أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفصل السادس : مَجمر 7















المزيد.....

الفصل السادس : مَجمر 7


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 3069 - 2010 / 7 / 20 - 14:49
المحور: الادب والفن
    


دأبي كلّ صباح ، مذ حلولي ضيفاً على البك المصري، ضرَبتُ ساعة ً في أرجاء هذه الجنة.
كلفي بالمَكان، لم يكن مَرهوناً، حَصراً، مع اهتماماتي المَنذورة للعطارَة. إذ لطالما استهوى الجَمالُ نفسي، بمَذاهبهِ كافة. وها هيَ صُنعة الخالق، الجَميل، تتجلّى باهِرَة ً في خطط الحَديقة هذه، المُلحَقة بالقصر. وإنها لتتبَدّى على أكمل وَجه، ما لو شهدَها المَرءُ من المَنظرة: إذاك، فإنّ مَشهَدَ الحديقة ليُماثل هيئة قرص الشمس؛ مَركزهُ البركة الدائرية الشكل، المُحوّطة بالأقحوان الأصفر؛ فيما المماشي المُتناهية إليها تتألقُ بأنقاء الرَمل الخشن، المُفضض، والذي يبدو بدَوره على شكل أشعّة لألاءة. ثمة تماثيل مَرمريّة، مَجلوبَة من أوروبة، لِسباع تتحلّق مُتدابرَة وبركة الحديقة تلك، المَوصوفة. إنّ صانع هذه التماثيل ـ وليغفر الربّ لي التشبيه ـ قد بثّ فيها الروحَ، حدّ الايهام بأنها دوَيْباتٍ حيّة تسعى إلى رزقها.
تنحَيتُ عن قرص الشمس الأرضيّ، المُخضوضر، لكي أستقبلَ أصله السماويّ، المُذهّب، المُترامي السبائك على الجوانب الجنوبية للحديقة. مَوعِدُ حُضور العشّاب، فكرتُ، لم يَكن قد آنَ بعدُ. وكانَ في نيّتي الاستمرار في التجوّل هنا، خلل الخضرَة المُونِقة، حينما فجأني صوتُ سُعالِهِ، المألوف. تطلعتُ نحوَ جهة الخدَملك، لأرى العجوزَ مُقبلاً بمَشيته الوَئيدَة، المُتبخترَة. بادَرني بتحيّة الصباح، فيما ابتسامتهُ المُتغضِنة تنفرجُ عن الفم الأدرَد.
إنّ هذا العشّاب، العجوز، كانَ مُختلفاً تماماً في طبْعِهِ عن ندّه ذاك، المَرحوم؛ الذي عَمَلتُ مُساعداً له، أثناء فترة التخفي في مدرسة الحديث، البرّانية. إنّ ظرافة الأول، المَلحوظة، لتعادِلَ هِمّة الآخر، الجَمّة. فضلاً عن ذلك، كانَ عشّابُ القصر، المَرحُ، حَفيلَ الحَصافة والنباهَة. إنّ سِعَة مَعرفتِهِ بمواضيع الانبات والتشجير، جَعلتْ سيّدَهُ يَستغني عن إنابَة بُستانيّ، خاص، لشؤون الحديقة هذه، الحافِلة. ثمّة خِصْلة في الرَجل، جَعلته مُقرّباً إليّ؛ وهوَ كونه مُتفرّداً بأصله الشاميّ، الصالحانيّ، بينَ الأتباع الآخرين، المَجلوبين جميعاً من مصر.

" إنّ قطيعَ أعوام عُمْركَ، كما يُخيّل إليّ، ضاعَ أكثرُهُ في مَفازة الشهوَة "
قلتُ للعشّاب العجوز، المُنهمِك في شؤون قواريرهِ. الإنشراحُ، بدا على سِحنة الرجل، المُتخمَة بخطوط الزمَن، حينما شاءَ اجابتي مُتماجناً كعادَتِهِ: " ولكنّ خيالكَ، يا قاموسَ الوَطيس، لم يَخطر له اختصار اُثال العَطارة في صِفة واحدَة، حَسْب "
" أيّ صِفة لدَيك، يا رَهينَ الخِصيتيْن ؟ "
" هيَ، في حقيقة الأمر، تعازيمٌ مُختمَة في حِجاب "، أجابَ بجدّية هذه المَرّة. وبالرغم من لهجته، المُلفقة بالعَبث، فإنّ اصرارَهُ على تحدّي ما اكتنزهُ من علوم العطارَة، كانَ ما يَفتأ يُثير حنقي. على ذلك، تطلّعتُ إليه مُتحدّياً بدَوري: " أطلِقْ من إسارهِ، إذاً، حِجابَك المَوصوف "، قلتها مُستخِفاً. عندئذٍ حدّق فيّ بتمَعن، ثمّ ما عَتمَ أن عَرَضَ كفه الأيمَن أمام ناظري: في بنصَره، كانَ ثمّة خاتمٌ كبيرٌ نوعاً، من مَعدن حائِل للفناء، مُتوّجٌ بالمُقابل بفصّ، زاهٍ، أزرَق السِمَة؛ فصّ، يَمتّ ربما لحجَر اللازوَرد. ولم أنتبَه لِمُراد العجوز من حَرَكته تلك، إلا بعدما أجابني بغموض: " إنّ زمَنَ نيابَتِهِ، خاتم الطلاسِم هذا، مَوقوتٌ بكوكب عطارد؛ المَنذور ليوم السَبت ". وفيما كنتُ أتفكّرُ بأننا اليومَ في عُطلة الجُمعة، المُبارَكة، إذا داخلي يِشعّ بفكرَةٍ أكثر جدّة. إذاك ندّتْ عني آهة ُ دَهْشةٍ، عندما اقتحمَ ذاكرتي طيفُ المَملوك الصقليّ، المَشبوه. بيْدَ أني سُرعانَ ما طرَدته من خاطِري، حينما طرأتْ لي صورة أخرى، مُغايرَة تماماً.
" هل تناهى لِعلمِكَ، أيها الشيخ، خبَرُ قرين ٍلهذا الخاتم، يَزعمُ إزالة حُجُب الإشارات، المُرَمَّزة؟ "، توّجهتُ بسؤالي لدَعيّ المَعرفة. وكنتُ في هذه الهنيهة مُهتماً بأمر خاتم مَولانا، القدْسيّ؛ الذي فقِدَ مني في ظهيرة الانكشارية، الجَهنمية. عينا العجوز، المُؤرَثتان بجَمرات المَكر، ما لبثتا أن تألقتا ببوارق الزَهو. إلا أنه شاءَ أن يَطرق برأسه، مُتفكّراً مَلياً، قبل أن يَفتحَ فمَهُ: " كلّ مُجدّ في طلبِ شيءٍ، لا بدّ أن يَعرض من مَطلوبهِ إشارة "، قالها بإلغاز. فما أن طرقَ سَمعي بالمُفردة الأخيرة من جملة العجوز، الفائتة، حتى ألمّ بذهني وَميضٌ مُباغِتٌ: " آه، يا لي من غبيّ. إنّ ذلكَ المَملوك، المَنحوس، هوَ من سلبَني خاتم مولانا، إضافة ً لِحِزمَة الأوراق تلك؛ التي انتزعَتها ياسمينة من كناش الشيخ البرزنجي "، خاطبتُ سرّي بسُخطٍ ومَوجدَة. وإذ وَصلتُ بفكري إلى تلكَ النقطة، القاطِعَة، رأيتني أتناهضُ فجأة ًلأغادرَ المُختبَر مُتوجّهاً بخطو مُتماهل نحوَ قاعة المكتبَة ـ كما لو كنتُ في سبيلي لأجمّ ذهني، استعداداً لجَولة جديدةٍ من الجَدَل.

حينما كنتُ أستعيدُ صورة َ الصقليّ، كانَ هوَ قد أضحى نزيلاً في احدى زنازين القلعة، الرَهيبة. جرى الأمر ، في واقع الحال ، بالضدّ من إرادَة سيّدِهِ. إذ وبالرُغم من أنّ الزعيم سبقَ وتهدّد مَملوكه بتسليمِهِ لقبضة القبَجي، الماحِقة، إلا أنه ما كانَ ليَفعلَ ذلكَ، حقا: إنّ خبيئة المَملوك، المَشبوه، هيَ بمثابَة كنز مَعلوماتٍ، سرّية، كانَ السيّدُ أكثر حِرصاً على ابقائها بعيداً عن عِلم أهل الفضول.
ولكنّ المَسألة شهِدَتْ تطوّراً، مُستطيراً، عندما تدخلَ آمرُ القابيقول فيها. وكنتُ، من جهتي، شاهِداً على حضور الرَجل إلى مَنزل عبد اللطيف أفندي، بُغيَة المُفاوضة مع مَجلس العموميّة، كما وأعيان المَدينة الآخرين، بشأن التصدّي للوالي المصريّ، الغازي. فما أن اُبلِغَ بأمر المَملوك، وأنه هوَ من دسّ السمّ لسَلفِهِ، حتى التفتَ آغا باقوني إلى كبير الأعيان قائلاً له: " لا مَظنة لدَينا من جهَتكم، أيها الزعيم. وإذاً، أتمنى أن تتفهّموا طلبي هذا على حقيقتِهِ؛ وهوَ أن نتسلّم مَملوككم ذاك، المُشتبَه بأمرهِ، لكي نحقق معه بأنفسنا ثمّة، في القشلة "
" هل تعتبرون ذلكَ، شرطاً؟ "، ردّ الزعيمُ من فورهِ. تلقى الانكشاريّ السؤالَ بهزةٍ من كتفِهِ، مُستهتِرَة، ثمّ أجابَ بغلظة: " نعم، إنه كما تفضلتم ". هنا، تدخلَ آمرُ الدالاتية: " أصبَحَ أمرُهُ فرْطاً، ذلكَ النزاع بينكم؛ طالما أنّ قاتلَ المرحوم آغا أميني قد كشِفَ سِترُهُ، في نهاية المَطاف "، قالها بنبرَة مُحايدَة وأضافَ " ليكنْ المَملوكُ، في هذه الحالة، بعِهْدَة مُمثل مَولانا السلطان، المُعظم؛ ثمة، في القلعة. إنّ جلادي سَعادة القبجي، ولا غرو، همُ الأقدَرُ على سَحب الإعترافات من المُتهم. فلنطو تلكَ الصفحَة، السوداء، ولنفتتحَ صفحة أخرى، ناصِعَة، من التعاون والإخاء والإخلاص ". وبما أنّ آغا يقيني هوَ أحدُ أركان مَجلس العموميّة، فإنّ آمرَ القابيقول لم يأخذ اقتراحَهُ على مَحْمَل من الجدّية، كبير ٍ. عندئذٍ ما كانَ من الشيخ، النقشبندي، إلا أن يَدخل بدَوره على خط المسألة: " فليَكنْ الأمْرُ شورى بيننا ، بحَسَب الكتاب الكريم "، قالها وما عتمَ أن أردَفَ مُوَضِحاً: " إنّ اجتماعنا هذا، كما ترون، يَضمّ مُعظمَ أعيان المدينة. وإذاً، لا مَجال هنا سوى لصَوت الضمير، حَسْب ". أمامَ إرادَة الأكابر، المُوحّدة، اضطرَ الانكشاريّ للإذعان، أخيراً. وكذلكَ فعَلَ، على كلّ حال، حينما تمّ بَحثُ المسألة الأخرى، الأكثر خطورة؛ أيْ توحيد القوى بوَجه الغاصِب، المصريّ.

كذلكَ كنتُ أتفكّرُ، وأنا مُعتكِفٌ في حجرة مَكتب المُضيف، الفارهَة، مُطوَّقا بلفيفٍ من المُجلّدات، المطبوعَة بلغاتٍ مُختلفة. ثمّة أقرانٌ لجند المَعرفة أولئك، قد تراصَفوا بانتظام فوق الطاولة المُستطيلة، المَشغولة من خشب ثمين، نادر: فنجان بورسلين للقهوَة؛ علبة مُفضضة للتتن؛ قارورة عطر، كريستاليّة؛ ومُنمْنمَة إسلاميّة من فنّ فارس، مؤطرَة بالعاج المُصدّف، الشاميّ؛ منمنمة، مُوشاة بآياتٍ من كتاب الله، موضوعَة فوقَ مكتب البك، المُشهر إلحادَهُ.
إذا صحّ حَدَسي، فكرتُ مَغموماً، فإنّ أكثرَ ما يُمكن أن يَخشاهُ الزعيم، هوَ احتمال أن تكونَ ابنته، نرجس، مُتورَطة مع المَملوك الصقليّ بشكل ٍما. فهذا الأخير، ليسَ من نوع البشر، المَهووسين بنزعَتيْ الإنتقام وسَفك الدّم، المَجانيتيْن. إنه، بالمقابل، شخصٌ طموح للغايَة، كانَ يتحيّنُ الفِرَصَ دوماً، لكي يثأرَ من ماضيه، الأليم، عن طريق تبوّأ سِدّة ما، عُليا. ولا أعني بذلكَ، سَعي المملوك لِشغل وظيفة الوَصيف؛ بل ما هوَ أبعد، بطبيعة الأمر. فلو أنه، حقا، ذلكَ القاتل، المَجهول، فإنّ تلك الجرائمَ، المَعلومة، المُقترَفة بالسمّ والخنجر سواءً بسواء، إنما كانت قرابينَ طموحِهِ، المَوصوف: ربما كانَ المَنحوسُ يأمَلُ بتملّك الكناش ( أو الأوراق القليلة، المُنتزعَة منه )، وُصولاً للعثور على كنز الكنج، المَنشود. من يَدري؟
" إنه كانَ يُريد إعادَة دَور ذاكَ الخِصي، المَشهور في التواريخ؛ المَدعو كافور الاخشيديّ "، قلتُ في سرّي ساخِراً بمَرارة. وتشديدي على المُفردة الأخيرة، مَبعثه أني كنتُ وقتذاك ما أفتأ على ريبَةٍ، بيّنةٍ، من أمر المَملوك؛ ريبة، مُحالة هذه المرّة إلى كون الجرائم تلك، الأربع، تبدو مُستحيلة الارتكاب بيَدِهِ، لوَحدِهِ. فهل كنتُ أتنبأ وقتئذٍ، أمْ أنّ الوقائع قد اختلطتْ عليّ هنا؛ في جزيرة المَنفى هذه، المُوافِقة لِخَريف العُمْر ؟
ولكنّ ذلكَ الارتقاء للسدّة، العليا، تحققَ للصقليّ على أيَ حال؛ حينما ارتقى دَرَجات سلّم المَشنقة: ها أنا ذا، وعلى عكس ما وَعَدتُ به نفسي فيما مَضى، أجازفُ في استباق الأحداث مُبلبلاً بذلكَ تسلسل القصّة. وإذا كنتُ على يقين، راسِخ، بأنّ أحداً لن يُقدّرَ له قراءة أوراق كناشي هذا، فإني أجدُني غيرَ مَلوم حينما أقرنهُ مع اللوح الإلهيّ، المَحفوظ؛ ما دامَ كلّ منهما يَطوي على نفسِهِ كلماتٍ مُسجَّلة من لدُن مُدَوّن، مَجهول.

ما مَضى على وَقت غيابهِ سوَيعة أو نحوَها، حتى أقبلَ ميخائيل إلى المَكتب عَبْرَ مَدْخلِهِ، الوَحيد، المَوصول بقاعَة الضيافة. اختارَ مَجلسَهُ على أحد الكرسييْن، المُظهَريْن بالجلد الفاخر، والمُتقابليْن عند قاعدَة مَدخنة المَوقد، الزاهيَة. عندئذٍ رأيتني أقومُ من مكاني خلفَ المَكتب، لكي أشغلَ الكرسيّ الآخر، الفارغ. زجاجُ نافذةِ الحُجرَة، الشديدُ الشفافيّة، كانَ يَكشف سِحْرَ الزّهر والثمَر والشجَر، المُحتفية به حديقة القصر. وكانت نظرات كلّ منا، نحنُ جليسَيْ المَكتب، تتناهى إلى تلك المَناظر، المُترائيَة خلل بللور النافذة تلك، الشفيف.
" يَدُهُ خضراء بقدَر ما لسانه لاذع؛ ذاكَ العشّاب، العجوز "، قالَ لي صديقي. تطلعتُ نحوَه مُتأملاً إياهُ، قبلَ أن أعَقِبَ بالقول: " إنّ لهجَتكَ، بدَورها، تتبطن التوَترَ بقدَر ما تظهر المَرَح ". لم يَتكدّرَ هوَ من تلكَ المُلاحَظة، المُفصِحَة عن مَبلغ فضول صاحبها. إذ اتسَعَت حَسْب مَساحة ابتسامتهِ، السَمِحَة. وما عَتمَ أن نهضَ على غرّةٍ، ثمّ همّ بذرْع أرضيّة الحُجرَة، المُرَخّمَة، بخطاه المُتمهّلة، الساهِمَة. ثمّة، قربَ الرسوم العديدة، المؤطرة بالوَرق المُقوّى، والمُثبّتة في الجدار الخالي من خزائن الكتب، راوَحَتْ قدما صديقي، الدقيقتيْن.
" أظنّ أنّ ذلك الرحّالة، التوسكانيّ الأصل، الذي أبدَعَ هذه التصاوير، لا بُدّ أنْ يُنكِرَ أصولها ما لو قدّرَ له أن يُبعَثَ ثانيَة ً إلى الحياة "، قالها مُعلّقا على احدى الرسوم، المُجَسّدَة منظرَ القلعة الدمشقية. من مكاني، المَعلوم، رُحتُ أعاينُ ذلكَ الرّسم، المُتقن، المَوضوع بقلم الفحم. فلم ألبث أن علّقتُ أيضاً على كلمَة مُحدّثي بالقول: " فإنّ نجمَهُ مِنَ السّعدِ، ذلكَ الرحّالة، أنه لمّ يَهلّ في ليل زمَننا، المَبخوس الفأل "
" تعالَ وانظرْ هنا "، هتفَ فيّ ميخائيل بشكل مُباغتٍ. وحينما أطعتهُ واقترَبتُ من مَوقفِهِ، كانت يَدُهُ ما تفتأ تشيرُ إلى الرّسم: " عليكَ التدقيقَ في هذا البُرج، المُشرف على سوق الأروام "، عادَ صديقي للمُلاحَظة. تركتُ بَصَري تائهاً في فلواتِ تلك الناحيَة، المَوْسومة، قبلَ أن اؤوبَ به ثانيَة ً إلى حيث صاحبِ المُلاحَظة، المَلولة. وقلتُ له مُعترفاً بقلّة حيلة ذهني: " لم أجد غرابَة ما، مُلفتة، في هذا التصوير "
" بلى، إنه الغرابَة عينها. بل أجدُني أجزمُ، بأنّ سرَّ البرج الثالث عشر، المَفقود، إنما يَكمنُ هنا "، أجابَ بنبرَةٍ قويّة، فيما كانَ يُطرقُ بكفه، الأيمَن، على مَوضع مُعيّن في الرّسم ذاك.

" صَدّقني، ليْسَ ثمّة برجٌ مَفقودٌ؛ وبالتالي، فلا كنز هناكَ أيضاً "
قلتُ لميخائيل بلهجة جازمَة، ثمّ أضفتُ على الفور " لقد تأكدنا، أنا والأفندي، بأنّ حِزمَة الأوراق، المُنتزعَة من الكناش، خاليَة ٌ من أيّ إشارَة، أو خِطةٍ، تتعلّقُ بكنز الكنج، المَزعوم ". هزّ رأسَهُ، علامَة ً على تصديقِهِ مَعلومتي، ثمّ ما لبثَ أن طرَحَ رأياً في مَغامِض المَوضوع. " وإذاً، نحنُ أمامَ احتماليْن، مَعقوليْن: أولهما، أنّ مُضيفنا قد حاوَلَ إيهامِكَ بعدَم استفادَتِهِ من الكناش ذاك، المَسروق من منزل الزعيم. أما الاحتمال الثاني، فهوَ أنّ المَملوك الصقليّ، المَشبوه، كانَ قد انتزعَ بدَورهِ وَرَقة من الحِزمَة تلك، مُتضمّنة سرَّ الكنز ". أعمَلتُ فِكري بسُرعَةٍ في قراءة صديقي، الباهِرَة حقا، للمَعميّة تلك. ثمّ ما عَتمتُ أن أظهرتُ مَيلي إلى الإحتمال الثاني، قائلاً بيقين: " منذ البدايَة، كانت رَيْبتي مُوجّهة نحوَ المَملوك: لأنه هوَ من كانَ قد أبدَل ثيابي، حينما كنتُ بعدُ غائباً عن الوَعي؛ ولإنه كذلكَ يُجيد العربيّة بشكل ممتاز. وكانَ قد سبقَ له أن إدّعى أمامي، كذباً على الأرجح، بأنه لم يتسنّ له الوقت لقراءة الكناش؛ حينما تمّتْ سَرقتهُ بأمر من الوَصيف ذاك، القتيل "
" ولكننا، بطبيعة الحال، لن نهمِلَ شأنَ الاحتمال الآخر؛ وهوَ أنّ صاحبَنا، البك، قد يكونُ كذبَ عليك بزعمِهِ أنّ الكناشَ المَوجود لديه، كانَ خال ٍ من سرّ الكنز. ولو شئنا مُراجَعَة أفعالَ الرّجل، منذ عَودتهِ من القاهرة، للحظنا بسهولة أنه كانَ يُخطط بصَبر و رُويّة لهذا الأمر: أن تصِلَ أوضاعُ ولايتنا إلى ما هيَ عليه الآن، من الفوضى والفرَق واليأس؛ ومن ثمّ حضّ محمد علي باشا، الطموح، في عدَم التردّد بانتهاز ذلكَ سانِحَة ً لتحقيق حُلمه في ضمّ الشام لأملاك ولايتهِ "، قالَ لي ميخائيل. من جهتي، تابَعتُ تقليبي في مَدارج سيرَة البك المصري، الماكر، قبلَ أن أجيزَ لنفسي طرحَ السؤال التالي: " أتعني أنّ هَدَفَ البك، في نهايَة المَطاف، هوَ إيجاد موطأ قدَم له ثمة، في القلعة؛ عن طريق احتلالها بالقوّة من لدُن عسكر صديقِهِ، الباشا المصري ؟ ". وقبلَ أن يهمّ مُحدّثي بالإجابَة، إذا بحَمْحمة المُضيف، المُعتادَة، تتصاعَد على غرّةٍ من وراء صفق بابِ الحُجرَة، المُوارَب.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفصل السادس : مَجمر 6
- الفصل السادس : مَجمر 5
- الفصل السادس : مَجمر 4
- الفصل السادس : مَجمر 3
- الفصل السادس : مَجمر 2
- الفصل السادس : مَجمر
- الرواية : مَطهر 9
- الرواية : مَطهر 8
- الرواية : مَطهر 7
- الرواية : مَطهر 6
- الرواية : مَطهر 5
- الرواية : مَطهر 4
- الرواية : مَطهر 3
- الرواية : مَطهر 2
- الرواية : مَطهر
- الأولى والآخرة : صراط 7
- الأولى والآخرة : صراط 6
- الأولى والآخرة : صراط 5
- الأولى والآخرة : صراط 4
- الأولى والآخرة : صراط 3


المزيد.....




- هاني شاكر عن -ظهوره الجديد- بالبايب والبرنيطة: طاير برد فعل ...
- وفاة الشاعر السوداني الكبير علي شبيكة
- أول رد من محمد رمضان على اتهامه بـ-شتم- سميرة عبد العزيز
- مصدر أمني مصري: بدء إجراءات ضبط الفنان أحمد فلوكس بمجوب حكم ...
- الممثل المصري محمد رمضان يشعل مواقع التواصل مرة أخرى والسبب ...
- الممثل المصري محمد رمضان يشعل مواقع التواصل مرة أخرى والسبب ...
- مصر.. عضو بمجلس الشيوخ يتقدم بمذكرة عاجلة حول إساءة محمد رمض ...
- لوحتان نادرتان لا يُعرف من رماها على قارعة الطريق
- وفاة الفنان سيد مصطفى -أشهر كومبارس في تاريخ السينما- عن 66 ...
- مصر.. محكمة القضاء الإداري تصدر قرارا مؤقتا في دعوى منع محمد ...


المزيد.....

- ترانيم وطن / طارق زياد المزين
- قصة الخلق . رواية فلسفية. / محمود شاهين
- فن الرواية والسينما والخيال: مقابلة مع سلمان رشدي / حكمت الحاج
- أحمر كاردينالي / بشرى رسوان
- بندقية وكمنجة / علي طه النوباني
- أدونيس - و - أنا - بين - تناص - المنصف الوهايبي و - انتحال - ... / عادل عبدالله
- التوازي في الدلالات السردية - دراسة ذرائعية باستراتيجية الاس ... / عبير خالد يحيي
- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - الفصل السادس : مَجمر 7