أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - بعد طول انتظار














المزيد.....

بعد طول انتظار


ضيا اسكندر

الحوار المتمدن-العدد: 6641 - 2020 / 8 / 9 - 18:25
المحور: كتابات ساخرة
    


ما إن سكبتُ الشاي في كأسي وهممْتُ بشرْبها، حتى سمعتُ دقّاتٍ متتاليةٍ منتظمةٍ على الباب أشبه بإيقاع عازف دربكّة. قلتُ في نفسي «هذا الزائر حماته تحبّه». نهضتُ مستبشراً بلقاءٍ يكسر وحدتي. فتحتُ الباب وإذ بصديقي يدخل وهو يؤدّي أغنية طربيّة لزياد الرحباني «اِسْمعْ يا رضا». دفعني جانباً وبدأ يدور في الردهة رافعاً يديه إلى الأعلى، يخبط قدميه على الأرض بتبادلٍ متناسقٍ بخفّة راقصةٍ محترفة.
باغتني حضوره بهذه الهيئة المرحة، فهو رزين وجادٌّ بطبعه. نادراً ما يضحك بقهقهة، ويكتفي بالابتسام مهما كانت الطُّرفة مثيرة للضحك. ومن لحظة وقوع بصري عليه، أيقنتُ أنني سأسمع خبراً سعيداً مذهلاً في روعته.
قلت له مرحّباً:
- اللهمّ اجعلْه خيراً. أرجوك تفضّل بالجلوس وهدّئْ من صخبك واعلمْني، فقد بدأ الفضول يلتهم ما تبقّى لديّ من صبر.
وكأنه لم يسمعني. فقد تابع رقصه وغناءه وهو يتوجّه إلى غرفة الاستقبال مردّداً مقطع: «مبارح أكلنا، بعلْمي شبعنا، حطّينا كل اللي كانوا معنا، قمنا بكره رجعنا جعنا، لازم ناكل عن جديد.. مصيبة والله يا رضا». ما جعل ابتسامتي تتسع وصدري ينشرح لهذه الغبطة المفاجئة التي انهمرت عليّ بهذه الزيارة غير المنتظرة.
قلت له بعد أن أشعلتُ سيجارة وتناولتُ رشفةً من الشاي:
- يبدو أنك تحمل أخباراً سارّة.. من الآخر، هات بشّرْنا!
أجاب وهو يُدخِل كلمات جوابه على الأغنية مطوّعاً اللحن بما يناسب تلك الكلمات:
- احزرْ أولاً.. هاهه هاه.. ولن تحزر!
صفنتُ هُنَيْهَةً وأنا أنظر إلى أعماق عينيه لأستكشف خبيئته وأجبتُ:
- إن لم يخبْ ظنّي، فقد تمّ الإعلان عن زيادة الرواتب والأجور للعاملين في الدولة بنسبة 300%!
رفع رأسه بالنفي وهو يكمّل غناءه.
- إذن، سيتم توزيع سلّة غذائية لكل أسرة، تشمل أهمّ المواد الغذائية الأساسية وبالمجّان!
رفع حاجبيه عدة مرّات وهو يبتسم متابعاً غنائه.
- أعلنت وزارة الصحة عن اكتشافها لدواء محلّي الصنع للقضاء على فايروس كورونا اللعين. وسيتمّ البدء في استخدامه في غضون أيام!
- تْسُكْ.. تْسُكْ.. تْسُكْ
- اممم، أُلْقيَ القبض على كبار الفاسدين. وستتمّ محاكمتهم علناً على شاشات التلفزة، ومصادرة أموالهم المنقولة والثابتة!
- لالالا.. لالالا..
- طيّب، رُفِعَت جميع العقوبات عن سورية وستعود العلاقات الدبلوماسية مع الدول التي قاطعتنا بقرار صادر عن مجلس الأمن؟
- كلّا.. كلّا.. كلّا..
- اممم، الآن حزرت؛ تم استخدام منظومة صواريخ (S-300) لأول مرّة، وأسقطت جميع الصواريخ المعادية المتوجّهة إلى أراضينا فور انطلاقها من قواعدها في فلسطين المحتلة!
لوّح بسبّابته وهو يهزُّ رأسه يمنةً ويسرةً مبيّناً أنني لم أقترب من الجواب أبداً.
- وافق النظام الحاكم على الحلّ السياسي، وأعلن استعداده الفوري لتطبيق القرار (2254). وكبادرة حسن نيّة، فقد أفرج عن جميع معتقلي الرأي لديه. ووعد بالإفصاح عن مصير المفقودين في أقرب فرصة!
أجاب باللغة الإنكليزية وهو يومئ برأسه بعد أن قطَّب جبينه عابساً:
- NO.. NO .. NO
فرقعتُ مصفّقاً بإصبعَي الوسطى والإبهام بحماس وكأني توصّلتُ إلى حلّ حزّورة:
- تمّ تأميم شركتَي الخلوي وأصبحت أرباحها الهائلة في عهدة الخزينة العامة للدولة!
تهالك على الأريكة وقد أعياه اللفّ والدوران. مستأنفاً غنائه إنما بفتور:
- كلا يا حبيبي.. كلا.. كلا!
- معناها أعلنت أمريكا عن سحب جميع قواتها من شرق الفرات وتسليم حقول النفط والغاز إلى الدولة السورية! وسوف تمنحنا تعويضات مجزية عن احتلالها لتلك المنطقة، بما يساهم في إعادة إعمار ما دمّرته الحرب!
توقّف نهائياً عن الغناء. وبدأ يمسح قطرات العرق عن جبينه والبسمة لم تفارق وجهه وأجاب:
- ما قرّبت أبداً.
- لا حول ولا قوة إلا بالله، طيّب، قرّرت هيئة تحرير الشام حلَّ نفسها مع باقي المنظمات الإرهابية وانسحابها من إدلب!
- إنك تبتعد كثيراً يا صديقي.
أجبته برجاء ونفاد صبر:
- هوهووووت علينا! أخي، عجزت. هات خبّرْني والله علّيتلّي قلبي!
أشعل سيجارة وصبَّ لنفسه كأساً من الشاي ورشف جرعةً منه، وأنا أتحرّقُ فضولاً لاستكناه ما سوف يبوح به من سرٍّ عظيم. وقال بعد تنهيدة طويلة:
- الحقُّ يا صديقي أني سعيد فوق ما يتصوّره عقل. يا سيدي باختصار، وباختصار شديد، البارحة كسبتُ باليانصيب مبلغاً وقدره عشرة آلاف ليرة. اعتبرْتُها لُقيا من السماء. قمتُ اشتريتُ بها فخذي دجاج وكيلو تفاح ونصف كيلو جبنة. والتي لم تدخل بيتنا منذ سنة.
فجأةً توقّف عن الكلام. وقد تغيّرت سحنته واستحال وجهه من الابتسام والابتهاج، إلى الامتقاع والحزن وهو يسرد وقائع تلك اللحظات. زمَّ شفتيه على أسنانه وانتظر. رجرجت عيناه بالدموع. أخذ نفساً طويلاً، عميقاً، وسرعان ما أخفى وجهه بذراعه، وخفّض رأسه واستدار إلى الاتجاه الآخر. وأضاف بصوتٍ متهدّجٍ مكسور:
- لكَ أن تقدّر فرحة عائلتي لحظة قدومي وهي تستقبلني بالابتسامات العريضة والوثبات والزغاريد بشكلٍ جنوني.. وكأنني جلبتُ لهم المنّ والسّلوى!
ثم التفت صوبي بعينين ذابلتين وتابع قائلاً برثاء يذيب الجلمود:
- يعني حرام يا ألله تحصل هذه الفرحة مرّة واحدة كل شهر؟!






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عيون ومخارز
- «توقاً إلى الحياة»
- حوار مع رفيقي «القائد!»
- الجماهير ترقص فرحاً
- لماذا نحن متخلّفون؟!
- العَوْراء
- وأنا الشيوعي، كيف نسّبوني إلى «البعث»؟
- حلاوة
- نبوءة صادقة في حرفها الأول!
- لكنّنا لم نلتقِ!
- مسلمة الحنفي – قراءة في تاريخ محرّم
- هل وحدة الشيوعيين السوريين ممكنة؟
- وأغلقَتِ الخطّ!
- «جبال الأغاني والأنين»
- «البلد»
- ألو بابا، أنا ابنك!
- «النباتية»
- «أعدائي»
- التحقيق رقم (1)
- «الإسلاموفوبيا»، ثُمَّ الكورونا، ثُمَّ..؟


المزيد.....




- بوريطة: نرفض الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين
- إبداعات وزير الدفاع الروسي الفنية تباع في مزاد خيري بـ40 ملي ...
- دموع الفنانين عبر رسوماتهم تقدم العزاء لأهالي حي الشيخ جراح ...
- عسكرة الكتاب المقدس بين إسرائيل والولايات المتحدة.. كيف يستخ ...
- التامك يرد على واتربوري: فاجأني تدخلك في قضايا معروضة على ال ...
- المنتج السينمائي الايراني: مئة عام وقلب فلسطين مكسور 
- بالبكاء.. فنانة أردنية ترد على منتقدي حديثها عن القضية الفلس ...
- مجلس المستشارين يتدارس تدابير احتواء التداعيات الاقتصادية وا ...
- الكشف عن التفاصيل الكاملة لأزمة الفنانة مها أحمد مع أحمد الس ...
- غزة وردة فلسطين


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - بعد طول انتظار