أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - في سيكولوجية العقل الديني















المزيد.....

في سيكولوجية العقل الديني


عباس علي العلي
(Abbas Ali Al Ali)


الحوار المتمدن-العدد: 7243 - 2022 / 5 / 9 - 11:43
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يتميز الفهم الإنساني للعلاقة الدينية بينه وبين رب الدين بميزتين أساسيتين بغض النظر عن نوع أو مصدر الدين، فهي من جهة علاقة عامودية ومحورية هابطة من قيمة فوقية لقيمة دنيا الغرض منه أن يجر الفوقي الدنيوي له، ومن جهة أخرى يتميز نتاج العلاقة الأولى بضرورة أن يمتد هذا الأثر بعد الأرتباط ليفعل فعلته بشكل أفقي توسعي، بمعنى أن الدنيوي أو المتدني صار يؤمن بعدم وجود منافس حقيقي طالما أنه مرتبط بالعلوي دون وسيط، وبالتالي فكل منافسة بالأصل لا تتوجه له ذاتيا في حقيقة ما يعتقد بقدر ما تتوجه بشكل أساسي لنقطة الأرتباط العلوي التي يظن أن طرفيها الذات القريبة "الأنا" و "هو" الما هو البعيد، ومن هنا عليه محاربتها أي الأشكال الأخرى من الفهم حتى لا تنافس أو تزاحم العلاقة التي يتمسك بها ويفسد شكل الأرتباط ويربكه للدرجة التي تهدد وجوده، فالفهم الأخر أو الشكل الأخر من التعاطي يعني تنافس حدي بين ألحق والباطل ولا ثالث يتوسط أو يخرج عن دائرة التحديد.
المتدين إذا مرتبط أساسا ودائما بقيمة واحدة عالية غير محسوسة يمكن فهمها بشكل رمزي وأحيانا لا يهم أن يفهمها بقدر ما يستجيب للرغبة في الأرتباط بشيء أكبر من وجوده وأعظم، فهم يمنح روحه الأمان والقدرة على أن يبقى في الزاوية المأمونة طالما أنه يستجيب لدواعي إيمانه، من هنا يتحول عنده الرمز الفوقي إلى قائد يمثل مطلق وكمال وتمام الإيجابية التي لا تقبل حتى الشك في حدوث ما يناقضها، إذا ووفقا للقواعد العملية هذه التمامية المطلقة حتى تبرر وجودها لا يد من نقيض نوعي وضدي معاكس في الاتجاه ومساوي في القدرة على مجازاة التعبير، إذا وجود الشر المطلق التمامي الكامل هو الحد الأخر اللذان يحركان الوجود، المتدين لا يعتبر نفسه نقطة وسط في تجاذب النقيضان بل هو مع رمزه وكل ما لا يناسبه يكون بالتأكيد في الجانب الأخر.
هذه الوضعية نشأت منها النقاط التالية:
1. لا يمكن أن يفهم العقل الديني الحرية الوجودية إلا من خلال حرية الرمز.
2. حتمية الخضوع للرمز طالما أنه يقاتل في صفه ولا يمكن له التحرك خارج معادلة التناقض.
3. كل ما ينتسب للرمز هو رمز أيضا ووجوب الأنتماء له عنوان لوجوب الأنتماء للأصل.
4. لا يعمل العقل الديني دون قيادة ولا بد ممن يرشده أو يكون له قائد مهما بلغ من القرب للرمز.
5. كل ما سبق لا بد أن يفرضه العقل المتدين على الأخر لأنه يعي نقصه الطبيعي ولا بد من فرض هذا الشعور على الأخر المختلف لأنه يؤمن أن القانون واحد لا يمكن أن ينتج أكثر من حالة مختلفة.
من هذه النقاط يتبين لنا أن الشعور النفسي عند العقل الديني أو المتدين يتمحور من خلال ثلاثة إشكاليات وجودية لا يمكن الفكاك منها، وهي:.
• الشعور بالحاجة إلى مكمل له
• عدم الثقة بقدرة العقل البشري على الأستقلال عن القوى الفوقية
• انعدام الرغبة في تمثيل الواقع دون ربطه بما وراءه أو فوقه
في الإشكالية الأولى يرى العقل الديني القصور الطبيعي في الذات وعدم جدية السعي نحو الكمالات الطبيعية مهما كانت العناوين لحقيقة أن الربط بين الفوقي والدوني يمثل عنده مصدر قوة ولا ينظر له على أنه أستمكان للضعف في الذات، وهذا ما يبرز الكمال الطبيعي في رأيه للقوة الفوقية فلا بد من مسافة لا تتجسر ولا يمكن تقليصها بين الأثنين حتى تكون العلاقة الطبيعية بينهما طبيعية فعلا، لذا لا يتردد بقبول العبودية ويعتز بها لأنها من مظاهر قوة السيد لديه، وبرهان على أن الوضع الطبيعي الوجودي مبني على النقيضين المتناقضين عبد وسيد.
أما الإشكالية الثانية والتي تطبع وجه من أوجه العلاقة الدائمة والمتأصلة في العقل البشري على مر العصور ومختلف الأديان، هي عدم الثقة بالقدرات العقلية الذاتية للإنسان سواء الديني أو المختلف عنه، فالكمال العقلي لديها ينتهي في منطقة محددة تتمثل في تصديق مقولات الدين والتوقف عندها كمحطة أخيرة، لأن الأبتعاد عن هذه النقطة تتمثل في إحداث شرخ العلاقة الطولية بين العابد والمتعبد له، وأعتداء على التسليم والخضوع والطاعة، لذا فالعقل الديني يرى في العقل المجرد وحدة مكوناتية معرفية لا بد من تحجيمها وحصرها وفقا لمقاسات سالفة ومنعه من التغلغل في المناطق الحرام.
أما النقطة الأخيرة والأهم هي عدم تمثيل الواقع كل الواقع بما فيه من ماديات ومثاليات وحتى ما هو خارج المادي والمثالي إلا من منظور العلاقة الطولية تلك، فنظرية العقل الديني ترى العالم الوجودي بكل تفاصيله وأنفعالاته وفعلة مجرد أستجابة لرغبة القوة الفوقية وتخطيطها الكمالي أولا والمسبق قبل حدوثه، فكيف يمكن للعقل الإنساني الذي هو جزء فاعل من جزء منفعل من وجود مستحكم بخطط سابقة أن يختار مخرج أو طريق أو فعل خارج هذه المنظومة الإرادية المحكمة.
من خلال هذا التقديم التفصيلي لسيكولوجية العقل الديني يظهر لنا أن الدين بالرغم من كونه محمول معرفي الهدف منه أصلا تحرير طاقة الإنسان وتخليصه من السلبية الوجودية المتمثلة في بحثه الدائم عن حلول أمنه ومعقوله، حوله العقل الديني ذاته إلى قيد وسجن للعقل البشري وساقه لمورد مخالف لقواعد الدين وماهيات وجوده، فبدلا من أن يضع الإنسان نفسه بين الرحمن والشيطان مثلا وأعتبار أن هذه العلاقة القطبية هي الأساس الفعلي لحركة الوجود، عليه أن يرجع لروح الدين التي ترفض هذا التوصيف فالإنسان والشيطان كلاهما مخلوقان ليكونا قطبي المحرك الوجودي من خلال قواعد وضعها الرب في أساسيات قانون الوجود، فعلى الإنسان إن لم يستطيع الأنتصار أن يحيد الخصم ويعرقل تطوره من خلال قوة العقل لديه والفعل الجبار للمعرفة، بذلك يخرج من دائرة الخندق المغلق ويتحرر من أشتراطات الصراع الوهمي بين الرحمن والشيطان.
النقطة الأخرى أن الرحمن أو الرب أو الله أيا كانت التسمية لا يمكن أن يناقض قانونه الأساسي في التكليف أو التكيف الوجودي للإنسان، ولو كان يرى في العقل الإنساني منافس له ولحدوده ما منحه القدرة على التفكر وأنتاج المعرفة ولأكتفي بالمخلوقات السلبية التي تمثلها الملائكة كونها سلبية بالكامل لا تنتج تفكرا ولا معرفة خارج الإرادة الفوقية ولا يمكنها حتى التفكر بذلك، مقابل المخلوقات الإيجابية بالكامل وهم الشياطين التي ترى الأمور دوما من خلال قدرتها السفسطائية على تزيين أو تقبيح الأمور وفقا لمحدد ما، وترك دائرة الصراع بينهما دون أن يزيد من أعداد الذين يسقطون في صراعات وهمية لا فائد منها لا للوجود ولا للرب، إذا العقل الديني والمتدين بعد إيمانه الأول يبدأ بنسج دين جديد وفق شبهات لم تدرك ولم تنضج في باله ويظنها الكمال في الايمان، وبها يخرج من دائرة الإيمان الأول ويتجه لعالم منحرف سلوكيا يعطيه العنوان السابق ويخضع له بالكلية.



#عباس_علي_العلي (هاشتاغ)       Abbas_Ali_Al_Ali#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب التونسي د. هشام القروي حول تعدد الاحزاب والديمقراطية في تونس والعالم العربي بشكل عام
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من مداخلة الروائي الشهيد الدكتور علاء مشذوب أثناء تقديمه لرو ...
- الفساد دين العباد
- النبوة الممتدة في الفكر السياسي الديني الإسلامي
- من قوة السيكولوجيا الفطرية إلى قوة السيكولوجيا الموجهة التار ...
- القرآن ومقهومه للتاريخ
- الفرق بين تاريخ الانسان وتاريخ الموجودات الاخرى
- المعيارية في دراسة التاريخ
- في إشكالية التاريخ المتفق والمختلف عليه
- بائع مجنون ومشتري عاقل
- صورة الموجود الكلي في الوجود التفصيلي
- هل يحتاج مفهوم الوجود إلى التعريف
- القصدية الدلالية للنص الديني بين أهل العلم وأهل التصور
- لماذا؟ ومن قتل عليا في المحراب؟
- الخلاصة في وجود الله بالوجود
- الوجود بين الظاهر والصورة
- الحرية على طبق من ذهب
- ... أمارات تحت سقف الله
- مثقفون ولعبة الثقافة
- مقدمة في التربية الأولية وعلاقتها بالنظرية الأجتماعية العامة
- في الديمقراطية التوافقية ماهية الإشكالية وجوهر المشكلة


المزيد.....




- فرنسا.. لوبان تطالب وزير الداخلية بإغلاق المزيد من المساجد ( ...
- زياد النخالة: نؤكد ضرورة وحدة القوى الوطنية والإسلامية على ا ...
- زياد النخالة: من واجبنا ألا نجعل غزة محايدة عندما يستهدف الم ...
- زياد النخالة: من واجبنا ألا نجعل غزة محايدة عندما يستهدف الم ...
- زياد النخالة: القدس تنتظرنا وسيأتي يوم يفرح فيه شعبنا بنصر ا ...
- زياد النخالة: الشعب الفلسطيني ومقاومته تقع عليهم مسؤولية حم ...
- طلب مقابلة البابا وجاء الرد بالنفي.. ما الذي فعله سائح غاضب ...
- مصادر فلسطينية: عشرات المستوطنين يؤدون طقوسا تلمودية في باحا ...
- بالفيديو: مستوطنون يواصلون استباحة المسجد الأقصى
- عبداللهيان: الجمهورية الاسلامية ما زالت مرساة الامن والاستقر ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - عباس علي العلي - في سيكولوجية العقل الديني