجاه المسألة الروائية. الروائية! الروائية؟ روائية؟؟؟ خخخخضحكككـ..... فريد الوهمي...

تمام..
إذن فالشاليه عبارة عن غرفة نوم مكتنزة بعض الشيء وصالة واسعة بمنافعهما. الصالة مُزينة ببعض السجاد اليدوي على الحوائط، إضافة إلى بعض اللوحات الورقية ذات الطابع البوذي – أوجه شرق أسيوية في أردية بوذية – وقد جردت ماري حائطًا كاملاً من معلقاته، فقط لتعليق هديتي لها. لقد أهديتها طرحة حريرية كبيرة؛ مرسوم عليها تكوينات غامضة من اللون الكُحلي فوق خلفية من الأزرق الزهري – إضافة إلى سلسلة من الفضة الخالصة لها قلب كبير على هيئة كلمة love.

هنالك منضدة خشبية، يقبع فوقها تمثال صغير من البازلت الأسود لـ بوذا في ملامح فائقة القسوة – للمرة الأولى أراه عابسًا بهذا الشكل – إلى جوار التمثال يوجد شمعدانٌ عاجيٌ لشمعتين، وبعض أعواد البخور، وكتابان في حجم الجيب مكتوبان بالتبتية.
أرضية الصالة مفروشة بالحصير البدوي المصنوع من السَمَر، وتصطف الوسائد والتكايا إلى جانب الحوائط في قعدة بدوية متواضعة. لذا فإنني أيضًا أعتقد عقب هذا التفحص السريع؛ أنه لابد من الاعتراف بأن هذا الشاليه الصغير غاية في البساطة والروعة.

تحتك بي ماري وأحتك بها – حينما نحن على وسادة واحدة نحتكم – وقد نجح عقلي في التغلب على أثر وقوع الموسيقى والبانجو فوق روحي .
صرتُ ألتفتُ إليها كلية، فقد شردتُ عنها بعيدًا بالسرحة الأخيرة، وهي لا تستحق مني كل هذا الشرود. أشبك أصابعي بأصابعها وأضغطهما بصدري، فتلقي هائمة برأسها على كتفي، ويلثم شعرها أنفي، وتتنفس أنفها عميقًا من جلدي. لقد جاءت اللحظة شديدة الوجدانية وكاملة الحضور إلى الدرجة التي أسكرت روحي معها...

- كنتُ أراك تخرج من هذا المصباح (تشير إلى مصباح الصالة) وأحيانًا من إحدى هذه الجدران.
- So.. الأمر كان شبيهًا بأحلام اليقظة؟ (أتساءل بهدوء لمعرفتي بحساسية الأمر)...
- لم تكن أحلام يقظة.. ليست أحلامًا!.. كنتُ أراكَ وأكلمكَ بالفعل.. لقد explained لك من قبل! لكن يبدو أنك كنتَ تتفهمني وقتها على سبيل المجاملة. (ظهرت عليها التعاسة...)
- لا.. أكيد لا.. لم يحدث شيء من هذا..only أنا أستوضح كيفية ظهوري، that’s تقديمًا لسؤال آخر حول علاقتكِ بالأرواح.. أرواح البحر على سبيل المثال.. هل كنتِ تشهدينها بنفس الكيفية؟!..
- هؤلاء هم أصدقائي.. أراهم وقتما أرغب رؤيتهم !ok.. ولكنك كنتَ تظهر بكيفية مختلفة عن كيفيتهم.
- أحبك.
- أنت لا تصدقني.. أليس كذلك؟.
- أنا أعلم أنكِ لستِ مضطرة للكذب.
- Yeah.. فعلاً!.. أنا لست مضطرة للكذب.. فكم تمنيت طوال عمري أن تكون هذه الأمور جميعها kind من الوهم.
- I think أنها تعد أمورًا غريبة ومن الرائع أن تحدث لأحد.. فلماذا لا تحبينها؟...
- Because they are تجعلني أبدو كالمجانين. حتى بالنسبة للمقربين مني.
- بل على العكس.. فهي تميزكِ كثيرًا.. أنا About myself، كنتُ أتمنى أن أمتلك مثل هذه الخواص الفريدة!.
- ولكنكَ لا تحتاجها.. إنكَ الأكثر فرادة ممن قابلتهم In my life.
- Wow! أكثر فرادة من شخص كمارتن على سبيل المثال؟!.
- بالطبع أنا لا أغفل شخصًا مثل مارتن، خاصة بقيمته المعرفية الهائلة، وكونه مرشدي الروحي الوحيد.. و...و... لكنني أتكلم عما اختبرته معك.. قوة الـ Spirit.. لديكَ روح ضخمة.. Very strong.. ولكنك تبدو أحيانًا كآخر من يعلم.
- أكاد أصدق!..
- ....................
- .....................


نتواجه بأعيننا، نتحارب بأنفينا، ثم تبدأ معركة حامية الوطيس. هي تحب العنف أحيانًا، وتتأوه بطريقة قططية غاية في الإثارة، وغير مصطنعة بالمرة. وجهها يحمل تعابيرًا قلّما وجدت من تنتحها بصورة صادقة؛ صورة تشي بهذا الغياب الحيواني التام في نشوة التلاحم. هذا وزادني غنجها الاستثنائي شغفًا، خاصة مواء القطط في موسم التزاوج، عندما هزجتْ الأنثى/ Daawooo... ……..Daawoo

- You are a wild! (تشكرني بدهشة عميقة، وألمح أثرًا للحياء الأنثوي)...
- Thanks for calling. (تضحك برقة، وأقهقه عاليًا)...
- ......................... (كيف ستكتب القهقهة عاليًا يا ترى!)...
- ..................


*******

مي

.............، وكان مطرًا غزيرًا، وريحًا، والأرض مليئة بطينٍ صنعته أكوام البلدية على جانبي الأسفلت، والناس يكنون في بيوتهم، وأسفل تندات المحال، تقديرًا لهذا الجنون الطبيعي الذي لا يتكرر إلا كل أعوام... و.. Nokia Tone .....

- ألو..
- آلو أيوا.. إنت هنا وللا في المعسكر؟..
- هنا من أول امبارح.. أجازتي بـ...
- طب تعالالي حالاً عند الموقف وهات معاك فلوس. (نادرًا ما تقاطعني مي!)
- خير.. انتي اتجننتي في دماغك؟ رايحه فين في جو زي ده؟!...
- من غير كلام عشان خاطري وبسرعه هه.. بسرعه...
- ... حاضر.

أعطيتها مائة وخمسون جنيهًا مبللة، وبضع أسئلة قلقة لم تجبْها كما يجب، وقالت للسائق شبه الملثم: "اطلع مخصوص وخد اللي انت عايزه". وكنتُ لم أفهم شيئًا عدا إشارتها إلى الهاتف وهي ترفع الزجاج باكية...

*******
سجائر

يدخل كل منا في دخان سيجارته، ونصمت شيئًا فشيئًا. هي تدخن مارلبورو أبيض سويسري، أما أنا فأشرب روثمانس أزرق محلي. وكنتُ أحضرت خرطوشتين كاملتين في جربنديتي تحسبًا لفروق الأسعار، وعملا بما تعلمته من المحافظة على نوع السيجارة أمام الأغراب – خاصة الأجانب– وعلى الرغم من شوقي إلى تذوق تلك البيضاء السويسرية، إلا أنني صرتُ أتصنع أمام نفسي عدم رؤيتي لعلبتها من الأساس.

تسألني إذا كنت أريد احتساء القهوة، فأومأ مبتسمًا أن surely...

- لا أعلم ما الذي يجعلني أشعر بكرمها الشديد وهي تسألني عن كمية السكر التي أفضلها – رغم أنه سؤال طبيعي للغاية. في اعتقادي أن الأمر يتعلق بهذا الشعور المتجذر بالدونية، إزاء تصرفات الأبيض الغريب.

- وهو شعور عام ومتعارف عليه، يصيب عادة شعوب المؤخرة الإنسانية في جميع شرائحها. فمنهم من لا يدركه من الأصل كشعور فاعل بتركيبته النفسية، ومنهم من يتعامل معه كحتمية طبيعية في سلم الطبيعة. والبعض الأخير قد تتلبسه نعرة محلية طافحة بلغط تاريخي شديد. وكم أسهبتُ- ذات مرة- بالشروح المتعلقة بصفاء العرق، وقداسة السلالة، وإنني لأنحَدِرُ من أصلاب تضرب بهذه الأرض منذ ثمانية وأربعين قرنًا...

- وكان موطنهم على الماء، وأفكارهم بهيولية السماء، وحقولهم لا تفرغ من الحنطة، ولهم تماثيل وبرديات سرية ومقدسة جدًا بمدينتنا، تجهلها الحكومة حتى.. ولا يبيعها أهل المدينة بمال الدنيا للأجانب...

- كنت مستغرقا بالكذب، كأنني لا أكذب – لا أكتب – بل كنت أستشعر ما أقوله كحقيقة مجهولة، أكتشفها لأول مرة. غير أن مارتن كان قد فقد السيطرة على ضحكه أثناء قيامه بالترجمة، فافتضح الأمر، وغاضبة جدًا كانت ماري، من بعد انبهار قوي...

أنتشي في نفسي وأنا أفكر بأحاسيس تلك الأيام.. أيام القاهرة.. المدينة اللعوب.. الأرملة السوداء.. كما كان يقول الرجل الذي.. الرجل الذي... الرجل الذي قالها...

*******
تدوين

...............................................................................................................................................................................

- وما كان شيئًا بالفراغ واضحًا بشدة.. كل الأشياء واضحة بخفوتها الطبيعي، عدا هي.. كانت...
- من كانت؟.
- حبيبتي يا أخي كانت!..
- لم يكن عندك واحدة.. أنا أدرى بما حدث.
- وأنا أدرى بنفسي يا أخي.. ألا ترى يا أخي أنني أولىَ منك بذلك يا أخي!!.. وللا إيه يا أخي؟!.. (وكان يدور عصبيًا بمحيط الغرفة).
- Huh...
- إتحرق بجاز وسخ.
- لا تخرج من الحالة.. نفد حشيشك، والعودة صعبة في حال الخروج.. Huh .. ما رأيك؟...
- يعني إيه في ليلتك السوداء هذه يعني.. إنت مش غاير في مصيبه الساعه تمانيه!.. ريحلك شويه يا أخي!!...
- كما أنت سائر تسير.. تسييير.. فقط قصدت تنبيهك.. تسيييير...
- بس انا كنت بحبها...
- لا بأس.. احتفظ بهدوئك.. أنتَ كنتَ تحبها.. لا بأس أبدًا.. تحبها شيئًا خافتًا طبيعيًا ومثل هذا الكلام.. هه؟...
- بل حبيبة يغشى عليه القلب إن تنسمها الكلام الغيهبي وسار نحو محيطها المتجمد من فرط ما تـ......
- Nice.. سر كما أنت سائر... لا بأس أبدًا.... تسييييييير...
- غور ينعنـ.....
- ولكن ما تفعله لا يمت لنا بصلة!... أين الـHuh .. أين يا أخي؟.
- محضرتوش.. البخور خلص يا أخي...
- خخخضحكككككـ...
- قول بقى ان انت اللي بتحبها بجد مش انا.. قول كده وريح واستريح يا أخي.. المجد للـ Huh يا أخي!..
- بل قل المجد لإرباك البنية الخارجية... الفصل الأخير/ صـ الأخيرة....
- برافو عليك.
- لعبة غنائية!.
- بقولك إيه.. ياتفُكك ياتفُضك.. ماشي؟.
- والرواية؟؟...

- اللعنة!.. لا أدري ما جدوى هذا النوع من السخائف الذاتية غير المغلفة بمشهد حكائي يجيز منـ....
- سأستيقظ مبكرًا.. ولابد من النوم.. سأغمض عينًا واحدة يا أخي.. فلا تجزع.. أنا نائم.. تصبح على خير... نائم.. أنا نائم.. خذ راحتك...

- شغل مش بطال.
- خخخخخ... صوت النوم/ غطيط/ شخير...
- ..........................
- ....................
فرغتُ من ذلك التدوين المبدئي قُرابة الفجر، عندما نضب دمي من آثار آخر سيجارة ملغمة بالشاليه. وكنتُ قد سمعتها تهاتف سِلمي أثناء استغراقي بالكتابة، قبل خلودها منفردة إلى السرير. لهذا قلت مُصبرًا نفسي: "من الأكيد أن هناك إمدادات ستجري بالغد يا نفسي". فما أروع الأقدار إذا استجابت، وما أحلى أنفاسك النائمة يا ماري...
غالبني النعاس بشكل واقعي، ورحتُ في سبات تدريجي إلى أعماق النوم. وما أتذكره صباحًا هو فقط أول الغفوة، حين يمكنك اختزان هذه المشاهد الافتتاحية لتحول الأفكار إلى أحلام بثنايا ذاكرتك، فكنتُ أُسرعُ بالمشي عكس مجرى السيارات في شارع عدلي.. محافظًا على محاذاة الخطوط البيضاء المتقطعة.. معي جردل مملوء بالجير السائل.. ومقشة بلح صغيرة بدلاً عن الفرشاة.. كنت أغمس المقشة بالجردل وأصل ما بين الخطوط.. ثم كان ثباتًا عميقًا...

- الأكثر طبيعية القول: ثم كان سباتًا عميقًا.
- لما ييجي دورك إبقى اعملها كده.. أو هكذا...
- مفرط الأنوية أنت يا أخي!.
- شكرًا عـ المعلومه.. بس لعلمك انا مغلطتش فـ حاجه.. هو ثم كان ثباتًا عميقًا زي مابقول مش التانيه.. وكل واحد يفسر زي ما هو عايز يقتنع.. حتى لو هيفسر فـ وش اللي جنبه.. أنا خلاص قرفت.. قرفت.. قرفت بقى يا أخي...
- So ؟..
- !So!So.. اهاههاهاههاهاهـ....
- بالعجلة الندامه يا أخي.. من يضحك أخيرًا يـ...
- هاهااهااههاهاهااهاهههههاهاهههاهاهـ.... (ضحك مفلوت من عقاله)...
- .............. فريد الوهمي... (ضحك مكتوم يحدث داخليًا بسرعة).


*******

النقلة

منتبهًا لهذه النقلة الموسيقية المفاجئة، أنتفض منتبهًا لهذا الفن الغريب، .........
- ..Huh!.. hahahaha....
- Excuse me... حدث شيء... (كنتُ قد سحبت ذراعي من حول عنقها بغتة كي أتيح لأذني الالتصاق بسماعة مشغل الاسطوانات...)
- Ok.. خذ حذركـ hahahah... (مخدرة إلى حد السخرية أنتِ يا ماري)...
- .......................

إنهم الإخوة التبيتيين قد انتقلوا مِن مقامٍ صوتي إلىَ مقام آخر غريب.. مريب.. بالأخير هو مُصنف موسيقي يتبع الإنشاد؛ أو الذِكر– على حدِ تعبير مارتن – ولكنه وقور وجدي إلىَ درجة إلتغاء صفة الفن عنه. فما أسمعه يحيلني لا إراديًا إلى أجواء طقوسية تم موسقتها عنوة، واختيرت أصوات كهنتها بمفهوم لاهوتي متعصب. كما أن اللغة التي تعتمد على حرف مركزي يقع بين التاء والشين، لها دخل كبير في ظهور الموضوع بهذا الشكل الشبيه بالتعازيم السحرية.

إنهم يلقون بعزيمة السعادة، وبصورة خاصة أنا أعرف هذا المقطع الذي يُنشدونه الآن أولئك المواجيد...

جتا جتاي بارا جتاي بارا سونغ جتاي بودهي ساجا
تاديتها..
جتا جتاي بارا جتاي بارا سونغ جتاي بودهي بودهي
....................................................

وهكذا تظل تكرر وأنت مغلق العين، متنفسًا بانتظام عميق.. شهيقًا وزفيرًا بانتظام عميق.. انتظام عميق.. نظام عميق.. عميق...... ـميق...... ـيق.......... ـق.........ق...........ﮞ..........................................................

حتى تشعر بنفسك.. فقط نفسك ولا شيء سواها في جهازك الشعوري يكون.. ستشعر أن روحك تبتسم في سعادة حقيقية، لكن ليس لمدة طويلة، لحظات قليلة.. سعيدة.. ثم لا شيء.. لاسيما وأنك تعود إلى طبيعتك مندهشًا.. شاعرًا أن قلبك قد أصاب سرًا...

خبرتُ هذه الحالة، بعد مجادلة حادة بيني ومارتن، دارت حول جدوى هذه الشعائر في ظل عدم فهمها كلغةٍ. عندئذٍ بدأ إقناعي قائلا بانجليزية سهلة: "الأهم من الفهم هو جودة التطبيق ونسبة الإيقان بما تفعل".

- إنك تعبر عن معنى الإيمان!.. ولكن في هذه الحالة لابد على الأقل من لغة للتواصل.
- ستجد اللغة بعد أن تجد إحساسها.
- أعتقد أن هذا نوع من الهذي الفكري! تشوشٌ لا داعي له.
- سأقول لك مفاجأة.
- قل!..
- .................

- ..........

لقد أذهلني عندما أوضح أن التبيتيين أنفسهم – عدا فئة شحيحة من كهنة المعابد – لا يفهمون لغة هذه الشعائر، هذا أنها تكون سنسيكريتية الأصل والأسرار. لكن الناس– التبيتيون العاديون– يُحسون تأثيراتها الروحية بمنتهى القوة، وهم على يقين من أنها أصوات مقدسة تتنادى بها الأرواح ذات الجودة العالية، سواء أكانت تلك الأرواح تقبع بجسدٍ أو تهيم بأرجاء الكون...

قلت له: أريد تجربة شيء يؤكد ما تقوله، فغريب ما تقوله، والأغرب أنك تصدقه يا مارتن
حاد الذكاء.

صمت برهة قصيرة بينما كان يرتب أوراقًا وكتبًا، ثم وجه عينه بعيني قائلاً: سـأعلمك شيئًا من ذلك.. على أن تعدني بألا تجربه وحدك، أو تُعلمه لأحدٍ آخر.

- (أومأتُ له برأسي أن أعدك.. متحفزًا لتلك الخطورة التي شحذت الأجواء عقب عبارته)...

تربع أمامي على الأرض بوضعية تأملية، وأمرني بحفظ هذه العزيمة حفظًا جيدًا.. كان يقول وأنا أردد..... أنا أردد.... أردد... دد.. استقرت الكلمات المبهمة بذاكرتي وأصبحتُ أكررها بسرعة تقترب من سرعته في آدائها. فعلمني طريقة التنفس العميق أثناء التلاوة، ثم أشعل بعض أعواد البخور عطرية الرائحة، وجعل الإضاءة الزرقاء متوسطة الخفوت – كنا في شقته بشارع الفلكي، والتي تعج بالكثير من العجائب– أغلقتُ عيني وشرعت في الترداد، بسرعة متصاعدة، تؤمني رئتاي في طريق المعرفة. شعرت بما شعرت للحظات قليلة، ثم زال الأثر.. ومات الجلال. ولكنني كنتُ قد انطلقت في الضحك بصورة هيستيرية.

- هنالك خطأ!
- العزيمة ناقصة عن قصد.
- إيفاءًا بالوعد؟...
- نعم.
- يجوز!.
- اللعنة.. حقيقة اللعنة...
- Huh...

أصابته نوبة الضحك عن طريق العدوى تقريبًا، وعقب مسرورًا: لقد انتابني ما ينتابك الآن تقريبًا – عندما أديتها للمرة الأولى بـ نيبال، مما حفزني علىَ أن أسأل مرشدي الروحي، "نوربيو"، في ذات النقطة التي تسألني بها أنت.. كيف أشعر وأنا لا أفهم؟!. عندئذٍ قال لي: هذه العزائم تخاطب الذات الأولى للإنسان، تلك التي تقبع بداخله كالعفريت، ولا يعرف الناس العاديون عنها شيئًا. وعندئذٍ فهمت أن الذات الأولى للإنسان منا تتحدث السنسيكريتية!...
................

*******



تعدد

...، ومالك يا رمزي تتقصع هكذا في مشيتك كالأفعى، وتفرحك عيناك السوداوتان، الكحيلتان ربانيًا، فتبحلق بهما في الغادين والرائحين، فإن يزغر لك فيهما أحدًا،عدت كما ولدتك أمك بالبلد، ولدًا، مكسورًا، حنيذًا، تتنازعك ذاكرة القشف فيتطين وجهك بالغضب والقلق المميت.

- سرحان في إيه يا فري؟.
- في الدنيا بنت المجنونه يا رمرم.
- ... أنا مروح.. انت هتستناهم فين؟.
- في المشربية.
- ماشي.. لو رائف جه معاهم ماتنساش تقولّه اني جبتله تليفون الموزع...
- حاضر.
- أي خدمات؟.
- شكرًا...

حَلَّلْتُ ما يدفعني إلى معاملته بهذه التحجيمية، فوجدتُ أسبابًا عديدة، أوجهها أنه من النوع الذي يمكن أن يُقابلك صدفة بالمترو في الساعة الثانية ظهرًا!، كما أن تلك القصة الوضيعة التي حكاها عنه مارتن، قد أثرت في انطباعي تجاهه إلى حد بعيد. قال أنه حاول التهجم على سيرينا – إحدى صديقات مارتن اللطيفات جدًا – أثناء زيارة للقلعة، مستغلاً انفراده بها في أحد الممرات المظلمة، ولولا تدخل الأخير لكانت قد أصرت على تحرير محضر.........

تعود ماري بكوبين كبيرين من القهوة بالحليب. فمتناولا كوبي أخرج من استغراقي المتكرر بمتاهة الذاكرة. بيد أن ما يعجبني أيضًا لأكثر من مرة في الحقيقة، هو ذلك التناسق البديع بين ما أحياه وما أتذكره.
تسألني إذا ما كنت أرغب في تناول القهوة خارج الشاليه، فأومئ لها أنه بالطبع أريد هذا وهو good. هي ترتدي مِئزرًا يابانيًا أحمرًا – كيمونو – يعيش على ظهره عقربًا مطرزًا بالأسود، ومُشرعًا ذنَبِه استعدادًا للدغِ من يهاجمها من الخلف – لهذا المِئزر دورٌ مهمٌ بما صار يَحدثُ الآن، ولكنني أحكيه فيما بعد إذا أسعفتني الذاكرة. أنهض لأستر نفسي، مرتديًا الـShort والـT-shirt اللذان اشتريتهما من أجود الماركات قبل مجيئي مباشرة.

لم أكن أتوقع أن الدنيا قد أمست مغربًا، إلا وهي تعطيني كوب قهوتها، كي تتمكن من الانحناء لفتح بوابة السور– السور مبالغ في ارتفاعه ومزجج بالكثير من الزجاج – جُلت ببصري في فناءِ الشاليه، لا شيء يُرىَ سوي نخلة قصيرة من النوع الذكر، والقليل من نباتات الشوك الشيطاني تتناثر هنا وهناك، وحبل غسيل عليه بعض القطع الداخلية. ولقد عجبتُ لغسيل ماري – ذلك أنها أجنبية وتغسل – ثم تبعتها معجبًا.

نخرج...
لنجد البحر أمامنا، والسماء فوقنا، وطريق رملي مكتنز تحت أرجلنا.. الأجواء أسطورية بهذا الشكل – شكلٌ ما يخص ذهنيتي – ومرتفعات شبه الجزيرة ستصيبني بالجنون من فرط قربها، إضافة إلى أن البحر هنا في هذا التوقيت له سمتٌ عجيب، لا أعرف له اسمًا، لكنه يبعث على الرهبة. وكان الشاطئ الصخري بتلك المنطقة يعمقُ من هذا الشعور، خاصة حين يرتفع صوت الخااااشششـ الصادر عن تكسر الأمواج فوق صخوره، الصوت يأتي مضاعفًا جدًا بالنظر إلى حجم الأمواج.. لكأن الصوت له صدىً يُضاعفه يا أخي...
وقلتُ في نفسي: ربي لا أسألك رد القضاء، ولكني أسألك اللطف فيه، فهذا الجمال الحي، عنيفٌ على شخصي الضعيف.

هناك مصطبة حجرية تلتصق بسور الشاليه من الخارج. جلسنا متلاحمين نرتشف القهوة، وحين أدخلتْ رأسها تحت إبطي مبتسمة، بدت كطفلة شقراء، تحتاج إلى من يداعب شعرها الذهبي، وينظر في عينيها شديدتيّ الزرقة...

بعض السكان الأصليون يمرون من أمامنا بين الحين والآخر، منهم من يدقق النظر كذئب مروض، ومنهم من يبدو كأنه لا يرانا. لكن الأخير طبقًا لمعرفتي المعقولة بالبدو، يُعد أكثر مكرًا من الأول – فالصمت علامة رجّال. الشيء المُلفت هو أن أغلب العابرين يرتدون الجلباب الأبيض، والشال الأبيض، والعقال الأسود – أي الزي الرسمي للبدو – دون أي تهجين حضاري يمس ثقافة الشكل. رجحتُ أنهم لن يختلفوا كثيرًا عن البدو غير السياحيين سوى في تلك البيوت الإسمنتية، كبديل اضطراري للخيمة.

أضرب عيني على امتداد البصر، فأرى مئات الشاليهات البيضاء، الواقعة قرب الحفرة الزرقاء – Blue Hall – والتي تبدو من هنا كمكعبات ثلجية ناصعة.
لا أعرف يقينًا لماذا آثرت ماري أن تقطن هنا، بين البدو – المزينة وقِلة من الصوالحة – على أن تحيا بين أبناء جلدتها من الأوروبيين، ساكني الشاليهات البيضاء. أعتقد أن الأمر لا يمت بصلة إلى ضيق ذات اليد.. ولا أتصور أن هناكَ أجنبيًا فقيرًا من الأصل...

- كح كح كح كح.... كحح كح كححح...
- ... Are you okay? (أسألها آخذًا السيجارة من بين أصابعها لأسحقها بقدمي)
- I will be fine.كحح Don’t worry (تنظر نحوي نظرات حانية وتحتضنني بإجهاد)
- You are smoking more, and more mary! (أحيانًا أكون متأكدًا أن العبارة ركيكة للغاية، ولكنه الاضطرار لقول شيء ما...)
- I like cigarettes, like you habeby. (العبارة مخاتلة جدًا، فإما أنها مثلي تحب السجائر، وإما أنها تحبني مثل السجائر!!)...

- هكذا يا أخي دائمًا، ومنذ وعيتُ على الدنيا لا آخذ الأمور على عواهنها أبدًا. فلابد من التحقيق في كل شيء، والغوص إلى عمق كل عميق، ومسطح أي سطح، كل شيء، أدق المواقف، أتفه التفاصيل، كبائر الأمور مثل اللممِ منها.....

- وإنها لحياة عظيمة الشقاء، أن تحيا شقيًا برأسك، غير قادرٍ على إداراتها بصورة طبيعية. فذا أنا ها الآن قابع بالاستوديو، أتفحص كل جملة أتفوه بها، أو أسمعها، محللاً إياها من جميع أبعادها، اللسانية، والصوتية، والصورية، إلى أن تظهر النتائج بهيئتها المجسمة.

- ولا تتصور سيادتك مدى قسوة أن تكون ذاتًا محايدة في حيز كيانك، الحيز الذي يحوي ذواتًا أخرى، منها ما هو ناشط بصورة دائمة، وما هو خامل بانتظار الفرصة. ولكنني لا أنكر أن هذه الخاصية الشريرة، قد تم سنها قسرًا، عندما كان الجلوس مع "فهيم" الإسكافي، يعني إضاعة يوم كامل في تحليل الصوت الذي تخرجه كلمات مثل "عرج – بلقع – مجد ..." لقد كان يخيط الأصوات دون معانيها بمخيط حديدي، ثم يقولبها مجازيًا، صانعًا بالفراغ حذاءًا مفصلاً من الصوت...

- سأترك بصمتي على كل شيء............ فريد الوهمي...

- كحكحكح كح..... كحح كح كححح...
- ... Are you okay?
- I will be fine. كحح Don’t worry
- You are smoking more, and more mary!
- I like cigarettes, like you habeby.

أمسك يدها إذ تحاول إشعال سيجارة أخرى قائلاً: ماري.. لابد أن تعطي رئتاكِ فرصة أخرى.
تضحك ضحكات يتخللها السعال، ثم تهدأ تدريجيًا – كحح.. كح.. كههـ – حتى تصمت ماري بعيون دامعة...



#أحمد_عبد_العظيم_طه (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/2
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/1
- 00
- كتاب التبيُّن
- كتاب الخواطر
- الصورة الكاملة -فصل من رواية-
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/8
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/7
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/6
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/5
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/4
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/3
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/2
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/1
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/9
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/8
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/7
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/6
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/5
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/4


المزيد.....




- حفل توقيع ومناقشة رواية -وجوه القمر الأربعة-
- مكتبة البوابة: تعرف على الكاتبة والشاعرة أليس ووكر
- الملكة اليزابيث الثانية: حظر دوق نورفولك الذي نظم جنازة المل ...
- الدور المُنتظر للثقافة في العلاقات الدوليّة
- فيلم -الدعوة عامة-.. تجربة إخراجية مميزة أهدرها السيناريو
- بالفيديو.. إلهام شاهين تعلن عن نيتها التبرع بأعضائها
- شارع الفراهيدي الثقافي في البصرة.. موطن جديد للكتاب والقراءة ...
- إعادة تعيين ميخائيل بيوتروفسكي مديرا لمتحف -الأرميتاج-
- الأزمة العراقية، الثقافة .. السياسة
- نقابة الفنانين السوريين ترد على حفل محمد رمضان في دمشق


المزيد.....

- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- سفروتة في الغابة. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- فستق وبندق مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- مسرحية سندريلا -للأطفال / السيد حافظ
- عنتر بن شداد - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- نوسة والعم عزوز - مسرحية للأطفال / السيد حافظ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/3