أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لخضر خلفاوي - سردية روائية: *ماء و حنطة !*















المزيد.....

سردية روائية: *ماء و حنطة !*


لخضر خلفاوي
(Lakhdar Khelfaoui)


الحوار المتمدن-العدد: 7222 - 2022 / 4 / 18 - 06:09
المحور: الادب والفن
    


…رغم استيقاظه باكرا حوالي الساعة السادسة صباحاإلا أنه لم يستطع إكمال عملية حصاد الحبوب من القمح و الحنطة المتبقية من اليوم الذي سبقه .. شارفت الساعة الثانية بعد الزوال و "لامين" الإبن الأصغر للحاج إبراهيم ، عمره أنذاك إثني و عشرين عاما لم يتم بشكل نهائي هذه المهمة التي أوكلت إليه من قبل والده الذي سقط طريح الفراش بسبب حمى مفاجئة في اليوم السابق ، قيل أنه تلقى ضربة شمس قوية … كان حاله على الفراش جد مقلق و مدعاة للخوف ؛ حتى أن بعضهم من الأقارب ظن أنه لن يقوم من هذه السقطة الفجائية !.
كان العطل الذي أصاب مكينة الحصاد الضخمة لمدة ساعتين أخّر من حصاد و جمع النّعم من حبوب القمح و الحنطة ..
كان "لامين" الإبن المدلل لوالده يستشيط غضبا و في أوجّ الغيظ لما آتاه من تعب مضنٍ تحت هذا القيظ و الشمس تلفحه من كل جانب، و جسده يتصبب عرقا ..
كان وجهه ينذر بمدى صعوبة المهمة رفقة بقية العمال الأُجراء الذين قدموا مع طلبية ( مكينة الحصاد ) ، يكسو ملامحه غبار الحقول المثارة بمرور هذه الآلة الضخمة .. كان التبان الصيفي الذي يضعه يبدو كأنه شفافا لشدة امتصاصه عرقه المنساب و كان سرواله على مستوى دبره و فرجه و مفاصله يبدو كأنه تبوّل على نفسه بولا طويلا مبرحا …
كان يجمع مع العمّال أكياس الحبوب التي كانت تلك الآلة تلفظها عند امتلائها فيضعها على مركبة جواده و عندما تمتلئ عربة الحصان يعود من الحقول مقتدادا عربته محملا بأكياس النعمة و يبدأ في إدخالها إلى "دار النّعمة" ؛ هكذا كان يسمونها لما ترك عمّار و أسرته هذه الدار و استقرّ في بلدة أوراسية تسمى بـ " الشمرّة"..
دار النعمة هذه كانت عندما تدخلها و تفتح بابها تضربكَ روائح النِّعم ، روائح الحبّ المحصود ؛ حيث الاكياس من حبوب القمح الصلب و الحنطة مكدسة بترتيب جيّد و هناك زاوية من الدار مفروشة يوضع عليها الحب من القمح أو الحنطة دون حفظه في أكياس …
كان لامين يرفع الأكياس من على عربته و يضعها على كتفه العريض و بعناء يزف الحنطة و القمح إلى مثواهم الأخير كيسا كيسا … ثم عند انتهائه من إفراغ شحنته من على عربته يعود إلى الحقول و يلتحق بالعمّال لمعاودة جمع الغلة .ثالثا و خامسا و سابعا …
***
ربيعة إبنة الثالث و الثلاثين ، عزباء ، إبنة عمومة لامين يُعوّل عليها في كثير من الشؤون المنزلية و الرعوية لما كانت في سن الطفولة و المراهقة .. ربيعة البنت الوحيدة من حريم العائلة اللي فاتها قطار الزواج مبكرا على عكس باقي بنات و نساء البادية …
كانت ربيعة طويلة القامة ممتلئة الجسد ، صاحبة شعر أسود كثيف و طويل ، عيناها بنيتان كبيرتان و خانة كبيرة سوداء تنقّطُ تاء الجمال و السحر على مهبط ذقنها.. الكل يتساءل عن سبب عزوفها عن الزواج منذ سنوات ، و كلما حاولوا الضغط عليها بفرض زيجة معينة تتمارض أو تهددهم بقتل نفسها !
عقيلة الوحيدة من بنات عمومة "لامين" من تعرف قصّة " ربيعة " و تعرف سرّ هذا الإحجام و الرفض المستميت ؛ لما حدث عنها لامين "عقيلة " ، على أنه يريد أن يطلب ودها و يصاحبها بغرض بناء علاقة قصد الزواج منها ، فتلعثم وقتها لسانها و تأتأت و ارتبكت و أفشت له بالسرّ و حذّرته من الإقتراب منها إذا كانت نيته هي الزواج منها … و إلا سوف يتحمّل وِزر غيره ! كان السرّ تجاوز الأثنين و كان " لامين" يعرف تفاصيل قصة " ربيعة".
***
لما كلفت ربيعة إبنة السادس عشرة من العمر بمرافقة " بوعقلين" الأهبل ، راعي العائلة لمساعدته في رعي الأغنام .. لم يكن "بوعقلين" الأهبل موضع ريبة و لا شكّ بالنسبة للحاج إبراهيم حتى يخاف على شرف إبنة العيلة ، و هتك عرضها من طرف هذا المعتوه ..كانت هذه الاحتمالية بالنسبة للجميع هي ضرب من الجنون؛ آه لو يعلمون "ضرب" الجنون !
كانت ربيعة لم تتصوّر لحظة أنها سوف تجد نفسها طريحة التراب في شعبة من شعاب البادية و "بوعقلين" يستدرك عقل الذكر و يجثم على جسدها و يسمّرها في الأرض إلى درجة أنها كانت تشارف فقد نفسها …ما نفع صراخها فالديار البعيدة و جثة " المجنون" كتمت كل صدى الاستغاثة …
لقد تحوّل في لحظة المجنون الأربعيني الأهبل "بوعقلين " من راعٍ إلى حارث صلب مُبين ! ما أخطر الذكر عندما يكون مزود بعقلين و بقلبين ، عقل مجنون و عقل عاقل و قلب طفل و قلب خبيث جشع! كلها اجتمعت في راعي " عمّي الحاج إبراهيم"…
لم تستطع ربيعة تفسير ما حصل لها و ما عاشته من لحظات كابوسية في عمرها الزهري ، و لم تستطع نسيان تلك التفاصيل التي اجتمعت في حادث حرثها اغتصابا .. الرائحة الكريهة المنبعثة من جسد " بوعقلين" الأَوذحْ ، راعي الديار .. لم تنس صولاته و جولاته بعضوه و هو كالوحش الكاسر يفض بكارتها و يكتم أنفاسها بيده الوسخة الموذوحة .. لم تنس توعده بذبحها كما تُذبح الشاة لو بلّغت عنه ؛ و ربيعة أدرى بظروف ذبح الشياه، فهي ولدت معها و تعرف قصة كل شاة بيعت أو ذُبحت في مناسبة أو اُهدت كقربان .
***
عندما حكت فاجعتها لـ " عقيلة " نصحتها أن تُبلّغ عنه حتى يلقى جزاءه فانتفضت رافضة مذعورة خائفة من ردة فعل الراعي و من موقف أهلها ؛ كانت ترى بإقدامها على فضح الحادثة تنقلب الأمور إلى ما لا يحمد عقباها و تُذبح في كلتا الحالتين و سوف يرفع القلم و تُبعد الشبهة عن الراعي الأبله راعي الديار المسكين !.
هكذا استمرّت ربيعة دافنة سرّها في أعماقها ، و كلّما تقدّم شاب لخطبتها كانت تسترجع كل تفاصيل ما حدث لها و تتقزز من شيء إسمه " رجل"!
كانت تراهم بحاسة شمها ؛ نتنون ، وسخون …قذارة تنبعث منها روائح البول و الوذح!
***
كان لامين تحت لفح الشمس منهمكا في جمع أكياس حصاده على إكراه ، أو هكذا كان وجهه و مزاجه يبديان للعيان …
لم يكن ينتبه أن ربيعة كانت ترقب كل حركة يقوم بها عن بعد و هو في هيئة كمن سقط في مسبح ، ثيابه المتسخة العائمة في عرق جرّاء الحر و جهد حصاد الغلة …
كأنها تريد تطبيق وصية عمها الحاج إبراهيم بحذافر كل اللغة و مجازها المفتوح؛ و الذي نابت في خدمته منذ أن سقط طريح الفراش لما طلب منها ذلك ؛ أن تهتمّ بكل حاجيات "لامين " في غياب والدته التي لم تعد بعد من زيارة لأهلها في دوار( أولاد سي عمر )…
كانت تحركاتها من إلى خارج الديار كمن هي في مناسك الصفا و المروة ، متذرعة بنشر الغسيل على الحبل المثبت بالباحة الكبيرة المفتوحة للديار ..
عاد لامين على متن عربته محملا بشحنة من أكياس النّعمة فلم تترك ربيعة فرصة ملاقاته عند وصوله و بدئه في إنزال و حمل الأكياس باتجاه دار (النّعمة).. بادرت و همّت تمدّ يد العون ..
- هات نعاونك! ما تعبتيش من الصباح يا ولد عمي .. !؟
- لا..لا ، خلّيني في همّي يا ربيعة ، تعبتْ لكن لازم نخلّص عليّ هذا الهمّ اللي لصقو في بابا ! بقات لي بعض الأكياس كنوبة أخيرة و استريح ، لقد انتهى حصاد الماكينة للحقلين ( القمح و الحنطة ) و العمال تركتهم يتناولون غداءهم، ثم ينتقلون إلى حقول أولاد ( سي عثمان ) لحصد محاصيلهم ، فعليهم الانتهاء قبل مغيب الشمس حسب ما ذكروه لي.
- علاه تقول هكذا خليني ؟ و وعلاه تقول يا راجل على النعمة أنها همّ ! استغفر ربك ! هذي نعمة من ربي ، و العام عام صابة ، آه لو كان عمي ابراهيم جا يشوف الخير و النعمة تاع ربي ، يجي يشوف سيد الرجال ولد عمي كيف كان قد المسؤولية و عرقو اللي مكسّيه يساوي جيش رجال ! لا تقل هكذا يا لامين !
- نظر و حملق فيها لامين بشيء بالانبهار و التفاجؤ و هو يسمع إطراءً و ثناءً لم يسمعه قطّ عدا ذلك السُّباب عند الغضب و العتاب : "يا حمار ، يا دابّ، يا بغلْ" المتفوّه من قبل الحاج إبراهيم أثناء فترات تصادمهما بسبب سلوكه الآبق و الثائر في بعض الأحيان …
- راك زعفان برك ، لكن ما يعطيكش قلبك تترك عمّي منشغل على ماله و أموره و هو على فراش المرض أدعو له بالشفاء و كل شيءٍ يهون ، هذا هو الأهم ..والله راهو موش مليح ، و حالته تقلق و الحمى لا تكاد أن تبرحه و مع ذلك يسألني عنك في كل ساعة ، والدك لا يكرهك و يريد لك الصلاح و كل الخير أو تشكّ في من يلقبه الجميع ب " سيّدي إبراهيم " حاجّ لبيت الله و حافظ لكتابه .. هوّن عليك و أترك كل شيء و ارتح سوف أحضر لك الأكل ثم عاود شغلك !
- ليس بعد .. ليس بعد ! هل هو نائم الآن ؟ هل أكل شيئا ؟ حدثيني هل لي أن أقلق عليه ؟
- هو نائم و يستيقظ من حين لآخر .. لا اكذب عليك حمته مقلقة ، لكن اعتقد أنه سيتماثل للشفاء .. إطمئن!
- عذرا .. سأعود للحفل و أجلب ما تتبقى من حمولة الحصاد و أفرغها في هذه الدار ، بعدها يمكنك إحضار الأكل يا بنت العمّ…
- حاضر ، كما تريد يا لامين ، "رحْ ربي يكون في عونك ، هانت ، هاك خلصت تقريبا .. غدوة يوم بلا مشقة جني النّعمة .. "
خرج لامين متجها نحو الحقل لجلب أكياسه المتبقية من الحبوب على عربته و هو شارد الذهن و يلتفت بين الفينة و الأخرى خلفه فيجد " ربيعة " تسافر معه تلاحقه بنظراتها و تلويحاتها …و كأن شيئا تحرك فجأة بقوة داخله اتجاهها ، و هو يتذكر حوارهما و عذوبة كلامها معه و اقترابها منه حتى لامسته أنفاسها … يتذكر تنورتها الخفيفة الصيفية المبتلة بماء الغسيل ، النتؤان البارزين بسبب انتصاب حلمتي ثدييها ..فتتداخل تلك اللحظات بالسرّ الذي يعرفه عنها فينشطر بين رغبته فيها و بين ذلك التفصيل الكارثة الذي حدث لإبنة عمه التي كان قد أدرجها ذات تفكير جاد في مشروع علاقة حب كمقدمة للارتباط بها !
-هل تعلم أني أعلم بسرّها ؟ ماذا لو علمت و واجهتها بذلك ؟ كيف ستكون ردة فعلها ؟ هل ستصدم و تكربْ و تنتكس نفسيا و تدرك أن " عقيلة " هي أيضا فقدت عقل الأمانة و أفشت السرّ لعنصر ثالث و هو -أنا-؟ كانت أسئلة كثيرة طرحها و هو متجه إلى مكان مجمع " النعم "…
***
فجأة تبدو ربيعة في حال غير حال ، أكثر نشاطا و حيوية و سعادة و هي تحضّر الأكل لإبن عمها في دار النعم ، و هي لا تدري سبب اختيار وضع مائدة الطعام في هذا المكان تحديدا على مقربة من أكياس حبوب القمح و الحنطة الموضوع على فرش بالزاوية الأخرى من الحجرة التي تبدو نصف منيرة أو نصف مضيئة …
و قد جهزت له ثيابا نظيفة وضعتها على إحدى أكياس القمح ..
لمّا عاد لامين بآخر حمولته ، و دخل عليها حمّالا لكيس من الحبوب و هي لم تنته بعد من ترتيب الطاولة و ملئها بما أعدته من أكل .. كانت تبدو مرتبكة بحضوره و كأنها تراه لأول مرة ! تذهب و تجيئ بأغراضها و هو يواصل تفريغ حمولته إلى أن انتهى ، فوجدها منتظرته عند المائدة ..
-يعطيك الصحة يا ولد عمّي ، ربي أعانك و دعوة الوالدين لم تخطئك ، هاكْ خلّصت شغلك ! أقعد تاكل و ارتاح ضركْ …
-يسلمكْ! ياه! والله تعبت تعبْ لا تتصوري حجمه!
انهال لامين على الطعام المحضّر و يأكل بشكل الجائع الذي لم يأكل لأيام ! و كانت هي ترقبه باستحياء و تسترق النظر إلى وجهه و هو غير مُبالٍ بتلصصها على كل حركة و على هيئته ، ثيابه المتسخة و المبتلة بعرقه. لم تدم طويلا عدم درايته بنظراتها التفصيلية التنقيبية في كل جزء من جسده …
-ألا تأكلين ؟ ما لك تنظرين إليّ متفرّجة ، كولي معي يا مخلوقة !
-بالشفاء ليك أنا أكلت مع عمّي ، أنا فقط قاعدة معاك كشما احتجت أي حاجة نجيبهالك ! ياخي ما تقلقكش قعدتي معاك ؟
-بصحتك.. لا أبدا أبقاي على روحك ! بابا كلا شوية ؟ عنده شهية للأكل ؟ لازم عليه ياكل ! موش مليح إذا فقد رغبة الاكل !
-اطمئن! هو ما يحبش ياكل بزاف، و أنا عاندتو و حتمت عليه ياكل شوية ، المهم أكل ما شاء الله ! يا رب يقوم و يرتاح ! الدار ظلمة من غير حركته و صوته و صولاته و جولاته !
-آمييييين من فمّك لربي !
و استمرّ لامين يأكل و علامات الراحة بدأت تعود إليه .. بينما ربيعة تستمرّ في استراق النظر إليه و تحسب أنفاسه و تسافر بنظراتها عشرات المرات بين ثنايا و تفاصيل جسده و هو يجلس أرضا متصدرا مائدة الطعام …
ينظر إليها يباغتها متلبسة فيه ، يبتسم دون أن ينبس ببنت شفة .. تتخاطر معه ربيعة بنفس الابتسامة لكن أعرض من ابتسامته الخجولة و دون كلام !
همّ بالوقوف بعد انهائه من الأكل و يريد -بتثاقل لا يعلم مصدره - الإنصراف من تلك الحجرة ، يتقدمّ بخطوة ، تنهض هي بسرعة البرق:
-وينْ راكْ رايح ؟! تسأله في تعجّب.
-سأذهب لأتفقد بابا ثم أذهب لتغيير ثيابي ، شوفي حالتي تشبه حالة الكلب !
-لا تذهب إليه الآن ! هذا وان نام و محتاج للراحة ، عاود شوفو بعد ما يستيقظ …
ثم راحت صوب الكيس الموضوع عليه ثيابه النظيفة و حملت القميص الجديد النظيف و تقدمت نحوه و بجرأة لم يتوقعها لامين أخذت تقتلع من صدره ذلك القميص الذي التحم بجلده من شدة العرق .. لم يحرّك لامين ساكنا و هو يرى ربيعة تخلع عنه قميص التعب وتريد استبداله بقميص نظيف و مريح !
-يا مرا واش قاعدة تديري ، لازم ناخذ حمام و من بعد أغير ثيابي !
-لما خلعت على مرأى عينيه قميصه و رأت صدره متصببا بالعرق و تفاصيل عضلاته تجمّدت يدها الموضوعة على صدره كأنها التصقت به ! تنظر محدقة فيه بشكل اختلّت فيه موازين اللحظات و سلّم تدرّج الأحداث ، اقتربت أكثر ! أنفاسها تهشّ على شعر صدره بلطف..
.. تجمّد هو بمكانه يحملق فيها دون مقاومة ، بدأت تُمسح بيديها على صدره و ترتّل اعترافاتها :
-هذا العرق أطهر من أيّ ماء تضعه على جسدك .. أنت سيد الرجال سيدي ولد سيدي الغالي ولد عمّي ، جسمك طهّره شقاؤك و برّك بوالدك .. دعني أرجوك أتفحّص هذا الصدر الكذوب المتظاهر بالقسوة و العقوق و الغضب و هو ألين من الحرير ….
اقتربت اكثر و وضعت رأسها على صدره ، رفعت رأسها نحوه ، أخذت تنظر إليه بانصهار ، قبّلها لم تمانع ، بل انضربت بعنف الشوق بشفتيها و لسانها فيه ، كان يتبادلان العناق الحميم .. ثم توقّف بغتة و دفعها قليلا إلى الخلف :
-انتظري ، انتظري .. أُريدُ أن أقول لك شيئا مهمّا آمل أن لا تبتئسي أو تصدمي …
-هيه! قول! واش تحب تقول ؟ غير الخير !؟
-لعلمك أني أعرف قصتك منذ زمن ؟!
-قصتي ؟!
-نعم ! قصة اغتصابك من طرف ذاك ( الحيوان المهبول ) تاع الراعي الناتن اللي كان يشتغل عندنا !
تسمّرت في مكانها للحظات و هي تفكّر و علامات الخيبة و الصدمة و الحزن لمعرفتها بأن سرّها و سرّ رفض زواجها يعرفه لامين !
-لماذا أخفيت عنا كل هذا !؟ ما أحمققك يا مرا ! كنت على الأقل أخبرتيني أنا ! لكنتُ تصرّفت و أنصفتك و انتقمت لك .. تعرفيني أنا مجنون و معروف بالتهور و العقوق و العصيان .. والله أعملها و نروح أمسكْ ذلك الراعي ( بوعقلين) و أضع في دبره وتد من حديد جزاء فعلته !
- لو وضعت فيه كل الأوتاد التي تحمل السماء لن تنفعني ! و ماذا بعد ؟ هل تستعيد لي براءتي ، هل تسترجع لي بكارتي و عذريتي و شبابي و أحلامي ؟ كان أفضل إذن تكتمي على المصيبة ! اللي كان كان يا ابن عمّي و اللي يرجع على الجرّه يتعب ،، و أنا من أصله ولدتُ تعبانة فلا تتعبني بهذا الحديث !
-يا خسارة ! هل تعلمي أني فكّرت فيك منذ فترة و أُعجبتُ بك و كنت أودّ الارتباط بك و و و ، لكن لما أخبرتُ و اكتشفت السرّ خارت آمالي! تعرفي جيدا لن استطيع الزواج منك و أنت لست « عذراء » ، فقد أُطرد من العائلة و أُتهم بكل النعوت ! و نصبح أنا و أنت حديث العام و الخاص ، و تفتح علينا مشاكلا لا مقدرة لنا عليها !
-أعرف يا ابن العم ، أنا لم أطلب منك شيئا ، لم أطلب منك الزواج مني ؛ أنا لا استحقك ! و أنا لا استحقني ! أبل قل أنا لا استحق أني وُلدت في بيئة مجحفة تُجرّم الضحيّة و تبرّئ الجاني ! و أيّ جانٍ ؟ معتوه فاقد لعقله ! حتى الله برّأه مما اقترفه في حقي لمن اشتكي إذن! خلي الجرح بحاله يا ابن العمّ! هذا حظي الملعون و علي تقبله لكني لن أرض أن أعيش مع إنسي من جنس ذكر ما حييت ، فليذهب جميعهم للجحيم !
-حقا ليس لدي ما أقوله لك يا بنت العم ! والله اوجعتيلي قلبي ! صح الدنيا كلبة و "الزهار" في بعض الأحيان أسوأ من الدمار !
-لا عليك .. لا عليك ! لست مذنبا في حقي ، و اليوم الذي فاتحتني فيه عقيلة و أخبرتني أنك كنت تريدني ، كبرت في عيني و زادت معزتك عندي ! لا أطلب و لا أطالب بشيء…
ما انتهت من إجابتها حتى راحت تعاود الارتماء في حضنه و تقبل صدره برومانسية لم يعهدها لامين في حياته رغم أنه معروف بدنجوانيته !
ثم سطت على شاربيه معانقة ملتحمة به ثم نزعت سرواله و غلّقت باب "دار النّعمة" و دخلا في حالة سكر موازية لعالمهما حيث استسلما لحاجتهما الإنسانية تحت فيء غرفة "النعمة" و تَفَاَخَذَتْ ربيعة معه و بكلها بما يكفيها لنسيان آلامها المكتومة.
***
-كانت تقول لي :
-دكّني يا ابن العم فأنت الغالي إبن الغاليين و أنا اخترتك اللحظة بمشيئة عاقلة بعقل واحد و بقلب واحد ، دكّني و لا تتوانى.. فلتكتب كل الأقلام السماوية و الوضعية ما شاءت ..يكفيني حظي البائس الذي تعثّر براعٍ معتوه و رُفِعتْ عنه أقلام الله و العادات و الأعراف ..فأنت أحقّ بدكّي و أنا بدكّك لَفَكِهَة و راضية.
عندما فتحتُ باب دار " النعمة" و تفشّت أنوار الظهيرة الصيفية إلى الفضاء الداخلي كنا عاريين ننظر إلى بعضينا نظرة القربى / الغرباء / الطُلقاء .. ما شدًني في تلك التجربة أو المغامرة و هي أروع و أول و آخر تجربة في حياتي لا يعادلها شيء رؤية مائي فيها ينساب من فرجها على فخذها محمّلا أو سائقا لحبتين للحنطة ، وقتها أدركت أننا مارسنا الحب بجنون و لم ننتبه أننا افترشنا الحنطة الموضوعة في الزاوية دون أكياس .
ضحكنا معا في ذات الوقت لما اكتشفنا أنفسنا بعدها ،فأخذنا ننفض على جسدينا و فرجينا و دبرينا حبّات الحنطة التي طرّزت بقعا من جسدينا.
-كان الكلّ يضحك بمرح شديد لقصص لامين على أترابه من الصحبة ذات مساء و مغامراته و قصته مع ربيعة ، بينما أنا كنتُ استمع و أتألّم بعمق لا أدري لماذا !؟

*) فصل من فصول (…)
باريس الكبرى جنوبا
في 16 أفريل 2022



#لخضر_خلفاوي (هاشتاغ)       Lakhdar_Khelfaoui#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة اللبنانية د. عايدة الجوهري حول مشروع الدولة المدنية العلمانية وأوضاع المرأة في لبنان
حوار مع د.سامي الذيب حول الأديان ومعتقداته الدينية وطبعته العربية وترجماته للقرآن والقضية الفلسطينية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المرأة و الرجل: ما مدى مصداقية مفهوم « الصداقة » بينهما ؟!
- العتمة العملاقة: ماذا سيحدث للعالم و لِ - عَبدة- (الفيس و إخ ...
- عجائب الخلق..
- كَشُرْبِ الهِيمْ!
- حُقنْ -الغيبوبة الإرادية- للمرضى بالحياة !
- هذه طفولتي التي أخطأتها …
- *دموع إسطنبولية ! ( سردية واقعية)
- يولد الشّعر في أيّ مكان شاء .. فكن إنسانا أوّلا يا صاحبي!
- (قصة.ق): كِظام!
- * جزائري أنا و افتخر و ليس عندي مركب نقص هَوَيَّاتِي مع با ...
- أفكار: ماذا لو أحلّ الله لنا قتل أنفسنا ؟ | لمًا تصبح الرواي ...
- *عن الأدب الجزائري: أوّل رواية في التاريخ لنا .. و نتصدّر ال ...
- أفكار : صديقي « نيتشه » المُتعب!
- * النديم ريشة قلبي و لوْ المُمرّد الروح المتصابية لذّة ...
- وحوش الله*!
- « الرّاعي الوحيد* »
- « الرّاعي الوحيد* »
- فسحة -مقبريّة- في حضرة Père Lachaise : عندما تتعقّد الحياة ي ...
- أفكار :*1) أفّاكو الكتابة ! 2) غثيان نفسي فكري 3) معضلة الع ...
- ما ليس لهم ليْ!


المزيد.....




- -نتفليكس- مصابة بعطل بعد صدور حلقة جديدة من -أشياء غريبة-
- لحّن لوديع الصافي وميادة الحناوي وغيرهم من الفنانين.. ليبيا ...
- شاهد: موسيقي كندي يستعيد في اليابان قيتاره المسروق منذ 46 عا ...
- وفاة الممثل الأمريكي جو تيوركل صاحب دور الساقي في فيلم -البر ...
- فوز -الطرحان- بجائزة آسيا جبار للرواية في الجزائر
- تهمة جديدة تلاحق الممثلة الأمريكية أمبر هيرد وهذه المرة في أ ...
- اللغة ضحية للحرب.. لماذا تتعرض البيلاروسية للتضييق عليها في ...
- فنان كندي يستعيد غيتارا سرق منه قبل 46 عاما (صور)
- رَسائِل ... قَلائِد
- الفيلم السعودي -سكة طويلة-.. مغامرة مثيرة في الصحراء


المزيد.....

- المقالة في الدراسات الأدبية الحديثة مفهومها ونشأتها وتطورها ... / ابراهيم محمد
- قراءة في رواية - نخلة وبيت - / هدى توفيق
- دمع الغوالي / السعيد عبد الغني
- كلنا سجناء / رباب السنهوري
- مزامير الاكتئاب وثنائي القطب / السعيد عبد الغني
- رواية راحلون رغما عن انوفهم - الجزاء الاول / صبيحة شبر
- من الشعر نفحات / عيسى بن ضيف الله حداد
- - شعر - قطوف من خارج المالوف / عيسى بن ضيف الله حداد
- المجموعة الشعرية الكاملة في الشعر السياسي / عيسى بن ضيف الله حداد
- المُلحد / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - لخضر خلفاوي - سردية روائية: *ماء و حنطة !*