أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين الهنداوي - في ذكرى فنان العراق الخالد مؤيد نعمة















المزيد.....

في ذكرى فنان العراق الخالد مؤيد نعمة


حسين الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 3561 - 2011 / 11 / 29 - 16:16
المحور: الادب والفن
    


اقامة مؤتمر (فستيفال) دوري عالمي لفن الكاريكاتير ببغداد في شهر تشرين الثاني / نوفمبر من كل عامين كانت الامنية - الدعوة التي رأيت ضروريا اطلاقها منذ مناسبة الذكرى الثانية لرحيل مؤيد نعمة أهم فنان كاريكاتير عراقي في تاريخنا المعاصر. ورغم مخاطبتها مباشرة، لم تهتم اليونسكو او الجامعة العربية او الدولة العراقية او الجمعيات والمؤسسات الفنية في بلاد الرافدين بالدعوة تلك الذي اعيد اطلاقها من جديد دون ان اتوقع منها شيئا جديا في الواقع، بيد ان الحلم بمشروع كهذا يستحق ان يظل مراودا بقوة وفاء لهذا الفنان على الاقل. وهنا وبعد ست سنوات على رحيل مؤيد استرجع حرفيا كل ما قلته في تلك المناسبة.

وبالفعل كانت نكبة صامتة تلك التي حلت بفن الرسم العراقي برحيل مؤيد نعمة، نكبة تضاعفت بفعل الطابع المباغت وأكاد اقول الغادر الذي تلبسه ذلك الرحيل في لحظة كان فيها الفنان الكبير النفس والموهبة في ذروة تألقه وتحضيراته للعطاء الحياتي والتشكيلي الاهم في كل عمره ربما، ومن بينها معرض كبير مشترك مع صديقه الفنان عبدالرحيم ياسر كان من المتفق ان يتم افتتاحه في لندن نهاية العام نفسه ثم ينقل الى عدد من عواصم االفن الاخرى للتعريف بهذا الوجه الحيوي من الفن التشكيلي العراقي المعاصر.

كما ان غياب مؤيد نعمة خسارة عميقة أيضا للحركة الابداعية العراقية والعربية الناهضة من رماد القمع والسطحية والفجاجة كلها باتجاه الحرية والسمو والمستقبل. فمؤيد نعمة في هذا الميدان، من خلال اعمال جريئة وطليعية كثيرة، بدا رائدا مبادرا وأميرا كريما بلا ادنى جدال. وهذا ما استطيع الشهادة عليه عن قرب ومعرفة مباشرة من خلال صداقة متأخرة وكثيفة في آن من خلال مؤسسة "عراق للابداع" التي كنا قد أسسناها في بغداد آنئذ ولعب هو في انشائها وارسائها دورا اساسيا كما حرص على تصميم شعارها مانحا فيه كلمة (عراق) اقصى ما يمكن من الخصب والمجد وبإصرار لم يكن لأي من الاعضاء العشرة او اكثر المؤسسين الا الاستجابة لفكرته.

وأقول كثيفة لأنني اعرف واحترم فن مؤيد نعمة منذ نحو ربع قرن، وبشكل خاص منذ معرض عالمي لفن الكاريكاتير اقيم في النصف الثاني من الثمانينات في "معهد العالم العربي" بباريس وشارك فيه بلوحتين اثارتا جدلا كبيرا حول موهبة رائعة ولامعة عرفت كيف تتسامى على الرطانة البعثية دون ان تفقد مسامة واحدة من روحها العراقية الجليلة: "المهم في فن الكاريكاتور ليس قوة الصنعة بل قوة الأفكار" كما قال لنا مرارا، وهذا ما ظللت أواصل اكتشافه من خلال عشرين سنة من المتابعة المبعثرة لكن العميقة دائما لرسوم هذا الفنان الكبير الباحث دائما عما وراء الابتسامة والذي منح السخرية وظيفة سامية ورصينة وان بدت مثقلة بالحزن والاسئلة الاليمة غالبا. لكنها صورة بدت مرشحة اخيرا للتغيير جديا لأول مرة منذ عقود:

"الآن بدأنا نحقق احلامنا" هذا ما صرنا نردده بثقة مع مؤيد بعد سقوط النظام السابق كالخشخاشة اليابسة، ورغم ان نزعة العداء للثقافة ولحرية الابداع لاحت سلفا كأحدى ابرز ملامح الطغم الحاكمة الجديدة التي أخذت تدعي وتمارس شرعية شكلية بإسم ملل ونحل وشراذم مستخدمة أدوات قمع فكري وجسدي كنا نعتقد بإنها حكرا على الفاشيات لتقليدية.

هل بعد هذا نستطيع تلمس حجم الضربة القاسية التي تلقاها كل واحد منا بفقدان ذلك الانسان الثري بالامل بالعراق وبالتواضع الجم ايضا؟ بالنسبة لي لم اجد امامي سوى الهرب من تصديق خبر رحيل هذا الفنان الشاب (عن عمر يناهز بالكاد الرابعة والخمسين عاما)، المولود في بغداد عام 1951 والمتوفي فيها في 26/11/2005 والمعروف في كل بلاده بجرأته الفنية في تناول محرمات فن الكاريكاتير عبر رسومات لم تنقطع ابان العقود الثلاثة الاخيرة والذي كان قد نشر اول رسم له في عمر السادسة عشرة ليشارك بعدها بعامين في تأسيس اول مجلة للاطفال في العراق، وليشرع بعد ذلك بعامين في العمل رساما كاريكاتوريا في الصحافة اليومية، قبل ان يتخرج من "معهد الفنون الجميلة" ببغداد عام 1971، ثم من "اكاديمية الفنون الجميلة" حاصلا على شهادة البكالوريوس من قسم السيراميك.

وهكذا فمنذ بدايته كرسام قبل اربعة عقود، قرر مؤيد ان تكون رسومه محددة وهادفة وان لا يرسم الا ما يريده هو متطلعا في ذات الوقت وعن وعي خفي الى الاقتراب من عالمية انسانية تنبذ السذاجة والارتجالية في الكاريكاتير لصالح الفكرة والحلم والامل وكل ما هو نير في الذات الانسانية العالمية. ومؤكدا ايضا ان (ما افكر به هو ان اكون قريبا من احداث بلدي وهذا هو حال جميع رسامي الكاريكاتير في العالم أجمع محاولا ترجمة ما اشاهده واشعر به الي رسوم انشرها).

لقد اخطأ اولئك الذين اعتقدوا ان مؤيد نعمة صور الكوميديا السوداء ليضحك منها الناس في بلاده. بينما كان هو يصور آلامهم هم، وتحديدا لأنها آلامهم، بينما كان الفنان الراحل "يغلي من الداخل" كما قال عنه ناقد لامع مرة. فآلامهم تلك ذاتها هي ما كان يحملها في جسده على الاقل منذ عام 1979 عندما اعتقل وتعرض الى التعذيب وظل يعاني من ضعف السمع نتيجة الضرب المبرح في السجون البعثية.

اللقطة المباشرة هي النافذة المبدئية لرسام الكاريكاتير، لكن اللقطة المباشرة هي عملية معقدة الابعاد عندما يتعلق الامر بفنان عميق الألم كمؤيد نعمة. وهو بهذا اقرب الى مغامرة ناجي العلي: فنان تشكيلي كبير وملتزم ويساري دفعة واحدة، لذا فهو يتخلى تلقائيا عن اي قضية عابرة لصالح قضية واحدة تغدو المحور في العمل الفني، لأنه جعلها محور قضية حياته الواضحة والدقيقة بذاتها. وكما هي فلسطين لدى ناجي العلي فانها العراق لدى مؤيد نعمة: "ما افكر به هو ان اكون قريبا من احداث بلدي لأن معاناة العراق كبيرة وقد أخذت حصة كبيرة من تفكيري" قال مرة، مضيفا "ان اعمالي بالذات ابتعدت عن حدود اللوحات واتجهت نحو السخرية السوداء. ولأني اعتدت ان اغرف من بحور الثقافة والمواجهات الحقيقية مع الواقع لنقل ما يتعرض له الانسان المضطهد". لكن فلسطين كانت هي ايضا تعيش مع مؤيد الذي اقتحم عالم الكاريكاتير العراقي في ايام حرب حزيران عام 1967، برسم يمثل الرئيس الامريكي الاسبق جونسون، وهو يرفع بدل شعلة تمثال الحرية الامريكي الشهير قنبلة "نابالم" من تلك التي كانت اسرائيل قد استخدمتها في الحرب المذكورة ضد العرب.

هذا التوجه الواعي الطوعي والثابت لتبني السخرية السوداء منهجا فنيا هو تحديدا ما يمنح مؤيد نعمة موقع الريادة في فن الكاريكاتير العراقي الذي لم يعرف مبدعا هكذا من قبل برغم عدد مهم من الفنانين الكبار الذين عرفهم قبله ليس مصطفى ابو طبرة وغازي وبسام فرج الا أشهرهم. فمؤيد نعمة كان الفنان العراقي الاول الذي جعل ثلاثي الفكرة والمهارة والجرأة اللاتجارية في العمل الفني معياره الوحيد في العمل ودون مساومة تذكر.

ففي العراق، والعالم العربي كله في الواقع، لم ير هذا الفن النور الا بعد الافلاس المبارك للنظام الشمولي القمعي الناصري ونسخه الشوهاء في العراق وسوريا وليبيا واليمن، برغم ان هذا الفن كان قد سجل ولادته الفعلية كفن اوربي في القرن الثامن عشر (عبر رسوم الانجليزي هوغارت الذي رسم في 1730 اول المشاهد السياسية كاريكاتيريا معطيا الفن هويته الابداعية الخاصة وكذلك عبر اعمال رولاندسن وجيلراي وغريشانك وهيلث، ومع ولادة جريدة "كاريكاتور" في فرنسا كأول صحيفة كاريكاتيرية بمشاركة عدد من كبار رسامي الكاريكاتير آنئذ ومنهم غوستاف دورا ودوميي وشام وغيرهم) قبل ان يبلغ في نهاية القرن العشرين عصره الذهبي الفعلي عالميا.

ورغم أن صاحب مجلة "المؤرخ" العراقية رؤوف عيسى أكد في مقال له نشر في مجلة "النجم" عام 1934 أن ظهور رسوم الكاريكاتير في العراق كان أسبق من ظهورها في مصر وبلاد الشام مشيرا الى نشر رسوم كاريكاتيرية عديدة في جريدة "جورنال العراق" التي اصدرها الوالي داوود باشا عام 1816 في بغداد كأول جريدة في المنطقة، فاننا نعتقد بأن تطور هذا الفن كان اسرع في مصر ولبنان بفضل تطور الطباعة والنشر فيهما باعتبارهما من لوازم ايصال الرسوم المطبوعة ومنها الكاريكاتير كما نعتقد بوجوب اعتبار مطلع الستينات كتاريخ لظهور اول رسام عراقي يعتمد فن الكاريكاتير حصرا في التعبير عن افكار او مطالب اجتماعية او سياسية او ثقافية. فلقد كان هناك رسامو أمثال شعبية وطرائف للترفيه مهدوا وحسب لفن الكاريكاتير لدينا الذي استفاد في ولادته من محاكاة فناني كاريكاتير غربيين أكثر من استفادته من الرسامين العرب الذين، باستثناء قلة قليلة، كناجي العلي في فلسطين ويوسف عبدلكي في سوريا، كانوا اجمالا اما من رسامي الحكايات شعبية والنوادر الاجتماعية او من مروجي المواقف الاعلامية والسياسية لهذه الحكومة او تلك مقابل أجر هو الهدف الحقيقي وليس الفن.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عبد الكريم قاسم في آخر مقابلة صحفية
- من اللاهوت الى الايديولوجيا : فلاسفة الأنوار والإسلام
- الثقافة الأمريكية في خدمة التجار
- كاظم السماوي.. شيخ المنافي وشاعر الأممية الصافية
- تهافت المشروع البعثي للتطور (1968-2003)
- هل عرف البابليون الفلسفة؟
- الهندية – طويريج : بيتنا وبستان بابل
- علي الوردي والمنطق الجدلي
- لغة الضاد حين نخذلها..
- محنة «النهضة» و «الاصلاح» و «التنوير» بالعربية...
- قناة فضائية عراقية طليعية حاجة عاجلة
- هيغل وأهل الحلة!
- أحمد أمير – بيوغرافيا حميمة
- العراق بين احتلالين: 11 آذار 1917 - 9 نيسان 2003
- المثقف بين الحلم وخيانة الذات
- حلبجه 88
- مئات القتلى في حرائق سجون عربية وشكوك حول الروايات الرسمية
- الايام...
- رحيل عبد الرحمن منيف روائي الصحارى المتخيلة
- الديمقراطية الدستورية في العراق وهشاشة التأسيس


المزيد.....




- كل شيء عن الترحيل والتصاريح القنصلية والتأشيرات .. الهجرة بي ...
- الفنان توفيق عبد الحميد يكشف تطورات حالته الصحية
- أمازون تطلق روبوتا على هيئة كلب يمكنه القيام بالواجبات المنز ...
- سجل قبل 51 عاما.. بيع شريط كاسيت نادر لجون لينون في مزاد بـ5 ...
- وزارة الثقافة التركية تصدر بيانا حول كتاب للطهي ألفته زوجة أ ...
- بيع شريط كاسيت بمبلغ 58 ألف دولار.. ما قصته؟ 
- تحالف رباعي يقود التجمعي الطاهر اليوسفي لرئاسة مقاطعة الحي ا ...
- تركيا.. اكتشاف أقدم فسيفساء في منطقة البحر المتوسط
- انتخاب سعيد الناصري عن حزب البام رئيس مجلس عمالة الدار البيض ...
- إصابة الفنان محمود قابيل بفيروس كورونا


المزيد.....

- كتاب: بيان الفرودس المحتمل / عبد عنبتاوي
- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين الهنداوي - في ذكرى فنان العراق الخالد مؤيد نعمة