أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفصل السادس : مَجمر 8















المزيد.....

الفصل السادس : مَجمر 8


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 3072 - 2010 / 7 / 23 - 15:33
المحور: الادب والفن
    


بَرْزخُ رسوم، أصليّةٍ، تصوّرُ مَناظرَ من بُلدان عثمانيّة التِبْعَة، كانَ يَكسي الجدارَ المُقابل لمَجلسِنا هذا؛ الكائن قربَ مَدخنة المَوقد، والمُلبّسَة بدَورها بالقرميد الزاهي الألوان. فحينما أضحى المُضيف داخلَ حُجرة مَكتبتهِ، كانَ ميخائيل ما يَفتأ مُتسَمّراً ثمّة، قدّام جدار التصاوير؛ أينَ الرّسم ذاكَ، المَعلوم، المُجَسِّد واجهة القلعة من ناحيَة سوق الأروام. ايماءة ُ رأس البك، المُحيّية، سَبقتْ خطى قدَمَيْه، المُتحرّكة ببطء نحوَ الكرسيّ الشاغر، المُظهّر بالجلد الطبيعيّ، الفاخر، والذي يَحُفّ بطاولة المَكتب، الأنيقة. إلا أنه لم يَشأ الجلوسَ، بل مدّ يَدَهُ إلى طنف الكتب، المُثبّتْ بالجدار بوساطة حَلقة خشبيّة، عَريضة، مُتطاولة من الأرضيّة وحتى السقف.
" كما ترون، إنها رسومٌ من وَضع رحّالة غير مُحترفين. إنها مُتمَثِلة بمَناظر من بيئتنا، المَحلّية، مَطبوعة بطريقة مُبتكرَة؛ يَدعونها بالفرنسويّة " ليتوغراف ". إنّ عدداً من تلك الرّسوم مُستلّ من هذا الكتاب، المُحتوي تذكرات بعض الرّحالة الأوربيين من القرنيْن السابع عشر والثامن عشر؛ مِمَن جابوا المَشرق، مَسحورين بأساطيرهِ وعجائبهِ "، قالَ القاروط فيما كانَ يَعرض الكتابَ على عَيان ضيفيْه. ثمّ ما لبثَ أن هَمَدَ فوقَ الكرسيّ، مُستأنفاً حديثهُ: " لقد حَصلتُ على هذا المُجلّد، النادر، من صديق فرنسويّ يَعمَلُ في خِدْمَةِ سِرّ عَسْكر مِصْر. أمّا تلك الرسوم، المُزيّنة جدارَ المَكتب، فإني جَلبتها بنفسي من باريس قبل حوالي العامَيْن ". نبْرَة كلام مُضيفنا، وبالرغم من غموض مَراميها، فإنها اُشفِعَت بوَميض عينيه؛ الذي يَعرض لهما كلّما كانَ يَهمّ بقراءة أفكار الآخرين. على ذلك، لم أستبعِدَ احتمالَ كونهِ قد تنصّتَ على حديثنا، أو نتفٍ منه على الأقل، قبلَ وُلوجهِ حُجرَة المَكتب.
" أشهَدُ بأنّ تصويرَهُ هذا، يُشافِهُ على أجلّ ما يكون مَشهَدَ أبراج القلعة، المُشرفة على الجهة الجنوبية الغربية من المدينة القديمة "، قالها ميخائيل مُقرِّظاً. ولم أدر، يقيناً، ما إذا لُحِظ َما اعترى لهجَة صديقنا من ارتباكٍ. إذ رَمَقَهُ البكُ بنظرةٍ مُتمَعّنة من عَينين، مُتوَقدَتيْن. إلى ناحيَة الرّسمَة تلك، المَوصوفة، ما عَتِمَ بَصرُ المُضيف أن اتجَهَ هذه المَرّة، ليلبَثَ هناكَ هُنيهَة تأمّل، مُطوّلة نوعاً.

" أحسَبُ، يا سيّدي، أنه تسنى لكَ فيما مَضى زيارَة القلعة؟ "
سألتُ المُضيفَ على غرّةٍ، وبشكل مُتقصّد. فما كانَ منه إلا التنبّه إلى نفسِهِ، قائلاً دونما وَعي: " القلعة الدمشقية؟ آه، أجل. إنها مرّة واحِدَة، حَسْب؛ وكانَ ذلكَ عندما توَسّطتُ لدى آمِرها بخصوص تاجر من مَعارفي، اتهِمَ باحتكار الحبوب ". فما كانَ من سِرّي، الساخِر، سوى مُخاطبة ربيبَ الكنج مُتسائلاً: " احتكار الحبوب أمْ الصابون؟ ". ولكي تكون مُساءلتي ذاتَ مَظهر، بريءٍ، فإني أتبعتها بأخرى: " وعندي أنّ توأمَها، قلعة القاهرة، أعظمُ عِمارَة وتحصيناً. ما قولكَ في ذلك؟ "
" إنهما توأمٌ، كما تفضلتَ. وعلى الرغم من حقيقة أنّ عقداً من الأعوام، على الأرجح، يَفصل بين ولادتيْهما. وجواباً على سؤالكَ، فإني أوافقكَ الرأي. وربّما أنّ عَظمَة القلعة تلك، القاهريّة، تكمنُ في مَوقعها الفسيح، المُنعزل عن المدينة؛ مما كانَ يُتيحُ المَجال للبناء فيها باستمرار. وكذلكَ، لأنّ القاهرَة صارَتْ هيَ تخت السلطنة في زمن المماليك، وعلى العكس من الشام؛ التي تراجعَ مَركزها إلى مُنحدَر المُدن الاقليمية، التابعَة، ومُباشرَة ً بعيدَ سقوط دولة بني أيوب، العظيمَة "، أجابَ البكُ وهوَ يتأملني عن كثب. عندئذٍ أجازَ ميخائيل لسؤالِهِ، المُريب، أن يُريّشَ نحوَ الهَدَف المَطلوب: " ألديها أيضاً، تلك القلعة القاهرية، ما يُماثل أبراج قلعتنا الثلاثة عشر ؟ ". مثلي سواءً بسواء، لا بدّ أن المُضيف لحَظ نبْرَة الإهتمام، التي غشَتْ المُساءلة الفائتة. فإنه عادَ إلى التطلّع مَلياً في عينيّ ميخائيل، قبلَ أن يَتكرّم بالإجابَة: " بل إنّ أبراجَها، ولا غرو، أكثر من هذا العدد. إلا أنكَ، إذا لم أكن مُخطئاً، زدتَ قليلاً في عدد أبراج القلعة الدمشقية ". فسأله مُحدّثهُ مُتكلفاً السذاجَة: " كيفَ ذلك، يا سيّدي؟ "
" إنها اثنا عشر برجاً، بكلّ تأكيد؛ طالما أنّ عددها موافقٌ لعدد أشهر السنة. وعلى أيّ حال، فإنّ ذلكَ الكتابَ، المَوسوم، المُستلّ هذا الرّسمَ منه، يتضمّنُ أيضاً مُخططاً للقلعة، يُكرر الخطأ نفسه "
" فلا رَيْب، والحالة تلك، أن يكونَ ثمّة برجٌ ما، زائدٌ عن الحاجَة؟ "، تدَخلتُ بدَوري في الحديث. نبْرَة التهكّم، المُختتمَة جُملتي بها، جَلبَتْ بعضَ المَرَح إلى مَلامح البك، الكامِدَة. وقالَ لي فيما البسمَة تومِضُ خلل عينيْه، الماكرتيْن: " ربما وُجدَ البرجُ، يَوماً. ولكنهُ مَفقودٌ في آونتنا هذه. أو هوَ، على الأقل، مُختفٍ عن الأنظار خلفَ العَمائر العاليَة، التي استحدِثتْ في سوق الأروام، مؤخراً ".

لما نطقَ القاروط اسمَ السوق، فكأنما لفظ مُفردة ً، مَسحورة. إذ شاءَ الصّمتُ، المُريب، أن يُحلّق في جوّ الحُجرة، مُوْدِعاً كلاً منا إلى مَساربِ دَخيلتِهِ. إنّ المُضيفَ، فكّرتُ من جهتي، يؤيّدُ بلا مُواربَة إشارَة ميخائيل، سالِفة الذِكر؛ والتي تعيِّنُ مكانَ البرج، المَفقود، عند جهَة سوق الأروام: إنّ ذلكَ النتوء الهيّن، المُتبَدّي في الرّسم على شكل البرج، قد يَكون من إضافة الكنج الكردي؛ والي الشام السابق. فمما هوَ مَعروفٌ، أنّ اضافاتٍ كثيرة، مُتنوّعة الأغراض، جدّتْ على عِمارَة القلعة على مَرّ السنين. فمن المُمكن أنّ البرجَ كانَ إحدى تلكَ الاضافات؛ وأنه شيّدَ لكي يكونَ مَذخراً لثروَة الكنج، القارونيّة.
كنتُ أهمُّ، فِعلاً، بالتلميح إلى مَوضوع الكنز، حينما خرَقَ مضيفنا الصمتَ على غرّةٍ: " على ذِكر ذلكَ الكتاب، الفرنسوي، المَوضوع في القرن السابع عشر. فإنه يَعطينا خبَراً، طريفاً، عن كيفيّة تمكن الرّحالة، صاحِب التذكرة، من دخول القلعة ودونما عوائق، مانِعَة: فبما أنه كانَ مَحظوراً على الإفرنج، كما هوَ مَعلوم، ارتيادَ مثل تلك الأمكنة، الرّسمية، فقد عَمَدَ الرجلُ إلى التنكّر بزي أولاد البلد، مُستغلاً مَعرفتهُ الجيّدة بمَحكيّتنا، المَحليّة "، قالها مُتبسّماً من جديد. عندئذٍ، أجَزتُ لنفسي هذه المُلاحظة : " ولكنّ البك، الفخور بأصلِهِ الدّمشقيّ، ما يفتأ يتكلّم مَحكيّة َ أهل مصر، الطريفة ". بيْدَ أنّ الضيفَ الآخر، هوَ من شاءَ التعقيب على كلام البك:" لا بُدّ أنّ الترحالَ، بعُرْف أولئك الأوربيين، وسيلة ٌ لتحقيق مآربٍ علميّة أو أدبيّة "
" أو دينيّة، أيضاً "، قطعَ المُضيف جُملة صديقنا. ثمّ أضافَ مُوضحاً ما يَعنيه: " إنّ بعضَ الرّحالة، الإفرنج، كانَ يأتي إلى بلادنا بهَدَف الحجّ للأماكن المُقدّسة، في فلسطين. ومنهم، أيضاً، من كانَ يُولي عنايَته للتبشير ". فلاحظ ميخائيل مُتسائلاً : " أليسَ ذلكَ، على أيّ حال، هوَ عَمَلُ الإرساليات الإنجيليّة، المُنتشرَة بكثافة في زمَننا ؟ ". وقالَ البكُ مُوافقا: " أجل، بشكل عام ". وأردَف مُتهكّماً " ويُقال في هذا الشأن، أنّ لدى تلك الإرساليات من الأتباع والأعوان، خصوصاً في ولايات كردستان العثمانية، ما جعلَ حكّامها على جانبٍ من القلق والريبة والإستياء. أما لدينا هنا، في الشام الشريف، فالأمر مُختلفٌ ولا شك. فكانَ مُجرّد عَزم ذلك الوزير، المَنحور، على تثبيت القنصل البريطانيّ، كافياً لهبّة غاضبَة من لدُن الأعيان والعامّة على حدّ سواء ".

" سيّدي، إنّ جنابَ آمر الدالاتيّة بَعثَ من يُخبّر بنيّته في التشرّف بالحضور "
قالَ الوَصيفُ للبك، مُنحنياً بأدبٍ جمّ. وكانَ قد استأذنَ بالدخول مُتقدّماً الخادم المُحمّل بطبق ٍ من لُجَيْن، ناصِع، نضّدَتْ فوقه أصنافُ الفواكه. الثمارُ الصيفيّة هذه، المُنتقاة من حَديقة الدار، كانَ على حضورها أن يُسَجّلَ فاصِلة ً رَطيبة في صفحَة جوّ الحُجرة، المَشحون بحرارَة المُجادَلة. الوَصيفُ، المُتأنق مثل غندور، كانَ فتىً أمردَ، ليّن القدّ ـ كما هوَ شأنُ أقرانِهِ، من مَماليك الكرَج. وكنتُ على مَعرفة به، عابرَة، قبل حلولي ضيفاً في قصر سيّدِهِ.
رُحت أتابعُ حركات الوَصيف المُنتظمَة، المَحسوبة بدِقة، حينما كانَ يُراقب بدَورهِ قيامَ الخادِم على ضيافتنا. فما أن استكملا عملهما، حتى انسحبا من الحُجرة إثر تلويحَة من يَد السيّد، المُضمَّخة بالعِطر. إذاك، عليّ كانَ أن أستعيدَ، ثانيَة ً، صورَة المَملوك ذاك، الصقليّ، مُتواشِجَة هذه المَرّة مع صورَة ضحيّته، المُفترضة؛ وَصيف الزعيم.
وكأنما الفكرة ُ، عَينها، شاءتْ أن تراودَ المُضيف. إذ ما عتمَ أن التفتَ نحوي، قائلاً بنبرَة غير مُكترثة كثيراً: " أعتقدُ أنّ سببَ زيارَة صديقنا، آغا يقيني، يُداور في نتيجَة التحقيق مع مَملوك الزعيم، المُتهم بالقتل ". حدّقتُ بمُحدّثي، حاثاً إياهُ على توضيح ما يَقصدُهُ، فلم يتأخرَ في الاستطراد بالقول: " إنّ الآمرَ ، كما نعلم، هوَ من كانَ قد سلّمَ ذلكَ المَملوك إلى سجّاني القلعة. ومن المُحتمل أنّ مَعلوماتٍ حولَ المَوضوع، جَديدة، قد تسرّبتْ إلى صديقنا من طرَف سَعادة القبجي ".
" وأنتَ، يا سيّدي. هل تشارك الآخرين يَقينهم، بأنّ المَملوكَ هوَ القاتلُ؟ "، توجّهَ ميخائيل بسؤالِهِ للبك. فأومأ هذا رأسَه بحرَكة غامِضة، دلالة على المُوافقة أو الإهتمام. ولكنه أجابَ مُتفلسِفا: " أرى حِرفة التحقيق، الخاصّة بالجرائم المُلغزة، مَعدومة لدينا في المَشرق، مع الأسف. بينما هيَ مُزدَهرة ثمة، في الغرب؛ حدّ أن تؤلفَ في مَواضيعها القصص الطويلة، المُسلّية، من قِبَل أدباء معروفين هناك، فتلقى رواجاً مُنقطع المِثال ". عند ذلك أدارَ ميخائيلُ بَصَرَهُ نحوي، ليقولَ لي مُمازحاً وجادّا في آن: " ها هيَ ذي فرصَتكَ، يا آغا، لكي تضحي بدَوركَ أديباً، مَرموقا. إنّ لدَيكَ، للحقّ، مَوهبة التعبير الشفاهيّ، حينما تقصّ حكايَة ً ما. وأعتقدُ أنّ لغتكَ، العربيّة، هيَ على مُستوى الجودَة نفسه. فإنها جاهزة الآنَ، حكايَة ُ الجرائم تلك ؛ وإنها لمُثيرَة ٌ ومُشوّقة. فما عليكَ، والحالة هذه، سوى التفرّغ لاستنباط مُفرداتٍ مَكتوبة، مُناسِبَة لها ".

" اللغة وَحدَها، يا عزيزي، لا تكفي بطبيعة الحال "
قالَ القاروط لضيفهِ، ثمّ أضافَ مُوَضّحاً " إنّ فنّ القصّ، المُستحدَث، يَحتاجُ من مُبدِعِهِ أسلوباً خاصّا، مُتفرّداً، لا يُشبه قط أساليبَ أندادهِ من الكتاب، الآخرين ـ كما قرأتُ، ذاتَ مرّةٍ، في إحدى المجلات الفرنسويّة ". لم أكترثَ بالمَديح المُثني على مَوهبتي في القصّ، المَزعومة، إلا أنني استفهمتُ من المُضيف عما يَعنيه بالأسلوب. فما كانَ منه سوى النهوض من مقعَدِهِ، ليتوجّه مرّة أخرى نحوَ ذاكَ الجدار، الذاخر بالتصاوير. ثمّ ما لبَثَ أن أشارَ تباعاً إلى رَسمَيْن ، مَفصوليْن عن بعضهما البعض: " لنتمَعنَ جيّداً في هذا الرّسم، المُصمّم من لدُن رحّالة من القرن السابع عشر. ثمّ لنقارنه مع ذلك الرّسم، الموضوع بدَورهِ بريشة رحّالة آخر من القرن الثامن عشر. فماذا نستنتج من الخطوط، المُعتمَدَة هنا وهناك؟ "، قالها القاروط مُتسائلاً. وأجابَ بنفسِهِ على الأثر " إنّ كلا الرّسمَيْن ، على رأيي، يعطيان إنطباعاً للناظر إليهما وكأنما صاحبهما واحدٌ. لماذا؟ لأنّ كلا الرّسامَيْن كانَ هاوياً لا مُحترفاً. وبالتالي، فبالرغم من أنّ قرابَة القرن يَفصل بين المَنظرَيْن ، إلا أنّ أسلوبَ رّسامَيْهما كان على السِمَة عَيْنها "
" أنا مُتفقٌ مَعَكَ ، يا سيّدي "، قلتُ لمُحدّثي على سبيل المُجاملة. وأعقبَ ميخائيل من ثمّ مُتوَجّهاً لمُضيفنا بالسؤال: " ولكن، لِمَ برأيكَ وُجدَ فنّ القصّ عندَ الغربيين، بينما هوَ مَعدومٌ لدينا في المَشرق ؟ ". وعادَ البكُ، ثانيَة ً، إلى خصلة التفلسف حينما أجابَ: " في بدء وَعي الإنسان، كانَ على الخرافة أن تفسّرَ للرجل، البدائيّ، ما يُحيطهُ من أمور الطبيعَة، المُلغزة. على ذلك، فإنّ القصّ استهلّ آنذاك بروايَة خرافاتٍ عن صراع الإنسان مع ظواهر بيئتهِ وكائناتِها. ثمّ تطوّرتْ مَواضيع تلك الأقاصيص، مع تبلور العقائد القديمَة وما تبعَها من نشوء الأديان المَعروفةـ كالزردشتية والبوذية والهندوسية واليهودية والنصرانية والإسلامية. وإلا، فما مَعنى أن يكونَ القرآنُ، على سبيل المِثال، عِبارَة عن سلسلة من قصص الأنبياء، المُسجّلة بلغةٍ مُترَفة؛ لولا أنّ البَدَويّ بطبعِهِ كانَ شغوفا بالخيال والبلاغة على حدّ سواء؟ "
" ليسَ الأمر يتعلّق بالأعراب، وَحدهم. فإنّ العهدَ القديم، أيضاً، اعتمَدَ بشكل رئيس على قصص الأنبياء "، قالَ ميخائيل مُلاحِظاً. فوافقهُ القاروط ببَسمةٍ مُقتضبَة، ثمّ استأنفَ النبشَ في خبيئة الأسلاف: " طبعاً، ولا غرو. فإنّ الوَحي، بحَسَب إعتقاد المسلمين، هوَ رسالة مُتصلة منذ عهد ابراهيم؛ أبي الأنبياء. ولكنني هنا، أرَدتُ القولَ بأنّ بدايَة القصّ، كما الفنّ عموماً، لم تكُ جَماليّة بَحتة. بل إنها توافقتْ مع حاجاتِ الإنسان، الروحيّة. إنّ توْقَ الإنسان للمَعرفة، في آخر المَطاف، لهوَ تعبيرٌ عن خوفِهِ من الفناء ".

" إنكَ، يا بك، تعترفُ الآنَ بأنّ أمورَ الروح هيَ حاجَة ٌ ضروريّة لبني آدم "
قلتُ للمُضيف، مُتبسّماً بدَوري في شيء من الخبث. وفهمَ الرجلُ، الدَهريَ، مَعنى هَمز جُملتي الفائتة. على أنه، كعادَتِهِ، أجابَ مُتسامِحاً: " إنّ الأمورَ الروحيّة، في تعريف أهل اللغة والإختصاص، لا تشملُ العقيدة حَسْب؛ بل هيَ تتصل أيضاً بالفلسفة والأدب والفنّ ". وشاءَ ميخائيل أن يَختتم الجَدَلَ بالقول: " لقد سَعى الإنسانُ، أولاً، لخلاص نفسِهِ عبْرَ الدين. ثمّ وَجَدَ في الفلسفة ضالّة روحِهِ، الحائرَة. وها هوَ اليوم، على ما يَظهر، يرى في الأدب مُنقذاً ".
في تلك الغمرَة من المُفردات الطارئة، الغريبَة، وَجَدتني لا أعير اهتماماً لحديث الأدب، بقدَر اهتمامي المَعلوم، المُعتق، بمسألة القاتل، المَجهول؛ التي دَخلتْ الآنَ في طوْر مُستطير، بتدَخّل قبجي السلطان فيها. وفي واقع الحال، فإنّ إشارَة المُضيف إلى مَوضوع الأسلوب، أدبياً، أجازت لي التفكّر مَلياً بمغامض الجرائم تلك، مُحيلاً إياها إلى أسلوب القاتل، المُفترض: إنّ أسلوبَ القتل، في الجرائم الأربع، كانَ واحداً ولا رَيب. إذ تمّ تسميمُ آمرَيْ الانكشاريّة بالطريقة نفسها؛ أيْ فنجان القهوَة، المُهيّلة. كما أنّ قتلَ كلّ من الوَصيف والعشّاب كانَ بوساطة ذات الأداة؛ وهيَ الخنجر.
وكنتُ في سبيل البَوْح بعبارَة تساؤلي، مُصارحاً كلا الجليسَيْن بدالّة صداقتي لهما، حينما نهضَ ميخائيل فجأة ً: " بعد أذنكما، أيها العزيزيْن. عليّ قضاء بعض الأشغال، ثمّة في المُختبَر "، خاطبنا فيما هوَ يهمّ بمُغادرَة الحُجرة. أدركتُ بأنّ صديقي، الجمّ التهذيب، أرادَ أن يُخلي لنا الجوّ مع الضيف القادِم؛ آمر الدالاتيّة. فما أن مَضى، حتى التفتَ إليّ المُضيف قائلاً: " وإذاً، لنهُرَع بدَورنا إلى قاعَة الضيافة، كيما ننظر في أمر آغا الأورطات ". وكانت لهجتهُ، كما لحظتُ، مُتمادِيَة هنيهتئذٍ بتوَجّس خفيّ، طاريء.
لاحِقا، في ذلكَ النهار، أدركتُ أيضاً بأنّ حَدَسَ البك، الصائب، فيما يَخصّ سبب زيارَة الدالاتي باش، غير المُتوقعَة، إنما لكون علاقتهما كانت قد أضحَتْ باردَة إثر كشف مَسألة رسالة عزيز مصر، المُوجّهة لأعيان الشام.






قناة الحوار المتمدن على اليوتيوب
واقع ومستقبل اليسار العالمي والعربي حوار مع المفكر الماركسي الفلسطيني غازي الصوراني
حول آفاق ومكانة اليسار ، حوار مع الرفيق تاج السر عثمان عضو المكتب السياسي - الحزب الشيوعي السوداني


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفصل السادس : مَجمر 7
- الفصل السادس : مَجمر 6
- الفصل السادس : مَجمر 5
- الفصل السادس : مَجمر 4
- الفصل السادس : مَجمر 3
- الفصل السادس : مَجمر 2
- الفصل السادس : مَجمر
- الرواية : مَطهر 9
- الرواية : مَطهر 8
- الرواية : مَطهر 7
- الرواية : مَطهر 6
- الرواية : مَطهر 5
- الرواية : مَطهر 4
- الرواية : مَطهر 3
- الرواية : مَطهر 2
- الرواية : مَطهر
- الأولى والآخرة : صراط 7
- الأولى والآخرة : صراط 6
- الأولى والآخرة : صراط 5
- الأولى والآخرة : صراط 4


المزيد.....




- العثماني: الوضعية مقلقة وقرار الإغلاق صعيب وأنا حاس بكم
- الفن يزيح الغبار عن أصحاب المعاناة.. الفنان المغربي نعمان لح ...
- الطمأنينة الوجودية في -رحلة اتراكسيا- للكاتب سليمان الباهلي ...
- الجزائر والعقدة المغربية المزمنة
- شاهد: باريس وآخر ابتكارات كورونا.. -ابقوا في منازلكم وحفلات ...
- العلماء يترجمون بنية شبكة العنكبوت إلى موسيقى -مرعبة-
- مجلس الحكومة يتدارس يوم الخميس مشروع مرسوم يتعلق بتنظيم الصن ...
- فنان عراقي يصدم جمهوره بعد تسريب تقارير عن حمل نجمة خليجية. ...
- مصر.. محمد رمضان يكشف تفاصيل مشهد قتل الحصان المثير للجدل
- مصر.. فنانة مشهورة تثير الجدل بشأن ديانتها بسبب منشور عن شهر ...


المزيد.....

- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني
- ظلال الاسم الجريح / عبداللطيف الحسيني
- أسأم / لا أسأم... / محمد الحنفي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفصل السادس : مَجمر 8