أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال عبود - من وحي العيد














المزيد.....

من وحي العيد


كمال عبود

الحوار المتمدن-العدد: 5288 - 2016 / 9 / 18 - 13:38
المحور: الادب والفن
    


هَدْهَدْتْهُم بيديها الحنونتين ، مَسحتْ على رؤوسِ الأطفال ، كان صوتُها هادئاً ، يحمل نسمةَ أملٍ وحُب ، ابتسمتْ بوجههم:
تأخرتم في السهر يا أولاد ، اذهبوا للنوم ، ستأكلونَ لحماً في العيد هذا وعد لكم.
قال الصغير ذو الخمسة أعوام : ماما ، من زمان .. من العيد في السنة الماضيه لم نأكل لحماً.
قالت الأم: في العيد ستأكلون، ثلاثة أيام ستأكلون ، تصبحون على خير.

نام الأولاد الأربعة على فرشات إسفنجيات وأغطيةٍ خفيفه يلتحفون بها ، جلست الأم على حافّةِ الفراش ... جالت نظراتها على الأولاد ، وفي أرجاء الغرفة واستقرّتْ هناك عند الزاوية حيثُ أواني الطبخ القليلة .. غاز صغير ومقلاة وبضعة صحون ، وعلى الجانب طنجرة الطبخ وهو قِدرُ نحاس لم تحمل سواه على رأسها حين أجبرتهم الحرب على الهرب ، وترك منزلهم والرحيل مساء يومٍ أسود ، يوم اختفى زوجها العسكري بعد أن جاءتهُ رسالةً من ميليشيا الحي : تتركْ الجيش أو نقتل أهلك وأخيه الأسير ..

يومها اختفى الزوج وهاجر السكان ومعهم أم عبدو الحي والدار...

قالتْ : سأبيعه غداً في سوق الجمعه ، سأجعل الأولاد يفرحون .. سأشتري بثمنه لباساً وفراريج للعيد ...
تذكرت أم عبدو قصة المرأة آلتي أوهمت أبناءها أنها تطبخ لهم طعاماً ، و في الحقيقة كانت تطبخ ماءً فقط ، قالت : سأبيع القِدْر ، والله يعوضني.

ثُمَّ قَالَتْ لنفسها : آهٍ على أعيادٍ مضت ، كنّا نضحي بخروف كل عام ، يجتمعُ الشمل في العيد ، نتزاور ، تمتلئ الشوارع بهجةً والنفوس.. يمتلئ الفضاء بالفرح وضوضاء الأطفال الجميلة ... هذه القِدْر الموروثة غالية على النفس ، هي تاريخٌ رافقني وقصص جميلة كانت بحضرته وحوله ، وقالت :
يقول المثلْ : شو اللي أجبركْ على المُرْ إِلَّا اللي أمَرُّ منه.

في الصباح والأطفال نيام ، خرجت أم عبدو إلى سوق الجمعة ، وصلت حاملةً قِدرَ النحاس ، وضعتهُ على الرصيف أمامها وانتظرتْ.

كانت رائحة السوق - رائحةُ الفقرِ تملأ المكان .. كانت أصوات الناس غيوم عوز وفاقَه ... أشياؤهم المبعثرة يعلوها الصدأُ والغبار كالصدأ الذي يُغلِفُ أيامهم ، يلبسهم القرف والتذمر .. أشياؤهم - كنوزهم - التي يعرضونها لا للترف أو التسلية ، هي تجارة تعيسةٌ بائسةٌ بين الفقراء فقط ، وهو سوقٌ تختلط فيه المراوغة والسرقات والاحتيالات الصغيرة ... يختلط فيه الحديد والنَّاس والخشب المكسور والزخارف القديمة والعُدد والألبسة المستورة وروائح الأشخاص الذين لم يغتسلوا وبول الاطفال الناشف على الجدران وفي شقوق الأرصفة ...

بقيت أم عبدو على الرصيف حتى الزوالْ ، لم تُبِعْ قِدْرها .. فرِغَ السوقُ إِلَّا أقلّهُ وَلَمْ تُبِعْ ..
جَاءَ كثيرٌ يتفرّجون وقليلٌ يساوِمون ..
أعطاها بعضهم ثمناً بخساً ..
استهزأَ بها آخر ...
قالت إحداهن : أين زوجك..؟
قال أحدهم لمرافِقهِ : هذه سرِقَه ..
رجلٌ ذي خبره أخرجَ عدسةً من جيبه وراح يفحص الجودة وقال : نحاس أصلي مئه بالمئه ،.. لكنّه لم يشترِ.
حاول مراهق مغافلةَ أم عبدو وسرقة القِدْر فأدركته وفشلت السرقة
جاء رجلان قالا لها : نحن من الجنائية ، من أين لكِ هذا ،هل تدفعين لنا كي لا نعتبرك سارقة ..؟
رجلٌ حدّقَ في جمالها : هل تذهبين معي ..؟ أعطيكِ ضعف الثمن.
رجلٌ رأفَ لها : لا تَبقِ إلى المساء ... أولاد الحرام صاروا كتار ..

تضاءلَ حلم أم عبدو بالبيع ... اختفى أمل شراء ثلاثة فراريج لأيام العيد الثلاثة ... وتراءت لها صورة الحزن على وجوه الصغار .

رجعت أم عبدو منهزمة ، تثاقلت خطواتُها .. وهنَتْ وجلستْ عند زاوية الشارع المُؤدي إلى بيتها ... وهناك حدث الانفجار ... انفجارٌ صمَّ الآذان .. تطايرت الأسقف وهوتْ الجدران .. سحب الدخان والغبار غيّمتْ فوق المكان .. لم تعد تعي أم عبدو أو تسمع من يناديها ... الشارع أضحى كومة من خراب .. ونفرٌ من الناس يتراكضون دونما هدف وفي كل اتجاه .

قال شاهد عيان : رأيت أم عبدو تسعى نحو الأنقاض .. تبحثُ وتُخِرج غازاً صغيراً للطبخ توقِده وتضع فوقَه قِدْراً من النحاس وقليلاً من الماء وأشلاءً بشريّه لأطفال لوثَ الغبار دماءهمْ وتُدندنَ ببلاهة :
بكره الأضحى .. بكره العيد
بكره الأضحى .. بكره العيد ..






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتب السوري ياسين الحاج صالح حول سوريا واليسار والاسلام السياسي في العالم اليوم
طارق حجي مفكر علماني تنويري في حوار حول الحداثة والاسلام السياسي والتنمية وحقوق المرأة في بلداننا


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من وحي الحرب -1-
- عواطف
- حكايا جدو أبو حيدر -16-
- حكايا جدو أبو حيدر -15-
- حكايا جدو أبو حيدر -14-
- حكايا جدو أبو حيدر -13-
- حكايا جدو أبو حيدر -12-
- حكايا جدو أبو حيدر -11-
- قطراتٌ من نبعها
- حكايا جدو أبو حيدر -10-
- حكايا جدو أبو حيدر -9-
- حكايا جدو أبو حيدر -8-
- للقصيدةِ أنتمي
- حكايا جدو أبو حيدر -7-
- حكايا جدو أبو حيدر -6-
- حكايا جدو أبو حيدر -5-
- تناغم أزلي
- حكايا جدو أبو حيدر -4-
- حكايا جدو أبو حيدر -3-
- حكايا جدو أبو حيدر -2-


المزيد.....




- مسلسل لعبة الحبار: لماذا تموّل الرأسمالية الأعمال الفنية الت ...
- عالم مصريات: القاهرة طالبت بعودة رأس نفرتيتي وألمانيا رفضت ب ...
- البيجيدي يطلب رأي مجلس المنافسة حول احترام شروط التنافس في س ...
- لم أضغط على الزناد.. أول تصريحات أليك بالدوين بعد مقتل مديرة ...
- التقدم والاشتراكية يؤخر مؤتمره ومطالب بعودة بن عبد الله إلى ...
- وزير الخارجية الروسية يحل بمراكش
- أبو ظبي: انطلاق برنامج الشعر النبطي «شاعر المليون»
- تجاوزات عواطف حيار تغضب موظفي وزارة التضامن..
- مكتبة قطر الوطنية تحتفي بمرور 880 عاما على ميلاد الشاعر الأذ ...
- مصر.. ضبط خمور مهربة بمليوني جنيه في ملهى ليلي يمتلكه فنان ك ...


المزيد.....

- رائد الحواري :مقالات في أدب محمود شاهين / محمود شاهين
- أعمال شِعريّة (1990-2017) / مبارك وساط
- ديوان فاوست / نايف سلوم
- أحاديث اليوم الآخر / نايف سلوم
- ديوان الأفكار / نايف سلوم
- مقالات في نقد الأدب / نايف سلوم
- أعلم أني سأموت منتحرا أو مقتولا / السعيد عبدالغني
- الحب في شرق المتوسط- بغددة- سلالم القرّاص- / لمى محمد
- لمسة على الاحتفال، وقصائد أخرى / دانييل بولانجي - ترجمة: مبارك وساط
- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كمال عبود - من وحي العيد