أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين الهنداوي - الثقافة الأمريكية في خدمة التجار















المزيد.....

الثقافة الأمريكية في خدمة التجار


حسين الهنداوي

الحوار المتمدن-العدد: 3144 - 2010 / 10 / 4 - 01:51
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


الثقافة الأمريكية في خدمة التجار

هربرت شيلر
ترجمة: د. حسين الهنداوي
عن شهرية لوموند دبلوماتيك الفرنسية

من الملاحظ بشكل عام انه، وحيثما وصل التقانيات المتقدمة (أجهزة معلوماتية، اتصالات عبر الأقمار الصناعية، تلفزة مربوطة بشبكات الكابل...)، فإن الشركات المتعددة الجنسية تسعى متهجياً إلى تشجيع قيام أجواء ثقافية تقلد الطراز الامريكي. وذلك لأن هذه الاجواء تلائم بقوة، عبر نزعة محاكاة اجتماعية عميقة، عملية تكريس نمط من الاستهلاك يعتمد بصورة كثيفة على توظيف الدعاية والترويج التجاري والمؤثرات الاصطناعية، وبما يشجع على أوسع استخدام لخطوط الهاتف والفاكس وشبكات الكمبيوتر وسلسلة متكاملة من »المكائن الثقافية« كالمسجلات الموسيقية والتصويرية والفلمية عموماً. وهكذا تدريجياً، تصبح كافة المجالات الثقافية، الواحد بعد الأخر، موضوعة في خدمة الاقتصاد التجاري.

لقد عرف المتعهدون الأمريكيون هزات أقل مما عرفه غيرهم، الأمر الذي دفع النمط الرأسمالي، الذي يوجد في الولايات المتحدة بشكله الأكثر كمالاً، إلى الاهتمام بإعطاء الدعاية مكانة مركزية لديه. ومن جانب آخر، ولكي يعمل بشكل كامل كنظام يتمحور حول هدف ايصال المنتجات من البضائع والخدمات ويكرر في كل لحظة بان الديمقراطية لا تعني شيئاً آخراً سوى الاستهلاك، صار عليه ان يعمل على جعل أجهزة الاتصال المكتوبة والمسموعة والمرئية وشبكات الكابل والأقمار الصناعية، مجرد أدوات في عملية الترويج التجاري.

لقد كانت الماكنة الأمريكية لصناعة الصورة والبث قد تحركت بفعل قوتين مختلفتين لكن مترابطتين وهما القطاع العسكري وعالم الأعمال. الأمر الذي يعني ان القوة الاقتصادية والعسكرية الأمريكية اقترنت أيضاً بإرادة الردع الايديولوجي منذ البداية. ويلخص صحفي متخصص هذا التوجه كما يلي: "ان الحرب الباردة قدمت للجيوش أكثر مما حصلت عليه في أي وقت سابق، فقد وضعت في خدمتها كل حصائل انفجار الثروات والكفاءات والوسائل وبشكل لا مثيل له من قبل. وبفضل ذلك أدى هذا الوضع الى تسهيل ولادة كافة الصناعات الجوية وأجهزة الاتصالات والالكترونيات".

من هذا الازدهار في المشاريع التي صممت اصلاً من قبل العسكر والصناعيين، ولد ما سمي بعصر الاتصالات. حيث نجد بالفعل ان المستفيد الأكبر من تفجير الطاقات الانتاجية الجديدة هم الممثلون الكبار في ادارة الحرب الباردة: الشركات المتعددة الجنسية والوكالات السياسية والعسكرية والاستخباراتية. فقد اعطتهم التقانيات الحديثة مجمل الوسائل الكفيلة بادارة انشطتهم على صعيد العالم ككل وامكانية نقل رؤوس الأموال ومراكز الانتاج واضعاف المنظمات النقابية. وأيضاً، وفي نفس الوقت، وفرت للبنتاغون والاجهزة الاستخباراتية الامريكية امكانية وضع شبكة من الاقمار الصناعية تكفل لها الاتصال مع قواعدها المبثوثة في كافة انحاء العالم.

هذه القوة التقانية سمحت في البداية بتقوية وادامة الهيمنة الامريكية. إلا ان سلسلة من الاحداث الدولية، وفي مقدمتها حرب فيتنام، جعلت هذه الهيمنة تترنح بعض الوقت. ثم جاء النمو الاقتصادي الذي حققته اليابان والمانيا ليؤدي هو أيضاً الى اضعاف النفوذ الامريكي. لكن هذا الضعف لم يشمل قطاع الاتصالات المذكور، انما على العكس وجدناه يصبح اكثر فاكثر فظاظة. ففي مجرى العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية، لم تكن هناك حاجة قط الى اخذ أذواق وتفضيلات المشترين المحلين والاجانب بنظر الاعتبار نظراً لندرة المتنافسين. وهكذا فالانفجار الاقتصادي شجع على تزويد الاسواق بالمنتجات الامريكية دون الحاجة الى أي جهد دعائي خاص، سيما وان الاختراق الذي حققه التلفزيون مثَّل أداة بيع مثيرة بحد ذاتها. لكن، ومنذ نهاية الستينات، بدأ الزمن يتعاكس مع الصناعة الامريكية كما ان المنافسة الاجنبية اخذت تثبت وجودها اقوى فاقوى. وايضاً فإن تباطؤ الانتاج اصبح ملموساً في كل مكان حتى اليوم.

اذن، ومنذ عشرين سنة، اصبحت حمى غزو المستهلك اكثر فاكثر فاكثر حدة. لكن وبينما تتدهور القوة الامريكية في كل ميدان فان الميدان الوحيد الذي تهيمن فيه بلا منازع هو الثقافة الموصلة تكنولوجيا، أي ثقافة الـ»بوب«، التي تستفيد من كافة التقانيات المطورة في الاصل لخدمة سياستها الهادفة للهيمنة العالمية. ومنذئذ فإن هذه التقانيات تخدم في انتاج مستهلكين جدد.

بموازاة ذلك، ظهر قطاع اقتصادي جديد هو انتاج المؤثرات الاصطناعية. اذ ان استعمال المؤثرات الاصطناعية، القديم قدم السينما، اصبح مؤخراً من المكونات الاساسية في صناعة الفيلم، بل والمكون الاساسي الاهم احياناً كما في فيلم »حرب النجوم« الذي جرى انتاجه في عام 1977، وقبله في فيلم "2001" المنتج عام 1970، الذي قام فيه ستانلي كوبريك بخلق بيئة اصطناعية ضخمة للغاية. وبالطبع فان هناك اسباب مختلفة في تفسير تطور المكانة المركزية للمؤثرات الاصطناعية في الثقافة الشعبية المعاصرة. إلا ان هناك سبباً واحداً هو الذي يهيمن وهو تكثيف جهود البيع من أجل المحافظة على معدلات الاستهلاك. ولتحقيق هذا الهدف قام كبار منتجي الاموال الامريكيين ووكالات دعايتهم بتوظيف رسائل اكثر فاكثر عدوانية. ويتزامن هذا الضغط الاضافي مع انبثاق تنافس عالمي اكثر حيوية ومع استمرار الركود الاقتصادي الداخلي. ضمن هذه الشروط لماذا لا يجري استخدام هذه التقانيات المبتكرة في انشطة أخرى؟

ان هذه الطاقات الاستخدامية تحت اشكال مرئية او بصرية او فوتوغرافية، فتحت في الواقع مخارج جديدة لتكثيف الاغراء وتشديد الانتباه واثارة وتثبيت الاهتمام. ولهذا فان صناعة المؤثرات الاصطناعية تمتلك فرصة التمكن من التدخل مع تقانيات مستخدمة في مجالات اخرى (كالعلوم والطب والرسم الكرافيكي على الكمبيوتر...) مما يجعل في الممكن توظيفها في استعمالات مذهلة.

وايضاً، لقد سعى الترويج التجاري الى تشجيع عدد متزايد من منتجات الصناعات الالكترونية المطورة في ذات الوقت تقريباً. الامر الذي أدى، بين نتائج اخرى، الى احلال "الشيخوخة" بمجموعات الاسطوانات والالكتروفونيات الموجودة اصلاً. كما ان ظهور اجهزة الكمبيوتر الشخصية واجهزة التسجيل التصويري والتلفزيون والاسطوانات الجديدة خلق مجالات جديدة للاستهلاك. وايضاً فان وصول التلفزيونات العالية الحساسية سيؤدي الى جعل مئات الملايين من اجهزة التلفزة، الموجودة لدى الامريكيين، عقيمة الاستعمال او ولّى زمانها. ففي مجرى السنوات الاخيرة اتجه منتجو اجهزة الاتصالات المرئية والمسموعة الى الاستعانة بالمؤثرات الاصطناعية وتكنولوجيا الالاعيب السينمائية بهدف جذب اهتمام الجمهور. وهكذا اصبحت الصورة والصوت تختزل الفكر وتستهدف حتى الامعاء. فالمضمون يتراجع والتقنيات تزدهر والتفكير يتلاشى اكثر فاكثر. ولعل هذه هي خصائص ما يسمى بـ "ما بعد الحداثة". ولقد كتب فيليب هيوارد، بصدد الالكتروفونيات الموسيقية، "ان المؤثرات الاصطناعية تحث وتخلب انظار الجمهور هاجرة عمق النص لصالح السحر التكنولوجي ومعوضة اياه بقوى عالية الجدارة". ويرى مراقب اخر في بعض استعمالات »المؤثرات الاصطناعية« انتصاراً لـ »الروح التجارية« مضيفاً ان »الزواج بين موسيقى البوب وبين الفيديو قلب التوازن بين اغنية ما وصورة مؤديها، فينما كانت هذه الصورة في الماضي هي التي تضيف الى رصيد الموسيقى، نجد اليوم ان الموسيقى اصبحت تخدم الصورة التي، بدورها، صارت موضوعة غالباً في خدمة شركة دعائية تروج لمطاعم الوجبات السريعة او لشركة كوكا كولا.

صحيح جداً ان نجوم البوب كانوا دائماً في خدمة السلعة. لكن مع عصر الصورة فقط اصبحت صورة النجم والسلعة شيئين غير منفصلين (...) فموسيقى البوب لم تعد عاماً قائماً بذاته انما مجرد عامل مساعد للتلفزيون الذي وعبر سيول رسائل الحث التجارية، صار يبث ثقافة كل ما فيها معروض للبيع. وتلاحظ مارتا روزلر »ان الخلط بين الاسلوب والمضمون اصبح مستهدفاً من قبل كل وسيط، وهذا بدوره راح يترك الدعاية لتتداخل في بنيته وفي مفهومه«.

كل هذا ليس جديداً تماماً، الا ان خطوة عملاقة هي التي تحققت بفضل التقانيات الجديدة. فالامر لم يعد يتعلق فقط بتشجيع الاستهلاك بفضل رسالة دعائية مموضعة بشكل افضل. انما اصبح الشكل مبنياً على هدف تجاري محض بعد الآن. وتمثل القناة التلفزيونية الموسيقية "ام.تي.في"، التي تبث اشرطة غنائية مصورة على الدوام، النموذج الانصع عن هذا التوجه. فبرامج هذه القناة ليست إلا سلسلة لا تنقطع من الرسائل الدعائية اللامباشرة لفرق موسيقية ودور اسطوانات بعينها. اي »ان سحر الطريقة المعتمدة من قبل الـ "أم.تي.في" يفسر نفسه جزئياً بكون المتفرجين يشاهدون الدعاية دائماً لكنهم لا ينتبهون الى ذلك في الوقائع«.

ولا ينحصر تأثير هذه القناة في الحقل الدعائي وحده، انما يشمل كافة وسائل النشر الاخرى بما فيها المكتوبة. فجريدة »امريكا اليوم«، مثلاً، تقدم نشراتها الاخبارية في فقرة واحدة او فقرتين فقط، على شكل كبسولة مطبوعة محاطة بالالوان. وعلى الـ "أم.تي.في" ايضاً لا تكف المشاهد الاخبارية عن التكرر. ولقد قامت هذه القناة التلفزيونية مؤخراً بإدخال هذا الاسلوب حتّى ضمن برامجها الموجهة للصغار (جمهورها القاعدي) حيث تعرض لهم مقابلات من ثلاث لحظات (!) مع مسؤولين سياسيين.

وتمتد "ماكنة ضغط الزمن" هذه الى كافة البرامج الاخرى. وهي تهدف، منذ وضعها موضع العمل في مطلع الثمانيات، الى "كنس المكان من اجل التمكن من بث المزيد من الرسائل الدعائية كما يتجلّى ذلك مثلاً في زيادة سرعة بث الافلام والبرامج التلفزيونية القديمة". وهذه التقنيات تبدو مغرية بالنسبة لاوساط بث الدعاية وذلك »لأن هذه الدقائق الجديدة الموفرة للمجال الدعائي لا تضيف شيئاً على تكاليف البرامج التقليدية« على اساس »من الممكن ربح 8% من وقت فلم طوله ساعتين وذلك عن طريق جعله يمر بشكل اسرع، مما يؤدي الى ربح عشر دقائق اضافية دون الحاجة الى اللجوء الى اقتطاع أي مشهد منه«. ولا اهمية في شروط كهذه لكلية العمل الذي يبث...


وهكذا، يجري اقصاء أي هموم اخرى ما عدا الهموم التجارية. حيث نجد انفسنا اكثر فاكثر امام مزاوجة بين المهارة البصرية والتقنية "وقصص بليدة وفارغة". فاذا كان الهدف الاول هو شد الانتباه بفضل صدمة انفعالية، لماذا الحرص على اشاعة السرور او الحزن لدى الجمهور عبر قصة او اغنية جادة؟".

هذه التطويرات الامريكية تشكل الطلائع الاولى لما سيحصل لاحقاً على صعيد "سوق عالمية« تتقاسمها حفنة من الشركات العاملة في ميدان الالكترونيات ونشر الاسطوانات وصناعة المواد الغذائية والمشروبات الغازية ومنتجات الاستعمال المنزلي والسيارات والادوية وما الى ذلك. فالتداخل بين التقانيات والاسواق يبدو جلياً بشكل خاص في اوربا الغربية واليابان واستراليا وكوريا الجنوبية، اي حيثما يكون الاقتصاد الوطني قد حقق درجة من التقدم الصناعي.

ففي ما وراء خصوصيات كل اقتصاد، ثمة سمات مشتركة يمكن تمسها فيها، وفي كل مكان تتوفر التقانيات المتقدمة (اجهزة معلوماتية، اقمار صناعية، تلفزيونات مرتبطة بالاقمار الصناعية او بالكابلات) تقوم الشركات المتعددة الجنسية، المدعومة داخل كل بلد، بتقديم طلب، يلبي دائماً، من اجل ما يمكن تسميته بعملية »كسر النظامية« أي البيع للقطاع الخاص. وهي عملية توجد بصيغ مختلفة حسب كل بلد، لكن ما يجمع بينها هو انها تقود، بطريقة او اخرى، الى تغيب او الغاء سلطة الوقابة الوطنية على المجال المستهدف. وهكذا تنفتح ابواب الاستعمال التجاري بالنسبة لوسائط البث واجهزة الاتصالات المرئية. وبالطبع، بالنسبة للتلفزيونات والكابلات، فان هذا الامر يتطلب تمويلاً اكبر فاكبر بفضل الدعاية والاستعمال الخاص (من قبل الشركات) للخطوط الهاتفية وشبكات الكمبيوتر التي تنقل احجاماً ضخمة من المعطيات.

وهكذا، فقد جرى انشاء ملاك يمكن عبره خلق واستعمال المجال الثقافي على طريقة الطراز الامريكي. والواحد بعد للأخر، فان مجالات نشر الثقافة تنتقل لتوضع في خدمة الاقتصاد التجاري بواسطة استيراد المنتجات الثقافية الامريكية احياناً، أو بواسطة منتجات محلية تقلد هذه الثقافة البوب احياناً أخرى، أو غالباً بواسطة تشكيلة تجمع بين الاثنين معاً. وكدليل على هذا المثل الذي اعطته «لوس انجلس تايمز» التي لا تجهل شيئاً عن هوليود، لكنها مع ذلك تجد «مسحة أوربية خالصة» في المسلسل التلفزيوني الاوربي «ريفيرا». وبالطبع لا يخفى السبب في هذا الاعجاب... فالمدير التنفيذي والمدير الفني امريكيان: «مستشارون امريكيون تمّ تعيينهم وجلبهم الى باريس ليشرفوا على الديكور والموسيقى والاضاءة والهندسة.. كما ان كافة تسجيلات الفلم تمت باللغة الانجليزية، وعلى اساسها جرت دبلجة المشاهد الى اللغة الفرنسية واللغات الاوربية الاخرى (...) غير ان معظم الممثلين والمدراء وتقنيّي الاستوديوهات هم اوربيون (...) والمشهد جرى وضعه في وكالة دعائية باريسية».

بيد ان الظاهرة تذهب بعيداً فيما وراء الافلام والتلفزيون. ففي شهر اذار الماضي لم تستطع مجلة "برنس ويك" ان تخفي إلا جزئياً لهجتها المازحة ازاء افتتاح «جزيرة ديزني الاوربية» في فرنسا حيث كتبت: «انهم يعتقدون ان الحدث الأكبر في اوربا في 1992 هو انشاء سوق لا تحدها حدود. والحال ان الحدث الذي يستحق فعلاً الاهمية في افتتاح «جزيرة ديزني» هو ان اوربا ستلتحق بالولايات المتحدة واليابان في اطار المجتمع الاستهلاكي الحديث فعلاً. فلإعطاء حدث الافتتاح صدى عالمياً جرى نشر اعلانات دعائية حوله بقيمة ستة ملايين دولاراً، ظهرت في العديد من صحف المدن الكبرى وبتمويل جزئي من كبار المساهمين في المشروع من أمثال شركات ماتيل وكوكا كولا وامريكان اكسبرس...». ثم تتساءل المجلة «كيف يمكن لأوربا ان تقاوم بعدئذ؟ ان كل المؤشرات توحي بانها لا تستطيع ذلك. فامبريالية ثقافية أم لا، ان ملايين الاوربيين سينزلون للاحتفال هكذا بان اوربا القديمة اصبحت الآن بالغة".
في عام 1988، جرى مد القناة الموسيقية "ام.تي.في" لتبث في اوربا بواسطة القمر الاصطناعي «استرا». وهكذا فعبر الاتصال بالقمر الاصطناعي هذا والتلفزيون المربوط بالكابل وعبر المؤثرات الخاصة الصوتية والبصرية تقوم الشبكة بنقل، وبأكبر فعالية ممكنة، ببث الرسالة الدعائية في القارة القديمة. وقد اظهر احد اوائل البرامج –"التراتيك"- اصالته عبر هذه الطريقة: "اننا نعتبر (التراتيك) بمثابة فكرة كونية تماماً. فهو برنامج بلا كلام ولا حبكة ولا شخصيات (...) انما مجرد صوت واضواء فقط. وهذا هو جوهر التلفزيون "انه، بعبارة اخرى، الاداة النموذجية للبيع!. فبمجرد الحصول على "كسر النظامية"، ووضع الاقمار الصناعية والكابلات واستيراد او تقليد تقانيات "المؤثرات الخاصة" الامريكية، سيستطيع الاوربيون وعدد من الاسيويين بلوغ المستوى العالمي (والمقصود الامريكي) في النزعة الاستهلاكية. وسلفاً، بالفعل، فان صناعة الدعاية اصبحت مذهلة فيها، حيث "يتلقى المنزل الواحد في أوربا أربعة اضعاف الدعاية المتلفزة في الولايات المتحدة (...) كما يتوقع ان تكون معدلات موارد الدعاية المنتظر كسبها في اوربا هائلة اصلاً».

ومع ذلك ماذا يكمن في افاق هذا التطور؟

ان الجواب على ذلك ليس مرئياً تماماً بعد. لكن هذه العملية من مراكمة الارباح على المدى القصير، تنطوي على تبذير اكبر فاكبر في المصادر المحدودة للارض. فبينما تتضاعف مبيعات السيارات، وترتفع اسعار الوقود، يطوق خناق الارض بالطرق السريعة وتتراكم قناني الكوكاكولا والازبال الخطرة الاخرى في كل مكان. وكل هذا يتم بسرعة تشبه سرعة التلويث الثقافي.

اننا لا نقصد هنا اطلاق صرخة جديدة ضد التكنولوجيا انما تحليل التأثير الحاد، بل الحاسم، للمشروع الاجتماعي الذي كان، في الاصل، وراء تطور هذه التقانيات الجديدة. ولقد طرح اثنان من الكتاب، روبرت كوبي وميهالي كزيكزنتيسيهالي تقييماً للمقتضيات التكنولوجية التي يزعم ان لا مناص منها للتلفزيون أكّدا فيه: «يجب هنا دحض وتسخيف الفكرة التي تردد غالباً القائلة بن التلفزيون هو المنبر الاكثر قدرة على نقل الانفعالات وبالتالي فهو لا "يستطيع" او لا يستطيع جيداً ان ينقل الافكار (...) لأن تفسير لماذا نرى ما نرى في التلفزيون يكمن في تلاقي الطريقة التي يرى فيها الجمهور معنى المنبر وماذا يريد ان يشاهد (او تعوّد ان يشاهد) مع ماذا يعتقد الذين يشرفون على التلفزيون او يمولونه حول ما يجب ان ينتج ويبث من اجل مضاعفة ارباحهم».

ان كل واحد من المعايير المتخذة هو بناء اجتماعي بحد ذاته. واذا كان من البديهي إن برامج التلفزيون والافلام والموسيقى والصور، تصاغ لكي تلبي المقتضيات الدعائية وان تحقيق هذا الهدف يعتمد على صناعة الثقافة الامريكية، باعتباره القطاع الاكثر ديناميكية في اقتصاد يسير عموماً نحو التدهور، فان هذه النجاحات وهذه الصناعة ينبغي ان تكون مصدر تقدم وطمأنينة. لكن المفارقة الكبرى هي انها مسؤولة عن كوارث اجتماعية ذات اخطار محدقة. ذلك لأن جرثومة استهلاكية مدمرة هي ما يكمن في هذه المنتجات الثقافية وحيث تجيء موجات الروح التجارية لتصطدم بهذه الحقيقة: نفاذ طاقات الارض.

فسواء تعلق الأمر بمخابئ النفايات الذرية، وثقب الاوزون المتزايد الاتساع، والبحث اليائس عن مواقع رمي النفايات الصناعية، فان كل أزمة تأتي لتفضح تبذيراً في المصادر الطبيعية. وفي الخريف الماضي قام عدد من المثقفين في العالم الذين شاركوا في مؤتمر حول «اقتراب عام 2000» بادانة الاضرار الملحقة بالمصادر العالمية، موجهين بذلك الانظار الى اللامساواة الشنيعة في توزيع الثروات في عالم يستهلك 20% من سكانه 80% من ثرواته ويتحملون مسؤولية 75% من تلويثه". لكن ما لاحظه المؤتمر ايضاً، ان مصدر هذه الظاهرة هو «التلوث الثقافي وضياع الهوية اللذان أديا الى تغرب شامل، وحولا البشر الى كائنات هشة تحت رحمة ضغط التوتاليتاريات السياسية والاقتصادية وضغط العادات الاستهلاكية والتبذير التي تجعل الارض بمواجهة الاخطار". ففي قلب ازمة عالمية اكثر فاكثر حدة وعمقاً هناك تنسيق تكاملي قوي وقاتل بين اجهزة الاعلام والتكنولوجيا وبين السوق هو الذي يتحرك.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
فهد سليمان نائب الامين العام للجبهة الديمقراطية في حوار حول القضية الفلسطينية وافاق و دور اليسار
لقاء خاص عن حياته - الجزء الاول، مؤسسة الحوار المتمدن تنعي المناضل والكاتب اليساري الكبير كاظم حبيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كاظم السماوي.. شيخ المنافي وشاعر الأممية الصافية
- تهافت المشروع البعثي للتطور (1968-2003)
- هل عرف البابليون الفلسفة؟
- الهندية – طويريج : بيتنا وبستان بابل
- علي الوردي والمنطق الجدلي
- لغة الضاد حين نخذلها..
- محنة «النهضة» و «الاصلاح» و «التنوير» بالعربية...
- قناة فضائية عراقية طليعية حاجة عاجلة
- هيغل وأهل الحلة!
- أحمد أمير – بيوغرافيا حميمة
- العراق بين احتلالين: 11 آذار 1917 - 9 نيسان 2003
- المثقف بين الحلم وخيانة الذات
- حلبجه 88
- مئات القتلى في حرائق سجون عربية وشكوك حول الروايات الرسمية
- الايام...
- رحيل عبد الرحمن منيف روائي الصحارى المتخيلة
- الديمقراطية الدستورية في العراق وهشاشة التأسيس
- العراق واوهام العرش الفارغ الاحرى بالعراقيين استلهام النظم ا ...
- وجها لوجه مع قوات الاحتلال الامريكية في العراق
- الفلسفة ليست غير الحرية في تعريفها الاول والاخير والاسمى


المزيد.....




- من الحيتان الحدباء إلى أسود البحر.. خذ جولة عبر المناظر الخل ...
- بوريل يؤكد تضامن دول الاتّحاد الأوروبي مع فرنسا في أزمتها مع ...
- شاهد: رجال الإطفاء يصارعون من أجل حماية البساتين من حرائق كا ...
- التعلم عن بعد: حكاية المعلمة التي ساعدت طلابها المحتاجين على ...
- بوريل يؤكد تضامن دول الاتّحاد الأوروبي مع فرنسا في أزمتها مع ...
- الاتحاد الأوروبي يأسف لاستثنائه من شراكة -أوكوس-
- الروس قفزوا بالمظلات في القطب الشمالي والأمريكيون لا يستطيعو ...
- توسيع -شنغهاي- باتجاه الغرب ضربة لسياسة الولايات المتحدة
- المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا تفتتح شركة للخدمات النفطية في ...
- أبواب تركيا يمكن أن تُغلق أمام الروس بصورة دائمة


المزيد.....

- الهجرة والثقافة والهوية: حالة مصر / أيمن زهري
- المثقف السياسي بين تصفية السلطة و حاجة الواقع / عادل عبدالله
- الخطوط العريضة لعلم المستقبل للبشرية / زهير الخويلدي
- ما المقصود بفلسفة الذهن؟ / زهير الخويلدي
- كتاب الزمن ( النظرية الرابعة ) _ بصيغته النهائية / حسين عجيب
- عن ثقافة الإنترنت و علاقتها بالإحتجاجات و الثورات: الربيع ال ... / مريم الحسن
- هل نحن في نفس قارب كورونا؟ / سلمى بالحاج مبروك
- اسكاتولوجيا الأمل بين ميتافيزيقا الشهادة وأنطولوجيا الإقرار / زهير الخويلدي
- استشكال الأزمة وانطلاقة فلسفة المعنى مع أدموند هوسرل / زهير الخويلدي
- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - حسين الهنداوي - الثقافة الأمريكية في خدمة التجار