أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطايع الهراغي - تونس: انسداد الأزمة والرّكض نحو المجهول















المزيد.....

تونس: انسداد الأزمة والرّكض نحو المجهول


الطايع الهراغي

الحوار المتمدن-العدد: 7216 - 2022 / 4 / 12 - 16:01
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


" الطّاغية مهمّته أن يجعلك فقيرا، وشيخ الطّاغية مهمّته أن يجعل وعيك غائبا"
- كارل ماركس-
" لا يزال الأغبياء يتصوّرون أنّ الثّورة قابلة للهزيمة " .
- تشــي غيفــارا-
"أيُرجى بالجراد صلاح أمر*** وقد جُبِل الجراد على الفساد؟ " .
- ابن بسّام البغدادي-

1/ في محنة الكتابة
الكتابة هاجس مربك، هدفه الإزعاج وليس البحث عن السّكينة.مهمّة وليست مهنة.انتفاضة على السّائد ،مروق على عقليّة القطيع،نقيض المجاملة والحياد الباهت. قطع مع الاصطفاف.نبش في الممنوعات وتنطّع على المحاذير.عذاب ممتع، اختيار طوعيّ، شقاء في النّعيم، تشييد لمملكة العقل ضدّا لعمارة العاطفة والمجاراة ، العقل الذي قال عنه المتنبّي"ذو العقل يشقى في النّعيم بعقله ** وأخو الجهالة في الشّقاوة ينعم".الكتابة الجادّة تحرّر وحسم مع الاصطفاف بما هو تذويب للذّات، غربة واعيّة عن المألوف والمعتاد .نبش في بحر من الظّلمات. شمعة تبدّد الظّلمة وتقتحم الآفاق المغلقة. الكتابة والسّلطة عالمان إذا تصالحا ذلّت الكتابة وتصاغرت وانتعش السّلطان واستأسد .
الكتابة (الرّأي/الفكرة/ الموقف) رحلة فرار من فظاعات وأسر السّلاطين والسّلط. محنة الموقف، روعته ورونقه جسّده الفقيه سفيان الثّوري في مجابهته للخليفة العبّاسيّ أبي جعفر المنصور الذي قال عنه "ألقينا الحَبّ إلى العلماء فلقطوا إلاّ ما كان من سفيان فقد أعيانا فرارا".
الكتابة مغامرة بما هي متعة في المخاطرة،بحث عن الممكن في ما يبدو للقوم مستحيلا .
جوبه الطّاهر الحدّاد من إكليروس عصره بحملة شنيعة عبّر عنها أحمد الدّرعي نصيره في محنته بقوله"إنّ الذين يثيرون الحملة يعلمون أنّ الدّهر سيسخر من حمقهم وأنّ الأجيال المقبلة سيُكِبرون العمل الذي يصخبون حوله الآن". زالت سطوة الإكليروس وخلد الحدّاد وخلدت آثاره .
حين دخل الألمان باريس جلس الرّسّام بابلو بيكاسو ورسم تفّاحة. اندحر الألمان وبقي الاحتلال ذكرى سيّئة من ماض سيّئ وظلّت رمزيّة رسم بيكاسو خالدة نحتا لبصمة الفنّ في السّياسة.

2/ لعنــة التّاريـخ ومكــره
الثّورة - بعيدا عن الموقف منها والموقع فيها- هي بالتّعريف نتاج لأزمة وبديلها في آن واحد. تفجّر الأزمات ثورات، نجاحها -وديمومتها- مرتهن بعوامل. ولكنّ الثّورات محكوم عليها أن لا تكون إعادة إنتاج لمداخل وآليّات رسكلة الأزمات، وإلاّ أصبحت مسخا. ذلك هو درس التّاريخ. وتلك هي عصارة التّجارب التّاريخيّة الفاشل منها والنّاجح.
إلاّ أنّ للتّاريخ انزياحاته،قوانينه الماكرة، عذاباته المرهقة،ورطاته وشطحاته.

لثّورة التّونسيّة، ضدّا لمنطوق التاّريخ وعكسا لموروثه وتجاربه الثوريّة، استمات طيف من السّياسيّين في أن تكون تسفيها لمنطق الأشياء وأرادوها خرقا لناموس تاريخيّ فحوّلوها إلى لعنة . لأمر ما، ولأسباب متداخلة ومتشعّبة، بعضها ذاتيّ، وبعضها موضوعيّ، نجح اليمين في تعبيراته المختلفة، المنفردة منها والمجتمعة، في الاستحواذ علي مقاصد الثورة ومصادرتها بما يرقى إلى مستوى تحويل وجهة. فكانت النّتيجة صادمة وكارثيّة.
ذلك هو عقاب التّاريخ عندما يُراد لشؤون الأرض أن تُدار بتعاليم السّماء . وذلك ما دُمغت به الثورة التّونسيّة وأصابها في المقتل.
انغلقت الدّائرة على نفسها وسُدّت كلّ المخارج برفض اليمين بقيادة النّهضة -الواجهة العلنيّة للإسلام السّياسيّ - تصريف الشّؤون الحياتيّة والاستعاضة عنها باغتصاب الحكم ومنافع الحكم بعقليّة مخزنيّة تتصرّف في البلاد على أنّها تركة خاصّة.وهيمنت حالة من التّيه السّياسيّ بموجبها أصبحت تونس بلدا غير قابل للحكم. وككلّ بناء أعرج ما كان يمكن إلاّ أن ينفتح على حلّ أعرج.
ذلك هو ما اصطلِح عليه من قبل الحشود القيسيّة وطابور المريدين والمفسّرين والشّرّاح بحراك25 جويلية.
أزمات متناسلة تفرّخها سياسات تتوالد كالجوائح، مؤسّسات في عراك ونزالات متواصلة، تفوق في فداحتها وتناحرها ونزعة الثّأر فيها ما علق بالمخيّلة العامّة عن شناعة تناحر القبائل وتنكيد الضّرائر. وماذا يمكن أن يكون الحلّ؟ بالتّأكيد لا يمكن إلاّ أن يكون على شاكلة الولادة القيصريّة، انقلاب تعبيرة من تعبيرات المنظومة الحاكمة على ضرائرها. وما دام التّاريخ لا يخلو من غرائب فقد كان لا بدّ أن يكون من اعتبرته النّهضة ذات يوم عصفورها النّادر هو قائد الانقلاب عليها وعلى حزامها الدّاعم. قيس سعيّد الذي شاءت الصّدفة أن يكون حاكم قرطاج بنفس الدّستور الذي بفضله تربّع غريمه الغنّوشي في رحاب قصر باردو. وكُتِب له أن يكون أحد الفاعلين الأساسيّين في تعفين الوضع السّياسيّ وتأزيم الأزمة المأزومة بطبعها وتعويص المخارج تُوِّج النّاطق الرّسميّ باسم ثوّار17 ديسمبر والثائر على فسيفساء ما سُمّي منظومة 24جويلية .
النّهضة رأس حربة منظومة الحكم منذ 2011، تنزاح من وعن العرش بفعل غبائها لتجد نفسها نتيجة مكر التّاريخ (من المضحكات المبكيات) مستأسدة في المعارضة وقائد حملتها في رحلة البحث عن استرجاع المجد التّليد والملك الضّائع.
الوضع الذي تردّت فيه تونس يُعدّ جريمة في حقّ التّاريخ قبل أن يكون اعتداء سافرا ومعلنا على أحلام التّونسيّين وتطلّعاتهم . سنوات العذاب والتّعذيب الممتدّة من 2011 إلى 2022 الجاثمة على رقاب التّونسيين كليل امرؤ القيس "أرخى سدوله عليّ بكلّ أنواع الهموم ليبتلي" هي سنوات حفر أنفاق النّزول إلى الجحيم والتّنكيل بالتّاريخ. هي سنوات الانتقام والثأر من انفلاتة من دبر التّـاريخ كان بالإمكان أن تعيد تشكيل تاريخ الشّعب التّونسيّ ومستقبله.

3/ فظاعات السّياسة وعذاباتها
ما هي السّياسة ؟ هي فنّ الفعل في الإكراهات وحصرها وتقليصها،إذا استحال السّيطرة عليها، وتبصّر الإلزامات والالتزامات والاحتكام إلى منطق البراغماتيّة والنّجاعة، وليس الخضوع إلى ما تمليه غريزة الشّهوة . السّياسة إذا أصبحت أسيرة فخّ ردود الفعل والسّلوك الانفعاليّ حصدت الخسران المبين وفقدت مقوّمات البقاء والاستمراريّة.ذلك هو حال تونس قبل25 جويلية وبعده.حياة سياسيّة مشيّدة على كفّ عفريت، يحكمها المجهول وتتقاذفها أمواج الضّبابيّة والاستهتار بالمزالق، خاصيّتها: هلاميّة المخارج/ تعرّج التّمشّيات /ضبابيّة القرارات وعسفها وغياب (وتغييب أيضا) التّصوّرات. سياسة محكومة بمفارقات عجائبيّة لا تليق بمبتدئين في عالم السّياسة.سياسة الانفعال التي يُفترض- طبقا لمنطق الأشياء- أن توسم بها المعارضة باتت خاصّيّة ملازمة للحاكم. فهل يعني ذلك أنّ المعارضة- على محدوديّة مشروعيّتها وانعدام ارتباطها بالهمّ المجتمعيّ- نجحت في دفع الحاكم إلى ردود فعل لحظويّة غير محسوبة؟ لا شيء يسفّه ذلك.
التّاريخ - ذلك الطّرف الوحيد المحايد كما قال عنه المؤرّخ الفرنسيّ جول ميشليه (1798 / 1874)- يشبه - بالنّسبة لمن لا تاريخ لهم- حبل المشنقة المتدلّي في غرفة المحكوم بالإعدام ، يذكّره دوما بلحظة القصاص، وتذكّرهم لعنة التّاريخ(غريمهم الدّائم) بخلوّ سجلّهم من أيّة مأثرة . ما الحلّ؟ لا حلّ إلاّ بمحو الذّاكرة ونحرها، طمسها واستبدالها بتاريخ وتأريخ وهميّ مسقط، محوره الأنا الهائمة في بحر العقد ، خلاصها في الثّأر من تاريخ لا هُـمْ صانعوه ولا هم متمثّلون إيّاه.
أوّل الدّلائل الرّغبة المنفلتة من عقالها في إعادة تنميط التّاريخ بقراءته وتأويله وتشكيله تشكيلا بهلوانيّا،الهدف منه زعزعة الذّاكرة وإرباكها وتشكيكها في ثوابتها بإعادة خلط الأوراق وخلق محاور تباين مسقطة، هلاميّة تحجب المسائل الحارقة التي لا تسمح بالتّأجيل وتحوّل ما هو ثانويّ- وأحيانا ما لا موجب له أصلا- إلى مسألة حياتيّة.
وثاني الدّلائل اعتماد تكديس المراسيم على أنّها علاج للأزمات التي تتفاقم يوميّا.مراسيم نابت ما يجب أن يُسنّ من سياسات علاجيّة للمشاغل اليوميّة الضّاغطة .فظلت هي في واد وإكراهات الواقع الفاقعة في واد آخر. تواتر هذه المراسيم جعلها محلّ تندّر. ونحت عقليّة ومسلكيّة اتّكاليّة مجافية للعمل المؤسّساتيّ وفي بعض المجالات معادية له: التّعامل مع القصر كإدارة ومطالبتها بفضّ المشاكل والمشاغل حتّى البسيط منها .والتعامل مع الرّئيس على أنّه قاضي مظالم.
وثالث الدّلائل تنازع "الشّرعيّات" التي فرضت نفسها من جديد مدار صراع. فالحاكم بأمره في إطار تصدّيه للخطر الدّاهم المحدود ضرورةً في الزّمن (لأمر ما بات خطرا دائما) كما حدّده في قراءته وفتواه الفقه دستوريّة التي بفضلها تفرّد بالحكم اغتصب كلّ السّلطات.فكانت النّتيجة هائلة. الخطر أصبح أخطارا والاستثنائيّ بات القاعدة . من خطر الإسلام السّياسيّ إلى خطر تمزّق تونس بين شعبويّة حاكمة مزهوّة بتفرّدها بالحكم ومجتمع سياسيّ في غالبيّته غائب، رافض، مغيّب، مصاب بجائحة هيمنة اللاّمعقول التي تقود البلاد إلى غابة المجهول . من خطر الارتهان "الخجول" للدّوائر المانحة ولوبيّات المال الملغوم على عهد الأعوام المأساويّة في حضيرة التّرويكات المتعاقبة إلى فضيحة التّسليم بالارتماء في أحضان نفس الدّوائر بأكثر لهفة وتسرّع .
إنّه الانسداد الذي يهدّد بتوريط البلاد في غياهب الضّبابيّة والغموض والالتباس. وضع للأسف شبيه بما آلت إليه الأوضاع في تونس لمّا كانت إيّالة زمن البايات .



#الطايع_الهراغي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ذكرى يوم الأرض/ -هنا باقون ما بقي الزّعتر والزّيتون-
- تونس، تراكم المعضلات وانحباس الآفاق
- 08 مارس العيد العالميّ للمرأة/ ألف تحيّة لأيقونات الحرّيّة.
- فداحة المشهد السّياسيّ في تونس / جريمة قتل الفعل السّياسيّ
- 09 سنوات على استشهاده / شكري بلعيد حيّ لا يموت.
- وإذا الموؤودة سئلت/ بونابارت يُبعث حيّا
- وفاء للمناضلين/الذّكرى الثّانية لرحيل منصف اليعقوبي.
- هذيان النّقد المنفلت من عقاله
- الذّكرى 11 للثّورة التّونسيّة / هذه البلاد بلادي.
- كورونا السّياسة في تونس/ شطحات سياسيّة في الأزمنة القيسيّة
- الطّاهر الحدّاد في ذكرى وفاته السّادسة والثّمانين/ الذّاكرة ...
- هل أتاك حديث البيْعة؟؟
- فصل المقال في ما بين البيعة والبدعة من غريب الاتّصال
- زلزال 25 جويلية/ محنة الفعل السّياسيّ في تونس
- راضية النّصراوي/ راهبة النّضال ومصدح الحرّيّة
- في نقد اليسار في تونس/جائحة النّقد المنفلت من عقاله
- النّخبة في تونس/متى تطير السّمرة وتحضر الفكرة؟؟
- -تونس المريضة حسّا ومعنى-/ عنق الزّجاجة ومرض التّوهّم
- خصوصيّات التّجربة التّونسيّة وعذاباتها
- تونس/جوائح الأمّيّة السّياسيّة


المزيد.....




- نمر يحمل قردًا نافقًا.. إليكم صور القائمة المختصرة بمسابقة م ...
- محاولات مصرية لاستعادة حجرها الأغلى في التاريخ المسروق في بر ...
- إعلان تفاصيل نتائج مفاوضات وفد حكومة الاقليم في بغداد
- النزاهة في الإقليم تؤشر فراغاً قانونياً بموضوع مكافحة غسيل ا ...
- وزير الداخلية يقيل مدير مكافحة المخدرات في البصرة
- تعديل قانون الانتخابات في العراق: محاولة لإعادة مكاسب القوى ...
- ماكرون يحذر من إجراءات بايدن -العدوانية- ومن -تفتيت الغرب-
- دراسة تكشف عن مخاوف في مصر من استخدام الروبوتات
- أوكرانيا تفكك نصب صاحب -كيف سقينا الفولاذ-
- أردوغان يترأس اجتماع مجلس الأمن القومي الأخير لبحث عملية بري ...


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطايع الهراغي - تونس: انسداد الأزمة والرّكض نحو المجهول