قراءة ناقدة في كتاب -كنت اتحاديا- لعبد الجليل باحدو (الجزء الرابع والخمسون)


أحمد رباص
الحوار المتمدن - العدد: 8773 - 2026 / 7 / 21 - 02:47
المحور: الادب والفن     

في فقرتين اندرجتا تحت عنوان "استراتيجية المنصب الوزاري"، وتوزعتا بين الصفحتين (489 و490)، جرى الحديث عن استراتيجية "الوزارة بأي ثمن". من خلال هاتين الفقرتين يلاحظ المتتبع لخط لشكر نمطين متكررين حسب قرب التعديل الحكومي. في هذا الوقت، "يطفئ الأنوار ويخرس الأبواق" و"يتقزم ويتدلل ويتوسل"، مستدعيا خطاب "الاستعداد لخدمة الوطن وحل المعضلات". في هذه الأثناء، يكون الاتحاد الاشتراكي، المتماهي مع إدريس الثالث، "مستعدا لكل التنازلات والتضحيات والقبول بأي عرض" فداء للمنصب الوزاري".
أما عند خيبة الأمل وضياع الوزارة، "تنتفخ الأوداج وتقرع طبول المعارضة"، مع الادعاء بأن "البلد يسير إلى لمنحدر ولا شيء يتحقق بدون مشاركة الاتحاد"؛ لهذا "يجب وضع حد لتغول الحكومة" واستعادة التوازن المؤسساتي".
ويبقى الموقع الطبيعي في الحكومة مع أي كان. ذلك هو إيمانه الراسخ في عقيدة اشگر. لا يهمه الحزب الذي يكون معه في الحكومة. سواء كان حزب العدالة والتنمية، أو حزب الاستقلال، أوحزب التجمع الوطني للأحرار، أو حزب الوفد، أو حزب بوركينا فاسو، أو حزب العمال البرازيلي، أو حزب وحيد القرن في كندا، أو حزب محبي البيرا في بولندا". المهم هو أن يكون لشگر وزيرا مشاركا في الحكومة.
في هذا المقام، تم إيراد شهادة عبد اللطيف وهبي، الأمين العام السابق لحزب البام، وصف فيها لشكر بـ"الطماع الأناني الذي ضيع مجد حزب عتيد" واتهمه بـ"الابتزاز ليحظى بموقع حتى ولو كان نشازا أو تمثالا".
وانطلاقا من تلك المعطيات خرج الكاتب بهذا الاستنتاج: "إذا لم يتم توزير إدريس الثالث في نهاية مساره فسينتهي به المقام في بويا عمر أو بناية الرازي بسلا". وفي آخر استجواب مع الرمضاني، أشاد بإنجازات الحكومة وقال: "أسفنا لفرض التموقع في المعارضة. وضعنا كان يجب أن يكون في الأغلبية. كنا نود أن نكون من صناع القرار".
على غرار كل الفقرات التي يتكون منها الكتاب، لم تسلم هاتين الفقرتين من أخطاء. ففي الفقرة الأولى، في السطر السادس تحديدا، وضع المؤلف الفاصلة بينما كان الأجدر به إحلال النقطة محلها. كما أنه لم يحسن التخلص عندما انتقل إلى ما وصفه به وهبي لشگر ولم تكن عملية الانتقال هاته موفقة حينما استعمل واو الاستئناف. وفي رأيي، كان عليه استعمال أداة الربط "لهذا" التي تتكون من حرف الجر (اللَّام) واسم الإشارة (هذا). تستخدم في اللغة كأداة ربط تفيد التعليل والنتيجة، حيث تربط بين جملتين؛ الأولى توضح السبب، والثانية توضح النتيجة المترتبة عليه. وفي السطر الثالث من الفقرة الثانية، لم ينتبه الكاتب إلى أن عبارة "إعادة التوازن المؤسساتي" تستلزم تحديد الجهة التي يجب إعادة التوازن إليها، والحال أنه لو انتبه جيدا لاستعمل "استعادة" أو "استرداد" عوض "إعادة"..
امتدت تفاصيل عنوان "السوق الكبير للتزكيات" على الجزء الأكبر المتبقي من الصفحة (490) وعلى الصفحة (491) بأكملها إلى أن استولت على غرة الصفحة الموالية. وإذا أردنا عبارة تلخص مضمون هذه الفقرات الثمانية، لكانت هي "تحويل الاتحاد إلى وكالة انتخابية"؛ ذلك أن إدريس لشكر فتح باب الحزب أمام "الأعيان القادرين على شراء الأصوات"، فأصبح الاتحاد ملجأ لناهبي المال العام ووكالة تستقبل الوافدين من أحزاب اليمين الذين لم يجدوا مكانا في قوائم أحزابهم الأصلية.
يستقبلهم بالأحضان مع أعطياتهم الممنوحة لصندوق زاويته. اعتبر خصومه هذه المنح مالا حراما مستخلصا من بيع التزكيات، فحتى الصحافة الموالية للنظام بدأت تتحدث عن متخصصين في تسويق اعتمادات الترشيح.
ومن الأمثلة التي أوردها المؤلف كأدلة على صفقات التزكيات حالة عبد القادر الطاهري الآتي من حزب العدالة والتنمية، ورئيس جماعة "حجر النحل" المتابع على خلفية الاستيلاء على 20 هكتار من الأراضي السلالية وبسبب ملفات فساد. نددت به الكتابة الإقليمية بطنجة. ثم هناك حالة يوسف بنجلون المتحدر من نفس الحزب، ووكيل لائحة مقاطعة طنجة. وهناك حالة الأمين البقالي الطاهري، وكيل دائرة شفشاون. وأخيرا، هناك حالة المرحوم محمد الملاحي، برلماني عن تطوان لولايتين. وفي إطار رد الجميل، قام بإهداء أرض كبيرة في وادي لو للكاتب الأول.
ضمن هذا السياق، أورد الكاتب شهادة الدكتور حسن نجمي: "يطرد المثقفين ويهمشهم ويحتضن الانتهازيين والوصوليين والشناقة".
وهذا برلماني غير اتحادي حكى عن مساومة على التزكية بمبالغ تنازلية، فما كان منه إلا أن قدم استقالته من الحزب والغرفة التجارية.
النتيجة المأساوية لم تكن شيئا آخر غير ترييف الحزب وتغيير هويته. وهكذا أدت سياسة المزاد على التزكيات إلى نقل مركز الثقل من الحواضر الكبرى إلى البوادي بعدما جرى الاعتماد على الناخبة القروية المحافظة ودور الأعيان المحليين. وصارت بالتالي علاقة القواعد بالقيادة زيونية أكثر منها إيديولوجية نتيجة تبخيس العمل السياسي.
كذلك أدلى الكاتب بشهادة لفتح الله ولعلو يقول فيها: "إلى بداية السبعينيات كان العالم القروي ممنوعا على الاتحاد. حين فتح لنا الباب القروي أقفل باب المدن الكبرى. فمن الناحية السوسيولوجية صار الاتحاد الاشتراكي حزبا قرويا انتخابيا.
بفضل حسه السياسي، تفوق المؤلف نسبيا في تشبيه البرلمانيين أصحاب الشكارة بالطيور المهاجرة. فكلما استشعروا قدوم موسم جفاف يرحلون إلى أحزاب (مناطق) أكثر رطوبة.
بنفس الحس النقدي، تحدث عن صفقة الرحامنة 2026 التي رست على شخص غير متعلم، بارع في النشاط الاجتماعي والتنفيس، ومتصالح مع الجمارك. وكانت تزكيته دليلا على وصول الحزب إلى قمة الرداءة والانحطاط. وختم بشهادة الحبابي التي جاء فيها أن "الاتحاد الاشتراكي تمخزن وقد نجح إدريس البصري في ذلك".
(يتبع)