أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين الهنداوي - كاظم السماوي.. شيخ المنافي وشاعر الأممية الصافية















المزيد.....

كاظم السماوي.. شيخ المنافي وشاعر الأممية الصافية


حسين الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 2902 - 2010 / 1 / 29 - 16:22
المحور: الادب والفن
    



منذ ديوانه الأول (أغاني القافلة) المكتوب في أزمنة البراءة والعنفوان، والصادر في بغداد عام 1950، وحتى اللحظة، وكاظم السماوي يتألق متباهياً وأكاد اقول متماهياً مع انسانية حالمة وآسرة في آن، هي رفيق عمره الآخر: عبرها تسامى، ومن اجلها تناثر، وبها اسمى صحيفته "الانسانية" التي اصدرها في بغداد بعيد ثورة 14 تموز 1958، كما دسها علناً، وغالباً سراً، في كل قصائده تقريباً، مانحاً اياها للرائح والغادي، وللقريب والبعيد ودون مقابل دائماً.

واذا كان الناقد الراحل (ميشال سليمان) رأى في شعر السماوي "رافداً باهر الخصب في نهر الشعر العربي الحديث" فإن من المؤكد لدي انه شاعر تلك الانسانية الصافية الثائرة انما المغدورة، وليس في بعدها العراقي وحده برغم ان هذا البعد كان نطفتها الاولى وظل حاضراً فيها كجوهرها الخفي. والسماوي ايضاً يساري وواقعي وملتزم وكل ذلك بالمدلول العريق وأكاد اقول الأول لهذا المعاني. وتحت ضوء هذه الخاصية وحدها احياناً، ينبغي في رأينا قراءة معظم وربما كل قصائده، اذا اردنا استكناه اسرارها وإصراره على العطاء.
فهذا الشاعر الحالم مبكراً "بالقمم المغسولة بالشمس" يندر ان لا يتقاطع قارئه في لحظة او اخرى سواء في قصيدة من قصائده التي تتمدد على تباريح نصف قرن، او موقف او وقفة في منفى من المنافي التي لم تعد تحصى بيسر، مع رموز غاية في التنوع والتناثر والتنائي الا انها تتقاطع بل تتداخل دائماً عبر عمقها الانساني المسكون بالامل الواثق ظاهرياً انما القلق في مكان او لحظة منه. ويكفي ان اذكر من ديوانه الاول وحده اسماء جعفر ابو التمن وبول روبنسن والشاعر الزنجي الاميريكي ماك كربا وبرنادشو والمعري وكارل ماركس فيما تجسدت في مجموعته الاخيرة هذه باقة تضم (عروة بن الورد) و(علي فودة) و (حلبجة) و(عطشان الازيرجاوي) وشهداء قصر النهاية و(حسن السريع) وكردستان "وردة النار الخالدة".
هذا الهاجس، وهذا الوفاء، كان قد تأكد سلفاً وترهّف انما تسيس اكثر في ديوانه الثاني "الى الامام ابدا"، الصادر في بيروت عام 1954، والثالث "الحرب والسلم" ثم في "رياح هانوي" و"الى اللقاء في منفى آخر"، و" قصائد للرصاص.. قصائد للمطر" حيث الرصافي وبيروت والشاعر الزنجي جوزيف نورث وحمالو ارصفة الموانىء الامريكيون وديان بيان فو والشرق الاحمر وهانوي وبكين، هي الرموز التي تقاسمت الهواجس لديه انما مناصفة، كما دائماً، مع العراق الذي لئن صار محض طيف، كان في غياهب الدخيلة كل شيء ومركز النبض ساعة الحساب الحقيقي لدى كاظم السماوي الذي ظل ينوّع ويزهّر رموزه الانسانية ببهجة مدافة بخيط من الحزن عميق هو ايضاً ومرير في زوايا منه.
ذلك لان نزفاً ثراً وجسيماً الى هذا الحد يخفي اخاديد غائرة، واي أخاديد، وأي اوردة تلك التي تختزن كل هذا العمر من التغربات والمنافي الخارجية والداخلية والاغبرة والانكسارات لهذا الشاعر الذي كتب له وعليه مرة بعد اخرى ان يرى بيته يحترق... واي احتراق.
وطن من رماد
لم يعد قبلة للاساطير، موقداً للسنا، وآيات نار
تلمست وجهي ولم يك وجهي
مرايا السلاطين ملء الزمان...
ملء المكان
في (فصول الريح ورحيل الغريب) الاوردة هي ذاتها من سيشتعل هذه المرة في فاجعة "رحيل الحلم"... وهل من فاجعة يمكن ان تنهش القلب اربا اربا كرحيل ابنه نصير:
هد حيلي مصابك الجلل
كيف اقوى وثقله.. جبل...
اهو العدل مسه الخبل
ان اطيل ثوى وترتحل...
جئت حلما ورحت حلما،
رفيفا،
جرحك الجرح
كيف يندمل؟
هكذا كان رهيبا مشهد فقدان فلذة الروح لكن، وكليث بلا عرين يكابر كاظم السماوي مشاطراً الريح براءتها وقلقها المكتوم ولا اباليتها الابدية وبهجتها ايضاً، مهما كانت هذه ناضبة وعابرة. و"ملقى وراء الليل" محروماً من وطن صار مسوراً على ابنائه بالحراب، ورافضاً مهادنة انظمة ذئاب وامميات مخابرات وجبهات ذليلة ظل السماوي يتفرى الدروب هائماً بضميمته الاولى، العراق، وبـ "اصداء حلم نرممه كل يوم" متلفعاً طواعية بجرح "انعكاس المرايا وموت المناشير والثورة العاقرة.."
غامت بعينيك الديار
لم يبق منها – يا رحيل – سوى الغبار
سوى ظلال انكسار
نصحو على السكين في اعناقنا نغدو
ونكسر كالحجار
يقينا، ثمة استمرارية ووحدة داخلية مدهشة بين كل مجموعات كاظم السماوي الشعرية تعبر عنها نزعتها الانسانية، نصف العفوية، المستوحاة والتي تعبر عن نفسها في جملة من الخصال ليس ما تقدم الا جزءا منها، ولا اهادن، مجموعته الشعرية الجديدة هذه تحمل كل هذه الخصال دفعة واحدة ومن جديد، لكنها تحمل خلسة، وكالحفيف، حكمة شيخ انتمى ابدا الى الحلم والى الحياة:
شجراً لرملكم طويت العمر
ما رسمت خطاي .. سوى خطاي
لم تنطفىء جمرات حلمي
يا سواي .. ولم يكن يوماً..
سواي
وطن؟
ومذ خمسين عاماً كان لي وطن
ومذ خمسين عاما كان لي منفى
وما اغترب الزمان
الريح بعدكمُ تلمّ غباركمُ...
وما انطفأ السراج
لعل شظايا القلب هي ما يتطاير هنا متسللا من بين ما يشبه الصخور، متلوياً من شدة غربته، انما ايضاً من وطأة وغلاظة اعوام تنوء بأعباء خمسة وخمسين هجيراً ولا يزال يغريها التراكم والتمدد وكما الى الابد..
ها انت مرتحل .. وكم هاجرت
يا لله كم دال الزمان.. وكم تهاجر
ماذا تبقى من لهاث العمر يا شيخ المنافي
الليل يطفىء نجمه،
الطرقات موحشة...
وليل الصمت... ملح
لكن ليالي المنافي ستغدو اكثر عتمة من الملح ومحض غبار حينما رحلت والى الابد بغتة، رفيقة العمر والدرب الطويل هذه المرة، وفي غبش اسود وتحت سماء غريبة:
لم يبق
غير صدى يمور وينطفىء .. نأت الديار
راحت رسائلنا وعادت للغبار...
من الغبار
الكون منكسر وكان الوهم يوماً... ان نعود
منديلك الفضي فاتحة النهار لم ترحلين...؟
العراق، الفرات، الثورة، السماوة، الابن، الزوجة، العائلة، الشعب... كل منها يأخذ مكانه الخالد والرحيب والمشمس في صدر هذا الشاعر، انما كشجوج عميقة خاصة وكصلبان محمولة على كاهل لا يريد ان يتطأطـأ مهما تنادت على ثنية غادرات السنين، وقد تعصف الريح مقبلة او مدبرة لا فرق: فما انت.. ان لم تمت واقفاً، بيد ان للألم غروره في لحظات الشدة:
انا ان خسرت العمر لم أخسر خطاي
حاصرت منتفضاً حصاري
ليس من احد سواي
فأنا التوازن والتناقض والمصير
وانا خطاي
لا فسحة ابدا للهزيمة اذا، لدى هذا الشيخ الذي لم تعد له من الذكريات سوى الانهر اليابسة، وسوى زهرة من حجر، وقوارب مهجورة.. غادرتها الرياح ولا فسحة للنحيب.. انما، والى جوار القطب الاعلى للكون، الى المحيطات الشمالية المتجلدة في السويد، سيحمل هذا الجنوبي الاصل والفصل حطام نيازكه بانيا منها منفى يحمي فيه وحدته:
وحدي اهوّم في سهوب الارض
يا وحدي..
تمر بي الوجوه وتختفي
وتجوس بي الاصداء عابرة
ولا تفضي الى قمر يضوي الليل
يا وحدي.. ويسكنني الصدى
ويعود بي برد الجدار..
الى الجدار
ووجها لوجه مع الريح ، و"بين سماء وارض خاوية الصدى"، ومع حقيبة هي "وطني المهاجر في الحقيبة"، ثمة حبل سري يظل يشد كاظم السماوي الى تلك الانسانية الحالمة الاولى التي لا ترى بوصلته سواها في لحظات رقاد الرياح، كما لو انها الملاذ الاول، والملاذ الاخير، والملاذ الوحيد دائماً... و(عروة بن الورد) هو الرمز بداهة هنا، بيد ان جاهلياً آخر تخطى زمانه كعروة، النابغة الذبياني، السِّماوي الآخر، هو الاقرب في رثاء الحال:
تصبرت حتى مل من صبرك الصبر
فماذا يقول الشعر لو هدر الشعر
ومن انتم؟ مر الزمان وانتم،
سراب ولا ماء، وشوك ولا زهر
واعلم اني من بلاد عتت بها شراذم لا فرع لديها ولا جذر
ويالك عملاقا تخطى زمانه
كما يتخطى في مشارفه النسر
هذه النبرة التي تذكرنا بوادي السماوة ورمل مفازاتها الذهبي، لم تفارق ايا من مجموعاته الشعرية الكثيرة، جاعلة من هذا الشاعر بين ابرز شعراء القصيدة العمودية العراقيين في النصف الثاني من القرن العشرين، الى جانب طاقاته الشعرية الاخرى، الا انها تتوازى مع معطى رفيع آخر في شعره، يتمثل في ذلك التعاطف التلقائي بل الانتماء الذي يأخذ شكل غناء شبه فطري وجارف في الدفاع عن الامة الكردية المضطهدة انما المقاومة، مما يميز بين نظرائه هذا الشاعر العربي المعلن انتماؤه من قبل لثورات الجزائر وفلسطين وظفار والعشرين والقرامطة والزنج.
كوردستان
مر العمر والايام غاربة
ومذ خمسين عاما كنت عاشقك المتيم
كنت لي من غير ان تدرين...
ولو اني ولدت وعشت ثانية
لكان اسمي على الايام.... كوردستان
نعم، "شاعر القافلة الانسانية" كاظم السماوي، كما اطلق عليه اللبناني الراحل (محمد شرارة) في 1955. مستقبلاً مجموعته الاولى "أغاني القافلة" ولقد ظل وفياً لانتمائه الاول ذاك، هو المجايل للسياب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وهو المواكب لمظفر النواب وسعدي يوسف، لكن المتجه بحرية منذ ومضته الاولى الى اعتناق ارادة جماعية، متطلعة وحالمة وفردية وهذا لا شك به، الا انها جماعية بكل مساماتها كما هي ثورية، بينما كان هؤلاء بحماسة عفوية وتطلع مماثلين متجهين بحرية ايضاً لاعتناق تفرادتهم المباشرة، وهذا تحديداً ما سيصنع خصوصياتهم التأسيسية كاعتناقات عفوية متغايرة، انجبت جماليات متضادة غالباً، ميزت كلا من التوجهين منذ البدء رغم اوجه التقاطع العديدة الخفية منها والظاهرة التي انتمى لها جميع شعراء ذلك الجيل السخي نفسه.
وهذه المجموعة الشعرية الجديدة تأتي لتؤكد تجربة شعرية متميزة ومكتملة وموقفاً لم يتردد شيخ المنافي وشاعر الانسانية العراقية الصافية كاظم السماوي في دفع ثمنه باهضاً وكاملاً وما يزال مواصلاً اصرارا رائعاً على الوفاء والعطاء.

(*) مقدمة لمجموعة شعرية جديدة ستصدر قريبا للشاعر العراقي كاظم السماوي.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تهافت المشروع البعثي للتطور (1968-2003)
- هل عرف البابليون الفلسفة؟
- الهندية – طويريج : بيتنا وبستان بابل
- علي الوردي والمنطق الجدلي
- لغة الضاد حين نخذلها..
- محنة «النهضة» و «الاصلاح» و «التنوير» بالعربية...
- قناة فضائية عراقية طليعية حاجة عاجلة
- هيغل وأهل الحلة!
- أحمد أمير – بيوغرافيا حميمة
- العراق بين احتلالين: 11 آذار 1917 - 9 نيسان 2003
- المثقف بين الحلم وخيانة الذات
- حلبجه 88
- مئات القتلى في حرائق سجون عربية وشكوك حول الروايات الرسمية
- الايام...
- رحيل عبد الرحمن منيف روائي الصحارى المتخيلة
- الديمقراطية الدستورية في العراق وهشاشة التأسيس
- العراق واوهام العرش الفارغ الاحرى بالعراقيين استلهام النظم ا ...
- وجها لوجه مع قوات الاحتلال الامريكية في العراق
- الفلسفة ليست غير الحرية في تعريفها الاول والاخير والاسمى
- اوليفيه روا: -عولمة الاسلام- تجري بسرعة وكذلك فشل الاصولية


المزيد.....




- عبد الستار بكر النعيمي يصدر ديوان -معبد الشوق-
- مخطوطة إسلامية نادرة تحتوي على أول تشريح لجسم الإنسان
- صدور ترجمة رواية -زمن عصيب- لماريو بارجاس يوسا
- مهرجان افريقيا .. حكايات وإبداعات ثقافية وفنية
- تتويج بطل الدورة الخامسة من تحدي القراءة العربي غداً
- يوسف كومونياكا يفوز بجائزة هربرت الأدبية
- الفنان المصري حسن شاكوش: نجوم مصر كلهم شغالين بفلاشة
- بالإجماع.. عبد الله العلام رئيسا لجماعة تانوغة
- البام يظفر برئاسة جماعة سيدي دحمان بعد انسحاب حزب الاستقلال ...
- الحسن المراش يفوز برئاسة أورير بأكادير ويعيد للأحرار قلعتهم ...


المزيد.....

- أخْفِ الأجراس في الأعشاش - مئة مِن قصائدي / مبارك وساط
- رواية هدى والتينة: الفاتحة / حسن ميّ النوراني
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها / فاضل خليل
- مسْرحة دوستويفسكي - المسرح بين السحر والمشهدية / علي ماجد شبو
- عشاق أفنيون - إلزا تريوليه ( النص كاملا ) / سعيد العليمى
- الثورة على العالم / السعيد عبدالغني
- القدال ما مات، عايش مع الثوار... / جابر حسين
- في ( المونودراما ) و ما تيسر من تاريخها ... / فاضل خليل
- علي السوريّ-الحب بالأزرق- / لمى محمد
- أهمية الثقافة و الديمقراطية في تطوير وعي الإنسان العراقي [ال ... / فاضل خليل


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين الهنداوي - كاظم السماوي.. شيخ المنافي وشاعر الأممية الصافية