أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين الهنداوي - أثر الحلاج في كتابات رامون لول















المزيد.....

أثر الحلاج في كتابات رامون لول


حسين الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 3623 - 2012 / 1 / 30 - 07:04
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


جهد جميل ذلك الذي قام به "باتريك جيفرو" بترجمة "كتاب المحب والمحبوب" للفيلسوف رامون لول من اللغة الكاتالانية إلى الفرنسية والذي صدر عن دار "أورفه" الباريسية بطبعة أنيقة ضمتْ النصّ الاصليّ ايضاً. بيد أن قراءة متمعنة في هذا الكتاب تقودنا على الفور إلى الإعتقاد بشكل قويّ ان هذا الفيلسوف يستلهم شعر "الحسين بن منصور الحلاج" والشعر الصوفيّ الاسلإميّ إجمالاً في هذا النصّ الذي أراد له أن يكون بمثابة سيرته الصوفية. وهناك أيضاً نصوص أخرى له لم تترجمْ بعدُ يؤكد من أطلع عليها بلغتها الأصلية أنها تستلهم هي أيضاً قصائد الحلاج.

لكن كيف اطلع رامون لول الذي عاش بين عامي 1235 و1313 على قصائد الحلاج في تلك الفترة من الحياة الثقافية لأوروبا الوسيطة والمظلمة؟ لنلاحظ بدءاً، ان مؤلفات رامون لول العديدة ظلت مجهولة تماماً في الأوساط الفلسفية الغربية حتى فترة قريبة وبشكل مستغرب رغم الشهرة الواسعة التي نالها كرائد لفلسفة الحبّ الإلهيّ في الغرب المسيحيّ الكلاسيكيّ وكأحد أهم ثلاثة مفكرين عرفتهم أوروبا القرن الثالث عشر الميلاديّ إلى جانب "توما الاكويني" في إيطاليا و"دون سكوت" في إنكلترا. حيث ظلّ كتابه "الفن الكبير في الكشف عن الحقيقة" المكتوب باللغة اللاتينية في عام 1276 بمثابة المرجع الوحيد حول أفكاره، في حين وجدنا ان الفترة ما بين صدور ذلك الكتاب ووفاة "لول" في 1313 هي الفترة الأهم في الخصب والنضج الفلسفيّ لديه. أما السبب الرئيس المباشر الذي وقف وراء إغفال مؤلفاته اللاحقة فيتمثل ربما بكون تلك المؤلفات مدونة باللغة الكاتالانية ولم تترجم إلى اللاتينية ما جعلها حبيسة اللغة الأمّ للمؤلف التي كانت ولا تزال ضعيفة النفوذ في الثقافة الأوروبية عموماً.لكن السبب الأرجح كما نعتقد هو قيام البابا "غريغوار الحادي عشر" بإصدار مرسوم كهنوتيّ يقضي بإدانة الآراء الصوفية لـ"رامون لول" وبحظر تداول مؤلفاته ما أدى إلى انصراف المهتمين والمترجمين عنها.

إن الطموح الذي يراودنا الآن هو ان يواصل "جيفرو" وزملاؤه ترجمة المؤلفات الاخرى التي كتبها "رامون لول" بلغته الكاتالانية التي يعتبرها مؤسسها كلغة أدبية حديثة. وحتى إذا جاءت هذه الترجمات متأخرة نسبياً فإنها تظل ضرورية وستكشف بلا شك عن أوجه غنية أخرى من المنظورات والجوانب الشخصية الفريدة لهذا المفكر الكبير الذي يلقبه الباحثون الآن بفيلسوف الحبّ الروحيّ.

علاوة على ذلك، وهذا ما يهمنا بشكل خاصّ الآن، كان "لول" من نوادر الفلاسفة المسيحيين الذين تشبعوا بالثقافة العربية - الإسلامية فأحبها وانتمى لها كأحد أبنائها. فقد اندفع لتعلّم اللغة العربية منذ شبابه وأتقنها إتقاناً مثيراً فراح يدرسها في الأديرة والمعاهد ثم قام منذ عام 1275 بتأسيس دير لتدريس اللغات الشرقية وخصوصاً اللغة العربية. وقد توّج ذلك بكتابة العديد من مؤلفاته الفلسفية واللاهوتية باللغة العربية مباشرة، يأمل الباحثون أن يتمّ العثور عليها بعد أنْ أصبحتْ مفقودة تماماً.ولد "رامون لول" في جزيرة "ماجورك" الإسبانية في 1235 وسط عائلة برشلونية نبيلة مأخوذة بحبّ الثقافة الإسلامية التي كانت الأندلس أعظم مراكزها آنذاك. وبعد تلقيه التربية الدينية والأخلاقية المسيحية الأولى، تفرّغ لدراسة اللاهوت والفلسفة حيث درس الفلسفة المسيحية ثم الفلسفتين الإغريقية والإسلامية قبل أن يتفرغ كلياً لدراسة التصوف الاسلاميّ بشكلٍ خاصّ. وقد بلغ إعجابه وتوافقه مع منظورات الحلاج و"أبي بكر الشبليّ" و"ابن الفارض" حداً دفعه الى الإعتقاد القويّ بعدم وجود أي اختلافٍ جوهريّ بين الإيمانين الإسلاميّ والمسيحيّ.

هذا الاعتقاد دفعه تالياً إلى تكريس سنوات طويلة من عمره شاجباً الحملات الصليبية التي كانت لا تزال مستمرة في عهده داعياً الى استبدالها بالحوار والتفاهم بين المسلمين والمسيحيين من أجل "التوحد من جديد".ولتكريس ذلك راح يزور الجامعات الأوروبية وخصوصاً في "مونبلييه" و"نابولي" و"باريس" ملقياً المحاضرات الطويلة حول منظومات الفلاسفة المسلمين ومظهراً حماساً للثقافة العربية أشار له حتى هيغل في دروسه حول تأريخ الفلسفة. ولم يكتفِ بذلك فقط إنما اخذ يجول بلدان العالمين المسيحيّ والإسلاميّ مقابلاً البابوات ورجال الدين والملوك لإقناعهم بأفكاره حيث زار بلدان المغرب و"مصر" و"سوريا" و"روما" و"باريس" مراراً في حركة لم يضعْ لها حداً سوى موته في 1313 متأثراً بجروحٍ أصيب بها إثر محاولة لقتله لا يعرف من يقف وراء تنفيذها، وقيل إن قطّاعَ طرقٍ اعترضوا قافلته أثناء إحدى تلك التنقلات.إذا انتقلنا الآن الى "كتاب المحب والمحبوب" وتأثره بالحلاج والشعر الصوفيّ الاسلاميّ، فإننا نلاحظ ذلك جلياً حتى في اختيار العنوان. إلا إنه يبدو اكثر جلاءً في اسلوبه ومادته. وهذا التأثير يعلن عن نفسه منذ المقدمة مؤكداً استلهامه مناهج وكتابات المتصوفة المسلمين حيث يقول (تعرفت على هؤلاء المفكرين الذين يسمون بـ"الصوفيين" ويحظون بمكانة عظيمة لدى المسلمين وغير المسلمين، فوجدتهم ذوي كلامٍ مفعمٍ بالحبّ وعبارات جزيلة تغمر الإنسان بمشاعر النبل والتقوى، وتقتضي منهجاً ترتفعُ المداركُ بفضله إلى أعلى مراتب السموّ مقرونة بأعلى درجات التفاني، الأمر الذي دعاني الى تأليف هذا الكتاب مقتدياً بهم".على صعيد المنهج بالمقابل يمثل "كتاب المحب والمحبوب" قسماً من الفصل الخامس من رواية طويلة بعنوان (بلانكرين) كتبها "رامون لول" في "مونبلييه" بين عامي 1283 و1286. وما "بلانكرين"، بطل الرواية، إلا "رامون لول" نفسه، الشيء الذي يجعلها بمثابة السيرة الروحية للمؤلف. فبعد أن تتابع الفصول الاربعة الأولى من الرواية مراحل تطور هذه السيرة بدءاً بالولادة فالتربية الدينية والأخلاقية فاكتساب النضج المعرفيّ فالروحيّ الذي يجسده التفرّغ للعبادة والتأمل والزهد، يأتي الفصل الخامس والأخير ليقدّم في قسمه الأول تواصلاً نموذجياً لحياة المتعبد المنصرف كلياً لله في حالة تفانٍ صافية لا يعكرها شيء.

وهنا بالتحديد يبدأ "كتاب المحب والمحبوب" دخوله في المشهد. ففي لحظة عليا من هذا التقابل بين العابد والمعبود، ترقى العبادة إلى درجة تسامٍ أعلى لتصبح محبة، وعندئذ يتسامى العابدُ والمعبودُ ليصبحا محباً ومحبوباً بالمعنى الصوفيّ ويدخلا في حوار مباشر يترجم حالة إشراقية تجتاز سيرورة تطورية باتجاه الاتحاد المطلق بينهما، سيرورة ثمرتها هذا الكتاب.هذا الانتقال يوازيه انتقال في الأسلوب حيث يتوارى الاسلوب الروائي الاستطرادي والتعليمي للفصول السابقة تاركاً مكانه إلى ذاتية شفافة ورقّة شعرية لا تمتّ للرواية بصلة، الأمر الذي يوحي لنا بقوة بأنّ "رامون لول" ألّف "كتاب المحب والمحبوب" بشكل مستقلّ تماماّ عن الرواية الأصلية أو بالأحرى ان هذه لم تؤلف إلا كإطار خارجيّ يحتضن "الكتاب" الذي يظل أهم ما في الرواية كلها. ففي هذا الكتاب فقط يضع المؤلف خلاصة عبقريته الفلسفية والأدبية معاً.أما من الناحية الفنية، فينقسم "كتاب المحب والمحبوب" الى 366 قطعة شعرية مستقلة، تخصّ كلّ واحدة منها يوماً واحداً ضمن تسلسل أيام السنة المسيحية الميلادية. والقطع الشعرية صغيرة ومتقاربة الحجم، تتراوح بين ثلاثة وستة أسطر للواحدة، تتوالى بانتظام وفق سيرورة ينتقل "المحب" عبرها تدريجياً وبأناة نحو أجواء أكثر فاكثر سمواً واقتراباً من "المحبوب"، ومثل هائم في الحب يدخل "لول" في حوارٍ غير مباشر ثم مباشر مع ذات المطلق، ثم منتقل إلى حالة "اتحاد المحب بالمحبوب" التي هي حالة تماهيهما في الضرورة والإمكانية، حالة تصبح أدوات المعرفة فيها معرفة هي ذاتها، ويتحد التناقض مع اللاتناقض.. وتُرفع الحُجُب..

وبكلمة، فإننا هنا أمام نظرية في الحب الالهيّ بالمعنى الصوفي الإسلامي لهذا المفهوم. لكنْ إلى أيّ حدّ نستطيع مقارنة نظرية "لول" بحلولية الحلاج أو إشراقية "السهروديّ" أو وحدة الوجود لدى "ابن عربيّ"؟من الصعب الجزم بجوابٍ شافٍ ونهائيّ على هذا الاستفهام المعرفيّ المعقد. بيد اننا لا نتصور ان "رامون لول" بلغ أو تبنى المضمون الخاصّ بأيٍّ من النظريات أعلاه. فمنظومة الحبّ الإلهيّ عنده تظلّ، روحياً وفلسفياً، أقلّ تماسكاً وعمقاً وجرأة بالمقارنة مع أيّ من مثيلاته لدى قمم الحبّ الصوفيّ الإسلامي تلك وغيرها.

إلا ان أهم عناصرها تمتلك امتدادات واضحة في نظرنا لدى جوانب من فكر "الحلاج" كما لدى "ابن الفارض" وبعض متصوفة الأندلس وشمال أفريقيا. فمن جهة نلاحظ فيها غلبة الدفقة الشعرية والوجدانية والعاطفة الجياشة على أيّ جانبٍ آخر. ومن جهة أخرى نجد لدى "رامون لول" حرصاً واعياً على عدم الخروج بعيداً، إلا في حالات استثنائية نادرة، على أجواء اللاهوت المسيحية وطقوسه ومبدأ الأقانيم الثلاثة العقائديّ المحض.فالحرص قويّ لديه على إبقاء ظلال نصّ الكتاب المسيحي المقدس، لا سيما "العهد الجديد" أي الأناجيل، ماثلة بجلاءٍ تامّ، كما إن التأثر باسلوب "نشيد الانشاد" صارخ، بينما مفاهيم المحب والمحبوب والمحبة ما هي في التحصيل النهائيّ إلا تجريدات رمزية لمفاهيم الابن والأب وروح القدس






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق.. العراق
- في ذكرى فنان العراق الخالد مؤيد نعمة
- عبد الكريم قاسم في آخر مقابلة صحفية
- من اللاهوت الى الايديولوجيا : فلاسفة الأنوار والإسلام
- الثقافة الأمريكية في خدمة التجار
- كاظم السماوي.. شيخ المنافي وشاعر الأممية الصافية
- تهافت المشروع البعثي للتطور (1968-2003)
- هل عرف البابليون الفلسفة؟
- الهندية – طويريج : بيتنا وبستان بابل
- علي الوردي والمنطق الجدلي
- لغة الضاد حين نخذلها..
- محنة «النهضة» و «الاصلاح» و «التنوير» بالعربية...
- قناة فضائية عراقية طليعية حاجة عاجلة
- هيغل وأهل الحلة!
- أحمد أمير – بيوغرافيا حميمة
- العراق بين احتلالين: 11 آذار 1917 - 9 نيسان 2003
- المثقف بين الحلم وخيانة الذات
- حلبجه 88
- مئات القتلى في حرائق سجون عربية وشكوك حول الروايات الرسمية
- الايام...


المزيد.....




- الشيخ محمد بن زايد يعزي العاهل المغربي
- الحمم البركانية تتدفق إلى المحيط الأطلسي من بركان جزيرة لا ب ...
- الآثار المصرية تكشف حقيقة صور التوابيت الفرعونية في أفغانستا ...
- مركزي صنعاء يعترض على الإفراج عن أرصدة اليمن لدى إنجلترا
- بيدرسن يأمل بمساهمة لقاء بوتين وأردوغان في تعزيز وقف إطلاق ا ...
- السعودية تدعو المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته تجاه -اختراق ...
- مراسلنا: اشتباكات بين قوتين من الشرطة والحشد الشعبي جنوبي ال ...
- ما وراء استنجاد واشنطن بقواعد روسية في آسيا؟
- كوريا الشمالية تكشف عن مواصفات الصاروخ الجديد الذي اختبرته م ...
- مصر توافق على استخدام -سبوتنيك لايت- الروسي


المزيد.....

- جائحة كورونا وإعادة انتاج الحياة الاجتماعية تأملات سوسيولوجي ... / محمود فتحى عبدالعال ابودوح
- تأملات فلسفية وسينمائية / السعيد عبدالغني
- حوار مع جان بول سارتر حياة من أجل الفلسفة / الحسن علاج
- عن المادية و الخيال و أشياء أخرى / احمد النغربي
- الفاعل الفلسفي في إبداع لويس عوض المسرحي / أبو الحسن سلام
- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين الهنداوي - أثر الحلاج في كتابات رامون لول