أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى نوح مجذاب - متاهة الوجود














المزيد.....

متاهة الوجود


يحيى نوح مجذاب

الحوار المتمدن-العدد: 6071 - 2018 / 12 / 2 - 23:36
المحور: الادب والفن
    


رغم أنها ما زالت حيّة تتنفَّس في تلك البقعة النائية من الأرض التي كان يقطنها أصلاً الأبورجين(1) تحت قُبة السماء المترامية، لجأت إليها بعد أن تزلّزَلت الأرض تحت أقدامها في مهد الحضارات الأول، إلاّ أن الزمن الذي ابتلع معظم كيانها وأحالها الى كتلة مبهمة غامضة في ذلك البُعد الذي لم يعد قريباً عن ناظريه في رحلة المسافات بقياس الفراسخ والأميال البحرية التي يعتمدها ربابِنة الفُلك، وُلدت من جديد وحلّت في جسد آخر بعد أربعة عقود مُضنية احتدمت فيها أحداث جِسام غيّرت معالم التاريخ والبوليتيكا(2) والديموغرافيا(3) والسيبرنطيقا(4)، فتمثلت أمامه بكيانٍ إنساني آخر في جسدٍ غضّ آسر، وسمرةٍ رهيفة قاتلة، ومشاعرَ مُترعة خارقة.
هكذا يُعاد كل شيء من جديد ويُصَبُّ بثوب قَشيب آخر. نظريات حُلول واستنساخ لبني البشر، فكيف إذاً تُوقَظُ الأحاسيس وينهضُ الجسدُ البالي من رقدته وتستعر الذكورةُ التي اختزلتها زخّات البَرَد المتوالية، إذْ لا خلق بدون حرارة وتوهّج، ولا إبداعَ دون خلْقٍ عظيم. الخطُّ الزمني الآيل للخفوت لا تشعله الأماني الضالة ولا الأحلام الغاطِسة في الجحيم حيث يرقد الشياطين، وفي الليل الأخرس تنبثق الأفكار الهوجاء وتنطلق في فَلَوات الإبهام.
كان الجسد يتوسّد أكوامَ كراريس وصحف وأجلاد معاجم ومخطوطات كتب قديمة تتنشق غبار الأزمان. الأعين مغمضة على بآبيئها، قافلة مصاريع الأجفان على حدقاتها، فهي لا ترى العالم المنظور بكلِّ أشكاله في انكسارات الضوء أو انعكاساته، بل هي منفتحة إلى الداخل حيث أعماق الذات المنبثقة نحو العوالم الأثيرية اللامحدودة التي وَسِعَت كل شيء. قد يتلاشى مكنونُ الأفكار ويتبخر إذا غابت عنها شموس نهارين صقيعين، فإيقاظ خلجات النفس من سباتها الطويل قد لا يُصيب مرماه عندما يأخذها مسار الزمن في رحلة اللاعودة حيث العَماء الأخرس مُدلهم الظلمات في غياهب القدر.
صورة الجسد القديم الذي كان يتوق لقطرة ماء حيث العطش الأكبر، إنه في لُجّة احتدام الشفاه الناعضة.
الحمدُ كلّ الحمد، بل السّخطُ كلّ السّخط لهذه الأجهزة الرقمية التي نقلت البشر الكسالى إلى عوالم افتراضية من خيال غريب، وآفاق واسعة للسوفت-وير(5) في النُظُم التي ابتدعتها عقول الغاوين فأَسَرَت الملايين من الأنفس المتصارعة المتجمدة ردحاً، المحترقة أرداحاً، تلك التي لم تُوَظِّف سُنن الكون في نَسق الديمومة والصلاح المُبين.
عندما كانت الرسوم تلتقطها عدسات الكاميرات الصندوقية الكبيرة ذات العباءة الحالكة السّواد وتُطبع على الورق المُقوّى بلونين اثنين لا ثالث لهما حيث نصاعة البياض وحلكة السواد كانت تتوسّط زملاءَ وزميلات دراسة في رحلة براري ربيعية خَضِرة شاسعة فسيحة حيث طراوة الهواء النّدي والشمس الدافئة الحانية، وَجَدَتْ كفّها تلتقط لُقَيمة في خوان مدور أحاطه الغارقون بالوجد. وبعد أن قامت الدنيا ولم تقعد كانت روحها الأثيرية التي خَبرت لعبة العشق في سنين الجمال لم تعد تسكن جسدها الرائق الذي تَحَوَّل بفعل حِراك الأجرام والكواكب إلى كتلة لحم متشحمة غابت عنها استداراتها التي أشعلت ذكورة الغاطسين بالخيال والغواية، فحلّت بنظاراتها السوداء، وابنتها الوحيدة ذات العشرين ربيعا تتمايل مُنتشية مع عريسها الأنيق في حفل زفاف مُبهر نقلها من مدن القنابل المتفجرة إلى بلاد الكناغر الناطّة ممتداً إلى زمن آخر ستحرق فيه سليلتها أربعة عقود أخرى حتى ترث كتلة الجسد المتغضن في طريق الغموض المُبهم حيث الوافدون الجُدُد يُزيحون القُدامى في متاهة الوجود العجيبة.

يحيى نوح مجذاب

الهوامش
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأبورجين : سكان استراليا الأصليون.
(2) البوليتيكا: تعني السياسة وتطلق أيضاُ على الذين يتقنون فن التهريج والمكر والكذب.
(3) الديموغرافيا: علم السّكان.
(4) السيبرنطيقا: علم التحكم الآلي



#يحيى_نوح_مجذاب (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنثيات البحر
- بائع الكروت
- الأخرق
- هرطقات في مفهوم الوجود
- سيلُ العَرِم
- الهجرة نحو العالم الآخر
- بلاط الضوء
- بوّابة القيامة
- سماواتُ الغَسَق
- القيامة الآتية
- السرداب
- صفحة القمر
- غيبة في المجهول
- تهجد مؤمن أضاع ميقاته
- صفحة الجسد
- جبروتُ القدرة العظيمة
- فقاعة صابون
- فوضى الأفكار
- فاروق مصطفى، فهد عنتر الدوخي، وعامر صادق في ملتقى (دورت يول)
- نص خارج الزمن - الرؤيا الهلامية


المزيد.....




- مشاركة 26 فيلما من 25 دولة بالقسم الدولي من مهرجان فجر السين ...
- مصر.. هجوم على الفنانة اللبنانية كارول سماحة بعد حصولها على ...
- ألمانيا تفتح ذراعيها لذوي المواهب المسرحين من وادي السيليكون ...
- تمثال لشخصية أفلام شريرة غارق في قاع بحيرة منذ 10 أعوام.. ما ...
- هل هو صادق الشاعر؟ تفاعل على تصريحات جديدة لعبدالرحمن بن مسا ...
- إيفا غرين: تمثيل -فيلم درجة ثانية- تدمير لمسيرتي الفنية
- صورني عريانة عشان يفضحني.. راقصة مصرية تستغيث من طليقها الفن ...
- فيلم «أفاتار» يقترب من تجاوز فيلم تايتانيك في الإيرادات
- كاريكاتير العدد 5359
- منع المخرج الإيراني مسعود كيميايي من السفر على خلفية الاحتجا ...


المزيد.....

- رواية للفتيان الجوهرة المفقودة / طلال حسن عبد الرحمن
- كناس الكلام / كامل فرحان صالح
- مقالات الحوار المتمدن / ياسر جابر الجمَّال
- الشعر والدين : فاعلية الرمز الديني المقدس في الشعر العربي / كامل فرحان صالح
- (تنهيدة الكامل (مشى في أرضٍ لا زرع فيها / كامل فرحان صالح
- نجيب محفوظ وأحلام فترة النقاهة دراسة بين المؤثرات النفسية وا ... / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة (ب) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(ج) / ياسر جابر الجمَّال
- خاطرة وفكرة(أ) / ياسر جابر الجمَّال
- يُوسُفِيّاتُ سَعْد الشّلَاه بَيْنَ الأدَبِ وَالأنثرُوبُولوجْ ... / أسماء غريب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - يحيى نوح مجذاب - متاهة الوجود