أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - وأنا الشيوعي، كيف نسّبوني إلى «البعث»؟














المزيد.....

وأنا الشيوعي، كيف نسّبوني إلى «البعث»؟


ضيا اسكندر

الحوار المتمدن-العدد: 6609 - 2020 / 7 / 3 - 01:32
المحور: كتابات ساخرة
    


لدى أدائي الخدمة العسكرية في مطلع عام 1979 كان حظّي أن يتمّ فرزي إلى سرايا الدفاع – اللواء /40/ ذائع الصيت آنذاك. وخلال دورة الأغرار، وفي إحدى القاعات، تم تجميعنا وتوزيع طلبات انتساب إلى حزب البعث.
أصابتني قشعريرة، واخترقت رعشةٌ جسدي. إذ كيف لي أن أتملّص من هذا الموقف الحرج؟!
لبثتُ ساكناً في المكان أراقب زملائي المنهمكين في إعداد وتجهيز طلبات الانتساب.
وخلال دقائق بدأ الرقيب المدرّب بجمع طلبات الانتساب بعد تعبئة الحقول والبيانات فيها. ولدى وصوله إليّ، شعرتُ بتوتّر يزدحم في قلبي. لفت انتباهه أن طلب الانتساب فارغ! تفرّس بي بحملقة كلابٍ مشدوهة ونبح بنبرةٍ كالانفجار:
- لماذا لم تعبّئ استمارة طلب الانتساب؟
وحيث أنني في حزب شيوعي منضمّ إلى الجبهة الوطنية التقدمية في تلك المرحلة. والتي ينصّ ميثاقها على حظر النشاط في الجيش للأحزاب المنضوية فيها (باستثناء حزب البعث الحاكم). فلم أتجرّأ على البوح بانتمائي السياسي.
قلت له وأنا أزدرد لعابي في حيرةٍ وارتباك:
- أنا لا أحب الانتماء إلى أيّ حزب.. (وأضفتُ لتبديد شكوكه) أنا محايد إيجابي، لكنني لا أحب السياسة.
تكرمشت عضلات وجهه وقال:
- أي وقّعْ خلّصنا وقّعْ، ونحن نسجّل باقي البيانات عوضاً عنك. هنا في السرايا كلّنا بعثيون.
ومع يقيني بأني لستُ محطّ اتهام، كوني حديث العهد في العسكرية، ولم أُفصِح بعد عن ارتباطي الشيوعي، بَيْدَ أن الخطر والرعب تملّكاني. وبنصف ابتسامة اعتذرتُ منه بلطف مبدياً عدم رغبتي في تغيير نمط حياتي، وقلتُ له بصوتٍ ملؤه التوسّل والرجاء:
- أرجوك حضرة الرقيب، قدّرْ موقفي. أنا لا أحبّ السياسة!
فما كان منه إلا أن سحب الاستمارة من أمامي بغضب، وقال لي بصوتٍ مفعمٌ بالقرف، حاسماً هذا الجدل الذيّ لا طائل منه:
- عمرك ما توقّع انشالله، نحن نوقّع بدلاً منك.
بعد أن جمع الطلبات، وقف إلى جانب السبّورة وهتف وهو يحرّك يديه وكأنه يخطب من فوق منبر:
- من كان منكم قد انتسب سابقاً إلى حزبنا العظيم، فما عليه إلا تزويدنا برقمه الحزبي واسم مدينته أو قريته ليتمّ نقل تنظيمه إلى هنا. أما الرفاق الجدد الذين انتسبوا اليوم، فسوف يُعتبرون (أنصار). وإذا اجتهدوا خلال خدمتهم العسكرية، فسوف نمنحهم صفة العضوية الكاملة قريباً.
يا إلهي! ما هذا؟! قبل عام 1970 كان على الراغب بالانتساب إلى البعث يتوجّب عليه أن يُبدي رغبة صادقة بذلك، والقيام بعملية فدائية في فلسطين المحتلة. وأن يقرأ كتباً كثيرة ويُمتحن بها. ويجب أن ينحدر من طبقة فقيرة، وأن يزكّيه اثنان على الأقلّ من معارفه البعثيين.. أما الآن! فإنهم يُجبِرون الطلاب والعساكر والموظفين و.. على الانتساب! أيّ مستقبلٍ ينتظر هذا الحزب؟!

* * *
بعد انقضاء فترة خدمتي العسكرية والتي لم يكن لي فيها أيّ نشاط سياسي لا في البعث ولا في غيره، عدتُ إلى مدينتي واستأنفتُ نشاطي في صفوف الحزب الشيوعي السوري.
وفي أحد الأيام وبعد مضيّ ما يقارب الستة أشهر، وإذ بخالي الذي يتقلّد منصب (أمين حلقة) في حزب البعث، يزورني في البيت. وبعد التحية والمجاملات التقليدية، قصفني بسؤالٍ مباغت مستوضحاً:
- خالو، متى انتسبت إلى حزب البعث؟
ردّدتُ وراءه باستغرابٍ ظاهر:
- انتسبتُ إلى حزب البعث؟! خالي، أنت تعلم أنني شيوعي، ولم يسبق أن فكّرت بتغيير انتمائي!
قال لي وكان ينظر إليّ بعبوسٍ وابتسامةٍ في آنٍ معاً:
- هذا ما أعرفه عنك. والحقيقة أنني استغربتُ تماماً عندما وصلني طلب نقل تنظيمك من دمشق إلى اللاذقية.
وهنا تذكّرتُ تلك الواقعة التي وزّعوا فيها طلبات الانتساب علينا في بداية خدمتنا العسكرية. فأوضحتُ له بإيجاز ما جرى معي.
أجاب بحكمة المسنّين بعد أن تفهّم الأمر:
- خالو، هذه فرصتك. أنت تعلم بأن الانتساب إلى حزبنا يحميك ويحصّنك ويبدّد مخاوفك.. وقد تتبوّأ موقعاً قيادياً في المستقبل، لما تتميّز به من خصال ثقافية ومعرفية وسمعة حسنة وما إلى ذلك.. أليس أفضل لك ولذويك من أن تقحم نفسك في صراعٍ مع السلطة وأنت تعلم أنك لن تحقق شيئاً ذا جدوى؟
كنت أتكبّد جهداً كبيراً لتتبّع كل ما يقول فأجبته باحترام:
- أعتقد أنك تضيّع وقتك يا خالي بهذا الحديث. لن أغيّر قناعتي أبداً. وأنت تعلم كم عانيتُ اجتماعياً بسبب هذه القناعة.
صفن هنيهة ثم زفر بعد أن رفع يديه جانباً دليل أنه قام بواجبه تجاهي قائلاً:
- تصطفل، على نفسها جنت براقش. وطالما أنك عنيد ورأسك يابس كما عهدناك، هيّا معي إلى شعبة الحزب لتقديم طلب انسحاب، لئلّا تُتّهم بالازدواجية التنظيمية والتي تصل عقوبتها إلى الإعدام.
وبالفعل، ذهبنا معاً إلى الشعبة. وهناك كتبتُ على ورقةٍ بيضاء طلباً أعلنتُ فيه رغبتي بالاستقالة من حزب البعث. وسط ذهول واحتقار أمين الشعبة، الذي كان ينظر إليّ متوعّداً بعدوانيّة سافرة..






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حلاوة
- نبوءة صادقة في حرفها الأول!
- لكنّنا لم نلتقِ!
- مسلمة الحنفي – قراءة في تاريخ محرّم
- هل وحدة الشيوعيين السوريين ممكنة؟
- وأغلقَتِ الخطّ!
- «جبال الأغاني والأنين»
- «البلد»
- ألو بابا، أنا ابنك!
- «النباتية»
- «أعدائي»
- التحقيق رقم (1)
- «الإسلاموفوبيا»، ثُمَّ الكورونا، ثُمَّ..؟
- اللِّصُّ الغبيّ
- «المترجم الخائن»
- صاحب الأنف الضخم!
- «وردَّدتِ الجبالُ الصدى»
- ما بعد كورونا..
- حظر التجوّل
- بيروتُ الحُلُم، والحقيقة..


المزيد.....




- بيع لوحة للفنان كلود مونيه بأكثر من 48 مليون دولار في مزاد أ ...
- اللوبي الجزائري باسبانيا يؤلف قصص خرق حقوق الانسان بالأقاليم ...
- روسيا تختار فريق عمل لتصوير فيلم في محطة الفضاء الدولية
- بحوث علمية عراقية
- بحوث لمؤسسات علمية عراقية
- بحوث أكاديمية لمؤسسات علمية عراقية
- قربلة في دورة ماي لجماعة عامر القروية بسلا
- الإمبراطورية الرومانية -غير البيضاء-.. هل كانت روما مدينة شر ...
- متحف الأدب الروسي يقيم معرضا بمناسبة الذكرى الـ200 لميلاد دو ...
- ديوان -طيور القدس- للشاعر الأردني والكاتب الروائي أيمن العتو ...


المزيد.....

- فوقوا بقى .. الخرافات بالهبل والعبيط / سامى لبيب
- وَيُسَمُّوْنَهَا «كورُونا»، وَيُسَمُّوْنَهُ «كورُونا» (3-4) ... / غياث المرزوق
- التقنية والحداثة من منظور مدرسة فرانكفو رت / محمد فشفاشي
- سَلَامُ ليَـــــالِيك / مزوار محمد سعيد
- سور الأزبكية : مقامة أدبية / ماجد هاشم كيلاني
- مقامات الكيلاني / ماجد هاشم كيلاني
- االمجد للأرانب : إشارات الإغراء بالثقافة العربية والإرهاب / سامي عبدالعال
- تخاريف / أيمن زهري
- البنطلون لأ / خالد ابوعليو
- مشاركة المرأة العراقية في سوق العمل / نبيل جعفر عبد الرضا و مروة عبد الرحيم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - كتابات ساخرة - ضيا اسكندر - وأنا الشيوعي، كيف نسّبوني إلى «البعث»؟