أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الجزء الثاني من الرواية: العين 2















المزيد.....

الجزء الثاني من الرواية: العين 2


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 5365 - 2016 / 12 / 8 - 08:58
المحور: الادب والفن
    


والدة " سفيتا " كانت راقدة بشبه غيبوبة، ثمة في حجرة النوم الوحيدة، فيما ابن زوجها يهذر بصوت عال وقد نال منه السُكر قبيل حضوره للشقة. ثم ثابَ إلى رشده قليلاً تحت وطئة نظرات الشقيقتين، فقال بلهجة إعتذار منقلاً عينيه المحتقنتين بينهما: " سأحجمُ عن الثرثرة، فلا تشغلا بالكما بذلك. تباً للبيرة، مع أنها هيَ ملجأ المفلسين من أمثالي! "
" تحسن صنعاً أيضاً، لو أنك تمضي إلى جارنا المتقاعد لقضاء السهرة بصحبته "، خاطبته " سفيتا " بإزدراء. كان قد همدَ عندئذٍ بجانبي على الأريكة، وربما لاحظت هيَ ما أعترى ملامحي من ضيق بسبب نتانة جسده المقيتة، المطعّمة برائحة الشراب. فكأنما عليه كان أن يثير غثياني، مثلما كان من أمري أثناء ولوجي ذات مرة إلى المرحاض العام في حديقة الثقافة.. ثمة، كانت الحجرات بلا أبواب، وفوق ذلك تشكّل صورة القوس، حيث كلّ من مرتاديها يحجب وجهه عن الآخرين بصحيفة، متشاغلاً بقراءتها قبل أن يستعملها في تنظيف مؤخرته.
" أهوَ ليسَ صديقك، أيضاً..؟ فماذا لو مضينا إليه معاً؟ إنه ليسرّ حتماً بالتعرّف على صاحبك السوريّ، وسيولم على شرفه مأدبة حافلة بالشراب والمشهيات اللذيذة! "، ردّ بتثاقل على أخته غير الشقيقة قبل أن يرخي رأسه على صدره. نفدَ صبرُ " سفيتا "، على ما بدا من إشتعال أوار عينيها الجذابتين الأخاذتين. وكانت ما تني واقفة على رجلين متململتين بمنتصف الصالة، إلا أنها ما عتمت أن ألتفتت نحوي وكأنما الأخ نبهها إلى أمرٍ فاتها: " أترغب بمشاركتنا في شرب الشاي؟ سأحضّر حالاً السماور "، خاطبتني ثمّ أسرعت نحوَ المطبخ دون حاجة لسماع ردّي. شيّعَ السكّيرُ أخته غير الشقيقة بعينيه، متتبعاً حركة إرتجاج ردفيها المكنوزين ببيجامة الرياضة: " ما رأيك؟ مثيرة، هه! "، قال لي بصوتٍ هامس وهوَ يسترجع عينيه كي يغمز بإحداهما في خبث. أشحتُ برأسي إلى ناحية الطفل، وإذا نظراتي تلتقي بعينيّ خالته الصغيرة.
" سأذهب لمساعدة سفيتا بإعداد الحلوى، فإياك أن تزعجهما! "، نبرت الفتاة فجأة بوجه أخيها قبل أن تمضي مهرولةً إلى المطبخ. عند ذلك، تناهض الطفل بصعوبة محاولاً اللحاق بخالته، ولكنه تعثّر ووقع على جانبه. أفاض في البكاء، لما أنتشله خاله من على الأرض. فكم شعرتُ بالشفقة على هذا الطفل الجميل، بخاصّة لما راحَ يمد يده إلى الناحية تلك، أين اتجهت إليها الشقيقتان. سرعان ما ضاقَ الخالُ بالولد الملول، ولم يجد بأساً من وضعه بجانبي على الأريكة. هدأ الولدُ فوراً، وكأنما أصابه الرعب فيما كان يرفع عينيه ليتأمل هيئتي الغريبة. بدَوري، أخذتُ أنظر في أغوار عينيه البريئتين، مستعيداً فيهما عينيّ حبيبتي الصغيرة، " خَجِيْ "، غارقاً في مجاهل ماضٍ مهجور إلى غير رجعة.. ماضي المدينة الحمراء، الذي يعذبني بآثامه من خلال سياط الحنين.
" يظهر أنك صديقٌ حقّ لسفيتا، وليسَ زبوناً عابراً! "، قذفني السكّير مجدداً بهرائه. ثمّ أضافَ، مضفياً الجدية على كلماته وهيئته سواءً بسواء: " وإذاً، فإنني آمل أن يكون بوسعي الإعتماد عليك في مسألة مهمة.. بل ومصيرية! ألا فاعلم، أنّ ذلك النصّاب السوريّ.. واعذرني لهذا التعبير، فلم أجد أكثر مناسبةً منه لوصم شخصٍ على شاكلته. أظن أنك تعرفه، أو سمعت به؟ يدعوه الجميع بالحاج، ولديه مكتب استيراد وتصدير بالقرب من السفارة السورية. ليأخذهم الشيطان هناك! إذ لم يتورعوا عن قذفي إلى الشارع، عندما أشتكيته إليهم مطالباً بحقي في إسترجاع الشقة. ولكن، في أيّ حال من الأحوال فلا يمكنني إعادة الملايين الثلاثة، التي سبقَ أن نقدني إياها النصابُ ثمناً للشقة! لقد ترنّحتُ في البدء، عندما عرضَ عليّ مليونين من الروبلات. كنتُ ثملاً، فلم يفته ملاحظة إستهوالي للمبلغ دون أن أفطن إلا أنه يساوي أقل من ثلاثة آلاف دولار "، نفخ مقهوراً وهوَ عابس السحنة. ثم تابع القول: " أعترفُ بأنه كان كريماً معي بعد تبديد المبلغ في البارات، فراحَ ينقدني بوريقات صغيرة كمن يتصدّق على متسوّل! ثم لم يلبث أن ضاق ذرعاً بطلباتي وطردني بمساعدة خفراء المبنى التجاريّ. ولكن، عليّ أولاً أن أعلمك بتفاصيل القصة. عمتي الراحلة، كانت تقيم في شقة مماثلة لهذه الشقة.. وكل مساكن الروس متشابهة بحَسَب النظام القديم، لكي لا يشعر أحدنا بالتفوق على الآخر.. وكذلك رواتبنا، وهنا بيت القصيد! العمة صاحبة الشقة، شأنها ككل المتقاعدين، كانت قد وجدت راتبها لا يكاد يكفي لشراء خبزها اليوميّ. جرى ذلك، بعدما أنخفضت قيمة الروبل فجأة إلى ما دون الصفر! وشأن أندادها أيضاً، رأت نفسها مجبرة على العمل من جديد أو الإتجاه إلى الشارع لتشحذ. أنت بالتأكيد لاحظتَ الأعداد الغفيرة للعجائز، رجالاً ونسوة، ممن يقفون أمام المخازن الكبيرة، يبيعون غالباً أغذية معلبة تمّ تهريبها من نفس المخازن برشوة بعض الموظفين الجشعين؟,. عمتي كانت منهم. لحُسن حظها، أن ملاك الموت أختطف روحها بسرعة! ربما كانت تعاني من مرض شيخوخة ما، أو نتيجة البرد أثناء عملها في الشارع... "
" أيسرّك حقاً أن تصدّع رأسَ صديقنا بهذه الثرثرة، التي لا تهمه في شيء؟ "، خاطبته " سفيتا " وهيَ تلج إلى الصالة متبوعة بشقيقتها. وضعا السماور وآنية الحلوى على الطاولة المربعة الشكل، القائمة في وسط الصالة، ثم أنهمكا في الضيافة. تناولتُ من يد " صديقتي " قدحاً من الشاي الساخن، فيما شقيقتها مدّت لي يدها بصحن صغير يحتوي على فطيرة محلاة بقطر السكّر وجوز الهند ومنكّهة بالقرفة. عاد السكّير للكلام، متجاهلاً ملاحظة أخته غير الشقيقة: " بلى، ماتت العمة وبقيت لوحدي في الشقة. يجدر بي أيضاً التنويه، بأن الحكومة الجديدة كانت قد ملّكت المواطنين المساكن التي وجدوا فيها عشية سقوط الإتحاد السوفييتي.. مما نشأ عنه الكثير من المشكلات، بل وحتى الجرائم... "
" ربّاه، لقد جعلتَ الضريرَ مبصراً.. ألا يمكنك جعل الثرثار أخرسَ! "، ندّت عن الصغيرة " ناستيا " هذه الهمهمة الطريفة وهيَ تتطلّع إلى أيقوناتٍ ثلاث متكئات على مجلدات الخزانة الأنتيكية. هز الرجل كتفه دلالة على إستهتاره بكائناً من كان، وواصل حديثه: " نعم، حتى نحنُ أتُهِمنا.. أعني، أنهم تقولوا عليّ بأني مَن خنق العمة وعلى الرغم من كون واقعة موتها مسجّلة كحالة طبيعية وفق تقرير الطبيب الشرعيّ... "
" ولكن ميتيا، أرجوك! "، هتفت به " سفيتا " بصوتٍ يعبّر عن القلق والحذر أكثر منه الاستياء والحنق. هنا، سكتَ السكّير فراحَ يتلهى برشف الشاي وتناول الحلوى. كنتُ قد فرغتُ مما بيدي، فقمتُ لكي أنصرف. لم تلحّ " سفيتا " عليّ لأبقى، بل ولعلها كانت مرتاحة لعزمي على المغادرة. على أنها رافقتني إلى خارج الشقة، واستوقفتني من ثمّ عند عتبة المصعد: " إنني آسفة، لكون أخي قد أزعجك بثرثرته ولجاجته. لم يكن بوسعنا، كما رأيتَ، الإفاضة بحديث جديّ في وجوده.. "
" لا عليكِ، إنما ستعدينني أن تأتي إلى شقتي في مساء الغد؟ "، قلتُ لها وأنا أناولها رقم هاتف الشقة. أومأت برأسها إيجاباً، قبل أن تقبلني في فمي قائلة: " بل إنني أفضّل أن أجيئك مساء السبت، ولوحدي هذه المرة! ".












قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن
نحو يسار عربي جديد حوار مع الباحث الماركسي اللبناني د. محمد علي مقلد


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجزء الثاني من الرواية: العين
- الجزء الثاني من الرواية: السين 3
- الجزء الثاني من الرواية: السين 2
- الجزء الثاني من الرواية: السين
- الفردوسُ الخلفيّ: النون 3
- الفردوسُ الخلفيّ: النون 2
- الفردوسُ الخلفيّ: النون
- الفردوسُ الخلفيّ: الميم 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الميم 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الميم
- الفردوسُ الخلفيّ: اللام 3
- الفردوسُ الخلفيّ: اللام 2
- الفردوسُ الخلفيّ: اللام
- الفردوسُ الخلفيّ: الكاف 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الكاف 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الكاف
- الفردوسُ الخلفيّ: الياء 3
- الفردوسُ الخلفيّ: الياء 2
- الفردوسُ الخلفيّ: الياء
- الجزء الأول من الرواية: الطاء 3


المزيد.....




- سفير المغرب بالمكسيك يتباحث مع رئيس مجلس الشيوخ
- بعد خرجة وهبي.. رسالة توضيحية مشفرة من اخنوش الى مهاجميه
- صور عن وجع عوائل سجناء فلسطينيين تفوز بجائزة عالمية
- أولمبياد طوكيو 2020 : لماذا استبدلت روسيا نشيدها الوطني ب ...
- شاهد: بثوب من القبلات الحمراء.. فنانة صينية تنشر الحب والوعي ...
- -مقدمة لدراسة بلاغة العرب- تأليف أحمد ضيف
- موقع محتويات.. مرجع المواطن الأول في السعودية
- تنوّع قياسي في جوائز الأوسكار هذه السنة.. والفضل لجائحة كورو ...
- تنوّع قياسي في جوائز الأوسكار هذه السنة.. والفضل لجائحة كورو ...
- أولمبياد طوكيو 2020 : لماذا استبدلت روسيا نشيدها الوطني ب ...


المزيد.....

- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الجزء الثاني من الرواية: العين 2