أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكريا كردي - * شرُّ التّفَاؤل المُفْرط..















المزيد.....

* شرُّ التّفَاؤل المُفْرط..


زكريا كردي

الحوار المتمدن-العدد: 7092 - 2021 / 11 / 30 - 22:26
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


---------------------
يُحكى أنَّ رجلاً ثرياً ذهبَ في رحلةٍ الى أدغالِ أفريقيا، ورأى هناك بالمصادفة فيلاً ضخماً يأنُّ من الألم الشديد، بسبب سهم مغروز في جبهته، فاندفعَ هذا الرجلُ السائح الى مُساعدته، وسهرَ على مُعالجته، الى أنْ شُفيَّ وعاد الى الغابة.
وبعد مرور بضع سنوات، بينما كانَ الرجل الثريُّ جالساً في الصفوف الأولى، لمشاهدة احدى عروض السيرك في مدينته، ظهر على المسرح فيلٌ ضخمٌ، كي يؤدي فقرة بهلوانية في السيرك، لكن بينما كان الجمهور يصفق ترحاباً به، هاج ذاك الفيل بعنف وماج ، ثم ترك مكانه فجأةً في وسط المسرح، واندفع بقوة الى الشبك يكسره، ليدوس ذاك الرجل السائح بلمح البصر ، ومن ثم يهشم عظامه و يقتلهُ شرَّ قتلة..
فيما بعد، تبيّن أنّ هذا الفيل القاتل ليس هو ذات الفيل المُصاب، الذي عالجه الرجل في غابات افريقيا، و أنّ الحادثة كانت مجرد حادثاً عرضياً. ولا علاقة لسياحة الرجل القتيل بهذا الفيل الهائج القاتل اصلا، لا من قريب ولا بعيد ..
هذه القصة البسيطة كنت - ومازلت- أرويها لطلابي وكثير من أصدقائي، على سبيل التجربة وسبر الوعي والفهم ,,
و كنت في كل مرة أجد أنّ اكثر من تسعين بالمائة منهم، كانوا قد توقعوا نهاية سعيدة لها. تماما كما حصل مع كثير من القرّاء الآن، -كما أعتقد -
فأخلص إلى نتيجة مفادها ،
أنّ معظم الافهام الانسانية البسيطة، كثيرا ما تذهب الى توقع يخمد جوع رغباتها ، وميل يحقق موضوع عواطفها،
وهي كثيراً ما تعمل على عقلنة الواقع، وليّ حقائقه بما يتوافق مع نزعاتها ، أو مع ما تصبو إليه أهواءها.
بل وعادةً ما نجدها تقفز دائماً إلى نتائج إيجابية تتمناها بعاطفة ساذجة، وتحدس بحلول مأمولة يكسوها التفاؤل الانفعالي المُفرط،
وهو ذات التفاؤل العاطفي الذي دفعها للاستناج يقيناً، أن فيل السيرك هو ذات الفيل المصاب في الأدغال ،
وبالتالي هو حتماً سيتعرّف على صاحب المعروف، وسيقفز فرحا بلقاء الرجل السائح الطيب الذي عالجه.
وحتماً ستكون النهاية سعيدة ومرضية للجميع عاجلاً أم آجلاً. و..و..الخ
ويبقى أمر السذاجة بهم هكذا، إلى ان يصطدمهم الواقع بمجراه الجارف ، أو تصفعهم الحقيقة بوقائع قاسية، لا علاقة لها البتة بما يرغبون أو يحدسون أو يحلمون . والعجب أن تراهم -رغم كل ذلك- لا يستيقظون.
ربما لانهم لا يرغبون في ذلك، أو أنهم لا يستطيعون التفكير ومواجهة عناء الفهم الحصيف .
يذكر أن الفهم البسيط هو حالٌ شائعٌ لدى معظم الناس لدينا في الشرق، من العامة والخاصة، و ما اقصده بالفهم البسيط هو فهم التفاؤل الساذج أو ما يسمى بالبنغلوسية .
وكلمة البنغلوسية panglossianism تعود في أصلها ، الى اسم "بانغلوس"، وهو أستاذ الشاب "كانديد" في رواية الفيلسوف الفرنسي "فولتير ، الذي كتبها ساخراً من رأي اولئك الناس السُذّج..الذي عبرت عنهم أنذاك أراء كثيرة للفيلسوف ليبتنز.
وهم بالتحديد الناس الذين يعتقدون جازمين و متيقنين، أنّ حال الخير الحق سيأتي حتماً، و هو سينتصر دائماً في النهاية..
ويرددون على أسماع بعضهم بعضاً - رغم كل الفظاعات والأهوال والمصائب، التي قد تمر بهم - و باستمرار قانع عنيد، و بلاهةٍ جذابةٍ مثابرة، العبارات الساذجة من قبيل:
لا تقلق ابداً - فمهما جرى لنْ يصح الا الصحيح -
انّ للباطل جولة فقط - كل ما يحصل أمامنا أو لنا، هو خير بوجه خفي
- و لابدّ يقيناً من حكمة عظيمة، وخير كثير وراء ذلك،و , و.. لا تقلق أبداً ..
- الخير والصحيح هما فقط لهما الفوز العظيم... لا تقلق أبداً ..
- لاننا كـ كائنات عاقلة، نحن موجودون في أفضل العوالم المُمكنة، والتي تقف وراء أحداثها وخطوبها، حكمة ما ورائية رائعة خارقة مُطلقة،
و لذلك لا يتوجّب على المرء سوى الاطمئنان والانتظار ،
أو في أحسن الاحوال السعي فقط ، إلى ادراك لذة ذلك التفاؤل، و التأكد من أنه امتلك القناعة والتسليم بقبول الشرور الموجودة في العالم، لماذا ..؟ !!
لأن تلك الحكمة المطلقة، أو ذاك الخير الللانهائي، قد أوجد العالم بالفعل بأفضل مما يستطيع. بل في أحسن حال وتقويم .... لا تقلق أبداً ..
هكذا هي تماماً الافهام البنغلوسية،
أفهام لا ترى مثالب قوة الشر مهما فعلت بها، ولا تحركها سياط القهر مهما ألهبت ظهرانيها،
هي أفهام تبريرية بإمتياز ، تهوى وداعة السكون في مقابر الأسلاف ، ولا تدفعها أحوالها المزرية و المدقعة في التخلف، أو معاشها المريع في النقص والحاجة، إلى أي امتعاض أو دهشة أو سؤال أو نقد ..
انها أفهام بنغلوسية صميمية الرضى، مصابة بداء التفاؤلية الساذجة، ملأى بعماء اليقين ، ومسكونة دوماً بشغف النهايات السعيدة، ومتخمة بالآمال الوهمية العليا، التي لا يدعمها أي منطق أو فهم أو تدبير ..
أفهام غارقة بالإيمان التسلطي، الذي يبث في اوصالها أضغاث الفردوس الموعود،
ويعقل أذهانها المتدهورة بأغلال الايمان و التفاؤل الساذج، وبالتالي يقتل فيها فعالية الحس الانتقادي، من خلال اغراقها بأجوبة ماضوية ، واستنتاجات صورية، لا تقارب الواقع الملموس ، ولا تمتُّ للعقل الراهن والواقع المعيش أو التجربة بأية صلة .
قصارى القول :
التفاؤل المفرط خطر داهم على انماط التفكير، و هو وباء مستطير محبب، يعمل بصمت على قتل الحس الانتقادي للفرد، و تعميق التدهور العقلي للأمم المتأخرة.
وللحق فإن الشر قد ينتصر أكثر من مرة وبسهولة ، إذا لم يكن هناك جهد عقلي حكيم و واع، يقاومه ويجتهد في درئه، والوقوف في وجه مساراته الظافرة.
و الباطل له اكثر من جولة وجولة ، و ربما يكسب معاركاً تلو الأخرى، بل قد ينال بطغيانه الفوز العظيم ..
وكم من قوة غاشمة، استطاعت أن تجعل من الباطل المذموم حقاً معلوماًَ ، سرى على مر الزمان والآباد ..
أخيراً : أعتقد علينا ان ندرك جيداً ، انّ تقدم خطى العقل في العالم، وانبثاق آثار التقدم في مناحي الحياة، لا يعني فناء السوء، أو اندحار الشر بشكل مطلق بأي حال من الأحوال.
وانّ العالم لا يتقدّم بالتفاؤل المُفرط والتمنّي الساذج للخير فقط ،
بل بالخير والشر معاً، و عبر فهم أسباب صراعهما الأزلي عميقاً.
و الظن أن الشر هو أصلٌ في جوهر الكائن، وليس بعارضٍ فيه.
وقد أصاب شاعر الفلاسفة المَعَرّي حين قال :
والشرُ في الإنس مبثوث وغيرهم
والنفعُ -مذ كان- ممزوج به الضرر.



#زكريا_كردي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حديث خرافة..
- ليس بعيدا عن السياسة 3 ..
- ليس بعيدا عن السياسة 2 ..
- بليّة الفهم الكسول..
- أفكار حول مزايا الفلسفة
- رحيل - سيرة ذاتية -
- الانتخابات الرئاسيّة السورية.. صوت العقل
- أفكار أولية حول أهمية الحقيقة الدينية والحقيقة الإنسانية
- - البشر الأحياء - حوار مع الفنان التشكيلي العالمي CHALAK
- دردشات حول وباء التملّق ...
- عصر الغوغاء الرشيد
- من وحي كتاب -سيكولوجية الجماهير-
- أفكار حول أهمية العمل الخيري التطوعي
- - كوفيد 19 والنصف - مونودراما شعرية للشاعر - مزعل المزعل -
- ما هي الحقيقة ..؟!
- لصوص الفكر ..
- رأيٌ آخر..
- الدّين عندَ الفيلسوف إيمانويل كانط
- إنطباعات حول فيوض الشاعرة السورية - فينيق عليا عيسى -
- - الله - عند اسبينوزا..2


المزيد.....




- -فاينانشيال تايمز-: شتاء بارد متوقع في أوروبا وسط أزمة طاقة ...
- قرار بتغيير قائد استخبارات -ابو رغيف-
- الفساد أهدر 550 مليار دولار من خزينة العراق بين 2006 و2014
- وظائف القطاع العام -حلم الشباب- وكابوس الدولة
- هجومين بالضفة الغربية.. إطلاق نار في الخليل وإصابة جندي إسرا ...
- الخارجية الألمانية تستدعي السفير الروسي
- العراق.. مواطنون يهاجمون قوة أمنية حاولت إزالة تجاوزات (فيدي ...
- الخارجية الإيطالية تستدعي السفير الروسي لدى روما
- نجل داعية سعودي مسجون يعلن الفرار من المملكة (فيديو)
- العراق.. القبض على تاجر مخدرات في بغداد بحوزته 5 كغ من مادة ...


المزيد.....

- درس في الإلحاد 3 - الوجود ووهم المُوجد / سامى لبيب
- المادة : الفلسفة النشاط : الدرس النظري لإشكالية الأولى : / حبطيش وعلي
- علم الكلام وثلاثية النص والواقع والعقل / نادر عمر عبد العزيز حسن
- هل يؤثر تغيير إتجاه القراءة على تكوين الذهن للمعاني؟ / المنصور جعفر
- لماذا نحتاج إلى فلسفة للعلوم الطبيعية / دلير زنكنة
- نقد العقل العراقي / باسم محمد حبيب
- عبء الاثبات في الحوار الفلسفي: الفصل الرابع: أنطوني فلو: افت ... / عادل عبدالله
- عِبءُ الإثباتِ في الحوار الفلسفي على أيٍّ من الطرفين يقعُ عب ... / عادل عبدالله
- الفئات الفقيرة الهشة بين استراتيجيات البقاء ومجتمع المخاطرة ... / وليد محمد عبدالحليم محمد عاشور
- إشكالية الصورة والخيال / سعود سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - زكريا كردي - * شرُّ التّفَاؤل المُفْرط..