أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - زكريا كردي - حديث خرافة..















المزيد.....

حديث خرافة..


زكريا كردي

الحوار المتمدن-العدد: 7076 - 2021 / 11 / 13 - 19:18
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"اذا غابَ العقلُ ظهرت الخرافة ،وإذا سادتْ الخرافة ضاع العقل "
باروخ اسبينوزا
من كتاب "رسالة في اللاهوت والسياسة "
--------
توصف الخُرافةُ في لغة العرب بأنّها " الحديثُ الـمُسْتَمْلَحُ من الكذِبِ"
و بحسب معظم الموسوعات (كالويكيبيديا وسواها من المراجع الفكرية و اللغوية) الخرافة هي :
الاعتقاد أو الفكرة القائمة على مُجرد تخيلات ذهنية صرفة، لا يقوم وجودها على سبب عقلي أو منطقي، ولا يكون هيكل قوامها مبني على قواعد العلم أو مؤسس على مبادئ المعرفة العقلية بتاتاً .
بكلمات أخرى: الخرافات هي اعتقادات شائعة لا عقلية ولا منطقية، أو طقوس أو ممارسة لا عقلية البتّة، قد تكون دينية صرفة، و قد تكون ثقافية أو اجتماعية، وقد تكون عامة أو شخصية..
وبحسب فهمي فإن الخرافة تختلف قليلاً عن الأسطورة،
من حيث أنّ الخرافة هي نتاجُ وهم صرف، و وليدةُ خيال محض، (كالجّن والغول والعفاريت..
بينما الاسطورة هي نتاج خيال ممتزج نوعاً ما مع بعض خطوب الوجود العياني،
و هي أي الاسطورة تأتي - غالباً - على هيئة سرد خيالي مُترابط بعض الشيء، وقص متكئ قليلا على كثير من مناحي الواقع المعين. (كأسطورة جلجامش ...
لكن على الرغم من أنّ الخرافة تشابه الاسطورة نوعاً ما، من حيث أن كلاهما حديث مبتدع لا أصل علمي له، أو يقين مؤكد بالكامل..
إلا أنّ الاسطورة - في تقديري- يُمكن حسبانها أيضاً، على أنها حديث مُعَقلنْ للأحداث في الواقع والطبيعة ، أي بمعنى هي نتاج فهمٌ ما، يُريد أن يسبغُ أفانين العقل على الاضغاث، و يسكب ضروب وهم الحياة باستمرار، على وجود الاشياء و مسار الاحداث والخطوب في الطبيعة والواقع.
كأن نقول مثلاً، أن هذا الجبل هرب من أمام جيش فلان في معركة تاريخية كانت قد وقعت فعلا ، أو القول أنّ الشمس -التي نراها في الواقع عيانا - حزنت لأجل علان ..أو أن هذا الحوت الذي نراه، سكن في بطنه فلان أو ..أو.. الخ،
بقول مختلف: الاسطورة هي حديث سردي مطول نوعاً ما، لا أصل عياني لأحداثه، ولا تأكيد علمي أو عقلي تجريبي له.
يحدث أنّ يراها بعضهم في كتب التراث التاريخي، تُدرّس بمثابة حكاية ذات عبرة قيمية، تتناقلها الذاكرة الجمعية، على شاكلة أرجوزة مُلفقة، أو قصة مُبتدعة بالكامل من قبل خيال الإنسان وصنيع أوهامه..
أو تكتب على هيئة أقصوصة ماورائية ذات حبكة ، تحمل في طياتها شيئاً كثيرا من الجمع بين بنات فضاءات الخيال و بنين احداث الواقع.
لا شك لدي في أنّ مسيرة تراكم العلم أتتْ كي تمحق الخرافة، وتُحيل الاسطورة إلى التقاعد.
لكن من خلال تأملي البسيط، وتتبعي لبعض مظاهر الوعي والافكار في كثير من المجتمعات المعاصرة، بدا لي بوضوح، إن الخرافات بالذات -على اختلاف انواعها- تتمتع بكثير من صفات الديمومة، أي أنها صعبة التلاشي تماماً من أفهام الناس عموماً،
بل وربما عصيّة على الفناء كلياً من أفهام الناس ، رغم مرور الأحقاب وتوال الدهور، و رغم إمكانية التغيّر في عبرتها أو في نسيب شخوصها او تركيب أحداثها، أو حتى إنسيال فحوى بنيانها - شيئا فشيئاً - بين جيل وآخر ، وكذلك رغم الاختلاف في عديد من يؤمنون بها عبر الأزمان والعصور ..
مقصد المقول هنا : إنّ الخرافات على اختلاف صنوفها، ستستمر معنا في رحلة وعي الحياة، وأغلب الظن، ستبقى احدى الثقوب السوداء لدى الأفهام الانسانية بعامة ، شئنا أم أبينا .
و هي - أي الخرافات - لن تتلاشى بسهولة تماماً من أفهامنا، لمجرد تعميم مناهج التعليم الحديثة، و إشاعة طرق اكتساب أنماط الذهنية العلمية، كما يظن البعض ..
بخاصة، إذا ما امتزجت تلك الخرافات الكأداء المعيشة ببعض المُقدس لدى بني الانسان، أو تداولتها عموم الأفهام البسيطة، على أنها تنزيل ماورائي حصيف، أو اعتبرها أولي الحجى من اليقينيات الكبرى للوعي، التي تقبع في حيز الممنوع من النظر فيه و المُحرم في السؤال عنه ،
أو جعلها بعيدة عن أي شك أو نقد أو تمحيص.. و من ثم وأدها في مجال ( اللامفكر فيه) عند العامة و كثير من الخاصة المتعلمة .
عندئذ قد تغدو الخرافات وأساطير الاولين عنصراً هاما للتوازن النفسي لأفهام بعض الأمم، وسنجد الفهم الاجتماعي العام يجترها بشغف وحماسة، وستنبري أقلام مفكري عصر التفاهة والانحطاط، في تقديمها دائماً على شاكلة أفكار لأجوبة و حلول مذهلة، تصلح لكل زمان ومكان ،
وعقائد جذابة مريحة، تمتلك رهبة ذهنية هائلة، وسطوة اجتماعية وفكرية لا مثيل لها .
وقد نجد كثير من السلطات الدينية والاجتماعية والسياسية تعمل على منحها نوعاً من أدوات الدعاية و تمكينها من قوة الانتشار،(كالمنابر ووسائل الاعلام ..الخ.) حتى تمتلك بإحكام ميزة الاستمرارية العنيدة عبر العصور ..
الامر الذي سيجعلها تلتصق بسهولة بالذاكرة الجماعية للشعب، و تسهم في رسم اهم ملامح هويته الثقافية والاجتماعية.
و لعب دورا أساسيا في تشكيل إرثه التاريخي الذي ستتناقله أفهام الأجيال المتعاقبة في لبوس مقدس و عفوية بالغة لا مراء فيها ..
لكن وبالرغم من كل مما سبق ، يتوجب علي القول:
أنّ الخرافات والأساطير كـ ( الجنّ - العفاريت - ملوك السحر و الأرواح و ..الخ هي موضوعات هامة للدرس والبحث، وتتأتى فائدة وأهمية دراستها من أكثر من ناحية :
- لأنها تعتبر من أهم عقبات التفكير العلمي على الاطلاق.
- لكونها تشكل المادة الخام للتفكير الغيبي والأساس الأولي للأديان والمعتقدات الغيبية و الماورائية..
- ولأنها تعتبر منهلاً فنياً ثراً ، وبراحاً واسعاً داعماً للمخيال البشري،
- و مساعداً هاماً للفهم الانساني على ابتكار الأجوبة و الحلول الجديدة، للأسئلة العصية و المشاكل المطروحة من قبل الواقع ..
-بالإضافة إلى أنها تشكل دليلاً ومؤشراً هاماً للغاية، على مدى حيوية و تطور قدرات المخيلة الانسانية عبر العصور .
- اعتبارها موضوع دراسة هام ، ليس لمعرفة الوعي الفني والجمالي عند هذا الشعب أو ذاك فحسب ، بل كذلك لفهم مسار الروح الكلية في الوجود ككل نحو الحرية ، من خلال فهم مستوى وعي الانسان الراهن، و تتبع اتجاهات الوعي الحقيقية فيه ..
قصارى القول :
ما دفعني إلى كتابة هذه السطور أعلاه ، ليس حال التدهور العقلي المريع الذي يتحكم في أذهان الشعوب العربية والمشرقية فحسب ،
بل كذلك دهشتي المُتعاظمة من سيطرة التفكير الخرافي والاسطوري على أنماط التفكير لدى كثير من الناس رغم التقدم العلمي والتكنولوجي الذي نشهد ونعيش .
و كذلك حزني الشديد على تلك الجهود التنويرية الضائعة منذ قرون طويلة ، في محاربة الخرافة في اعتقادات البشر،
و بالطبع هباء الجهد -الماضي والحاضر -في هزيمة ظلمة الجهل المركب في أفهام الناس، من قبل كثير من رواد التنوير المخلصين..
متفهما بالطبع في الوقت عينه، سبب استكانة بعض العقول الاستئنائية والمتنورة،
وميلهم الواضح الى الابتعاد مؤخرا، عن الحوار أو الخوض في الف باء التنوير،
و زهدهم التام عن التصدي لأوقح الخرافات السائدة في أذهان العامة .
و تخليهم بالمطلق عن تفاؤل اليقين العقلي، بأن الافكار الحق لا تموت أبداً بل لا بد لها من أن تطير وتبعث من جديد ..
وبالتالي يمضون إلى الإنكفاء عن حال العبث في هذه الحياة الفكرية العجيبة الراهنة،
يتملكهم شعور اللاجدوى واليأس من أي إصلاح أو تنوير حياة أو بعث للعقل ..
وربما تجدهم يذهبون ولسان حالهم يُردد مع بصيرة الشاعر العباسي "ديك الجن :
حياةٌ ثمّ موتٌ ثم بعثُ
حديثُ خرافة* يا أمّ عمرو



#زكريا_كردي (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليس بعيدا عن السياسة 3 ..
- ليس بعيدا عن السياسة 2 ..
- بليّة الفهم الكسول..
- أفكار حول مزايا الفلسفة
- رحيل - سيرة ذاتية -
- الانتخابات الرئاسيّة السورية.. صوت العقل
- أفكار أولية حول أهمية الحقيقة الدينية والحقيقة الإنسانية
- - البشر الأحياء - حوار مع الفنان التشكيلي العالمي CHALAK
- دردشات حول وباء التملّق ...
- عصر الغوغاء الرشيد
- من وحي كتاب -سيكولوجية الجماهير-
- أفكار حول أهمية العمل الخيري التطوعي
- - كوفيد 19 والنصف - مونودراما شعرية للشاعر - مزعل المزعل -
- ما هي الحقيقة ..؟!
- لصوص الفكر ..
- رأيٌ آخر..
- الدّين عندَ الفيلسوف إيمانويل كانط
- إنطباعات حول فيوض الشاعرة السورية - فينيق عليا عيسى -
- - الله - عند اسبينوزا..2
- - الله - عند اسبينوزا..


المزيد.....




- بحضور شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان.. البحرين تنظم ملتقى الحوار ...
- مستوطنة إسرائيلية ترقص بشكل استفزازي في باحات المسجد الأقصى ...
- إسرائيل: اعتقال خلية لتنظيم داعش خططت للهجوم على مدرسة ثانوي ...
- المؤتمر الدولي السادس والثلاثون للوحدة الإسلامية سيعقد بطهرا ...
- مصارع ياباني اعتنق الإسلام وتعادل مع محمد علي واحترف السياسة ...
- اللواء حسين سلامي: العدو كان يريد ان يرسخ الاسلام فوبيا لدى ...
- مدفعية القوات البرية لحرس الثورة الاسلامية في ايران تستهدف ب ...
- محمد بن زايد انقلب على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريعات في ...
- السيد نصر الله: الجمهورية الاسلامية الايرانية بقائدها العظيم ...
- السيد نصر الله: الجمهورية الاسلامية في ايران لا تريد شيئا من ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - زكريا كردي - حديث خرافة..