أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حامد تركي هيكل - هو الذي رأى كل شيء _الجزء الثامن















المزيد.....


هو الذي رأى كل شيء _الجزء الثامن


حامد تركي هيكل

الحوار المتمدن-العدد: 6777 - 2021 / 1 / 3 - 11:42
المحور: الادب والفن
    



الساعة الخامسة مساءً
الرنين

مثل طفلين تعودا على الاستماع الى قصص ما قبل النوم، مثل طفلين تعودا قراءة قصص المغامرات في المجلات، مثل طفلين اعتادا على سماع الحكايات الملفتة للنظر، اعتاد الشابان عماد وحسن على الاستماع لسرد هذا الرجل الغامض الذي وُجد قبل ساعات فقط فاقد الوعي قرب خيمتهما. أصبح للشابين المجنونين قصة تختلف عن كل ما سبق لهما أن خاضاه من قصص. وتوهّما قبل ساعات أن شهرة قد أصبحت لهما من خلال المقاطع الصوتية والرسائل التي خُيّل لهما أنهما كانا قد بعثا بها لكل اصدقائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
أصبح لهما مهمة جديدة، هكذا توهّما، مهمة لم تكن بالحسبان. إذ صارا كمضيفين لرجل غريب يحكي قصة جنون أغرب من الخيال، صارا مثل صحفيين ينقلان على الهواء مباشرة ما كان يجري في خيمتهما من أحداث، وما كانت تُنسج هناك من أكاذيب، وما كان يروي لهما الرجل المخبول من أباطيل. ضاقا ذرعاً بهذه الأحداث، فأرادا نقلها الى الناس. أن تحتفظ بالفكرة داخل رأسك يعني أن تعالجها، أن تقلّبها، أن تحلَّ إشكالاتها، وأن تجد الأجوبة عن اسئلتها، ولكن كيف لك ذلك؟ والفكرة أكبر منك! خاصة اذا كنت مجنوناً، لابد لك أن تناولها، أن ترسلها الى الآخرين وتستريح، وتنتظر ما سيقولون. أما أنت فتجلس مستريحاً منتظراً. لم يدر بمخيلتهما أن تصير خيمتهما محطَّ اهتمام الجميع، حتى أن مراسلي القنوات التلفزيونية بدأوا يترددون عليها لالتقاط صور لذلك الرجل الذي ذاع صيته في الأرجاء، وأصبح حديث الناس، فضلا عن تجمهر الفنانين يقودهم ذلك المسرحي المخضرم المعروف بالشايب، والمجانين الآخرين الذين تواجد عدد منهم بشكل ملفت وغير مسبوق في الحديقة. كانت صورة الرجل تتقلب أمامهما في الساعات التي مضت. فمن رجل مجهول، الى رجل مجنون يهذي، الى رجل مهووس بالقصص والروايات والأفلام، الى رجل يحكي عن قضية مهمة. لم يكن اشراكهما للآخرين بهذه القصة التي بدأت منذ يومين ناجماً عن حب للشهرة والظهور أساساً، ولكنهما لضعف تجربتهما، اعتقدا أن الآخرين ربما يكونون أقدر منهما على فهم حقيقة الرجل. طلبا من أصدقائهما المساعدة لا غير. أو هكذا تخيّلا الأمر، ثم وبشكل سريع وغير متوقع صارا مقتنعين أنهما قد ضاعا مجدداً، بل فقدا خيمتهما التي كانت تؤيهما. فقد زحف المجانين من كل صوب اليها، ومدّوا رؤوسهم داخلها، وأزاح الجمهور المأخوذ بحكاية الرجل الغامض المجنونين الصغيرين منها، احذر، تنحَّ جانبا، من فضلك، ماذا تعمل هنا؟ قف هناك! وهكذا وجدا نفسيهما في الصفوف الخلفية ينظران الى خيمتهما التي لم تعد لهما. بل أنهما بعد دقيقتين فقدا بعضهما. ما عاد عماد يعلم الى أي جهة تم دفع حسن، ولا يعلم حسن أين قُذف بعماد!
لم يكن متوقعاً في عقليهما الصغيرين المريضين أن يزحف الناس الى خيمتهما مأخوذين، لم يكن متخيلاً أن يكون وجود الرجل في خيمتهما سبباً لطردهما منها من قبل أناس غريبي الأطوار، قساة، عيونهم لا ترى، وأيديهم تبعد بقسوة الشابين الى الخلف كخرقتين لا أهمية لهما، تماماً مثلما تم إبعاد أمتعتهما البسيطة.
توارى عماد وحسن وسط جمهور مضطرب، وصارت خيمتهما هناك على مبعدة منهما نهباً لعيون الجميع، بل لم تعد هي، صارت شيئاً آخر، فمن مكان يحتويهما، وينتشلهما من الفضاء العام وشخوصه. صارت مكانا مفتوحاً تشرأب الرؤوس اليه، وتتفرسه العيون، لم تعد خيمتهما تلك المنزوية بين الأشجار، المختفية بانخفاض أرض الحديقة، المستترة بظل جدار الرصيف المرتفع، المتوارية بالظلام، المنخفضة، الواطئة، التي كانت بالكاد ترتفع عن الأرض بضعة أقدام. لقد رفعت من مكانها الأول ونُصبت على الرصيف المحاذي للحديقة من جهة محلة البتاويين ليتمكن الناس من مشاهدة ما كان يجري فيها بوضوح. أصبحت مثل خشبة مسرح. تجمع الناس أسفلها في الحديقة وراحوا ينظرون اليها، وقد رُفعت جوانبها، وأضيئت بضوء صارخ، ساطع، مستفز. وتجمع بعض الناس أيضا حولها. لم يعد في الخيمة سوى رجل مجنون ينام على سرير. من جلب هذا السرير؟ ومتى؟ ومن نصب الكشافات الضوئية؟ من ربط أسلاك الكهرباء تلك؟ ومن هؤلاء؟
- حسنا ما الذي حصل بعد ذلك ؟ قال الشايب مخاطباً الرجل الغامض بعد أن دخل الخيمة وسط اعجاب وتصفيق مريديه ومحبيه.
تفحص الرجل صرّة من ملابس قديمة كانت قد وضعت الى جانبه على السرير، راح يعالجها بهدوء بأصابعه المتقرنه المتسخة، حلّ عقدتها، امتدت يده الى بدلة عمل بيضاء واسعة، وقميص أبيض فضفاض، وامتدت يده الى كوفية ذات لون بنفسجي باهت، يبدو أن ذلك اللون كان بسبب خطأ، أو بسبب الخزن السيء مع أقمشة ملونة اخرى. وأمام أنظار الجمهور الصامت، خلع الدشداشة الزرقاء التي كان يرتديها، تلك التي جلبها مع أغراض أخرى سعيد بالة، ولبس بدلة العمل البيضاء فوق ملابسه الداخلية، ولبس فوقها القميص الأبيص الفضفاض، ثم لفَّ الكوفيّة مثل حزام على وسطه. وتأكد من وضعية الكيس الأسود الذي كان يضعه على رأسه. هكذا أفضل، قال. فقد ظهر بمظهر عجيب، مظهر رجل من عصور مندثرة. نظرالى الشايب الواقف أمامه وكأنه واقف بحضرة ملك. ونظر الى الجمهورالمتلهف لسماع الجواب. وراح يسرد بتأنٍ وهو جالس على سريره:
- أرسل أناس مجهولون الى بعضهم رسائلَ مشفّرة بالنقر على أعمدة الكهرباء التي كانت تقف من دون أسلاك، ونقروا على حنفيات وأنابيب الماء القديمة التي نادراً ما كان الناس ينتبهون لوجودها لعدم وجود المياه فيها منذ أن اندلعت المعارك. تردد صوت النقر في المناطق كافة، وخاصة في الليالي الهادئة. لم ينتبه الناس الى ذلك النقر في بدايته، ولكنه حين استمر، لاحظه الناس مذهولين. فأنصتوا الى صوت النقر ورنين المعادن وهو يسري في كل أنحاء المدينة متجاوزاً نقاط التفتيش، والأراضي المحرّمة والخنادق، عَبَرَ من خلال السواري المنتصبة في مزارع الموت الشاسعة، وتخلّل بعناد وثبات الكتل الاسمنتية التي كانت تنتصب في مزارع الاحجار العظيمة، مرَّ بين أكواخ العوائل البائسة، ونفذ من تحت العربات السكنية المتنقلة. كان نقراً خفيفاً بالكاد يمكن سماعه. لا يمكن أن يُسمع الا في ساعات متأخرة من الليل، عندما يخيّمُ السكون. رن، رن، رن، وعندما تكون الرياحُ هادئةً لا تنفخ في الأزقّة التي ظهرت جراء اصطفاف عربات البيوت الكرفانية المتنقلة. رن ، رن، رن، وعندما لا يكون هناك تشييع لموتى جدد باتجاه حقول الموت الشاسعة. اذ حين تتحرك العائلات لدفن الموتى يصدر عنهم عويل، ينتقل بشكل مكبّر بين شواهد القبور في حقول الموت، ويتكسر على جوانب العربات المتنقلة المعدنية التي كانت تزدحم على حافة المدينة المتغيرة الشكل باستمرار. فيحجب العويل صوت النقر الخافت. ولذلك لم يكن سهلاً الانصات للرنين الذي غالباً ما كان يضيع وسط تلك الاصوات. ولكنه يكون واضحاً في أغلب الأوقات. ولمنع الناس من الإصغاء للرنين، أصدر الكبار في كل المثلثات أوامر لمنع التجوال! ولكن الرنين ظل يتجول! فأصدروا أمراً بمنع الاصغاء! ولكنهم لم يكونوا متأكدين أن الأمر قد نفِّذ، لجأ المخلصون لبثّ التحذيرات عندما تكون سرعة الرياح خفيفة فجراً، وقد نصبوا مكبرات الصوت الجديدة في كل مكان حتى في الأماكن التي لا يتوقع وجود بشر فيها، المهم أن يتم التشويش على الرنين. ذلك الرنين الذي صار أعلى، ثم صار أكثر وضوحاً، ثم صار بالإمكان سماعه في كل مكان. مثل مقطوعة موسيقية انفجر الرنين عالياً، صارت الاشياء كلها تهتزّ معه، البيوت المعدنية تهتزّ، المنشآت المنفوخة صارت جدرانها وهياكلها تضخّم الرنين مثل طبول عملاقة. الجدران الكونكريتية السوداء الباقية منذ زمن حلقة النار كانت تعكس الرنين بين جنباتها، الأبنية التي كانت جدرانها عبارة عن ألواح معدنية رقيقة تتراقص مقرقعة مع أقل نسمة ريح، فكيف بها مع الرنين، صارت مثل آلات موسيقية. كان هذا همهم منذ البدء، إحضروهم وعلّقوا جثثهم على الاعمدة! أحضروا أولئك المهندسين الخونة! صرخ أحد المستشارين. وتم إعدام بعض المهندسين الجدد بدلا عن المهندسين القدماء الذين شيّدوا تلك الابنية المرتجفة المصوّتة، وذلك لأن أولئك المهندسين كانوا قد أُعدموا لأسباب أخرى لا تتعلق بالرنين في وقت سابق! أو ربما لأن أحداً لم يهتمْ بتسجيل الأحداث وحفظ المعلومات في مدينتنا منذ زمن بعيد، ومنذ أن تم سرقة المسلّة، لماذا نوثّق الاحداث؟ سأل أحد المخلصين ذات مرة، وأردف يبين وجهة نظره، اذا كان أقدم نصّ مسجل على المرمر لم يسلم، هل سيسلم ما نسجّله على ورق؟ تفاهات! قال آخر. أو ربما لأن أحداً لم يكن مهتماً بتسجيل هذه التفاصيل التافهة التي تتعلق باسماء الجنود الذين يموتون في الخنادق، وعدد الأطفال الذين يولدون، وأسماء المهندسين الذين يشيدون المباني الواهية. أو ربما لأن الذين كانوا يعرفون القراءة والكتابة كانوا قلّة، أو ربما تحاشى الناس كتابة وقراءة النصوص لتجنب الوقوع بلعنة الكلمات الشريرة. ومع تزايد التشويش المتعمّد فقد تعالى الرنين المعدني العنيد شيئاً فشيئاً، ودبَّت نوبةٌ من الحماس في قلوب بعض الناس. وسرتْ موجةٌ من الرعب في قلوب المخلصين للكبار على اختلافهم، يا ويلنا! ما الذي سيحلُّ بنا؟ قالوا. لأول مرة أرى المخلصين الذين طالما كانوا يجوبون الأزقة وهم يخطبون بالناس بحماسة لا تفتر، وبثقة لا يعتريها ضعف، لأول مرة سمعتهم يتهامسون فيما بينهم حائرين، الآن ما الذي سيجري لنا؟ الآن ماذا يتعين علينا أن نعمل؟ ولطم بعضهم وجوههم. ليس جميع المخلصين طبعا. فقد لاحظت على بعضهم علامات المكر. لم أفهم بماذا كانوا يفكرون. ولكن عيونهم كانت تلمع بشعاع غريب، سمعت بعضهم يقول: سوف نرى! فيما بقيت عيون المترددين ساهرة قلقة، اذ لم يستطع الكثيرون فهم ما كان يجري، ولم يستطيعوا توقع ما ستئول اليه الأمور في الغد. لأنهم ببساطة نسوا طريقة التفكير منذ زمن بعيد، الآن لا يقول لنا المخلصون ماذا يعني هذا الرنين، لذلك فنحن الآن في ورطة. فلا الرنين يتوقف، ولا المخلصون يفسرون لنا ماذا يعني. ماذا يريدون منا أولئك الاشباح ؟ سأل أحدهم. وعمَّت في أوساط المترددين رجفة غضب عارمة. لم يكونوا قلة، بل ربما كان الجميع، كل الناس الذين يسكنون في البيوت المتنقلة، وفي الاعشاش، وكل الناس الذين كانوا يجوبون أزقة المدينة، كل الباعة والمتسوقين. هكذا بدا لي. كانوا مرعوبين الى درجة مخيفة. كانوا فيما مضى من الزمان يسعدون بمعرفتهم لما كان يدور أو هكذا كانوا يتوهمون، كانوا قد اكتفوا بما يرونه تحت أقدامهم بعد أن استطالت رقابهم، واحدودبت ظهورهم، كانوا مرتاحين لأنهم يعرفون أو يتذكرون خريطة المدينة، أو هكذا توهّموا. صحيح أنهم كانوا يدركون أن ما يرونه كان جزءً صغيرا فقط ، ولكنهم يعلمون على الأقل أن هذا الجزء الصغير هو من ذلك الكلّ الواسع الكبير، واذا كان هذا الجزء الصغير ثابتا مستقرا، فلابد أن يكون الكلُّ ثابتا ومستقرا، وهذا يكفي. ويعلمون أن هناك الكبير، ويعلمون أن هناك المخلصون. هذا جيد ومريح ومناسب. ولكن أن يتردد في الأجواء ليل نهار هذا النقر الغامض المخيف فهذا شيء مزعج. وأن لا يقول لنا أحد ما الذي يعني هذا، فهذا شيء لا يمكن أحتماله. من هؤلاء السفلة الذين ينقرون؟ من هؤلاء الحقراء الذين يصدرون ذلك الرنين المزعج الذي يصمُّ الآذان؟ من هؤلاء الحقراء الذين يزعجوننا؟ ويزعجون الكبير، سمعنا أنه منزعج! يا لخيبتنا! ما هذا الذي يحصل؟ وماذا يريدون؟ من أرسلهم؟ هل هوى على رؤوسهم النيزك؟ هل تناثرت ذراته في عيونهم فأعمتهم؟ أم سمّم غباره صدورهم فاختنقوا؟ أم لحس وهجه عقولهم فجنّوا؟ وأيُّ مصيبة تنتظرنا؟ الا يمكن أن يتركونا بحالنا؟ أولئك الأشرار. كانوا يولولون، بل كانوا يبكون، ويندبون حظهم العاثر.
أما الذين ثقبوا آذانهم وفقدوا القدرة على السمع فقد انقسموا الى فئات في هذه المرحلة. فئة لم تدرِ ولم تسمعْ ما كان يجري لانفصالها التام عن عالم الأصوات. وفئة أخرى من الذين ثقبوا آذانهم ندموا على ما قاموا به لأنهم ما عادوا قادرين على فهم الأحداث الغريبة التي لم يسبق لها مثيل. كانوا يتوسلون الناس كي يقولوا لهم شيئاً، كانوا يتشبثون بالمارة، وبالمهرولين الفارّين، وبالفرحين الراقصين على انغام موسيقى الرنين، وبالحانقين المشمئزين من تلك الفوضى، كانوا يتضرّعون للجميع، رجاءً ماذا يحصل؟ ولكن أحداً لم يكن راغبا في التوضيح، كان الأمر جنونياً. وفئة من الذين ثقبوا آذانهم شعرت بالرضا لأنها فعلت ذلك لتكون بمنأى عن هذه الفتنة الكبيرة والمؤامرة الخبيثة التي يقودها مجهولون من خارج الحدود! وفئة كانت تحاول فهم الذبذبات بطرق مختلفة، فقد وُجد البعض وهم يحتضنون أعمدة الكهرباء لتنتقل الاهتزازات الى أجسادهم، فيشعرون بها تسري في عظامهم، ويحاولون أن يجدوا لها معنى. وقد أفلح البعض منهم في فكّ رموز الاهتزازات تلك. فقد لوحظ على بعضهم الحماس! ولوحظ على بعضهم القلق. وهذا يعني أنهم فهموا الرسائل المرسلة عبر شبكة الأنابيب الصدئة وشبكة الأعمدة الخالية من الطاقة. وقد شاع بينهم فكرةٌ مفادها أنك من أجل الاستماع للاهتزازات بشكل واضح، ومن أجل فهم الرسائل المرسلة بطريقة لا تقبل اللبس، فعليك اتباع طرق مبتكرة لاستلام الاهتزازات بوضوح. فقد وُجد البعض ملتصقاً بأعمدة الكهرباء في الشوارع العامة ليلاً وهو عارٍ تماما من الملابس! ذلك لأن الملابس تمنع الاهتزازات من التوغل في الجسم. وقد ألقت الشرطة القبض على بعضهم متلبسين بهذه الحالة. وقد عرضت القنوات التلفزيونية الأربع مقاطع لمتّهمين اعترفوا بقيامهم بأعمال شغب وهم عراة، الأمر الذي دفع المصورين لتحاشي تصوير الاجزاء السفلية من أجسامهم!
أما الذين فقأوا عيونهم فقد جلسوا يصغون، وقد انقسموا كذلك الى رافضين مستنكرين، وآسفين على ما سيئول اليه الوضع. كانوا جميعا تقريبا يعتقدون أنها لعنة قد حلّت، وكانوا يفكرون أن ذلك كان بسبب أن الناس قد قصّروا بواجباتهم تجاه الكبير فلم يشكروا له فضله، ولم يحافظوا على الحب في قلبوبهم تجاهه بالقدر المطلوب!
بعد استمرار انطلاق تلك الموسقى الخافتة المجهولة المصدر في البدء، تصاعدت ترددات النقر والرنين، ثم ازدادت تسارعاً وعمقاً، وعلا ضجيجها. ثم توحّدت، وازدادت وضوحاً وارتفع صوتها، لم تعد مشوشة، ولم تعد غامضة، لم يعد الناس بحاجة للاصغاء ليفهموا معناها، بل تعالت كسيمفونية صاخبة، سيمفونية عالية الدقة، رائعة جميلة تبثُّ الحماس في الأوصال، وتتوغل الى أعماق القلوب. لم أستطع أن أفهم كيف استطاعت تلك الموسيقى أن تذكّر الناس بجمال المدينة السابق، كما زعم البعض، لم أفهم كيف استطاعت تلك الموسيقى المجهولة المصدر أن تعيد تذكير الناس بالسلام. لم أفهم كيف استطاعت تلك الموسيقى أن تعيد الأنهار في أذهان الناس متدفقة بالمياه، وأن تعيد الحقول عامرة بالخضرة والنماء، وأن تعيد للقلوب الحب الذي فقدناه. من أستمع الى تلك الموسيقى ذرف الدموع. وما زاد من صفاءها، أن الجميع قد توقفوا للاصغاء اليها. فترك النجّارون الذين كانوا يصنعون أعواد المشانق ليلاً عددهم ليستمعوا. وترك الحدّادون الذين كانوا يصقلون السكاكين التي يستخدمها المقاتلون لطعن العملاء والمندسين والمخربين غيلة مطارقهم ليستمعوا. وترك الرجال والنساء الساهرون على أمن المثلثات أقلامَهم وأوراقهم، وأجّلوا إكمال كتابة التقارير للكبار ليستمعوا. وترك الكبار اجتماعاتهم مع مستشاريهم والتي كانت تحصل كل ليلة من أجل التحضير لأحداث الغد، ومن أجل إصدار بيانات تتضمن الانجازات التي تحققت في اليوم السابق، ترك الكبار ومستشاروهم كلَّ تلك الأمور، وجلسوا يصغون للموسيقى التي اخترقت الأسوار، وتوغلت داخل السراديب في كل المثلثات وفي وقت واحد، موسيقى مصدرها كل المثلثات، ومستمعيها سكان كل المثلثات. موسيقى تصدر عن أنقاض المدينة لأول مرة ، أغنية واحدة. لم يسمع الناس على اختلافهم منذ أن سيطر المشعوذون على المدينة صوتاً صادقاً، نسي الناس منذ زمن بعيد كيف يكون صوت الصدق صافياً، جميلاً، سلساً، منساباً، يتسلل الى القلوب دون اسئذان. تشعر أنك كنتَ على وشك أن تقوله قبل أن تسمعه. هكذا زعم البعض، لقد كانت تلك الأفكار على طرف لسانك منذ قليل. لقد كانت تلك أفكارك التي وددتَ دوماً أن تعبّر عنها، ولكنك لم تفعل. أو ربما كانت تلك هي الأفكار التي طالما نطقتَ بها. أو ربما كانت تلك الأنغام وما تحمله من صور ومعاني هي ما كنتَ تقوله دوماً، وما كنت تهمس به لنفسك، ولأصدقائك، وللقريبين المؤتمنين. وها أنتَ تسمعها صوتاً مهيباً عالياً مجلجلاً. أنه صوتُك الذي بثثتَ منذ زمن بعيد، قال بعضهم، أنها بذرتُك التي بذرتَ منذ زمن، وقد استحالت الى شجرة جذرها ثابتٌ في الأرض ورأسها في السماء. أنتَ لا تسمع أصواتَ الآخرين. كل واحد في المدينة صار يسمع صوته. صار يصغي الى صوت يخرج من أعماق أعماقه، إدعى بعضهم. فيما قال آخرون أنها أغنية الشيطان تلك التي ترددت في الأنحاء. الويل لكم أيها الأغبياء الحمقى، الويل لكم أيها المجانين، سوف تندمون، سوف تتذكرون النعمة التي كنتم ترفلون فيها دون أن تعوا ذلك، يا لكم من أغبياء، غرّتكم الموسيقى الدخيلة؟ استولى عليكم الشيطان؟ أين صارت عقولكم أيها الآثمون، أيها المغفّلون، الى أين تريدون أن تذهبوا، أالى المجهول ماضون؟ أالى حتفكم سائرون؟ تباً لكم ولغفلتم. سمعتهم يقولون مفجوعين. كانت أكبادهم تتفتت من الأسى، وكانت قلوبهم تتقطع من الحزن.
واصل سرده:
ثم ذات ليلة، خرج بعض الحمقى الى الشوارع هاتفين. غنوا أغانٍ لم يسمعها أحدٌ من قبل ، ورقصوا. كل من استمع اليهم ذرف الدموع، كل من رآهم شعر بالعار لغبائه. حتى أن بعض الجنود المكلفين بالمراقبة تعاطفوا معهم، وأجهشوا بالبكاء. حتى عناصر الشرطة السريّة استغربوا ما سمعوه وما رأوه من أولئك الناس وهم يدونون تقاريرهم، وبدت على وجوههم علامات العجب. ولكن مهلاً! لم أكن متأكدا في الواقع، فقد أُشيع أن ذلك الرنين وتلك الموسيقى كان مصدرها قصور الكبار! يا للهول! يا للغفلة! لم نكن نتوقع ذلك! قال أحدهم. نعم فقد اخترعها المخلصون لغاية ما. قيل ان تلك الموسيقى ما هي الا تلاعب بالمشاعر. يريدون أن يعرفوا من سيرقص على أنغامها، ليقتلوه. ليتأكدوا من سيهرع اليها كالمجنون، ومن يداخله شك في الكبير. هل فاتكم أن الكبير يعلم حتى أحلامكم؟ هل نسيتم أن المخلصين بإمكانهم أن يعرفوا حتى ما تنوون عمله قبل أن تنوون؟ كيف فاتكم أيها الحمقى أن رنيناً لا يعلم مصدره الكبير؟ أيعقل أن يحدث شيء دون علمه؟ ما الذي جرى لعقولكم الخَرِبة؟
وقيل أن تلك الموسيقى جاءت من الهضاب البعيدة، وقيل أنها دُست من البحر البعيد، يا للحظ العاثر! أين كنّا؟ قال أحدهم باكياً، ولكن كيف نفّسر جمال تلك الموسيقى؟ كيف نفّسر صدق تلك الأغاني؟ الأغاني! أية أغاني؟ قال أحدهم. لم يفهم أحد ما الذي حصل بعد ذلك، فقد تمت سرقة الكلمات من الأغاني التي رقص على جمالها الحمقى ليلا دون أن يشعر أحد. واستُبدلت بكلمات أخرى خلسةً. وعندما غنّاها الناس كان لها مفعولاً آخر غريب. عندما خرجت تلك الكلمات من حناجر المنشدين بالحماس نفسه الذي كانت عليه أمسِ، بدأت التساؤلات تظهر في العيون، وعندما تمَّ إعادة المقطع للتأكد، بدا أقلَّ حماساً، بل بدا قاسياً مريعاً. وانخفض الصوت شيئا فشيئا. ولم يستطع أحد أن يفهم ما الذي جرى للأغنية الجميلة التي كانوا قد سمعوها البارحة، ليست هي! لا بل هي! ولكن ربما جرى لها شيء ما! أو ربما جرى لنا نحن شيء ما! قال أحدهم. . وبدأ الناس يشعرون بالمرارة من وقع تلك الكلمات. في الوقت نفسه، تماماً في الوقت نفسه، وبتوقيت مضبوط محكم، في اللحظة ذاتها تلك التي تولد فيها الاحساس بالمرارة في أرياق الناس، كانت الخناجر المخبأة في نطاقات الجنود، وتحت آباطهم حاضرة تنتظر الأيدي، وكانت الدماء تنتظر الجراح لتتدفق. وكانت الجراح على موعد مع الخناجر لتتفتق. دبَّ الخوفُ، وسادت الفوضى. ووصلت أوامر الكبار التي تنصُّ على اطلاق النار على المأجورين! فخفت النقر، وعمَّ الصمت، واختفى الرنين. قال.
نهض الرجل الغامض وقد تملَّكه الفزع. منذ لحظات كان يجلس على سريره ويسرد تلك الأحداث بحماس منقطع النظير. ولكنه وعلى حين فجأة نهض من مكانه، نهض من سريره واقفاً لأول مرة، كانت عيناه مفتوحتين بشكل مخيف، وقد احتلتا نصف وجهه المتخسف الذي تبرز عظامه، وقد فغر فاه، ورفع يديه الى الأعلى. كان يرتجف، ويترنح، وينظر الى الأعلى. أختفت الكلمات وعمَّ صمت رهيب، وخيم على المكان المتسع الممتد، بل امتد الصمت ليكتنف كل المساحة التي تمثل وسط بغداد، بل توسع مثل لعنة أو مثل اشعاع قنبلة نووية، زحف الصمت بشكل مريع ليشمل كل مساحة العاصمة، وفي وسط تلك المساحة تماما، وكأنك تراها من مكان ما في السماء، كان هناك الرجل الغامض يهذي، مرتجفاً، منفعلا، غاضبا، خائفا، مرعوبا، كان يرغي ويزبد، وتصدر عنه أصوات غير مفهومة، أه أه أه أه أه أه ، أنا، أنا ، الذي ، رأى ، رأى! حمله الناس المحيطين به والذين يبدو أنهم قد اجتاحتهم موجة من جنون، داروا به حول الخيمة. رفعه الفنانون والمجانين عاليا. دار الجميع خارج الخيمة، ووجهت مصابيح الأنارة القوية باتجاه الرجل الذي ترفعه الأيدي عالياً. وبشكل مفاجيء جلب بعضهم مكبّرات الصوت. فراح صوت الرجل الغامض، ذلك الصوت الهادر الذي لا يُفهم منه شيء يتردد في كل أنحاد حديقة الأمة. تردد في كل الساحة ، وسُمع الصوت بوضوح منعكساً على الجدران، وعلى نصب الحريّة، وانعكس على جداران خزان الماء المعلق هناك في الهواء مثل منطاد. وفجأة غطت سماء بغداد سحابة سوداء، وانقطع التيار الكهربائي، وهيمن ظلام بارد على المكان، في تلك اللحظة تماماً، كان البرق الساطع يشق ظلمة السماء، ويتردد هدير الرعد، وكأن روحاً من الغضب المزمجر العنيف قد حلَّت. تراءى لك وأنت تشهد المنظر عن قرب أن تماثيل جواد سليم، تلك الأشباح السوداء قد تكاثرت، نزلت الى الشارع، وهي تولول بأصوات المفجوعين، المقهورين، الحائرين، التائهين، الغاضبين، نزلت من عليائها، وتوحَّدت مع المجانين الذين كانوا يطوفون حاملين رجلا مجنوناً يهذي.
بثَّ كل من حضر وصوَّر نلك اللحظات مقاطع فديو، وصلت تلك المقاطع الى كل بيت في طول البلاد وعرضها. وتناقلتها نشرات الأخبار عبر العالم أيضا.

للحكاية تتمة



#حامد_تركي_هيكل (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين
حوار مع الكاتبة السودانية شادية عبد المنعم حول الصراع المسلح في السودان وتاثيراته على حياة الجماهير، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هو الذي رأى كل شيء _الجزء السابع
- هو الذي رأى كل شيء _الجزء السادس
- هو الذي رأى كل شيء _الجزء الخامس
- هو الذي رأى كل شيء _الجزء الرابع
- هو الذي رأى كل شيء _الجزء الثالث
- هو الذي رأى كل شيء _الجزء الثاني
- هو الذي رأى كل شيء _الجزء الأول
- سالم ابن دَهَش -ج4 والأخير
- سالم ابن دَهَش -ج3
- سالم ابن دَهَش -ج2
- سالم ابن دَهَش- ج1
- دوامة الأوراق
- حلم بورجوازي سخيف
- جريمة قتل
- سلسلة فنارات -ج4- الرائد والمقدم-الحلقة الثالثة
- سلسلة فنارات -ج4- الرائد والمقدم-الحلقة الثانية
- سلسلة فنارات -ج4- الرائد والمقدم-الحلقة الأولى
- سلسلة فنارات- الجزء الثالث- جاسم جليل
- البصرة عام 2075
- بوادر الفساد في البصرة


المزيد.....




- منها متحف اللوفر..نظرة على المشهد الفني والثقافي المزدهر في ...
- مصر.. الفنانة غادة عبد الرازق تصدم مذيعة على الهواء: أنا مري ...
- شاهد: فيل هارب من السيرك يعرقل حركة المرور في ولاية مونتانا ...
- تردد القنوات الناقلة لمسلسل قيامة عثمان الحلقة 156 Kurulus O ...
- مايكل دوغلاس يطلب قتله في فيلم -الرجل النملة والدبور: كوانتم ...
- تسارع وتيرة محاكمة ترمب في قضية -الممثلة الإباحية-
- فيديو يحبس الأنفاس لفيل ضخم هارب من السيرك يتجول بشوارع إحدى ...
- بعد تكذيب الرواية الإسرائيلية.. ماذا نعرف عن الطفلة الفلسطين ...
- ترامب يثير جدلا بطلب غير عادى في قضية الممثلة الإباحية
- فنان مصري مشهور ينفعل على شخص في عزاء شيرين سيف النصر


المزيد.....

- صغار لكن.. / سليمان جبران
- لا ميّةُ العراق / نزار ماضي
- تمائم الحياة-من ملكوت الطب النفسي / لمى محمد
- علي السوري -الحب بالأزرق- / لمى محمد
- صلاح عمر العلي: تراويح المراجعة وامتحانات اليقين (7 حلقات وإ ... / عبد الحسين شعبان
- غابة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- اسبوع الآلام "عشر روايات قصار / محمود شاهين
- أهمية مرحلة الاكتشاف في عملية الاخراج المسرحي / بدري حسون فريد
- أعلام سيريالية: بانوراما وعرض للأعمال الرئيسية للفنان والكات ... / عبدالرؤوف بطيخ
- مسرحية الكراسي وجلجامش: العبث بين الجلالة والسخرية / علي ماجد شبو


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حامد تركي هيكل - هو الذي رأى كل شيء _الجزء الثامن