أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين الهنداوي - من اللاهوت الى الايديولوجيا : فلاسفة الأنوار والإسلام















المزيد.....



من اللاهوت الى الايديولوجيا : فلاسفة الأنوار والإسلام


حسين الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 3163 - 2010 / 10 / 23 - 11:47
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة

د. حسين الهنداوي

يجمع مؤرخو الفلسفة الغربية الحديثة على موضعة فترة ما يعرف بـ «فلسفة الأنوار» في حدود القرن الثامن عشر، وبشكل أدق في المسافة الزمنية الممتدة ما بين 1670 وقيام الثورة الفرنسية في 1789، التي يصطلحون على اعتبارها «بنت» «فلسفة الأنوار».

كما يتفقون على ان فرنسا والمانيا، مع اعطاء الاولى مكانة اكبر نسبياً، هما الوطن المشترك لولادة وازدهار تلك الفلسفة. فبالرغم من ان افكارها او بعضها وجدت اصداء وحضوراً في عموم اوربا تلك، من الجزر البريطانية الى روسيا القيصرية، بدرجات متباينة من الاصالة والقوة، بيد ان فرنسا والمانيا، وبشكل أضأل انجلترا، كانت نطاقها الأكثر خصباً وحيوية على صعيد ثراء العطاء النظري كما على صعيد التأثيرات الفعلية.

وتتمثل « «فلسفة الأنوار» » جوهرياً بتيار فكري جديد ومتمرد، تملكته كلياً نزعة عقلية ونقدية كونية انسانية، اخذت لديه مكانة معيار مطلق الصدق ووحيد. الامر الذي قاده الى اعلان تبنّيه الجريء لموضوعة ان “الفكر ينبغي ان يكون حراً مهماً كانت النتائج”. من هنا ولدت حتمية تصادمه العنيف احياناً مع سلطة الكنيسة في مجال المعرفة والاخلاق، ومع استبداد تحالف النبالة- الاقطاع في مجال السياسة والحقوق. فلقد شُغفت حركة الانوار بمغامرة السعي لإستئصال أي عقيدة دوغمائية وأيّ يقين قِيَمي موروث مهما كانت الشرعية او المصداقية التي يستندان اليها والشكل التاريخي الذي يتلبسانه، كما لو ان هذا الإستئصال بدا، في المحصلة الاخيرة، الطريق الوحيد لتحرير الإنسان من الأحكام الجاهزة والقناعات الثابتة والقيم الاعتباطية والعبودية الفكرية والسياسية بشكل عام، و«الطريق الوحيد نحو المجد الحقيقي» كما قال ارنست كاسيرر في كتاب له عن "فلسفة الانوار".

ومع ذلك فان حركة الانوار لم تطمح ابداً ان تكون مجرد حركة هدّامة او متمردة. انما ارادت ايضاً، بل خصوصاً، ان تقيم على انقاض ما تهدمه، صرحاً جديداً من المفاهيم والقيم الواقعية والسامية في آن، معتقدة ان الانسان بانعتاقه من اسر ومحدودية الافكار الجامدة الموروثة، سينطلق نحو امتلاك وعي انساني وكوني حقاً.

بلاشك ان انبثاق «فلسفة الانوار» اقترن تاريخياً وجغرافياً بولادة البرجوازية الليبرالية كقوة اجتماعية جديدة وصاعدة عبرت هذه الفلسفة الى هذا الحد او ذاك عن طموحاتها الذاتية، المحلية والعالمية، التي ما كان لها ان تتحقق دونما تحرير المؤسسات والرؤوس من الاغلال التقليدية التي صمدت لقرون طويلة على شكل يقائن مطلقة، ومقدسة احياناً، الامر الذي فرض تبعاً حصول ذلك الحدث السياسي الكبير المتجسد بالثورة البرجوازية الفرنسية. غير انه من التعسف بالمقابل، تحجيم «فلسفة الانوار» لتصبح مجرد حركة اجتماعية او اقتصادية او محض غطاء ايديولوجي لهذه الحركة او تلك، مهما كانت عظيمة الاهمية من وجهة نظر التاريخ الفعلي. انما لابد كذلك من الاعتراف ببعدها الجوهري الآخر، الابستمولوجي، الذي يقف وراء حصول ذلك الحدث الأعظم اهميةً لدينا من الثورة الفرنسية، بما لا يقاس، والمتمثل في احلال قطيعة جذرية داخل الفكر الاوربي بين «القديم» و«الحديث» على صعيد القيم المعرفية.

فعبر إحلالها العقل محل الوحي، والاستفهام محل الايمان، والحرية والتسامح محل العبودية والتعصب، مثّلت «فلسفة الانوار» ثورة كبرى ضد مزاعم الحق المقدس، الالهي او الوضعي، في تجاوز سيادة العقل او في تكبيل نزوعه نحو الحرية والكونية والحقيقة. ثورة لولا انتصارها لما امكن لأوربا ان تنتقل من عهد المسلمات الراكدة الى عهدها كـ «عالم حديث».

ان تطور الموقف الغربي من الثقافات الانسانية الاخرى يندرج في هذا الاطار كلياً برأينا. فبفضل الروحية الجديدة التي اشاعتها «فلسفة الانوار»، وبفضلها اساساً، بدأ المفكر الاوربي (الفرنسي والالماني خاصة)، يشعر بالتحرر من الموروث اللاهوتي- السياسي- المعرفي المتعلق بالحضارات الاخرى لاسيما الشرقية منها. ففي القرن الثامن عشر، «كانت شعوب الشرق هي من يجتذب الاهتمام مطالبة لثقافاتها الدينية بحق بالمساواة». فطوال عصر الانوار كان الاهتمام بالشرق والسعي للدفاع عن كامل حقوقه في اخذ مكانة مركزية لائقة في التاريخ الكوني، يقترنان دائماً بسجال نقدي عنيف ضد المعتقدات المسيحية وتبعياتها وانعكاساتها على القيم الاخلاقية والمفاهيم السياسية والآداب والفنون والعلوم، الى الحد الذي اعلن فيه مفكرون غربيون عديدون اصرارهم الشديد على ضرورة شطب مصداقية مجمل الأحداث التاريخية المؤسسة على نصوص "الكتاب المقدس"، واستبدالها بأخرى مؤسسة على المدونات البابلية او المصرية او الحوليات الصينية او كلها معاً. كما عمل آخرون على اثبات ايجابيات استقلال الاخلاق عن العقيدة الدينية المسيحية عبر التذكير ببساطة ونقاء الاخلاق الكونفوشيوسية او بطبيعة وبراءة قيم البادية العربية مثلاً.

كما غدت الاستعانة بالشرق والعودة الى عطاءاته الحضارية المختلفة، وسيلة مثلى لدى مفكري الانوار لدحض مفهوم الكنيسة الذي كان يبدو مطلق الصدق والقائل بأن المسيحية هي الدين الحقيقي الوحيد، وكذلك لتفنيد مزاعم الملكيات الاوربية المطلقة، بوربونية او غيرها، بانها انظمة الحكم الاسمى. لذا لم يعد نادراً نعت هذا الطقس الكاثوليكي او ذاك بالسوء او الافراط في القسوة او الفجاجة، ولم يعد غريباً اجراء المقارنة بين البشاعات والمظالم المنسوبة عادة الى «المستبد الشرقي» وبين ما يماثلها من بشاعات ومظالم في هذه او تلك من الملكيات المطلقة، لكن المسيحية جداً، في اوروبا.

من جهة اخرى كانت فكرة المساواة المطلقة بين البشر من الافكار الاساسية التي قامت عليها وبشرت بها «فلسفة الانوار»، داعمة اياها بمذهب ما سمي بـ«الدين الطبيعي» الذي يرى ان هناك ديناً اصلياً انبثقت منه كافة الديانات المعروفة في تاريخ الانسان بما فيها الديانات الكبرى كاليهودية والمسيحية والاسلام. وعليه فـ«اليهود والمسيحيون والمسلمون والوثنيون.. هم جميعاً ليسوا الا اتباع ديانات تفرعت او انشقت او انحرفت عن ذلك الدين الطبيعي الاول».

هذه هي بكلمة الأسس والظروف التي استندت لها «فلسفة الانوار» في معركتها للإطاحة بواحدة من أهم المسلّمات المقدسة في الفكر المسيحي التقليدي، ونقصد موقفه من الاديان الاخرى. لكن الاسلام خاصة كان وبامتيازٍ الدين الاجنبي الذي تمحورت حوله تلك المعركة اكثر من غيره لسببين رئيسيين هما قوة وسعة الاواصر الروحية والثقافية بين العالمين الغربي المسيحي والشرقي الاسلامي رغم حدة التصادم بينهما من جهة، والحضور الفعلي، المتواصل والحيوي، للإسلام في الحياة الاوربية، الفكرية والسياسية وغيرها، من خلال وجود الامبراطورية العثمانية التي، اذا كانت قد تخلت نهائياً عن غزو المانيا منذ فشل حصارها الاخير لفينّا في 1683، فانها ظلت السيد المطلق في بلاد البلقان والشرق الأدنى، وامتلكت شبكة مهمة من العلاقات الدبلوماسية والتجارية والثقافية مع دول غربية مهمة كفرنسا مثلاً.

بكلمة أخرى لم يكن الاسلام ديناً مجهولاً او غريباً بالنسبة لمفكري الانوار، انما كان، الى جانب اليهودية، معروفاً بشكل جيد نسبياً على صعيدي عقائده الاساسية وتاريخه العام.

بيد ان هناك سبباً اخر لعب دورا لا يقل اهمية في دفع مفكري الانوار الى اختيار الاسلام اداة في صراعهم ضد الكنيسة، وهو متانة وعراقة التراث الفكري- اللاهوتي الذي دأبت الاخيرة على ترويجه ضد الاسلام. لذا وقبل معرفة حجم وابعاد جهد الانوار لتدمير ذلك التراث لا مناص من تكوين فكرة عامة عن عناصره الجوهرية والمحطات الكبرى في صيرورته، مركزين هنا على مضمونه الفكري وحده.

وباختصار شديد، لئن كان المنظور المسيحي التقليدي حول الديانة اليهودية قد تأسس منذ البدء على عدد من النصوص التي وردت في «العهد الجديد» من «الكتاب المقدس»، فان الامر يختلف كلياً فيما يتعلق بمنظورها حول الاسلام. وذلك بداهة لأن الاخير لم يدخل العالم الا بعد ما ينيف على ستة قرون بعد انتقال المسيح منه، وبعد ثلاثة قرون من انتصار ديانته بشكل ساحق على الوثنية الاغريقية- الرومانية وتتويجها الظافر ديانة رسمية وحيدة للامبراطورية الرومانية. اذن، ليس في النصوص المقدسة للاناجيل انما في كتابات المفكرين واللاهوتين لما بعد القرن السادس، ينبغي البحث عن جنين التصورات المسيحية اللاحقة حول ظاهرة الاسلام كدين جديد. فلقد كان ينبغي مضيّ زمن طويل كي تتبلور اولى ردود الفعل الفكرية في هذا الصدد. وساهم في ذلك التريث، او العجز برأينا عدد من العوامل الموضوعية والتاريخية المهمة التي اقترنت بتلك الآونة من القرن السابع الميلادي.

يتمثل العامل الاول في كونه شبه جزيرة العرب، مهبط الديانة الجديدة، لم تكن تتمتع بأهمية استراتيجية تذكر في نظر ساسة الامبراطورية الرومانية، كما لم تكن تمثل اغراء انياً في حسابات زعماء الكنيسة. انما بدت في احسن الاحوال مجرد قطعة صحراء نائية وعرة تفصل بين عالمها وبين عالم عدوها المنافس، والقوي بعد، المتجسد بالامبراطورية الساسانية. صحيح جداً ان الرومان لم يتخلوا نهائياً عن همومهم القديم بوضع المناطق الجنوبية والغربية من جزيرة العرب تحت سيطرتهم المباشرة بهدف ضمان سلامة طرق تجارتهم مع الهند («طريق الحرير والعطور»)، وتعزيز هيمنتهم على البحر الاحمر وسواحله الافريقية التابعة لهم من مصر الى الحبشة، لكن انشغالهم في الحروب ضد الساسانيين من جهة الشرق وضد القبائل الوثنية الجرمانية من جهة الشمال، ارغمهم على تأجيل ذلك الطموح بانتظار فرصة افضل، مدركين سلفاً ربما الصعوبات والاخطار التي واجهت الاسكندر المقدوني امام القبائل العربية. لذلك لم يجد الرومان في السابق حاجة لارسال اعداد مهمة من قواتهم لترابط في المنطقة مقتصرين على قوات صغيرة لحماية طرق التجارة فيها.

نستنتج اذن، ومثلما هو الحال بالنسبة للامبراطورية الساسانية، تصرفت الامبراطورية الرومانية بلا ادنى اهتمام عسكري ازاء العرب. كما ان الحقيقة الفعلية آذاك تشير ان تلك الصحراء المنكفئة والقاسية حتى على نفسها والمعزولة نسبياً عن العالم الخارجي المحيط بها، كانت مواطن قبائل بدوية كثيرة العدد تمتلك انماطاً بسيطة من الحضارة وعقيدة وثنية شبه بدائية، وتعيش تاريخياً من التدمير الذاتي المتواصل في حروب محلية ونزاعات طاحنة لا تنتهي في ما بينها، وغزوات لا تبقي على شيء، وكل ذلك من اجل مجرد العيش لا اكثر، الى درجة لم تجد معها الامبراطوريتان الرومانية والساسانية حتى ضرورة معرفة ما يجري هناك من تطورات واحداث مقتصرتين في معرفة العرب وجزيرتهم على القليل من النتف الغامضة والمتضاربة التي سجلها المؤرخون القدامى كهيرودوت وسواه.

لهذا ربما، وحتى بعد ظهور الاسلام بسنوات عدة وانتشاره السريع في تلك الانحاء، لا يوجد ما يشير الى تكوّن شعور لديهما بالقلق ازاء العرب. وذلك، كما يبدو، لأن لا أحد في الامبراطوريتين كان يتصور امكانية نجاح زعيم محلي ما بتوحيد قبائل على تلك الحالة من التناحر الطاحن والتشتت، ناهيك عن تحويلها الى قوة ضاربة قد تخرج لتهدد وجود اعظم قوتين عسكريتين في العالم القديم.

العامل الثاني هو ان جزيرة العرب كانت تبدو دائماً على هيئة معضلة عويصة في نظر المسيحية الرومانية كمؤسسة روحية وكقوة سياسية على حد سواء. بلا شك ان زعماء الكنيسة سعوا مبكراً الى اجتذاب العرب الى دينهم ونجحوا الى درجة كبيرة في ذلك كما يبدو، حيث عرفت الديانة المسيحية انتشاراً واسعاً بين عدد من القبائل العربية الكبيرة ومنذ القرن الثالث الميلادي. غير ان هذا النجاح لم يكن نهائياً. انما وبعد ان كانوا مصدر قوة لها، سرعان ما انقلب العرب ليصبحوا مصدراً للقلق والمشاكل، منذ ان اصبحت المسيحية، الى حد كبير، اطاراً روحياً خاصاً بالعالم الحضاري الروماني- الاغريقي وحده. فتماهي المسيحية مع الاخير ادى في الواقع، تدريجياً، الى ابتعادها ثقافياً ولاهوتياً ايضاً عن عالمها الاول الشرقي، ثم الى القطيعة والتناقض معه اثر قيامها في 413 باصدار مرسوم يدين كنيسة الشرق المسماة بـ«النسطورية»، متهمة اياها بالانحراف الديني والهرطقة وغيرها من التهم المبشّرة او المصحوبة بموجة واسعة من الاضطهاد والتنكيل. ولانهم «نسطوريون» اجمالاً رفض اولئك المسيحيون العرب الالتحاق بالكنيسة الرومانية الكاثوليكية مما عرضهم الى ذلك العقاب احياناً الامر الذي حوّل القطيعة الى طلاق نهائي.

وتدل الوقائع التاريخية المتوفرة، على ندرتها، ان الديانة اليهودية استطاعت لفترة من الزمن ان تستفيد بشكل ملموس من ذلك الفراغ الديني الحاصل. يؤكد ذلك توسع انتشارها الى درجة التمكن من تأسيس عدة ممالك يهودية في جنوب الجزيرة العربية وفي اليمن خاصة. لكن لوهلة قصيرة جداً من الزمن. اذ ان تلك الممالك ما لبثت ان اضمحلت منذ 510 بفعل عزلتها الجغرافية ومحدودية انفتاحها على غير اليهود، قبل ان تزول من الوجود نهائياً في 525 اثر اندحارها امام حملة عسكرية كبيرة ارسلتها ملوك الحبشة المسيحية التابعة لامبراطورية الرومان لكن هذه القوة المسيحية المنتصرة سرعان ما اندحرت هي كذلك امام مقاومة القبائل العربية في تلك اللحظة نفسها التي اعتقدت فيها الكنيسة ان الفرصة مؤاتية لاعادة نشر ديانتها على الجزيرة وسكانها.

بعد كل هذه الاخفاقات، ربما نستطيع ان نفهم اكثر السبب في ان جزيرة العرب لم تعد تشكل اغزاء يستحق العناء في نظر الكنيسة. يضاف الى هذا واقع ان الامبراطورية الرومانية، والبابوية تالياً، كانتا في غمرة نشوة سلسلة انتصاراتهما الكبيرة على الدولة الساسانية التي حققتها جوستنيان. والتي سمحت لهما بانتزاع مناطق واسعة وغنية بالثروات، الغت بداهة الاهمية الاستراتيجية الضئيلة التي كانت تمتلكها جزية العرب، لاسيما بعد نجاح الرومان في كسب ولاء ملوك الهند واخضاع معظم الدويلات الجرمانية في الشمال وتحويل البحر الابيض المتوسط الى بحيرة مسيحية رومانية لا يهددها شيء بينما يتمركز فيها كل ما هو حيّ ومشتهى في العالم القديم.

بعد كل ما تقدم، نستطيع ان نفهم لماذا شعرت الكنيسة المسيحية بالدهشة امام سرعة واسعة الفتوحات الاسلامية وبالعجز التام عن الصمود بوجهها في الشرق. ويعبر جلياً عن حقيقة تلك الدهشة ذهاب المفكر المسيحي والغربي عموماً الى نعت سرعة تلك الفتوحات بـ«المعجزة». اذ لا شيء كان يعلن آنذاك ان بناء عدة قرون من الحضارة المسيحية المتوسطة هو الآن في طريقه الى الدمار او الانهيار المفاجئ على يد قوة تخرج من جزيرة العرب، بل لا احد يتخيل ذلك قطعاً. كما لا شيء ينذر بان القوة الرومانية العظيمة ستتعرض للهزيمة والكارثة في تلك اللحظة تحديداً من مجدها العسكري الزاهي حيث كانت اساطيلها تمخر عباب المتوسط من ايجة الى مصر وشمال افريقيا ومن سوريا الى ايطاليا وفرنسا واسبانيا فارضة سيادتها المطلقة على كل حركة فيها. كما كان الرومان وحدهم من تعترف به الكنيسة ملكاً على الدنيا.

* * *

صفوة القول اذن، ان ظهور الاسلام هو العامل الحاسم في تقهقر المسيحية وتدمير عالمها المزدهر السابق. بل وهو العامل الجوهري الذي زجها في متاهات القرون الوسطة المعتمة. وهذا على أية حال ما يراه عدد من كبار المفكرين الغربين انفسهم كهنري بيرين الذي لخص رأيه في هذا الصدد بجملة: «لولا محمد لما ولد شارلمان».

بكلمة اخرى، ان الاسلام بقضائه على الامبراطورية الرومانية المسيحية، المتوسطية كلياً قبلئذ، احدث جملة من التغيرات العميقة في خارطة ما يعرف بـ«العالم القديم»، اهمها اثنان رئيسيان. يتمثل الاول في احداث قطيعة حاسمة وشاملة بين الشرق والغرب، انهت وجود ذلك العالم القديم المتوحد حول الابيض المتوسط، بانشطاره فعلياً الى عالمين اثنين، مسيحي واسلامي، يفصل بينهما الابيض المتوسط نفسه فصلاً حاداً، عالمان متضادان في كل شيء ومتصارعان في كل المجالات.

ففي الواقع، ومهما صدقت المبالغة بحجم الانتصارات التي حققها شارلمان ضد المسلمين، ان تلك الانتصارات ظلت مقتصرة على البر الاوربي وحده، وعلى جزء منه فقط اذا توخينا الدقة، نظراً لأنها لم تمتد ادنى امتداد الى المناطق الاخرى، من العالم المسيحي، التي فتحها العرب المسلمون. انما على العكس شهدت هذه المناطق، لاسيما جنوب وشرق المتوسط، نجاح المسلمين في تتبيت وتجذير وجودهم فيها لا العسكري والسياسي حسب بل الديني واللغوي والثقافي ايضاً، مما أدى الى انبثاق عالم حضاري جديد لا علاقة استمرارية له مع الحضارة المتوسطية السابقة على الرغم من انتهاله او استلهامه كثيراً من معطياتها في شتى الميادين وبحرية كاملة.

اما التغيير الرئيسي الآخر، فيتجسد في توفير الضرورة الموضوعية التي دفعت الكنيسة الرومانية الى اللجوء ثم التطابق التام مع القبائل الجرمانية، الوثنية سابقاً، متماهية معها في عالم مسيحي جديد هو الآخر، عالم غربي محض، دخل من جانبه في مرحلة تطور حضاري مغاير تماماً لذلك التطور الذي كانت الحضارة المسيحية السابقة قد عرفته لحد ذلك الوقت، يبدأ مع مطلع القرون الوسطى وينتهي بنهايتها، أي بانبثاق اوربا الحديثة العلمانية والمتوسطية جوهرياً.

لقد كان العرض الذي تقدم ضرورياً جداً برأينا، في التمهيد لفهم ماهية الدور الاستثنائي الذي لعبه فلاسفة الانوار في اغناء المنظور الغربي حول الاسلام وظواهره المختلفة. فهذه الحركة التي استحوذ عليها هاجس تصفية الحساب بالكامل مع مفاهيم القرون الوسطية، كان لا مفر امامها من التصادم بالتركة الفكرية الثقيلة المتجسمة في التصورات المسيحية حول الاسلام والتي امتلكت، لوحدها ربما، تاريخياً معقداً من التطور يوازي الى حد مثير تاريخ الحضارة المسيحية الوسيطة ذاتها منذ مطلعه حتى لحظته الختامية. فعلى الرغم من ان الامبراطورية العربية الاسلامية الكلاسيكية كانت قد انهارت منذ زمن طويل قبل العصر الحديث، ظل الفكر المسيحي الوسيط يصرّ بحيوية مدهشة على تفعيل تصوراته التقليدية عن الاسلام مأخوذاً هذه المرة كـ«اتراك» وكامبراطورية عثمانية دون اعتبار بالمقابل لحقيقة ان تلك الامبراطورية نقلت هوية الثقافة والسياسية فيها من عربية الى تركية وقلبت المعطيات الحضارية رأساً على عقب. بيد ان ذلك المنظور التقليدي لم يمكث على ما كان عليه في المرحلة الاولى من تطوره. انما عرف جملة من التحولات العميقة في خضم سيرورتها مادة هائلة، كمّاً ونوعاً، من العناصر الجديدة اللاهوتية والفكرية وحتى السايكولوجية لم تترك مجالاً يفلت منها رغم انها، وتماماً ككرة الثلج، لم تفارق جوهرها الفعلي الاول ابداً حتى مجيء عصر الانوار. من ناحية اخرى وكما هو الحال في مجال كهذا، تبدو هذه المادة الهائلة اشبه بخزين من الحجج والمواقف، الدينية والعقلية وحتى اللاعقلية، جاهز للتوظيف على الفور ليس ضد الاسلام وحده، كما كان الامر حتى نهاية الحملات الصليبية، بل وضد غيره ايضاً من الاديان الاجنبية او من التيارات والفرق والنخب «المنحرفة» او «المتمردة» او «المخالفة» لكن المسيحية دائماً. فأثناء الحروب الدينية الاوربية، كانت الكاثوليكية والبروتستانتية تتراشقان الادانة فيما بينهما وكل يستخدم ذات الحجج التي كان الفكر المسيحي قد بلورها حيال الاسلام فيما مضى. والاكثر من ذلك هناك، بين زعماء واساقفة الكنيسة الكاثوليكية، من ذهب الى حد اتهام البروتستانتية المسيحية بانها "مجرد فرقة اسلامية". والنموذج الصارخ في هذا المجال قيام البندكتي الانجليزي وليم رينولدز، استاذ اللاهوت في جامعة رانس، بتأليف كتاب في العام 1600 تألف من 1106 صفحات لاثبات انتساب البروتستانتية الى "الديانة المحمدية"! (William Rainolds, Calvino-Turcismus, id est calvinisticae perfidiae cum mahometana collatio).

ولعل التوظيف الاخير لتلك المادة كان سبباً مباشراً في اندفاع عدد من فلاسفة الانوار في نقد ورفض تلك التركة الفكرية الضخمة التي وجدوا انفسهم يصطدمون بها في خضم صراعهم مع الكنيسة لاسيما وانها تتضارب مع معرفتهم المتنامية حول الاسلام. وانها لحقيقة معروفة ان معظم كبار مفكري الانوار ولدوا ونشأوا في عالم الثقافة البروتستانتية وتشبعوا بالكثير من المفاهيم الاخلاقية والسياسية والدينية التي نادت بها الى درجة تسمح لنا بالقول انه لولا ظهور البروتستانتية لما ظهرت «فلسفة الانوار»، على الرغم من تضادهما العنيف في بعض المجالات وعلى الرغم من النقد الجذري الذي وجهته حركة الانوار ضد الدين المسيحي عموماً في مجرى حملات ممثليها على الارث الفكري والسياسي الوسيط.

ومهما يكن الامر، لقد احدثت حركة الانوار، بل مثلت، انقلاباً كبيراً على عالم من الافكار حول الاسلام كان صلباً ومهماً في كل الغرب قبلئذ. وعالم الافكار هذا تأسس بدءا، على شعور الكنيسة المسيحية بفاجعة فقدان عالمها المتوسطي واضطرارها الى اللجوء الى «زاوية من الارض» كما يقول هيغل، مقطوعة بغتة وقسرا عن تاريخها وعن اصولها واماكنها المقدسة في فلسطين. ومذهولة بصدمتها الرهيبة تلك، لم تكن النخبة المثقفة المسيحية، اللاهوتية حصراً آنذاك، ان تمتلك القدرة ولا الوعي ولا المزاج ولا الجرأة ربما، التي تسمح لها بتأمل هادي وعميق للأزمة التي حلت بالعالم المسيحي بسبب ظهور الاسلام، تستطيع من خلاله العثور على تفسير يأخذ بنظر الاعتبار الظروف التاريخية الخاصة بها والاسباب الموضوعية في حصولها. ومن هنا يتأتى اقتصارها آنئذ على اطلاق سيل من الادانات ضد الاسلام خلاصتها اعتبار هذا الدين بدعة خبيثة، وهرطقة من صنع الشيطان اوحى بها لعربي من قريش هدفها القضاء على المسيحية باعتبارها الدين الالهي الحق. وقد عبر هذا التصور عن نفسه باطلاق مفهوم «المسيح المضاد Anthicrist المطور سلفاً في اللاهوت المسيحي ضد العتاة من اعدائه. ففي المرحلة الاولى كانت الادانة والرفض هي موقف اللاهوتين المسيحين الجوهري من الاسلام الذي صار بنظرهم رمزاً للقضايا الكاذبة ورديفا للزيف الى درجة انهم كانوا اذا ارادوا بطلان رأي ما، يقولون «هذا رأي محمدي»!.

اما تفسير كيف تسمح الارادة الالهية بحلول هذا «الدين» «الشيطاني» في العالم الدنيوي، فسيأتي لاحقاً حيث سيعتبر الاسلام بمثابة "غضب الهي" على المسيحيين عقاباً على ابتعادهم عن الكنيسة. فهذا التصور نجده قد استخدم بشكل واسع في الجدل الحاد والادانات المتبادلة بين الكنيسة البزنطية والكنيسة الرومانية، بعد اعتراف هذه بالزعامة السياسية المطلقة لشارمان على المسيحيين، وكل منهما تجعل الاخرى سبباً للغضب الالهي المشار اليه. كما استخدمه لوثر مراراً ضد البابا حيث يرى ان ظهور الاسلام هو «عقاب من الله ضد اخطاء الكنيسة».

بالطبع، كما يرى المؤرخ اللبناني يواكيم مبارك، في تاريخ العلاقات المسيحية- الاسلامية، «ليس هناك حكم لاهوتي حول الاسلام لا يكون هو ايضاً، هو خصوصاً، متأثراً بأحوال تاريخية محددة». بيد ان هذا الاستنتاج يصدق على تطور المفهوم المسيحي حول الاسلام ككل بالقدر الذي ظل مؤسساً على ايمان لاهوتي مسبق تعبر عنه مقولة منسوبة الى المسيح نفسه تنص على «ان جميع الانبياء كانوا انبياء حتى مجيئي. الا انه لا نبي من بعدي أبداً».

هذا اليقين اللاهوتي المسيحي قاد اسقفا سوريا هو يوحنا الدمشقي (655-749) ليكون اول مفكر مسيحي رأى في الاسلام نوعاً من «الهرطقة» ضد المسيحية، اذا ثبت فعلاً ان مؤلفه الموسوم بـ «الهرطقة Haeresibus» الذي كرسه للاسلام موثوق النسب اليه. وعلى أية حال، فان هذه الرؤية التبسيطية ظلت سائدة حتى منتصف القرن الثاني عشر كمحور وحيد للمنظور المسيحي حول الاسلام. فعلى الرغم من ان هذا المنظور سجل تطوراً ملموساً في الاحاطة بالمعتقدات الاسلامية الرئيسية والاعتراف ضمناً بأهمية واصالة المعطيات الفلسفية والفنية والعلمية والحضارية الاخرى كعناصر اساسية في تاريخ العقل الانساني، الا ان الصورة الشعبية واللاهوتية لنبي الاسلام ظلت صورة «ساحر» و«نبي زائف» بينما بدا المسلمون مجرد شعب وثني جاهل كما جاء لدى مؤلف كتاب «اغنية رولاند» المكرس لتمجيد شارلمان. لكن النصف الاخير من القرن الثاني عشر سيشهد ولادة اول منظور رسمي متطور نسبياً يتناول الاسلام كحالة روحية قائمة بذاتها ومتميزة في التاريخ العام للظاهرة الدينية وليس كمجرد هرطقة من وحي الشيطان. ويعود الفضل في المبادرة الى ذلك الى المفكر اللاهوتي المسيحي بطرس الجليل Petrus Venerabilis رئيس «دير كلوني». فبعد طلب تقدم به الى الكنيسة الرومانية يقترح فيه موافقتها على ترجمة القرآن الى اللاتينية بهدف تطوير اساليب دحضه وتفنيده وجعل فحواه في متناول من يريد محاججة المسلمين ونشر المسيحية بينهم، استجابت الزعامة الدينية على مضض لذلك الطلب مما سمح بوجود اول ترجمة للقرآن في الغرب وذلك في 1143. (تم طبعها في 1543 بفضل اللاهوتي السويسري تيودور ببلياندر Th. Bebliander، ضمن حملة بروتستانية واسعة لدحض الاسلام).

ورغم سقم هذه الترجمة وتحميلها المفاهيم الاسلامية محمولات مسيحية بشكل صارخ احياناً، فانها طرحت لأول مرة في العالم المسيحي مشكلة ضرورة المعرفة الدقيقة بهذا الدين من قبل المفكرين واللاهوتيين. بيد ان احدى النتائج المباشرة لجهد بطرس الجليل المذكور، هي ظهور تيار لم يكف عن التنامي والتعمق راح يعلن رغبته بالحوار بين المسيحية والاسلام. وهذه المعرفة المباشرة التي توفرت للاحاطة بفحوى النص القرآني، كشفت لأول مرة عن وجود تماثلات هائلة بين روح الديانتين المسيحية والاسلامية. فعلى العكس من تصور اللاهوتيين المسيحيين سابقاً بأن فكرة المسلمين عن الله تتضمن التجسيم، ها هو النص القرآني صريح في تأكيده على لاجسمانية الذات الالهية. كما كانت دهشتهم عظيمة وهم يكتشفون المكانة المقدسة التي يحتلها المسيح في كتاب المسلمين المقدس ذاته، على العكس من احتقار اليهود له من جهة وعلى الضد من التصورات التي قدمت سابقاً عن عقيدة المسلمين في هذا الشأن.

الى ذلك، جاءت ترجمة المؤلفات الفلسفية لابن سينا وابن رشد والغزالي الى اللاتينية في هذه الفترة لتعمق من هذا الفهم الجديد للاسلام. فاذا كان ابن رشد او ابن سينا تجسيداً للمفكر الاسلامي ورسالته في الفلسفة، اين اذن تلك الهوة او التناقض بين روحي الاسلام والمسيحية مادام مفكرون مسيحيون متنفذون لاهوتيا يستلهمون مناهجهم؟ ولقد ساعد في نكوص هذا التناقض واقع الثراء الكبير الذي تحمله مؤلفات الفلاسفة المسلمين اولئك على صعيدي اللغة الفلسفية والمضامين، المفقودين تماماً لدى المفكر المسيحي في القرن الثاني عشر والثالث عشر. لذلك لم ير توما الاكويني بدا من استخدام لغة ومصطلحات وحجج فلسفية رشدية واسلامية عموماً في رسائله الفلسفية على الرغم من عنف رفضه للاسلام. بل لم يتردد مفكرون مسيحيون كبار آخرون في العودة الى المفكرين المسلمين عند مواجهتهم لمشاكل او قضايا لاهوتية مسيحية. وهذا التطور عمق موضوعياً الميل نحو نظرة ايجابية من العقيدة الاسلامية.

روجيه بيكون كان ربما اول من طرح ضرورة الحوار في التعامل مع المسلمين اذا ارادت المسيحية لنفسها ان تجذبهم الى ايمانها. كما انه اول مفكر مسيحي اقترح اعتبار الاسلام ضمن نفس الدائرة التوحيدية مع اليهودية والمسيحية رغم ايمانه العميق بان المسيحية هي الديانة الالهية الحقيقية الوحيدة.

لكن رايمون لول يتجاوزه في ذلك باعتقاده ان الاسلام اكثر الاديان جميعاً قربا للمسيحية. وهذا ما يفسر اندفاعه الشديد والمبكر لتعلم اللغة العربية التي، اضافة الى تدريسه اياها في الاديرة والمعاهد، كتب بها العديد من مؤلفاته الفلسفية واللاهوتية. وقد بلغ اعجابه وتوافقه مع منظورات المتصوفة المسلمين حداً جعله يؤكد عدم وجود اي اختلاف جوهري بين الايمانين الاسلامي والمسيحي ويكرس سنوات طويلة من حياته داعياً الى استبدال الحروب الصليبية بالحوار بين المسلمين والمسيحيين من اجل «التوحد من جديد»، بل راح يتصل بالبابوات والملوك لاقناعهم بذلك. فقد كتب في مؤلف له: «تعرفت على هؤلاء المفكرين الذين يسمون بـ«الصوفيين» والذين يحظون بمكانة عظيمة لدى المسلمين وغير المسلمين، فوجدتهم ذوي كلام مفعم بالحب وعبارات وجيزة تملأ الانسان بمشاعر النبل والتقوى، وهو تقتفي عرضا ترتفع المدارك بفضله الى أعلى مراتب السمو مقرونة بأعلى درجات التفاني الامر الذي دعاني ان اقتدي بهم» ("كتاب المحب والمحبوب" - باريس 1985).

بيد ان هذا الاتجاه الذي أسسه رايمون لول، وتبعه عليه غيوم بوستل وآخرون في ما بعد، كان اشبه بصرخة في واد عظيم. صحيح جداً، وبقدر كون الاسلام قد كف في تلك الفترة عن ان يشكل خطراً او تهديداً ضد العالم المسيحي، وبمقدار كون فكرة الاستمرار بارسال حملات صليبية مسلحة لم تعد تثير الحماس، فان فهم الاسلام بل والحوار معه هما ما اخذ يتعزز اكثر فاكثر. إلا ان الادانة اللاهوتية لم تخمد قطعاً بل اشتدت استعارا بفضل الصراعات والانشقاقات داخل الكنيسة من جهة وبفضل الاخطار الكامنة التي اخذت تتجلى مع ظهور القوة العثمانية التي كانت قد دخلت مسرح الصراع من جهة الشرق للتو.

وفي كل الاحوال فما دام اللاهوت في خدمة السياسة ومادامت المؤسسة الدينية المتحالفة مع الامراء الاقطاعيين هي من يشرف على الافكار بما فيها الفلسفية، لم يكن لتيار لول في الموقف من الاسلام ان يصمد طويلا. اذ سرعان ما وجد نفسه مدانا بـ«الهرطقة» عبر مرسوم اصدره البابا غريغوار الحادي عشر قضى بحظر مؤلفات هذا الفيلسوف الكاتالاني وتحريم تداولها، قبل ان يسقط هو نفسه، بعد فترة وجيزة، مسجى اثر طعنة قاتلة اعلن انها جاءته على يد «قطاع طرق مسلمين»! وهي تهمة لم يصدقها احد في العالم المسيحي ذاته.

وبرأينا، كان رايمون لول بلاشك المؤسس البعيد، بمعنى ما، لعصر الانوار فيما يتعلق بالنزعة الانسانية الشاملة لديها وايضاً بالموقف من الاسلام. بيد انه كان على هذا المنظور ان يجتاز القرون العجاف العديدة التي فصلت بينهما في تاريخ الفكر الغربي. اذ ان سيرورة هذا الاتجاه الانفتاحي ستنقلب رأساً على عقب مع حدث سقوط القسطنطينية في عام 1456 بأيدي العثمانيين المسلمين. فهذا الحدث، علاوة على هول الجرح المقترن بالاهانة الذي احدثه في وعي العالم المسيحي، فجر حالة من الغضب والشعور بالقلق لديه تشبه الى حد بعيد تلك التي نتجت عن الفتوحات العربية الاسلامية في القرنين السابع والثامن الميلاديين لاسيما وان القوة العسكرية العثمانية لم تتوقف عند احتلال القسطنطينية إلا لفترة وجيزة انما سرعان ما واصلت تقدمها العسكري في اوربا الوسطى قبل ان تحتلها تماماً فيما بعد.

لذا، وابتداء من تاريخ سقوط عاصمة الامبراطورية المسيحية البيزنطينية تلك عادت الكنيسة الى احياء نفس الحجج والاتهامات والادانات الاولى ضد الاسلام وفي مقدمتها نعت الاسلام بـ«ديانة الشيطان» ونعت نبي المسلمين بـ«الساحر الدجال». كما ان مفهوم «المسيح المضاد» اصبح عملة مبتذلة حيث نجدها، خلال فترة الاصلاح خاصة، في قلب الهجمات الكلامية بين الجماعات البروتستانتية والكنيسة الكاثوليكية. فحسب لوثر مثلاً: «اننا اذا اردنا ان نضع عقبة بوجه الاتراك، فذلك بهدف منع احلال عقيدة محمد الشريرة والشائنة محل ربنا الحبيب عيسى المسيح» لأن لوثر يرى ان المسلمين «جيش كبير من الشياطين». صحيح انهم لديه ليسوا اسوأ من البابا الذي هو «العدو الحقيقي للمسيح» لأن المسلمين «لا يتصرفون مثله رغم كونهم من اكبر اعداء المسيحين بل على العكس فهم يؤمنون بالمسيح»، الا ان لوثر لم ينس ان يكتب في 1541 موعظة كاملة موجهة للشعب يحذره فيها من الخطر الحقيقي للاسلام، جاء فيها: «ايها الرب الرحيم، ان الخليفة التركي يسعى ليحل محمدا في مكان ابنك المحبوب. وهو يشتمه قائلاً بانه ليس بالاله الحقيقي، وان محمده اعظم واسمى". لكن هذا التصعيد في حدة الخطاب يجد تفسيره برأينا في اشتداد توتر الوضعية العسكرية بشكل اساسي حول المانيا. ففي اب 1541، كانت الجيوش التركية قد اندفعت بقوة عابرة حوض الدانوب لتحتل بلاد المجر، بينما كانت بعض قواتهم الاخرى تحاصر فينا مهددة باجتياح المانيا والعالم المسيحي كله. وامام هذه الوضعية كان لوثر يرى ان خطر الاسلام على كل المسيحية اصبح جدياً ومباشراً وكبيراً بما لا يقاس بالمقارنة مع خطر الكنيسة الرومانية على البروتستانتية. ومع ذلك فهو لا يغفل عن تحميل البابا المسؤولية المباشرة عن وجود ذلك الخطر كالاسلامي الاتي بمعنى ان ذنوب الكنيسة وانحرافها عن الدين الحق هو ما سمح بظهور الاسلام. وهي فكرة تحمل اهمية اساسية في هذا المفهوم اللاهوتي.

في 1542 قام لوثر بترجمة كتاب لاهوتي من القرن الثالث عشر لديكولدو دامونتكروسي (Ricoldo da Montexroce)، بعنوان «الرد على القرآن»، نقله من اللاتينية الى الالمانية، واضاف له مقدمة طويلة تضمنت ارائه السابقة، كقوله «لست مقتنعاً بان محمدا هو المسيح الدجال.. اذ لا يتمتع بذلك الذكاء الخبيث الشرير.. ان البابا عندنا هو المسيح الدجال حقيقة. فهو يملك تلك العقلية الشيطانية الشريرة، وهو جاثم على صدر المسيحية.. واذا كنا نريد التخلص من محمد، العدو الخارجي للمسيحية، فعلينا اولاً الالتفات الى العدو الداخلي أي المسيح الدجال المتحرك بداخلنا»(1).

هذه المماثلة بين النبي محمد والبابا، وتفضيل الأول على الثاني حتى كشر، اجهزت في الواقع لدى الجانبين الكاثوليكي والبروتستانتي على رصانة ومصداقية مفهوم «المسيح الدجال» الذي اعتادت الكنيسة اطلاقه على نبي الاسلام، كما ان الافكار الاخرى التي اخذ يطلقها مفكرو البروتستانية لاسيما مارتن لوثر وجون ويكليف كتلك الموحية باستحالة جلب المسلمين الى المسيحية او تلك التي تعترف بوجود جوانب ايجابية مشتركة بين الديانتين او امتلاك المسلمين لفضائل جمة تستحق التقدير.

بكلمة اخرى، في نهاية القرن السادس عشر، ولأسباب كثيرة، صار المفكر المسيحي اكثر واقعية في التعامل مع الظواهر الاسلامية محاولاً قدر المستطاع تجنب السجال المجاني والمماحكة لصالح جعل العقل العملي مرجعاً ومعياراً في التقييم، وخاصة بعد التوصل الى يقين قاطع بلا جدوى شن حروب صليبية غير معروفة النتائج والارتدادات او تكثيف ارسال حملات تبشيرية مكتوب لها الفشل سلفاً. الى ذلك فان انقسام الامة المسيحية الاوربية ذاتها الى بروتستانتية وكاثوليكية الغى عقلانية البحث عن وحدة مسيحية خارج القارة المنقسمة على نفسها مع شعوب وأمم مجهولة وبعيدة لاسيما وان النزعات الاستقلالية القومية كانت تخترق القارة الاوربية طولا وعرضا.

غير ان المنظور التقليدي من الاسلام سيظل سائدا ومهيمنا لفترة طويلة اخرى في ما بعد في الفكر اللاهوتي والفلسفي على حد سواء، مما يثبت ان ذلك المنظور القروسطوي توغل في الوعي الجماعي للثقافة الاوربية الغربية الى درجة بعيدة جداً. وانه في هذا الاطار ينبغي فحص النصوص التي خصصها الفيلسوف الفرنسي باسكال للاسلام. ففي كتابه «افكار» يقول هذا الفيلسوف «كل انسان يستطيع الاتيان بما جاء به محمد، لانه لم يضع أي معجزة ولم يتنبأ بأي شيء. لكن ليس هناك بشر يستطيع ان يفعل ما فعله عيسى المسيح». ويضيف باسكال في موقع آخر «انه شيء مضحك ان نتصور وجود اناس في العالم ممن، وبعد ان اداروا ظهرهم لكل قوانين الله والطبيعة. صنعوا لأنفسهم غيرها وخضعوا لها تماماً كما يفعل مثلاً جند محمد واللصوص والهراطقة والمناطقة...».

اما بوسويه فيشترك هو ايضاً في هذا المفهوم كما يعكسه كتابه «خطاب حول التاريخ الكوني» الذي حاول فيه ان يفسر سيرورة التاريخ الكوني وتطور الحضارات انطلاقاً فقط من فكرة الغاية الالهية المسيحية. اي انه لا يهتم بهذه الحضارات الا بالقدر الذي يخدم تحليله. على هذا الاساس يرى بوسويه ان الاسلام هو «شر اكبر نهض ضد كل العالم المسيحي عندما ظهر محمد كنبي بين العرب».. وهذا النبي الزائف قدم الانتصارات كدليل على رسالته». فالاسلام برأيه أمة الديانة الزائفة «التي استطاعت محاكاة الكنيسة في الكثير من الامور وخصوصاً تقليدها والقول بان الله هو الذي أسسها».

لكن، بالقدر الذي راحت المسيحية تترك مكانها تدريجياً لأوربا الحديثة لم يعد الاسلام يبدو بمثابة العدو الاساسي وخاصة منذ مطلع القرن السابع عشر. ففي هذا القرن، بالفعل، لم يعد الوعي المسيحي يهاجم الاسلام الذي كان من جانبه يبدو مهزوماً سياسيا وعسكريا منذ سقوط بغداد والاندلس خاصة. ولم يعد يدحضّ لاهوتياً انما يعد فقط كـ«دين كاذب» ومرفوض بصفته هذه من التيار الروحاني الحق للانسانية. الا ان بزوغ العصر الحديث سيحمل معه بوادر انقلاب شامل في هذا الموقف وجد تعبيره في المواقف الجذرية لحركة الانوار كما سنرى بعد قليل. لكن هذا الانقلاب ما كان ممكن التحقيق لولا جملة من العوامل او التطورات تموضعت جميعاً في القرن السابع عشر. الاول بينها اكتشاف اوربا، بفضل الحملات الاستعمارية، وجود اديان شرقية كالهندوسية والبوذية، لا علاقة لها اطلاقاً مع المسيحية تتبعها جماعات هائلة من البشر، ويبدو الاسلام الى جانبها اكثر حميمية وقرباً الى الثقافة الاوربية المسيحية.

العامل الثاني تراكم معطيات معرفية جديدة ومهمة من حيث السعة الموضوعية لفهم افضل للاسلام تمثلت في مؤلفات سعت الى تقديم صورة اكثر تطابقاً مع الواقع الفعلي للحضارة والتاريخ الاسلاميين بعيداً من تأثيرات الموروث الثقافي الوسيط والاحكام اللاهوتية. ففي 1705 قدم الهولندي ادريان ريلاند A. Reland مداخلة طويلة باللاتينية بعنوان «ديانة محمد» اثارت اصداء واسعة لما فيها من منظورات جديدة، وجدت ترجمتها على الفور الى الالمانية والهولندية والانجليزية ثم في ما بعد الى الفرنسية. اذ بالاعتماد مباشرة على نصوص اسلامية حاول ريلاند اثبات زيف المنظور المسيحي التقليد حول الاسلام ونبيه، بل استنتج ان هذا الدين هو وحده الذي اسيء له في الغرب بين كافة الاديان الاخرى.

ظهرت هناك اذن نزعة للتحري والموضوعية عند الكتابة عن العقيدة الاسلامية تبعتها حركة تمحيص وتدقيق وتصحيح واسعة لكل ما كان قد قيل او كتب حتى ذلك الوقت عن الاسلام والمسلمين. وبعد ريلاند نشر الفرنسي بولانفييه كتاباً مهماً بعنوان «حياة محمد» تضمن افكاراً جديدة تماماً في هذا الاتجاه. اذ يرى بولانيفييه مثلاً «ان كل ما قاله محمد صحيح بالمقارنة مع العقائد الجوهرية للدين» و«ان محمد هو رجل دولة لا مثيل له ومشرع ارقى من كل من انتجته بلاد الاغريق القديمة».

هذه المشاعر المتعاطفة سحرتها قبل أي شيء، فكرة وحدانية الله التي يبشر بها القرآن والبعيدة عن كل ايحادات التجسيم او تعددية الذات او الحلولية. اذ ان بولانفييه يعود ليؤكد ايمانه بديانة المسيح لا الكنيسة مع تأكد ان ما يعجبه في الاسلام هو الجانب العقلاني والطبيعي لعقيدته: «بلا مفاهيم معقدة ولا مؤسسة بابوية ولا كنيسة». اما كلود سافاري فيرى «ان الفيلسوف يجد فيها (حياة محمد) الوسائل التي وظفها انسان اعتمد على عبقريته وحدها للانتصار على تشبث العرب بالوثنية ولاعطائهم عبادة وقوانين» كما كتب في ترجمته للقرآن التي ظهرت في 1783. وقبلهما كان المفكر الفرنسي بيير بيل قد دافع بجرأة في «القاموس الفلسفي النقدي» عن نقاوة الاخلاق الاسلامية وعن نبي الاسلام الذي اعتبره داعية مخلص في حماسه الهادف الى انقاذ الانسانية".

ومن جانبه شدد الفيلسوف الالماني الكبير لايبنتز، في مقدمة كتابه «العدالة الربانية» (1710) على ان نبي الاسلام لم يحد أبداً عن المبادئ الاساسية لـ«الدين الطبيعي»، وان للمسلمين الفضل العظيم في جذب عدد كبير من الشعوب الوثنية الى الايمان بوحدانية الله حيث كانت المسيحية قد فشلت في ذلك من قبل. اما لسنغ، فقد ادان بقوة التشويهات التي الحقتها الكنيسة بالاسلام ونبيه معتبراً اياها «نسيجاً من الاباطيل».

اضافة الى هذه المؤلفات، شهد القرن السابع عشر ظهور ترجمات عديدة اخرى للقرآن بمختلف اللغات القومية الاوربية وكذلك باللاتينية. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر ترجمة لاتينية نشرها لودفيكو مراكسيو في 1698، واخرى بالفرنسية نشرها دو رييه في 1647، وترجمة بالانجليزية لجورج سال في 1734. كما انجز الالمان اربعة ترجمات مختلفة للقرآن بلغتهم القومية قبل عصر الانوار، اولها قام بها شفايغر في 1616، واخرى جديدة له ظهرت في 1688، وثالثة لدافيد ينتبر في 1703 ورابعة لتيودور ارنولد في 1743 اعتبرت افضل الترجمات الاربعة. وفي مطلع عصر الانوار ظهرت ترجمتان المانيتان جديدتان للقرآن، عن النص الاصلي للقرآن مباشرة، أهمهما لدافيد فريدريك ماغرلين في 1772.

فلقد شكلت هذه الترجمات وتلك المؤلفات مادة غنية وواسعة بالنسبة للمفكر الاوربي المعني بالاسلام، يضاف لها عدد مهم من الكتابات «الشعبية» المتوفرة بشكل متسع تتحدث عن الحياة في الشرق والشرق الاسلامي خاصة لعل ابرزها ترجمة «الف ليلة وليلة» التي نشرها غالاند في 1708 بعدة اجزاء، وروايات الرحلات لاسيما تلك التي دونها عدد من كبار الرحالة الى الشرق الاسلامي كبرنييه وشاردان وتافارنيه.

هذه هي باختصار العناصر الاساسية للارضية العامة التي انطلق منها فلاسفة الانوار في تناولهم لموضوع الاسلام. ولكن وقبل الانتقال لفرض خصوصيات مواقف ابرزهم، نجد من الضروري انهاء هذا المدخل بملاحظة اساسية وهي ان نركز على عدد محدد من هؤلاء المفكرين دون غيرهم وذلك لأهميتهم الخاصة كممثلين لحركة الانوار من جهة ولامتلاكهم منظوراً متميزاً خاصاً بهم الى هذا الحد او ذاك من الاسلام، كما هو شأن الفرنسيين مونتسكيو وفولتير وروسو والالمانيين وهيردر وغوته والانجليزي ادوارد جيبون فيما نخصص دراسة لعلاقة نابليون بونابرت بالاسلام في اطار تأثيرات فلاسفة الانوار عليه وأخرى لهيغل عن ذات المحور. اما كانت وديدرو وهولباخ وسواهم، فاننا لم نتناولهم بشكل مستقل وذلك لعدم امتلاكهم منظور عام يذكر حول الاسلام لسبب او لاخر على الرغم من اهمية تناولهم الفلسفي لظاهرة الدين.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الثقافة الأمريكية في خدمة التجار
- كاظم السماوي.. شيخ المنافي وشاعر الأممية الصافية
- تهافت المشروع البعثي للتطور (1968-2003)
- هل عرف البابليون الفلسفة؟
- الهندية – طويريج : بيتنا وبستان بابل
- علي الوردي والمنطق الجدلي
- لغة الضاد حين نخذلها..
- محنة «النهضة» و «الاصلاح» و «التنوير» بالعربية...
- قناة فضائية عراقية طليعية حاجة عاجلة
- هيغل وأهل الحلة!
- أحمد أمير – بيوغرافيا حميمة
- العراق بين احتلالين: 11 آذار 1917 - 9 نيسان 2003
- المثقف بين الحلم وخيانة الذات
- حلبجه 88
- مئات القتلى في حرائق سجون عربية وشكوك حول الروايات الرسمية
- الايام...
- رحيل عبد الرحمن منيف روائي الصحارى المتخيلة
- الديمقراطية الدستورية في العراق وهشاشة التأسيس
- العراق واوهام العرش الفارغ الاحرى بالعراقيين استلهام النظم ا ...
- وجها لوجه مع قوات الاحتلال الامريكية في العراق


المزيد.....




- من الحيتان الحدباء إلى أسود البحر.. خذ جولة عبر المناظر الخل ...
- بوريل يؤكد تضامن دول الاتّحاد الأوروبي مع فرنسا في أزمتها مع ...
- شاهد: رجال الإطفاء يصارعون من أجل حماية البساتين من حرائق كا ...
- التعلم عن بعد: حكاية المعلمة التي ساعدت طلابها المحتاجين على ...
- بوريل يؤكد تضامن دول الاتّحاد الأوروبي مع فرنسا في أزمتها مع ...
- الاتحاد الأوروبي يأسف لاستثنائه من شراكة -أوكوس-
- الروس قفزوا بالمظلات في القطب الشمالي والأمريكيون لا يستطيعو ...
- توسيع -شنغهاي- باتجاه الغرب ضربة لسياسة الولايات المتحدة
- المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا تفتتح شركة للخدمات النفطية في ...
- أبواب تركيا يمكن أن تُغلق أمام الروس بصورة دائمة


المزيد.....

- تأملات فلسفية وسينمائية / السعيد عبدالغني
- حوار مع جان بول سارتر حياة من أجل الفلسفة / الحسن علاج
- عن المادية و الخيال و أشياء أخرى / احمد النغربي
- الفاعل الفلسفي في إبداع لويس عوض المسرحي / أبو الحسن سلام
- الماركسية كعلم 4 / طلال الربيعي
- (المثقف ضد المثقف(قراءات في أزمة المثقف العربي / ربيع العايب
- نحن والجان البرهان أن الشيطان لا يدخل جسد الإنسان / خالد محمد شويل
- الذات بين غرابة الآخرية وغربة الإنية / زهير الخويلدي
- مكامن الانحطاط / عبدالله محمد ابو شحاتة
- فردريك نيتشه (1844 - 1900) / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين الهنداوي - من اللاهوت الى الايديولوجيا : فلاسفة الأنوار والإسلام