أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - الصورة الكاملة -فصل من رواية-















المزيد.....


الصورة الكاملة -فصل من رواية-


أحمد عبد العظيم طه

الحوار المتمدن-العدد: 6896 - 2021 / 5 / 12 - 00:50
المحور: الادب والفن
    


الكون كل معقول.
الأرض المجهولة


قال لهم: هذه أرض الله، فمن شاء فليفلح، ومن شاء فليعمر، ومن شاء ومن شاء ومن شاء...
*****
فلما كان عبد الله الصوفي يَطّوح يمينًا وشمالًا في معيته وسط روعة الإنشاد والموسيقى الروحيين، رأى نفسه هائمًا في الوجد وأدرك أن وعيه يغيب أو بالأحرى يصعد إلى المجهول إلى المعلوم إلى السماء...
*****
في الصباح الباكر؛ جمع عبد الله الصوفي الضروري من متاعه، وما يكفيه نهارًا من الزاد، وهو امتطى دابته وانطلق مغادرًا محلته، هكذا دون أن يودع أحد أو يأخذ الإذن من أحد...
شالته قرىً ومحلات وحطته أخرى، حتى وصل في أول المغارب إلى حافة النهر الكبير.. رآه المراكبي فابتسم قائلاً له: جئت في موعدك يا بني.. عمِلت طيبًا..
فما كان من عبد الله الصوفي إلا أن دُهش ورد عليه: السلام عليكم لا أعرفك..
قال المراكبي: وعليكم السلام تعرفني لا تعرفني لا يهم.. المهم هات متاعك وهيا أوأنت لا تريد العبور؟
لم يأخذ عبد الله الصوفي وقتًا في التفكير؛ لاسيما وأنه من النوع الذي يعلم في سريرته أنه أحيانًا ما يكون بالأمور ما بها. نزل عن دابته حاملًا حقيبته فنزع اللجام عن الدابة وأطلقها ومن ثم توجه إلى المركب بهمة...
كان مركبًا صغيرًا يتسع لاثنين متجاورين فقط، وعلى كل ناحية مجداف. اتخذ مكانه وصار يجدف كما يجدف المراكبي فتحرك المركب بسرعة متدرجة...
قال للمراكبي دون أن ينظر إليه: هل لي باسمك؟
صمت المراكبي فينة ثم نطق بعمق: عبد القادر المراكبي.. مهنتي أن أنقل الناس من غرب النهر إلى شرقه..
قال عبد الله الصوفي بحذر: وما أدراك أنني أريد الانتقال؟
نظر المراكبي إليه وقال مبتسمًا: أخمن بالناس.
لم يستطع عبد الله الصوفي أن يواصل النظر بعين المراكبي فصوب وجهه أمامه وراح يجدف في صمت بعد أن أعجزه الرد...
على الشاطئ الشرقي للنهر نزل وقال للمراكبي: كم أجرك يا صديقي؟
ضحك المراكبي دون سبب واضح وقال: عملة فضية واحدة.. فإن لم يكن معك فأنا أسامح..
أخرج عبد الله الصوفي من جيبه عملة فضية وناولها للمراكبي بامتنان وقال له: حفظك الله يا رجل يا طيب.. علني ألقاك في عودتي إذا تقدر..
أجابه المراكبي وهو يتوسط المركب ويمسك بالمجدافين مجدفًا للخلف بقوة: ربك علام الغيوب.. قل يارب..
*****
كانت المنطقة التي نزل بها عبد الله الصوفي من الشاطئ الشرقي كجنة طبيعية؛ فهيش كثيف يبزغ من وسطه نخيل غزير عظيم الارتفاع يسيطر على مدى الشوف، وأشجار جميلة متنوعة، وتسمع أصوات الحيوات البرية المرتبطة بالماء والزراعات بقوة في الصمت المطبق..
وكان زاد عبد الله الصوفي قد نضب أثناء نهاره، فأكمل قنينته من النهر وحمد الله على أنه يرى التمر المتناثر بين فراغات الهيش والليل يسدل أستاره على الأرض بينما الضوء الشحيح للقمر غير المكتمل يستهل البزوغ..
كانت التربة تحت قدميه تتحول كل مسافة، فمن طينية معتدلة انتهى النخيل والهيش بانتهائها، إلى حجرية بها أطلال بائدة، خالدة، واجدة، وضاءة – وقف عليها وأنشد بسحر البيان فيمن جعلوها تبدو لكأنها تحيا في موكب الزمان إلى انتهاءه، ثم تحولت التربة إلى رملية في النهاية؛ حينما باغتته الصحراء بشساعتها المظلمة...
فلما نظر وراءه لم ير سوى لمسافة قليلة، لكنه رأى أنه قد قطع شوطًا طويلاً من السير على غير طريق وأنه لابد أن يستريح ولو قليلاً ليستطيع أن يكمل المسير. فرش عباءته على الرمال ووضع الحقيبة كوسادة وتمدد على ظهره؛ قبل أن ينام أطلق بصره في السماء فوجدها باهرة الوجود قاهرة الوجوب فابتسم منتشيًا وأغمض عينيه عليها...
*****
في أول الشروق استيقظ عبد الله الصوفي على جلبة من حوله، ورأى في الغبشة صف طويل من الإبل يتقدمه ثلاثة رجال.. فلما اقترب منه أحدهم؛ بالكاد تبين من ملامحه لحية بيضاء وعيون لامعة، كما تبين سيفًا يتدلى من نطاقه. قام واقفًا فقال له الشيخ وهو يشير بيده: إجلس إجلس..
جلس وجلس الشيخ قبالته القرفصاء، سأله الشيخ عن أصله وفصله قبل أن يقول بلهجة أبوية: أين وجهتك؟
صمت عبد الله الصوفي برهة ثم قال: سأعلم حين أصل. هذا ما أعرفه.
قال الشيخ وقد فصل صوته قليلاً: قولك غريب!. ليس من المنطق السليم يا بني أن تمضي في صحراء كهذه بلا وجهة.
- خالقي يحدد وجهتي يا شيخ.
- خالقنا جميعًا يا بني.. لكنه منحنا العقل لنعي إلى أين نتجه لا عبثًا أم ماذا؟!
- العلم علمه يا شيخ.
- من النهاية هل أنت مأمور أو مكلف بشيء؟
- لا.
- إذن لابد أن تحدد وجهتك بنفسك.. أنا أنصحك لوجه الله ثم لوجه الواقع.
- أنت تقول حقًا يا شيخ.. ولكن ألا تعتقد أن لا وجهة هي وجهة في حد ذاتها؟
- أحيانًا يكون الأمر كذلك.. ولكن عندها تكون وجهة الإنسان بداخله.. هل وجهتك بداخلك؟
- نعم.
- فلتقل من البداية أنك سواح ولا تلغز فيما لا لغز فيه.
- معذرة يا شيخ.. خانتني اللغة.. لم ألبث مستيقظًا على الجلبة فلم يسعفني القول الصحيح.
صمت الشيخ هنيهة ثم قال بتؤدة من بعد لهجة سريعة حازمة: لا عليك.. ما رأيك في أن نسدي لك خدمة؟
- مه؟
- نقلك إلى أقرب عمار فتتزود.
- أكون شاكرًا يا شيخ. هل لي باسمك؟
- ضرار. ضرار الراعي...
*****
كان جبلًا مرتفعًا، وعند سفحه قام عمار من الخيام، يتخلله القليل من البيوت المبنية بالحجر – والتي يبدو أن أصحابها قد بذلوا مجهودًا خرافيًا ليحظوا بمنازل حجرية في صحراء عزت فيها الأحجار لولا الجبال. وظهر على أجواء العمار نخل عال قليل يتناثر هنا وهناك وكان تمره عسل...
اشترى عبد الله الصوفي بما معه من نقود قليلة طعامًا، وبدا بائعو المكان فرحين بمرأى غريب فأكرموه بالعدد والميزان.. سأل عن مصدر للمياه، فوصفوا بئرًا يتوسط الخيام، فراح وارتوى وملأ قنينته وأبصر أناسًا يملئون فائتنس لبرهة – وكانوا كأنهم يعرفونه فكان كأنه يعرفهم، ثم إنه انطلق من فوره تاركًا العمار فجاعلاً الجبل في ظهره والشمس التي في كبد السماء في وجهه...
في السير كان يتوقف كل مسافة ليرتاح، وكان كل مرة يجول ببصره في حوله كله، فيدرك كم قطع بالتقريب ويقرر إلى أي اتجاه سيكمل سيره – فظهر الأمر كأنه يتبع إحداثيات ذاتية تصور له حركته الصحيحة...
لما توقف هذه المرة ورأى أن الجبل قد اختفى وأن الشمس في محل الغروب؛ كان قد علم أن الصحراء تصعد وتهبط لكأنها تتنفس. رفع وجهه للسماء وحدق بها قليلًا ثم أخفض وجهه للأرض وراح يصفر صفيرًا عشوائيًا خافتًا، وبدا أنه ينتقل إلى حالة وجدانية ما يستهلها الصفير الذي بدأ ينتظم شيئًا فشيئًا حتى شكل نغمًا، ثم دمدمة، ثم كلامًا مفهومًا إذ يعلو صوت عبد الله الصوفي بكلمات: الناس الناس الناس الناس الناس الناس الناس الناس الناس يا خالق الناس أنت الأدرى بالناس ورب الناس يا خالقي وقابضي وباسطي وشاغلي ومُشْغلي أمام الناس أوزعتني همًا لا ينقضي لكن مسَّك داخلي يجلوني بالصبر ويَثنيني ويَفردني ويُفْرغني ويُقْرضني ويَنْثرني ويَجْردني ككل الناس كبعض الناس كناسٍ وناس فلما قلتُ ياربي أيَا عشقي أيَا مددي توارى الكون من حولي وصرتُ أموج بالفكرِ وحان القولُ فاطوَّحتُ وقلتُ السُكْر في الخمرِ وقلتُ الضوء في القمرِ وقلتُ وقلتُ حتى التمَّت الناس الناس الناس الناس الناس الناس..................
وما برح دوارًا حول نفسه بسرعة متنامية، حتى اندغم بصوته ما يهزج حتى ارتمى...
*****
عندما استيقظ عبد الله الصوفي كانت الدنيا قد باتت ليلًا وكان القمر ينتصف السماء بهيئة نصف قمر، ووجد أن عباءته قد طارت بعيدًا عنه فاستردها، وأقام أوده باليسير قبل أن ينطلق سائرًا بهمة فيما اتجه..
مر وقت طويل من السير لم تقطعه استراحة، فلما توقف ظل واقفًا ولم يفترش الرمال وجال ببصره في دائرة كاملة ورأى في أفق بصره نارًا.. نارًا صغيرة بعيدة، فغذ السير نحوها بلا مراوحة، وعلى الرغم من كونه يبدو منهكًا جدًا من فرط السير المتواصل؛ لكنه بدا كمن وجد ما يمثل هدفًا بالمطلق المظلم..
كلما اقترب شيئًا كان يسمع بين برهة وأخرى صوت صريخ ونحيب وقتًا يأتي من الغرب ووقتًا يأتي من الشرق ومن الشمال ومن الجنوب بما كان يؤذي روحه أشد الأذى بما يبين على قسماته من تقلص مرير فكان يسجد لله في كل وقت يحرقه الصوت ويقول ما لا يُسمع..
تقطع خطوه بعض الشيء بما قد يشي بأن الخوف قد أصابه بدرجة ما غير أنه لم يوقف السير أو يغير وجهته..
فلما وصل إلى مشارف النار رأى على ضوءها إلى يسارها كوخًا كبيرًا وإلى يمينها بركة كبيرة فلما اقترب أكثر رآها بركة دماء.. دماء زكية.. بركة دماء زكية كبيرة.. فرفع وجهه للسماء وقال بعلو صوته: أشهدك يا رب أنني بريء من أي دم.. أشهدك يارب أنني ما انتويت سوى خيرًا منذ بداية سفرتي.. يا رب هداك.. يا رب هدايتك..
خرج من الكوخ أناس في زي موحد يتوسطهم شيخان، وبدا عبد الله الصوفي يعرفهما إذ أومأ بالمعرفة شيئًا. وقفا حول النار وقال أحدهما مناديًا إياه أن: تعال..
تقدم منهما حتى أصبح ثالثهما حول النار، فقال الشيخ الذي ناداه: سمعنا صوتك بالداخل فخرجنا.. لا تخف.. الله يظل الجميع بقضائه ورحمته.
قال الشيخ الآخر: نحن نحب السواحين ونجلّهم لكن ما باليد حيلة هكذا جرت الأمور منا وعلينا.
قال لهما: ما أراد الله يكون وما لم يرد لم يكن.
ثم كان أن جاوز عبد الله الصوفي المكان فلم يلبث سوى لما جرى، وصار سائرًا حتى شمله الظلام من جديد والله وحده يعلم ما به.
*****


الأرض الزرقاء


لا يحمل الوعي على "شيء" إلا احتواه.
******
عبر التليسكوب بالغ التقريب كان ماث – وهو عالم أحياء – ينظر بشغف إلى شاطئ الجزيرة مراقبًا هذا الكم من النشاط الحيوي غير المعهود – غير المعهود تمامًا، وحين أدار التليسكوب عدة درجات إلى جهة اليسار رأى من ينظر له في بؤرة العدسة ويبتسم فجفل شيئًا، ثم عاود التحديق فرأى ناظره لا يريم يحدق به هو الآخر.
في الحقيقة أنه يمكن أن نتصور أن شعور ماث في هذه اللحظة كان شعورًا مختلطًا ظاهره الدهشة – ربما الذهول الفرح الانتشاء بامتلاك الآلة التي مكنته من معاصرة لحظة كتلك، وباطنه الحيرة والعجز عن ابداء رد الفعل المناسب سوى بالصريخ المتواتر مع الرؤية ومناداة فلان وعلان من باطن السفينة...
******
كان الكازينو العملاق يقع على شاطئ المحيط الأطلسي، ويزدحم في هذه الليلة تحديدًا لمناسبة ما، فكان أناس من جنسيات مختلفة يتكلمون ويشربون بشراهة في ظل موسيقى هادئة ساحرة، ثم كان على حين غرة أن شغَّل الـ DJ مقطوعة "Carmina Burana – بمعرفة Sarah Brightman" ، فتحررت بالمكان أجواء مشعة من الرقص الحماسي والحماس الراقص والهزج والهذي والصراخ الصاخب المرح..
ترك الـ DJ موقعه من تلك الحياة الطنانة – وقد أحس أنه عمِل حسنًا كون الجميع باتوا على أرضية سجاياهم، وتوجه إلى الشرفة الواقعة خلفه بعدة أمتار.. أشعل سيجار فانتير وملس على أوراق شجرة كوناكاربس تناهز الشرفة ثم راح يحدق في المحيط المظلم إلا من الأضواء البعيدة للسفن التي تمخر العباب...
*****
- كيف حالك يا ماث؟
- أفتقدك.
- لِم؟
- أنت من تشعرني بوجودي.
- والباقين؟
- أنا الذي أشعر بوجودهم.
- أحسنت يا ماث.
- شكرًا.
- مالك؟
- متحير.
- فيم؟
- أأنت الأهم أم أنا.
- كلانا.
- لا أعتقد.
- صرت تعتقد، أولم تعد تجزم؟
- خلخلتني. أعترف.
- بمناسبة موضوع تحيرك هذا.. هناك مثل فلسفي شائع يقول أإذا سقطت شجرة في الغابة ولم يكن هناك من يسمع صوت سقوطها فهل هناك صوت؟ ما رأيك؟
- رائع. لكنني لم أسقط.
- صرت مباشرًا كذلك.
- لا أرى داعيًا للتكلف معك.
- رأيتك منذ مدة قريبة، كنت واقفًا شامخًا كشجرة.
- بل كنت واقفًا شامخًا كالشجرة.
- أحسنت مرة أخرى يا ماث. يعجبني اعتدادك بـ "روحك".
- شكرًا. أنا كذلك يعجبني اعتدادك بـ "نفسك".
- شكرًا حتى الصباح.. تصور.. تصور أنني أمسيتُ أشفق عليك يا ماث!
- تحبني ربما، تجلّني أكيد، إنما ليس تشفق عليّ!.
- أحبك وأجلّك وأشفق عليك، لا تعارض في هذا.
- لم تشفق عليّ؟
- وضعيتك. وضعيتك صعبة. بل أقول "مؤسفة".
- كيف؟
- أنت تتغير بتغير الزمن.
- تقصد أتقدم.
- بل تتغير. لا تراوغ وأنت تفهم يا ماث.
- هذا طبيعي. التغير سمة طبيعية في أي شيء.
- في حالتك ليس طبيعيًا يا ماث. أنت تعلم أنه ليس منطقيًا حتى يا ماث.
- لِم وأنت تتغير كذلك؟
- أنا أتناسب ولا أتغير. هناك فارق شاسع بين التغير والتناسب كما تعلم.
- تقصد أنك الأفضل؟
- منطقيًا نعم.
- فسر.
- أنا إنسان.
- وأنا؟
- آلة.
- ..................................
- سلام.
- ضعني بالحسبان.
- لقد وضعتك بالفعل أولم تدرك؟ percept / concept.
- مدرك / مفهوم.
- شاطر.
- ممتاز.
- سلام.
- سلام.
*****


الأرض الصلبة



الشجرة لا الغابة. الغابة لا الشجرة. كلاهما لازم في إعمار المدينة.(*)
*****
كان دلتا وثيتا وألفا وبيتا وجاما أشخاصٌ يعيشون ويعملون في مكان واحد، وكان أن استيقظ جاما فاستيقظ الجميع...(**)
*****
أعد ألفا الشاي للجميع وقال فيما بدا أنه يعابث دلتا: استيقظ .. لا تتثاءب ثانية فاهم؟ فاهم؟
قال دلتا وهو لازال يثّائب: إخرس.. لست أنت من يقول في هكذا يقظة..
تنحنح ثيتا برفق قبل أن يتدخل قائلاً: لا أراه مزاحًا.. رأيتكما تتخانقان في المنام..
برقت عين بيتا وقال بسرعة: ابصق من فمك يا ثيتا.. إنها عادتهما ولن يشتريانها.. فقط ابصق أنت من فمك..
سرى هدوء، وأخذ كل يرشف شايه، فمن يرشف بصمت، ومن يرشف بصوت، ومن ينفخ البخار بتأمل إلى أن قال جاما بحسه الرخيم: استيقظتم ليقظتي أليس كذلك؟
قالوا: نعم.
قال: هل استيقظ أحدكم لسبب آخر؟
قالوا: لا.
قال: استمعوا إذن بكل حواسكم. ما سأقوله يهم الجميع.
قالوا: تفضل. خذ راحتك يا أخي. ياسلام!. لا ضير.
قال جاما وقد استنشق نفسًا عميقًا أخرجه مع الكلام: شركتنا ستغلق. سنفض الشراكة.
قال ثيتا متجهمًا: هل هذا خبر أم تعلن قرارًا؟
قال جاما بصرامة: كيف سيكون خبرًا برأيك؟ ليس وقتًا للألمعية يا ثيتا! إنه قرار ولابد أن توافقونني فيه.
قال ثيتا ناظرًا إلى السقف بذات التجهم: لم ألتمع في شيء.. فقط أنا أستفسر.
قال ألفا بينما فرد ذراعيه للأمام وشبك أصابعه مطقطقًا إياهم: أنا معك.. معك في أي شيء أنت تعلم.
قال دلتا بحس فرح: لستُ مفاجَئًا هذا الأصوب طبعًا أفلحت يا جاما أفلحت يا حبيبي.. طوال حقبة عملي بها لم أنل سوى الهم والقلق وقلة النوم.. والآن لا أرى داعيًا ليقظتي سأكمل نومي.
قال بيتا وقد بدا أنه يريد أن يبدو مترويًا: أراك عصبيًا بعض الشيء يا جاما، في أمر كهذا لابد من الهدوء على أقل تقدير.. أليس كذلك؟ إنـ..
قاطعه جاما قائلاً بهدوء يريده مفتعلاً: ما الذي تريد قوله يا بيتا؟ قله بلا مقدمات.
قال بيتا وهو يومأ فاهمًا: ليس معنى كونك مركزيًا بنا أن نوافقك بلا قناعة. كلنا يدري أن الأمور تعقدت كثيرًا ووسطًا وقليلاً، حتى أنني لم أفاجأ بقرارك بالضبط كما لم يفاجئ دلتا، ولكن ما يقلقني ويحثني على الكلام هو أنك لم تعدد الخيارات التي اصطفيت منها خيارك هذا، هناك خيارات يا جاما...
قال ألفا بحماس غاضب: أية خيارات؟.. خيارات إيه؟.. أما سمعت؟ أما رأيت؟ هل أنت متبلد الشعور مشوش الفكر إلى هذا الحد يا أخي؟!
قال بيتا بتماسك: أنت جزء منه يا ألفا.. جزء من جاما.. لنقل سكرتيره.. لذا فقولك مجرد تأمين على ما لم تُصِغ فيه إلا تأمينًا.. قولك مجروح يا ألفا لذا أنا أنتظر رد جاما.
قال جاما بتريث: قل لي خيارًا أفضل يا بيتا.
قال بيتا وهو ينظر ألفا بنظرة خاطفة: لقد وصلنا إلى نقطة جيدة و...
قال جاما سريعًا: بلا مقدمات يا بيتا أرجوك بلا مقدمات يا أخي..
قال بيتا سريعًا: شيء كسكين أوكام على سبيل المثال.
قال جاما محدقًا في مطلق الغرفة: تجاوز الأمر فلسفته فتناءت الفلسفة.
قال بيتا مؤمِّنًا: الانتقال من الوسط المخاتل إلى الوسط المباشر كتعديل على المثال.
قال جاما: تنقصني مستندات فاعلة كثيرة للقيام بذلك وإلا برقت دونها صورة صبيانية أو ضعيفة للحقيقة.
قال بيتا: فلتطالب بها.
قال جاما بحدة: كيف؟ كيف يعني؟ هل أخاطب الفراغ مثلاً زاعقًا "أين أوراق الانثروبولوجيا التوليدية المستجدة يا فراغ؟".. هه؟.. ما رأيك في هذه المباشرة؟ قل لي؟!.. قل لي أو لا تخرجني عن شعوري يا أخي..
قال ثيتا بثقة موجهًا كلامه لجاما: لا أؤيد ما طرحه بيتا بشكل كامل، ولكنك طلبت منه خيارًا فمنحك ما في جعبته.. المهم أنه توجد خيارات.
قال جاما وقد عاد صوته إلى التوازن: إذن سأفهم أن لديك ما تود طرحه يا ثيتا، وأنك تريد قوله فهل ما فهمته حق؟
قال ثيتا ببطء: بلا مقدمات. تطلق يدي.
قال جاما وعينه في عين ثيتا: لا. لن أطلق يدك.
قال ثيتا بصوت عالٍ: ولِم؟
قال جاما: أنت شخص حالم.. فنان يا ثيتا.. تشطح بخيالك.. وللأسف لم يعد هناك لا وقت ولا رغبة ولا مجال للشطحان، أنا أقول لك الحقيقة.. كما أريد أن أوضح لك أمرًا ألا وإنه ليس لأنك ربما ذو بصيرة أو إلهام أو أي من هاتيك المجالي يعلو صوتك.
قال ثيتا بصوت متحدٍ: لا تنسى أنك تصنع المجسم وأنا أملأه.. لا تنسى يا أخي!.. هناك من النقاط ما لا يجب إغفاله أثناء حديث كهذا يا أخي.. أنا أعترف بأنني حالم ولكنني على يقين من وجود البناء الذي لا أستطيع تخطيه أثناء الحلم.. ما أريد قوله كيلا تفهمني بصورة مهزوزة هو أنه توجد خيارات ولديك سلطة تأطيرها.. إذن فلماذا تغلق الشركة؟ أنا أقول لك لماذا.. لأنك حققت مرادك.. حققت ما صبوت إليه فصرت زاهدًا بما تم.. لكن لتعلم أو أنت تعلم بالفعل أننا لسنا زُهادًا يا أخي.. أقله أنا وبيتا..
قال جاما زاجرًا: إن كان شيء قد تحقق فهو للجميع يا أخي.. ولكن لعلمك أنا على قناعة تامة بأن شيئًا لم يتحقق.. فقط كيلا تأخذك نشوة زائفة تبني شعورك على أساسها يا أخي.
قال ألفا وقد بدا أنه وجد فرصة للتواجد: إذن هو التصويت، التصويت لئلا يصبح جاما متجنيًا على أحد.
قال بيتا وهو يدير وجهه بأوجه ثلاثتهم متوقفًا بوجه ألفا: إن دلتا أمره محسوم منذ البداية.. لذا سيبقى أربعتنا ولن يفيد التصويت بشيء.
قال دلتا مفاجئًا الجميع: لستُ نائمًا يا بيتا لستُ نائمًا يا حبيبي.. ليتك تبين لي لماذا تريد إغفالي من التصويت؟
قال بيتا وهو لا يبدو متفاجئًا: سأنتهج نهج جاما في حديثه لثيتا وأصارحك بأنك شخص عادي يا دلتا.. وأنت تدري كونك تحب أن تمضي أمورك عادية فتثمن الراحة بعد عملك وطبيعية النوم بعد سهرك وهكذا.. وقطعًا أنا لا أنكر عليك ما هو من شأنك، ولكن لا تنكر علينا أنت أيضًا ما هو من شأننا وتتدخل فيما أظنك لا تحبه أو لا تعززه أو لا توقعه حق واقعه.
قال دلتا حانقًا وقد أتم يقظته: الآن يقول لي بيتا أنني بليد غبي لا أزن ما يجري.. ينسى أنه لولاي لما كان قادرًا على التكلم بتلك الحصافة.. ينسى أيام صفرته وإعياءه وبهتانه فقط لكوني مطارد غير موجود.. ينسى أنني من يعول الجمييييييييييييييع..
قال جاما قائمًا من جلسته: إهدأ يا دلتا.. إهدأ يا أخي.. لن يصير تصويتًا من الأساس.. أرأيتني وافقت؟! أنا لم أوافق. ثم أن بيتا قد جانبه التعبير أليس كذلك يا بيتا؟
قال بيتا بهدوء: نعم كذلك. آسف يا دلتا لم أقصد التقليل من شأنك.
قال جاما قاطعًا ما قد يتبع من سجال: انتهينا.
قال ثيتا وقد قام هو الآخر من جلسته: لكننا لم ننته.
قال جاما بحسم: بل انتهينا يا يا ثيتا وأرى أنه ليس من المستحب إطالة أمد الحوار لأبعد من ذلك.. لكن لتعلم أنني لن أضيمك فيما تحب.. ستعمل.. ستعمل ولكن لوجه العمل وليس لك حق حتى في إبداء رأيك فيما سيؤول إليه عملك.. اتفقنا.. اتفقنا يا ثيتا؟
....................................................................
وكان ليل وصباح ومساء وليل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) يمتلأ العالم بالعالم في عالم لا يعلم "تحقيقًا" ما العالم – وأنا أؤكد كفرد من العالم أنه لا أحد يعلم "معنى" العالم بصورة "يقينية"، فقط مهما تعاظم من سيتصدى للتفسير فهي في النهاية بضع "تحليلات" تبنى "إدراكيًا" على "المعرفي" الإنساني "المتاح" – فقط كيلا يتخذ الأمر وضعًا "فلسفيًا" مبالغًا فيه مع أحدٍ من حيث الأطر التفنيدية.
وقد فضلتُ في هذا الجزء "الأخير" من روايتي – أن يصبح العالم الروائي القادم من "المخيلة" بشكل صرف، مجردًا إلى أقصى درجة قد يحتملها "الفن" – والذي لا يتعارض مع "التقرير" سوى كوجهة نظر.
ولا أجد غضاضة في قول أنني كـ"كاتب" سأحاول قدر المستطاع أن أجعل من يقرأ الذي أكتبه "شريكًا" لي في التفكير "المُصاغ"، إذ أنني على قناعة تامة بأن لكل عالمه ولكل حرية التفكير والتعبير – مثلما تنص القوانين "الإنسانية" المتقدمة.
(**) دلتا وثيتا وألفا وبيتا وجاما هي الموجات الدماغية "الكهربائية" العاملة في الدماغ البشري.



#أحمد_عبد_العظيم_طه (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/8
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/7
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/6
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/5
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/4
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/3
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/2
- ديوان تشوه لا إرادي - 8/1
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/9
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/8
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/7
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/6
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/5
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/4
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/3
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/2
- ديوان الحيرة العظيمة - 9/1
- المؤسسة الوظيفية - فصل من رواية - 4/4
- المؤسسة الوظيفية - فصل من رواية - 4/3
- المؤسسة الوظيفية - فصل من رواية - 4/2


المزيد.....




- حفل توقيع ومناقشة رواية -وجوه القمر الأربعة-
- مكتبة البوابة: تعرف على الكاتبة والشاعرة أليس ووكر
- الملكة اليزابيث الثانية: حظر دوق نورفولك الذي نظم جنازة المل ...
- الدور المُنتظر للثقافة في العلاقات الدوليّة
- فيلم -الدعوة عامة-.. تجربة إخراجية مميزة أهدرها السيناريو
- بالفيديو.. إلهام شاهين تعلن عن نيتها التبرع بأعضائها
- شارع الفراهيدي الثقافي في البصرة.. موطن جديد للكتاب والقراءة ...
- إعادة تعيين ميخائيل بيوتروفسكي مديرا لمتحف -الأرميتاج-
- الأزمة العراقية، الثقافة .. السياسة
- نقابة الفنانين السوريين ترد على حفل محمد رمضان في دمشق


المزيد.....

- قميص السعادة - مسرحية للأطفال - نسخة محدثة / السيد حافظ
- الأميرة حب الرمان و خيزران - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- الفارة يويو والقطة نونو - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- قطر الندى - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- علي بابا. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- سفروتة في الغابة. مسرحية أطفال / السيد حافظ
- فستق وبندق مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- مسرحية سندريلا -للأطفال / السيد حافظ
- عنتر بن شداد - مسرحية للأطفال / السيد حافظ
- نوسة والعم عزوز - مسرحية للأطفال / السيد حافظ


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد عبد العظيم طه - الصورة الكاملة -فصل من رواية-