أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطايع الهراغي - تونس، تراكم المعضلات وانحباس الآفاق















المزيد.....

تونس، تراكم المعضلات وانحباس الآفاق


الطايع الهراغي

الحوار المتمدن-العدد: 7197 - 2022 / 3 / 21 - 18:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


" الوهم أشدّ رسوخا من الحقيقة"
(جــاك دريـدا).
" ليست الحقيقة هي ما يهمّ بل النّصر"
(أدولـف هتلــر). " في وقت الخداع العالميّ يصبح قول الحقيقة عملا ثوريّا".
( جــورج أوريـل).
"
المستبدّ في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه الموروث على رأسه يرى نفسه كان إنسانا فصار إلها".
(عبد الرّحمان الكواكبي)

لسّياسة معضلة. "ورطتها" تتمثّل في أنّها فعل محكوم بإملاءات اللّحظة وإكراهاتها مضافا إليها تبصّر انفتاحات المستقبل وتعرّجاته. هي فنّ إدارة الاختلاف والتّنوّع. تُقتل الممارسة السّياسيّة إذا أصبحت أسيرة المغالبة. وتتحوّل إلى نقمة وعبئ على المجتمع السّياسيّ إذا اتّكأت على الذّهنيّة البدائيّة المسكونة بغريزة الثّار من الماضي التي تغذّيها عقليّة الانتقام، وليس بتدبّر سياسات ناجعة للقطع مع مآسي الماضي. الشّطارة ،الاستئثار، ذهنيّة الغنيمة والتّركة .تلك هي علامات إقالة العقل-إن لم تكن إقصاء له - ودفعه إلى خوض إضراب مفتوح عن التّفكير،وإطلاق العنان لعربدة العاطفة التي تأسرها انفعالات الآن وإرهاصات اللّحظة وأمراض الغرور.

1/ المفارقات العجائبيّة

مفارقات عجائبيّة كثيرة في المشهد السّياسيّ تشهد بأنّ التاريخ - تاريخنا نحن بالذّات- لم ينضب بعد من المهازل .25جويلية باستتباعاته هو إحدى هذه المفارقات.ومن نكد التّاريخ أن تتبارى الملل والنّحل - بعضها محسوب على الطّيف اليساريّ والدّيمقراطيّ- في إعلاء" ثورة قصر" إلى مرتبة التّحوّلات التّاريخيّة الكبرى التي غيّرت مجرى الأحداث واعتُبرت محطّات مفصليّة.
محاولات تدجين ثورة 17 ديسمبر/ 14جانفي واعتبارها إرثا بائسا من ماض بائس هو ثاني هذه المفارقات.فلكي تستقيم أسطرة حدث25 جويلية كان لا بدّ للحشود القيسيّة من الكفر بغريمه 14جانفي كحدث يشبه في مخيّلتهم حبل المشنقة المتدلّي في غرفة المحكوم بالإعدام.

14جانفي - بعيدا عن الاختلاف في التّوصيف (ثورة /انتفاضة / انقلاب ناعم...) محطة سياسيّة مفصليّة يدين لها الجميع يمينا ويسارا ووسطا. فخلع ديكتاتور في البلدان المتخلّفة حيث التّداول على السّلطة ضربة حظّ مرتبطة بانتقام ثورة القصر أو ثورة القبر يُعدّ مقدّمة مثلى لجملة من التّغييرات. تنحّي (تنحيّة) بن علي وبطانته مهّد الطّريق لتعبيرة من تعبيرات اليمين للتّربّع على العرش وحرّرها من سطوة الشّخصنة وجوائحها والحكم الفرديّ وويلاته، ومكّن اليسار والفعاليّات الدّيمقراطيّة من هامش - محدود ولكنّه هامّ - من الفعل السّياسيّ هو ثمرة "الانفلات" الذي غالبا ما يصاحب الثّورات وتُفرض فيه بعض المكتسبات نفسها فرضا. مشهد - كان ينبئ بانفتاح على المستقبل- انغلق على نفسه وأنتج مسوخا لم تفلح إلاّ في تفريخ الأزمات ومراكمتها.

2/انتظارات وخيبات

وضع تونس اليوم ليس ببعيد عن وضعها زمن البايات، تونس "المريضة حسّا ومعنى"- كما وصفها ابن أبي الضّيّاف في كتابه "إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان"سنوات قبل الاحتلال، وضع شبيه بما ورد في نصيحة الجنرال حسين للباي محمد الصّادق "يا سيّدي إنّ هذه المملكة لا قدرة لها على احتمال شيء زائد،وهي من الموجود في خطر،فحالها كحال البقرة إذا حُلب ضرعها حتّى خرج الدّم، فهي الآن ينزّ ضرعها بالدّم، وولدها بمضيعة والعطب أقرب إليها من السّلامة".
ما يكاد يكون محلّ إجماع -على ما بين الفرقاء من تباين في التّقييم وتحميل المسؤوليّات وتصوّر المخارج - هو التباعد الكلّي بين حجم الانتظارات وفداحة المآلات. دليل دامغ على عمق الهوّة بين ما انفتح من آمال وانتظارات وما تحقّق من حصاد الهشيم وقبض الرّيح. عشريّة النّكد / عشريّة التّصحير/ عشريّة سحل القيم والمفاهيم / عشريّة التّصالح مع القديم الذي لفظه 14جانفي وبشّر بنقيضه بتعليبه وإلباسه بزّة ظاهرها جديد وجوهرها رثّ./عشريّة تفصيل التّاريخ على المقاس بعمليّة قيصريّة على غرار ما كان يفعل بروكست بمرضاه - على ذمّة ما هو مثبت في الأسطورة اليونانيّة-. تلك هي الحصيلة التي غنمها الشّعب من السّنوات العرجاء من عمر الثّورة.
حكومات النّحس فشلت في إدارة الأزمة -فما بالك بتجاوز مخلّفاتها- لأنّها اتّكأت على اغتصاب الحكم والاستئثار به كغاية في ذاته،وعجزت عن خدمة نظام، هو نظامها، وهي تكثيف لتعبيراته السّياسيّة. فعبّدت - وعت ذلك أم لم تع- الطّريق لتفريخ بديل من رحمها، هو نسختها المشوّهة وربيبها الجنيس. تكرّمت عليه بكلّ مقوّمات ومبرّرات الانقلاب عليها: إعدام كلّ مظاهر الحياة،السّياسيّة والفكريّة والثقافيّة والمعيشيّة، تحويل المؤسّسات (مؤسّساتها) إلى أوكار جوفاء يجفل منها البوم،ارتهان كلّيّ للجهات المانحة وعرض السّيادة الوطنيّة للمقايضة في بورصة المزاد العلنيّ للقيم المنقولة، تعايش شبح المؤسّسات والسّلط التّنفيذيّة والتّشريعيّة والقضائيّة في ما يفوق تنكيد الضّرائر، تشييد صور صينيّ يفصل بين المجتمع ومؤسّسات حكمه حتّى باتت الدّولة ودوائر الحكم أشباحا غريبة، كائنا خرافيّا، هو إلى ما دون الدّولة أقرب. مؤسّسات منتخبة لا شيء يميّزها في فظاعتها عن تلك التي نصّبها بن علي -وسلفه بورقيبة- وأراد لبعضها أن يكون ديكورا. وضعيّة سرياليّة تذكّر بعهد البايات وما هو مخطوط في ما سرده مؤرّخون من مهازل يعسر عدّها ويكاد يستحيل ضبطها، مهازل خلناها تراثا من ماض أليم يُفترض أن يكون مجال تندّر،عن فظائع حكّام ذاك الزّمان في مجلّدات عناوينها تختزل محتوياتها: "تونس الشّهيدة" لعبد العزيز الثّعالبي،"كتاب الاستبصار في عجائب الأمصار" لمؤلّف مرّاكشي مجهول،"عجائب الآثار في التّراجم والأخبار" المعروف اختصارا ب"تاريخ الجبرتي" لعبد الجبّارالجبرتي، "طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد" لعبد الرّحمان الكواكبي.وضعيّة هلاميّة أفقدت المحطّات الانتخابيّة خاصيّاتها وجدواها وشرّعت الانقلاب عليها ممّن اعتبرته بعض الأطراف ذات يوم عصفورها النّادر.فكان فعلا عصفورا نادرا طلّق القفص وطار.

3/ ومن المهازل ما قتل

دونكم هذه العيّنات من مهازل ما ضمّها كتاب وما جالت ببال عاقل من الخطوب التي تتالت على تونس بعد الثّورة ، لعلّها نسخة ممّا أورده الجنرال حسين(1828/ 1887 )في رسالته المشهورة (1863) "طفت الممالك في أرضنا هذه وما وراء البحار فما عثرت على مملكة قاسمتنا همومنا ولا سمعت بأشخاص فعلوا بأهالي إيّالتهم مثلما فعلتم":
++ المهزلة الأولىّ: من مفارقات التّاريخ ومكائده أن تلد الأزمة من رحمها صنوها الأعرج، من الحالم بالخلافة السّادسة بما يحوّل المواطنين إلى أهالي والشّعب إلى رعيّة والوطن إلى إيّالة والحكم إلى بيعة والحاكم إلى حوزة علميّة وفقهيّة، إلى الحالم ببعث نموذج بونابرت حيّا بعد 170 سنة وبحكم يُساس بفرمانات سلطانيّة ومراسيم عليّة في نسخة مشوّهة.
++المهزلة الثّانية: تخمّر النّخبة واهتبالها وتنكّرها لهوّيّتها وتورّط بعض أطيافها في مبايعة ذليلة ردّتها إلى وضعيّة وعّاظ السّلاطين لحاكم بأمره لم يرض منها بغير المذلّة والهوان وولوج بيت الطّاعة صاغرة .نخبة ولّت ظهرها لتراثها وطلّقته وانحدرت إلى ما دون معارضة الدّيكور، يشهد على ذلك حشود المفسّرين والشّرّاح والمريدين الذين يكابدون اللّيل وطوله والنّهار وأهواله لتدوين "أيّـــام" مفجّر "ثورة النّصر" وفكّ طلاسم خطاب استعاض عن إكراهات عالم السّياسة بالنّبش في بدع الخطابة حيث الزّهو بالزّخرف البلاغيّ يجعل الصّدق فيها-إن حصل- زلّة لسان.
++المهزلة الثّالثة: انحراف الخطاب السّياسيّ إلى مستوى من الإسفاف والرّطانة الخشبيّة التي لا تقيم أيّ اعتبار للفروق الجوهريّة بين عالم السّياسة بما هو فعل وتعامل مع متطلّبات و المرحلة والبحث عن النّجاعة والبراغماتيّة بما يلزمها من بروتوكول ضروريّ في التّعامل مع الآخر داخليّا وخارجيّا.
++ المهزلة الرّابعة: الاستيلاء على التّاريخ وتشويه الذّاكرة الوطنيّة بتعميد25جويلية حدثا ثوريّا وتصحيحا لخطايا 14جانفي باعتباره انقلابا على مسار 17ديسمبر.
++المهزلة الخامسة : تعميد الرّئيس ناطقا رسميّا باسم المسار الثّوريّ واعتبار فعل فوقيّ لأجهزة الدّولة فعلا ثوريّا يقتضي المبايعة وتجييش الحشود.
++ المهزلة السّادسة: اختزال الموقع والموقف من منظومة الحكم في إزاحة التّعبيرة السّياسيّة للإسلام السّياسيّ من الحكم - من الواجهة الرّسميّة وليس من السّاحة السّياسيّة-.
++ المهزلة السّابعة: اللّهث المحموم الهستيريّ لفرض تقاطب ثنائيّ من نفس منظومة اليمين، حشود الرّئيس ومبايعيه وحشود النّهضة ومريديها. تقاطب ثنائيّ كان دوما على البلاد وبالا.
++ المهزلة الثّامنة: تورّط طيف من الحداثيّين والحقوقيّين والدّيمقراطيّين - باسم مقاومة الانقلاب وردّ الاعتبار للمؤسّسات ومقاومة الشّعبويّة- في الحلم بإحياء كيانات ميّتة لتحكم من قبورها الأحياء.



#الطايع_الهراغي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حول الانتخابات في البرازيل مع عالم الاجتماع والفيلسوف الماركسي ميكائيل لووي - اضواء على احداث ساخنة
حوار مع صلاح عدلي الامين العام للحزب الشيوعي المصري حول اوضاع ومكانة القوى اليسارية والتقدمية في مصر


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 08 مارس العيد العالميّ للمرأة/ ألف تحيّة لأيقونات الحرّيّة.
- فداحة المشهد السّياسيّ في تونس / جريمة قتل الفعل السّياسيّ
- 09 سنوات على استشهاده / شكري بلعيد حيّ لا يموت.
- وإذا الموؤودة سئلت/ بونابارت يُبعث حيّا
- وفاء للمناضلين/الذّكرى الثّانية لرحيل منصف اليعقوبي.
- هذيان النّقد المنفلت من عقاله
- الذّكرى 11 للثّورة التّونسيّة / هذه البلاد بلادي.
- كورونا السّياسة في تونس/ شطحات سياسيّة في الأزمنة القيسيّة
- الطّاهر الحدّاد في ذكرى وفاته السّادسة والثّمانين/ الذّاكرة ...
- هل أتاك حديث البيْعة؟؟
- فصل المقال في ما بين البيعة والبدعة من غريب الاتّصال
- زلزال 25 جويلية/ محنة الفعل السّياسيّ في تونس
- راضية النّصراوي/ راهبة النّضال ومصدح الحرّيّة
- في نقد اليسار في تونس/جائحة النّقد المنفلت من عقاله
- النّخبة في تونس/متى تطير السّمرة وتحضر الفكرة؟؟
- -تونس المريضة حسّا ومعنى-/ عنق الزّجاجة ومرض التّوهّم
- خصوصيّات التّجربة التّونسيّة وعذاباتها
- تونس/جوائح الأمّيّة السّياسيّة
- دفاعا عن الثّورة التّونسيّة / متى نطلّق الأوهام؟؟
- تونس: مكرالتّاريخ وتشعّب الرّهانات.


المزيد.....




- العلماء الروس يضعون أول خارطة تفصيلية لأحد أقمار زحل
- حقن إنسان بفيروس قاتل للسرطان
- روسيا تصنع سفنا صاروخية جديدة لجيشها
- هل يوجد فرق بين ألزهايمر والخرف؟
- لماذا يخشى الغرب انتصار روسيا في أوكرانيا إلى هذه الدرجة
- السلطات الأمريكية تسمح بنشر أقمار صناعية من الجيل الثاني
- زعيم كوريا الشمالية يعزي بكين في وفاة الرئيس الصيني الأسبق ج ...
- نتنياهو يضم حزبا من أقصى اليمين لائتلافه الحكومي والمعارضة ت ...
- وثيقة ألمانية مسربة تتوقع مزيدا من التوتر مع الصين
- روسيا وأوكرانيا: كييف تتهم موسكو بقصف الأراضي الأوكرانية بصو ...


المزيد.....

- دفاعاً عن النظرية الماركسية الجزء 2 / فلاح أمين الرهيمي
- إريك بلان، كارل كاوتسكي والطريق الديمقراطي للاشتراكية / جون ماروت
- التقرير السياسي الصادر عن أعمال دورة اجتماعات المكتب السياسي ... / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- تحولات المثقف المصري / بهاء الدين الصالحي
- بصمة عراقية / سعد الكناني
- التطورات المخيفة للاقتصاد العالمي القادم / محمود يوسف بكير
- صدور العدد 58 من «كراسات ملف» / الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين
- التلاعب السياسي عبر الأدلجة التضليلية للأزمة 2-2 / حسين علوان حسين
- البطالة كعاهة رأسمالية طبقية لا علاج لها / عبد السلام أديب
- جريدة طريق الثورة، العدد 68، جانفي-فيفري 2022 / حزب الكادحين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - الطايع الهراغي - تونس، تراكم المعضلات وانحباس الآفاق