أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/2















المزيد.....


بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/2


أحمد عبد العظيم طه

الحوار المتمدن-العدد: 7253 - 2022 / 5 / 19 - 06:06
المحور: الادب والفن
    


أرض الرب

سوف تكْمُنُ الدهشة لي بسوق دهب، ليس لحاجة أكثر من هذه الروح التي تلف الواحة – إذا جاز تعبير واحة – هنالك سيوجد شيءٌ محسوسٌ وساحرٌ جدًا بتلك البقعة من الأرض.. صحراءٌ على ماءٍ في تناقضٍ جلَّ من أبدعه.
فإذا أنتَ أبصرتَ البحر– أي رأيته بقوة – فمن الممكن أن تصطدم فعليًا بالمعنىَ الحقيقي للقداسة. وقطعًا سيحدث ذلك فقط إن كنتَ من أولئكَ الذين يمتلكونَ خاصية الإحساس بهذا المعنى.
أما إذا حولتَ وجهكَ شطر الصحراء؛ فسترىَ الجبال عن بعدٍ مظللة بشيءٍ لن تستطيعَ وصفه لأحد. ولقد رأيتها بالطبع عن قربٍ في الطريق من نويبع إلى دهب، وكانت غير مظللة بشيء. لكن الأغرب من ذلك أنها تزداد حجمًا حين تُرى من بعيد.. Land Of Godكما تقول ماري.
- ..........
- وصفية زائدة.. ما الفن بالنسخ يا أخي؟!.
- أحيانًا يكون بالخط.
- يعني أدب رحلات وكذا..
- عندما تكبر/ تفهم.. إذهب الآن واعلم أن كثرة المقاطعة ستضر بصوتك كلما جن الليل.
- من الرائع أن تتقمص زاوية نظري إلى هذه الدرجة. ولكن انا مش جايلي نوم يا أخي. زائد ان الصوت الغيوبي ده بيروشني ويخليني عايز اتكلم.. اتكلم.. إنت بتحضره إزاي يا أخي؟!...
- اللعنة.
- أجنبي جدًا.. نايس نايس يعني.. المجد للتليفزيون يا أخي...
- ................


امتلأت حقيبة الأطعمة الشبكية بالكورن فليكس، والعصائر، والأجبان صحية العفونة، وأشياء شديدة التعبير عن الذوق النباتي الرفيع. لقد صارت ماري نباتية منذ ستة أشهر تقريبًا، لذا فممنوع عليها لحوم الكائنات جميعًا – من السمكة إلى البقرة.

- مسبات (النطق الصحيح للكلمة هو/ المسبط)
- Ok... (سائق الجيب بدوي يقول الـok )

أمام مدخل أحد الشوارع الجانبية بمنطقة المسبط سنهبط، وحتى الآن لم أكن أعرف معنى المسبط، لكنني أتصور أنه يعبر عن نشاط يخص الصيد – السُبيط تحديدًا. نتوغل في الحارات المتقاطعة، العاجة ببازارات ومطاعم الدرجة الثالثة من الـ guest، إلى أن نطفق بأول الجزء السكني من المنطقة.

حارة رملية فسيحة، تقع بين عدة منازل من الطوب الأبيض. البدو يحبون هذا الطوب الجيري، لذا فمن النادر أن ترى هنا بيتًا بدويًا مختلف الطوب.

- وأنا مشغول البال كثيرًا، وزيادة عن اللازم، بهذا النوع من التحليل السينوغرافي لما أراه. حتى أن ذلك الانشغال يؤثر بشكل ما في قدر استمتاعي بما أحياه، ويشوش المفاجآت بجعلها منتزعة الإفجاء، فما رأيك أنتَ يا أخي؟....... فريد الوهمي...

بلغتْ الساعة الواحدة ظهرًا، والجو حار، ولا أحد هنا على ما يبدو. المكان صامت بطريقة غريبة، وماري تتحدث هاتفيًا لشخص ما...

- Yes..سِلمي silmy!.. I am good.. thanks
- ……………
- please بانجو And 1/8
- …………..
- ?لماذا.. Huh!.. 70 Dollars?
- ……………….
- quickly please.. ..بانتظارك I am Ok ok..

تغلق الهاتف بعصبية وتقول:"Shit". بالضبط كما يحدث بالأفلام الأجنبية، حين تتعرض البطلة للابتزاز من أحد الشخصيات الثانوية التافهة وتقول: "shit".
أنظر بعينيها مبتسمًا كنوعٍ من التفاعل، وتقول ضاحكة: "هؤلاء البدو انتهازيون جدًا، فنفس هذا
الـ silmy قد عرض عليَّ نفس هذه الكمية منذ خمسة أيام بثلاثين دولارًا وليس بالسبعين".

- لقد أصبحتِ very خطرة يا ماري.. هاهاها (هاهاها هي صيغة كرتونية سائلة للضحك، ليس لها بديل أكثر رصانة.. فعذرًا لذلك).

- Huh.. أنا؟! إنه إطراءٌ لا أستحقه فأنتَ أكثر خطورة...hahaha... (hahaha...)

نقف صامتان.. متلفتان.. بضع دقائق، قبل أن يبزغ شخصان لكأن الأرض قد انشقت وأنتجتهما.. يتوجهان ناحيتنا.. يصافحان ماري ثم يصافحاني.. الملامح الصحرائية تشع بداوة، وتكاد الرمال تتناثر من مسام جسديهما رغم هذا الزي الإفرنجي البيِّن من سراويل الجينز وقمصان الهاواي.
أفهم أن الأول الطويل ذو الأعين الرمادية والأنف المعقوف هو سِلمي؛ إذ يغمغم إلى ماري بانجليزيةٍ خافتةٍ، لكنها تبدو سليمة وسريعة جدًا، ناظرًا باتجاهي نظرات استخبارية متقطعة.
بينما الثاني القصير ذو الملامح المنبعجة – الدميمة – لا يتكلم ولا ينظر، فقط هو يتلفتُ حواليه ويبدو أنه قادم لأغراض ناضورجية بحتة.

- , he s coming to visit me here. فريد My friend (ماري تُعرفني إليه بلباقة مؤكدة حدسي)
- انتو صوالحه وللا سواركه يابوصاحب؟. (أسأله بنعرةٍ واثقةٍ تخصُ رواد سيناء).
- لا تشغل بالك. (إجابته المثبطة تحثني على عدم المِضِيِّ قدمًا بالكلام إيثارًا لأن يعبر الموقف دون تدقيق ماري).

يَفكُ الآخر أحد أزرار قميصه إثر إيماءة صاحبه، ويمد يده مخرجًا لفافة ورقية مكتنزة - بالتأكيد هي طلقة البانجو – ثم سلوفانة أنيقة في طول السبابة – إصبع حشيش كامل – تدس اللفافتان في حقيبة يدها، وتنقد سِلمي السبعون دولارًا.. ثم ننطلق غير مأسوف علينا.

*******

رائف

- ….، إذ كانت الورقة البيضاء عليها آثار حشيش محترق، وأنا أخطط لما أنتوي القيام به، مما جعل بعض الحروف تأخذ اللون البني في أزرق القلم.. لذا كان حتمًا عليها أن تتخدر بعض الشخصيات، فتظهر زائغة بين الحين والآخر... فريد الوهمي...

وكان رائف في الثلاثين تقريبًا، يوناني الأصل، ولكنه محلي حتى النخاع، إنما هي تلك المحلية المُمحرة بطبقة فارهة مما يفرضه العرق على مايبدو، باختصار هو عينة للجيل الأخير من الجريج المحليين في حقبة الانقراض.

- على كده والدك ووالدتك عايشين؟
- ماتوا.. بابا من تمن سنين وماما من تلات سنين.
- ودفنتهم هنا عادي.. وللا سفرتهم؟
- لالا.. إحنا لينا مقابر خاصه هنا.
- يعني إيه خاسا! يعني ميش يتحاسبوا زي تانيين ولا إيه؟

ضحكت على عبارة مارتن ثم عقبتُ:- لازم أهاليهم بيبعتولهم محاسبين من السفاره...

- ..........................
- ..................
- .........................
- عل فيكرا رائيف موطريب جاميد وبيشغل في كاسيت أغنيات...
- حقيقي.. ليك كاسيت؟!
- لسه منزلشي.. بس قريب.. أنا دلوقتي بشتغل أغنية الفيناله وهينزل خلالـّ.. تقريبًا شهر.
- .......................
- ........................

أبدى لي رائف ما يمكن تسميته بـ/ قتامة الاستقبال، فأبديتُ له استيعابًا ملحوظًا لما ينتابه من أهمية مصطنعة. وحين طلب مني الجريدة، وأشار له على اسمي أسفل المنشور، أيقنتُ أن مارتن هو داهية استثنائية مما تعرضتُ له من دواهي في حياتي الكارثية بشكل متصل.
سرحتُ بالمارة، بينما دخلا في حوار حول امرأة هاتفت رائف أثناء الجلسة، وبدا أنها مشتركة المعرفة. كان الجو ملائمًا جدًا للاسترخاء وتشغيل الذهان – لا التأمل – خاصة بعد هذا الاسبريسو المر اللعين.
فكرتُ في الاتصال بـ رسمي، والذهاب إلى مسرة للمبيت على سبيل التغيير، ولكنني تراجعت عن الفكرة، إذ كان لابد من المرور على الفندق لمد الإقامة وتسديد ثمن ليلتان أخريان.
سأتعدى على رصيدي من الإجازات العارضة، فقط لأجلكِ يا ماري، فلستُ متيمًا إلى هذه الدرجة بجلسات التأمل، أو أصدقاء مارتن ذوي الفرادة المتنوعة!.

*******

S.M.S /m
You see me through my mind، but I feel you – I can not see you. I know you are angry now،´-or-maybe I am. I absorb your feelings and get confused.
أنت تراني من خلال عقلي، لكنني أشعر بك – لا أستطيع رؤيتك. أنا أفطن إلى أنك الآن غاضب، أو ربما أنا. فأنا أتشرب مشاعرك وأحس بالتشوش.

*******

ماري بالغة الحفاوة. نفس المعدل الثائر لليلة الأمس.

ليلة أمس نَزلتُ من الأتوبيس، واختبأتُ بمدخل قاعة التذاكر، كاشفًا ساحة انتظار الموقَف..
لقد تعمدتُ أن أُؤجل إبلاغها بوصول الأتوبيس إلى كمين دهب. لم أرغب أن تكون هي التي بانتظاري كما اتفقنا في الرسالة الهاتفية الأخيرة، فضلت أن أكون أنا الذي بانتظارها، خاصة بعدما ومضت لي تلك الفكرة الأجنبية.

أخيرًا ستظهر ماري.. لم أتأكد أنها هي إلا عندما رفعتْ الهاتف، ودارتْ حول نفسِها باحثة عني في أرجاء الساحة بعد أن خلتْ تقريبًا..

- Hallo
- Fareed …Where are you?
- I am behind you
- .............

كم هي اللحظة شديدة الجمال والسينمائية – عندما تشعر أنك تشاهد نفسكَ بأحداثِ فيلم ٍكلاسيكي – أنا أحتويها بين ذراعيّ بقوة، وهي تعانقني بقوة أكثر، وتنظر في عيني بفرحة عارمة.

هناك سيارة جِيبْ بسائقها تنتظرنا بالخارج– الجيب هنا هي السيارة الأولى والأجانب يدفعون بسخاء – بالمقعد الخلفي تلتصق بي، وألتصق بها.
بين الفينة والأخرى كانت أعيننا تلتقي في الضوء الفضي لأعمدة الطريق.. كنا صامتان جدًا، وماري أعينها زرقاء جدًا.. لقد تغيرَتْ بصورة كبيرة عن آخر مرة رأيتها بالقاهرة.. نحُفتْ بعض الشيء، وأكسبها اللونُ البرونزي شبابًا بالوجه، وطال شعرها الذي كانت تعتز كثيرًا بدجراديته، فصار ينزل ورائها في ذيل حصان أشقر بديع، ثم أن الــ Half Body على البنطال الـPermuda يبديانها في مظهر الفتاة الجامعية.. فما كل هذه الحلاوة يا ماري؟...

نهبط عند شاطئ الـLight House المُطل على بحر دهب، هذا الذي لا يبدو كأي ٍمن بحار الدنيا بأسرها.. إنه يبدو خياليًا جدًا بالظلام.. ويشعرني أنني أحيا – شيئًا ما – داخل وهم مهيب.

- وكم أنتِ راقية الإحساس أيتها المرأة؟
- وكم هي قريبة ومنيرة جبال شبه الجزيرة، حتى بالظلام..؟؟
- ..................... فريد الوهمي...

ندخل الممشى الحجري الذي يعج بالكافيتريات المتشابهة في نوع الديكور والإضاءة، فالجميع هنا يستخدمون جذوع النخيل والأرابيسك كأثاث رئيسي، مع بعض اللمسات الـ antique من الخيش، والليف، والبوص, والمصابيح الزيتية الخافتة...

من وقت لآخر كانت ماري تومئ محيية أحد المارة من الأجانب، وأحيانًا من المحليين العاملين بتلك الأماكن/ hi clereble.. see you - masa alkhair gamal - …/ هذا ما أدهشني بعض الشيء، فهي لم تكن اجتماعية بالمرة أيام القاهرة. وبدا أنه ثمة تحولات عدة قد أثمرت سلوكًا جديدًا، صار يتكشف كلما تقدمنا بالممشى الحجري...
نجلس على آخر كافيتريات الممشى، الذي يتحول من هنا إلى شاطئ رملي حالك الظلمة، تطلب نسكافيه أسود، وأطلب زجاجة بيرة..
حدقتْ في البحر قليلاً ثم لفتتْ وجهها قائلة: الماء هنا به خاصية عجيبة.. amazing!
ثم تُتبع عبارتها ضحكة عالية، وهي تحرك رأسها يمنة ويسرة. أرفع حاجبيّ ليبدو وجهي متسائلاً. فتردف بلهجة جدية: الماء here يغسل الألم والحزن ويُسعد القلب.. كما أنه مليء بأرواح لم أشهد مثلها من قبل.
أبتسمُ لتلك الشاعرية المناسبة لنوع الجلسة – ومن الجائز أن أكتشف فيما بعد أن كلامها صائب أحيانًا فيما يخص الألم والحزن وسعادة القلب، إلا أن الذي لن أستطيع حسمه هو أمر الأرواح– صارتْ تتكلم كثيرًا وبسرعة، ساردة الكثير عن حياتها ههنا، بينما أنا أتلبس دور المستمع، الصامت، المومئ، المبتسم، المتعجب، مع القليل من الكلام الاضطراري؛ ليس لسبب أكثر من أنني أقوم بهذه العملية الداخلية المجهدة، من تحويل الجمل الإنجليزية إلى العربية حتى أفهم – كثيرًا ما كنت أستفسر عن معنى كلمة، أو أجعلها تعيد عبارة ما بصيغة مختلفة – وبالكاد أصبحت أستطيع مجاراة تلك السرعة الرهيبة لأنثى أجنبية تتكلم.

- بالمناسبة، أنا فعليًا مصاب بتلك الرؤية الفاجعة – تعشي نهارًا وتحد ليلاً – إذ أنني دائمًا ما أرى العالم الإنساني الخالص، على هذا المحمل النوعي الصرف، والمكون من ذكر وأنثى ينتميان إلى فصائل شتى/ تحليليًا على مستوى المحاولة في إرجاع الكيان إلى طوطمه الأولي.... فريد الوهمي...

صمتتْ ماري لبرهة، ثم صدمتني بقولها: هل تود الإقامة في أحد الـ camps؟ or.. ستقيم معي؟...
بدت الدهشة جلية على وجهي، إذ لم أكن أنتظر هذا السؤال الغبي، المباغت، أبدًا.. أبدًا..
أجبتُ بلهجة تحمل الكثير من التصنع: حسنًا.. I سأقيم بأحد الكامبات.

أسرعتْ موضحة بإسهابٍ، وارتباكٍ، أنها لا تريد أن تفرض نفسها عليّ لمجرد أنها مضيفتي، ولكنها تتمنى بالطبع أن أغدق عليها بهذا المن العظيم، وما إلى ذلك من عبارات شديدة المجاملة....... .............. ....................

تصمت شيئًا. ثم تردف ناظرة في عيني بحياء: منذ كنا نلتقي أيام القاهرة إلى الآن.. أنا أتمنى هذه اللحظة.

- أنا أيضًا أتمنى هذه اللحظة.. but تساؤلكِ يحمل الكثير من التردد! لذلك من الأفضل أن أقيم مبدئيًا بأحد الكامبات.. كما أرجو ألا تأخذي قراري بحساسية or..
- please أنت.. لا تعقد الأمور، لقد شرحتُ لكَ وجهة نظري، أنا لست مترددة في شيء.
- .............. that’s...
- ... you........

ننهض من جلستنا، وأرتدي جربنديتي مناديًا النادل. تحاول أن تدفع، ولكنني أصر على المحاسبة. تركنا الممشى الحجري، لنلج الشاطئ الرملي ذو الظلام الحالك. والمفاجئات الأولية لا تنتهي، فالشاليه الذي تسكنه ماري كان مصباحه يقع بمنتصف هذا الظلام عندما أشارت. نحاذي الماء اللانهائي بأيدٍ متشابكةٍ، كشبحين ينشدان الخلوة...

- I can t imagine that… (كان صوتها خياليًا بالظلمة)...
- Me too.. (كذلك أنا...)

منحتني قبلة طويلة لا أنساها.. فعانقتها عناقًا محرق الحرارة. رأسها في صدري.. ورأسي في ذلك المطلق الرهيب.. بين البحر والسماء.

- أين السماء؟...
- فوقنا!
- أين السماء؟؟
- بالفضاء.
- شاطر.. لا تخطأ ثانية.. مفهوم؟.. ولا ثانية واحدة...
- مفهوم...
- كلب حقير...
- ................... فريد الوهمي...

*******

S.M.S /m

Love? What do you mean?
You have realy hurt me.
I don’t need love.
حب؟ ماذا تعني؟
لقد آذيتني بحق.
أنا لا أحتاج حبًا.

*******
بانجو

إن نبات البانجو هو نبات صحراوي بالأساس، ترتفع قيمته بارتفاع الحرارة التي نشأ في ظلها. فلا عجب إذن من أن بانجو جنوب سيناء، أشد رونقًا، وأنكل تأثيرًا من بانجو شمال سيناء. فيالروعة هذا العرنوس الذي أفرك منه نسغًا فيلتصق بأصابعي صمغه الأسود، وتلوح بذوره الكروية الصغيرة كصخور صغيرة تنهار متدحرجة من الطبق الزجاجي إلى المطفأة. إنه تكوين عشبي بمنتهى الجمال والهندسية، تفوح منه رائحة عطرية كأنفذ من ريح الريحان بالحديقة، وهو قاتم الخضرة بلونه فيبدو عشبًا هادئًا مطمئنًا.
ولربما يُحتسب ما سبق كبندٍ من تقاليد الطبيعة حال إبداع الأشياء الجميلة، لكن الحسبة قد تختلف شيئاً حيال هذا العرنوس المصمم بعناية، إن هو قد بدا مخروطي الشكل على هيئة نادرة، وبما يجعله شبيها بنموذج دقيق – ماكيت– لشجرة أرْزٍ لبنانية.

وكان السكوت اكتنف جلستنا لربع الساعة تقريبًا، وأنا أبحث في ذهني عما قد يكسره جيدًا. فما كنتُ بعد قد حكيتُ لماري عما حدث بكمين شرم الشيخ، وكيف أنني كنتً أشعر حقيقة بالغضب العارم تجاه القدر الذي سيمنعني من رؤيتها. وبالطبيعة فأنا لم أكن أريد نقد القدر لأن ذلك يُعد حرامًا – كذا يُعد اعتراضًا على ما تمليه الحياة المكتوبة على الواحد من أقدار هي كُتبتْ هكذا، لكنه ما صدر عني كهمهمة مبهمة حين قال لي أمين الشرطة: إنزل.. أيوه انت انزل.. مش عاجبك وللا إيييييه؟ إنزل!..
حدق في هويتي بشعور يشبه الاهتمام، ثم أمرني بدخول غرفة الكشف عن الصحيفة الجنائية.
لحظتها شعرت بأن قلبي يتناثر على الإسفلت. أيقنت أن سوء الحظ الذي يطاردني منذ سنوات قد تمثل بشرًا في هيئة أمين الشرطة. وعندما رحل الأتوبيس بدوني، كنت أتمنى أن يطلقوا النار على رأسي بلا محاكمة، بل وبأسرع ما يمكن......

أحاول الكلام.. لكن لابد أولاً من ترتيب العبارات العربية في رأسي بسرعة، كي أحولها إلى عبارات انجليزية بسرعة أشد – أي عكس ما أقوم به في حال السماع وأكثر صعوبة – فمن العسير بمكان أن تفكر بلغة وتتكلم بأخرى. ويخيلُ إليَّ أن هذا العشب الشيطاني له دخلٌ بالموضوع، بل هو المؤكد والبديهي، ففيم فقط أتحدث يا ربي؟!. أنا مستغرق بإفراط فيما أفكر به، حتى أنني عشتُ لا أتكلم مع أحدٍ، ولا أسمع ماري التي بدتْ تقول شيئًا بين الحين والآخر.

هي ماهرة جدًا في لف الجويين، وتتعامل مع ورقة البفرة بطريقة غاية في الرقة والإحكام، إذ تقوس الورقة بين سبابتها وإبهامها، وفي نهايتها تضع فلترًا دقيقا من كارتون علبة السجائر– كارتلة – ثم تصب التبغ على امتداد ورقة البفرة إنما بشكل تصاعدي، تزايُدي، يبدأ من نهاية الفلتر، وينتهي عند حافة الورقة. بعد ذلك تشذب بأطراف أناملها وجه هذه الطبقة التبغية، والتي تكون بمثابة أرضية للطبقة الوسطى، وهي طبقة البانجو المفروك جيدًا، ثم تضع الطبقة الأخيرة أيضًا من التبغ. تنتهي العملية بالنقطة مربط الفرس، ألا وإنها البرم – من برم/ يبرم. هنا تكمن الحرفة، والموهبة، فهي تبرم الورقة بوعي شديد الرهافة، مدفوعة بمشاعر لا يعلمها أحد، لتفصح أخيرًا عن هذا الشكل القرطاسي الانسيابي الحاد للسيجارة – الجويين– وياله من إحساس فخم، وغريب، أن تشعل سيجارة ملصقة بلعاب أنثى، مثقفة، خاصة وإن كانت أجنبية.

ما يعجبني في الأمر أكثر من مرة، هو أنني أستسلم لهذه الحالة النورانية من حالات العقل. حين يتحول الأخير إلى معمل سينمائي مهيب، يلتقط الصور ويحللها في آن واحد. وهو ما لا يدع مجالاً للشك في سحرية المخدر، وأن موضوع التخدير الإنساني هذا، لا يقتصر فقط على بعد واحد يتمثل بوضعية التبلد الحسي، تلك التي تصيب المرء بجهازه العصبي، فتجعله يستشعر ما يمكن تسميته بـ (نشوة العطل). إذ لابد أن الجسم حالئذٍ سيكون ممتنًا جدًا لتلك القيلولة الحسية. لكن ما يحدث بالضبط: هو ما تعنيه قيمة تسكين الجهاز العصبي، حينما تضاف إلى قيمة المخ الكلية، فيكون مجموعهما حريًا بالإدمان. وعندها يضحك الحزين، ويحلم الأعمى، ويتذاكى الغبي، ويجأر الكذوب، ويزداد المكتئب اكتئابًا.

كما أن البعد الثاني للموضوع ليس هو البعد الأخير. فحين تشعر بأن كمية وعيك قد ملأت الغرفة، وأن بؤبؤ إدراكك قد اتسع فشمل الوجود، ليس معنى هذا سوى أن هناك جسرًا ما قد طرأ ما بين وعيك المفضوح – أنت – ووعيك المستور– وهو الذي يكون أثناء النوم وتستره الذاكرة – ذلك إثر عمل المخدر في دمك. ولكن للحقيقة أن كل ما سيق من أحوال ومشاهدات؛ قد لا يعني بالضرورة أمرًا ذا قيمة – كما هو لا يؤكد أنك قد لامست الجوهر الكريم لحالة الخدر. وعندئذٍ يمكن التقرير بأن هناك بعدًا ثالثًا لا يفقه إحساسه وتفسيره غير قلة من المتخدرين. إلا أننا لن نستطيع إنكار أن نوع المخدر، ومدى جودته، هما عاملان مؤسسان في اختراق الشخص لبعده الثالث. حيث التباس عالم الإسم بعالم المعنى، عبر تمزق الحُجُب الوهمية السميكة.



#أحمد_عبد_العظيم_طه (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/1
- 00
- كتاب التبيُّن
- كتاب الخواطر
- الصورة الكاملة -فصل من رواية-
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/8
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/7
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/6
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/5
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/4
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/3
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/2
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/1
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/9
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/8
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/7
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/6
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/5
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/4
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/3


المزيد.....




- الأرشيفات.. حراس الذاكرة ودولة القانون
- فنان كبير يتعرض لهجوم عنيف بعد تصريحاته ضد سعيد صالح وإشادته ...
- ريانا نجمة عرض سوبر بول 2023
- نائبة: مشروع سينما الشعب سيساهم في تشكيل الوعى لدى الشباب
- موسيقي عبقري..طفل مصاب بالتوحد يعزف أي مقطوعة يسمعها لمرة وا ...
- ممثل سينمائي ومسرحي فرنسي يحصل على الجنسية الروسية
- معرض عن شامبليون في متحف لوفر-لنس يعيد للمصريين -صوتهم-
- 200 عام على علم المصريات: كيف ساعدت اللغة القبطية شامبليون ف ...
- 200 عام على علم المصريات: قصة اكتشاف حجر رشيد ودوره في معرفة ...
- محمد جاويش: أكثر من 9 آلاف متخرج من أكبر منصة ثنائية اللغة ل ...


المزيد.....

- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- سفروتة في الغابة. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- فستق وبندق مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- مسرحية سندريلا -للأطفال / السيد حافظ
- عنتر بن شداد - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- نوسة والعم عزوز - مسرحية للأطفال / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - بازل لزهرة الخشخاش - رواية - 30/2