أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى نوح مجذاب - الأصابع البيضاء














المزيد.....

الأصابع البيضاء


يحيى نوح مجذاب

الحوار المتمدن-العدد: 6343 - 2019 / 9 / 6 - 23:45
المحور: الادب والفن
    


الأصابعُ البيضاء

عند أفولِ كلِّ شهر، شيءٌ ما يُزهر في أعماقه كتلك الأوراد المُكتظة عند أسيِجة الغيطان. ينظر في ساعة معصَمِهِ ويعيد النظر إلى التقويم، ما هذا لم يبقَ شيءٌ يُذكر؟ بقيَ يومٌ أو بعض يوم وسيقف أمام الشباك. هذا المشهدُ كل شهر يتكرَّر؛ دورة قَبْضِ الرّاتب، يعقبهُ صرفٌ باذخ، فنفادٌ للمال، ثم ترقّب رجل مُفلس طُويت بطنه، لم يعد في محفظة جيبِه غير دنانير مُهلهلة لا تكفي لدواء النّقرس. ويعيد التاريخ نفسه في العام الواحد اثنتي عشرة مرة.
في اليوم التالي يأخذ بعضه، يرتدي مَلبسَهُ الرَّسمي؛ القاطُ الأزرق وربطة عنقٍ قديمة، مُنتعلاً حذاءاً جلدياً أسود مُلمَّع بِدهانٍ شفّاف. لا ينسى أبداً أن يضع على رأسه برنيطته التركية ذات اللّون الأسود، تُغطي شعره الأشعث.
القاعةُ ليست مُكتظة. اعتاد أن ينسلَّ اليها وقد غادرتها الطوابير العَجلى، شيوخ وعجائز يحتضنون دنانيرهم الرّاقدة في ظلام الأكياس السَّوداء وهم فرحى يتسابقون نحو الباب. هو ليس في عجلة من أمره لأنه يعرف أن راتبه مُصان عند المصرف وما سيقبضه من نقود مأمونة في قلبِ الخَزْنة، وبقدرة ساحِر ستمرق إليه بعد قليل وتدخل جَيبه.
في هذا اليوم المشهود ليس المال فقط هو المنشود، إنه مفتونٌ بيديها، بأصابِعها العشرة. تلك المرأة التي ستُسلِّمه المَقسوم؛ حصادَ سنينٍ عجفاء، خسر فيها جُلَّ عمره، فالزوجة والابناء تركوه وحيداً بعد أن جفّ عصيره وذبُلَ عوده، فبقي يجترُّ همومه في خَرابة بيت منسيّ، وهل بقي شيء في الدنيا يشغله غير بعض شَطحات خياله؟
كعادته يقف بأدب جَمّ لا يتحرك، ووجه الكاشيرة أمامه لا يفصلها عنه سوى زُجاج لامع. مَدَّت يدها البَضَّة ونظرت في قائمة الراتب. استلت من أكوام الرزم المَرصُوصة عدة أوراق نقدية، وهو ينظر إليها بكل هدوء يتمعن شكل الكّف البيضاء الرَّخصة، أصابعها الملساء، أظافرها المُدبَّبة اللّوزية، وهي تقبضُ الأوراق وتَعدُّها بسبَّابتها والإبهام. خارطةُ الكّف يحفظها عن ظَهرِ قلب، كم يتمنى أن تُعطيهِ يدها وتبسطها ليجسَّ طراوتها ويقرأ الطالع لها، سيرى خطّ الحياة، وخطّ الرأس، وخطّ القلب، وهضبة الزهرة، وهضبة القمر، فما تعلّمه في هذا العلم التصق بذاكرته منذ سنين وهو يُدرك أن لا حقيقة في نبوءات الكف، وما يحصل ليس سوى محض صدفة. لم يتحدث معها بهذا الشأن، فما بينهما ليس سوى تسليم للأوراق من تحت الزّجاج الحاجز، ونظراتٌ مُنبعثة تختصر الكلمات. كانت تمضغ لباناً تُقَلِّبه بلسانٍ وردي أحمر وصفوفُ الأسنان العاجِيَّة يُرَطِّبها ندى الرِّضاب، تنفث من بين شفَتيها رائحة نعناع نفّاذ.
بعد صمتٍ مُطبق وعيون تتكلم يتوقف ضَجيجُ القاعة. يُودِّعها بسلام من عينيه، ويحملُ نقوده في كفِّه ويرحل. بضعُ دقائق لا أكثر وينسدل السِتر على المشهد، وحين يكون في قلب الدار يوصِد رِتاجَ الباب... يضع الرأس على خدِّ الوسادة... يغمض عينيه... ويطير بعيداً، فتهب عليه من دنيا الغيب رائحة النّعناع الأخضر.



#يحيى_نوح_مجذاب (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العاملة الصغيرة
- مخروط الزمن
- لا يفقهون تسبيحاً
- ومضة الحياة
- توأما السماء
- العقل الأعزل
- الفَيلسوفة الرّاقِصة
- متاهة الوجود
- أنثيات البحر
- بائع الكروت
- الأخرق
- هرطقات في مفهوم الوجود
- سيلُ العَرِم
- الهجرة نحو العالم الآخر
- بلاط الضوء
- بوّابة القيامة
- سماواتُ الغَسَق
- القيامة الآتية
- السرداب
- صفحة القمر


المزيد.....




- -مدينة الأفكار- الرقمية تنفذ 10 آلاف مبادرة لتطوير العاصمة م ...
- صدور العدد الخامس من مجلة -سينماتيك-.. نافذة نقدية تواكب تحو ...
- اتحاد أدباء العراق يحتفي بكتاب -الموريسكيون في الرواية العرب ...
- مهرجان -تولستوي- المسرحي في روسيا يجمع 24 عرضا في نسخته العا ...
- فنانون يشكّلون حيوانات بحرية عملاقة من الرمل
- مسرحية -خيال مريض- تؤخر عرضها الأول لما بعد مباراة مصر والأر ...
- شاهد..شخصية الخامنئي بين الفكر والثقافة والقيادة وصناعة التأ ...
- دعوات رسمية في إثيوبيا لدمج اللغة العربية في المنظومة التعلي ...
- من القهر إلى الثورة.. كيف أعادت السينما المصرية صياغة صورة ا ...
- فخاخ اللغة في مفاوضات الأعداء: كيف تصنع الفاصلة مصائر الشعوب ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى نوح مجذاب - الأصابع البيضاء