أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمزة رستناوي - جيل التسعينيات الشعري و الرومانسية الجديدة















المزيد.....

جيل التسعينيات الشعري و الرومانسية الجديدة


حمزة رستناوي

الحوار المتمدن-العدد: 1870 - 2007 / 3 / 30 - 05:23
المحور: الادب والفن
    


لن أختزل التجارب الشعرية لجيل التسعينيات السوري في تيار الرومانسية الجديدة , و لكنه يبدو لي الجديد الذي قدمه هذا الجيل.
فقصيدة التسعينيات هي الوريث الشرعي لقصيدة رواد الحداثة السورية في الستينيات, و لكنها قصيدة بدأت تدريجياً تغادر أبوتها , و تطرح نفسها كحساسية متميزة, فقصيدة التسعينيات نمت داخل سياق حداثة التفعيلة الستينية, بينما قصيدة النثر السورية في جيل الثمانينيات هي نسق مختلف شكلا ً و فلسفة عن قصيدة رواد الحداثة في سوريا.
و لكن ما الذي يجمع شعراء جيل التسعينيات , و ما هو التطوير الذي أوجدوه في مفهوم الشعرية؟
و ما هي السمات العامة لهذا التيار المهيمن في عقد التسعينيات مقارنة مع القصيدة الستينية؟
1- الابتعاد عن الإبهام و الاقتراب من البسيط, رغم أن الغموض بحد ذاته مفهوم نسبي
2- الابتعاد عن التكلف و البناء اللغوي المعقد, و العمل على الصياغات الموحية ذات الشفافية على صعيد المفردات و التراكيب
3- الابتعاد عن الأسطورة, و تقنين استخدامها, بعد أن سادت عند شعراء جيل الستينيات السوري, و لا سيَّما أساطير الخصب و النماء و الانبعاث, و يبدو أن غياب الأسطورة و تقنين استخدامها كان منطقياً عند شعراء التسعينيات, فابتعاد الشعراء عن القضايا الكبرى على الصعيد الوطني و القومي, انعكس غيابا ًللأسطورة , كون الأسطورة تجسد الوعي الجمعي في النهوض و الانبعاث و الأمل, فأي أمل تبقى بعد أن سحقت صيرورة الزمن ما تبقى من الحلم.
4- النظرة السوداوية, و مازوخية الألم, و البكائيات التي تصل إلى حدود اللامعقول, بكائيات تندب الإنسان و الحياة, عبر لغة تخيِّم فيها صور الموت و القبور و الظلام و اللاجدوى, لقد تحولت قصائدهم إلى ما يشبه البكائيات على شاهدات القبور المتناثرة على مساحات الوطن و المتناثرة على مداد السنين.
5- الانطلاق في التعبير عن الوجدان و الإحساس الداهم بالاغتراب , فالشاعر التسعيني غريب بين الناس,غريب عن الشعراء , يبحث عن وجوده متأملا ً و متألما ً من واقعه و متلذذا ً بعذابه و ساخطا ً على الأحياء , محبا ً للحياة.
الشاعر التسعيني هارب مثابر إلى ذاته, ذاته المنكسرة على جدران الواقع, لم يبق أمامها سوى الارتداد, فقد يكون هذا الارتداد ذو طابع عصابي, أو تأملي, أو هروبي, فالتغيرات الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية التي استجدت في سوريا أفرزت أنماطا ً تختلف عن نتاج جيل الستينيات" جيل المد التحرري و الأحلام العظيمة"

* رومانسية التسعينيات هي رومانسية ذاتية غنائية رمزية نابضة بالحياة إلى تخوم الموت, يتناسل الإيقاع فيها و الصور الشعرية كما تتناسل الكائنات.
- ذاتية: تليق بالمحبِّين الخائبين و الأنبياء الفاشلين.
- غنائية: تنشد إيقاع الحياة, و تعيد البعد الزمني كعنصر فعال في تشكيل و تشُّكل الذائقة الشعرية التي أرهقها شعراء جيل الستينيات باعتمادهم على النحت اللغوي و الانزياح باتجاه الأفكار و التصوير.
- رمزية: تعري الإنسان, ترمِّز الطبيعة على شاكلة الإنسان و أظن – و بعض الظن إثم- أن الذي حدَّ من المخزون الرومانسي عند جبران خليل جبران و عمر أبو ريشة مثلا ً هو عدم تبلور الرمز و الاستفادة من طاقاته التعبيرية, و لكن طبيعة الرمز عند الشعراء التسعينين تختلف عن الرمز كما فهمه ووظفه جيل الرواد في الستينيات, فالرمز عند التسعينيين شفاف و موحي مُستلهم من جذور تراثية دينية بشكل ملفت , لا بل إن قصائد و مجموعات شعرية تقوم على استلهام القصص القرآني و توظيفه بشكل فني, و نجد هذا في مجموعة أديب حسن محمد " و ثامنهم حزنهم" حيث أن بنائية المجموعة الشعرية كاملة تقوم على التماهي في إطار اللغة و التناصات و المنظور العام مع قصة أهل الكهف القرآنية, و كذلك عند منير خلف في قصيدته" الرحيل إلى بئر يوسف" ,و عيسى الشيخ حسن في مجموعته " يا جبال أوبي معه".
و سأكتفي في هذه العجالة بالتنويه إلى ثلاثة نماذج من تيار جيل التسعينيات الشعري, نماذج تجسد عودة الرومانسية الغنائية
1- طالب هماش
تجسد تجربته الشعرية هاجس الحنين إلى القرية و الطفولة, الحنين إلى زمن فردوسي لن يعود,الحنين المجبول بالحرمان العاطفي و الجسدي و المادي:
" أنا الطفل لم تنتظرني الغيوم
لأرضع حلماتها بالغناء
أنا ناطر الليل خلف حدود القرى
لم أجد نخلة
لأهز طفولة يتمي على جذعها المر
لم أجد امرأة في حدائي"
"كأني أمومة هذي الحياة ص40"
يجسِّد طالب هماش لحظة الفطام الروحي و يبني عليها متواليات من الصور الشعرية المشحونة عاطفيا ً, المتخمة بمفردات البداهة القروية و باكورة الأشياء
" أيا قرية الضائعين
حننتُ إليهم
لمحراث أحزانهم في الخريف
و هم يبذرون دموع العتابات في الأرض"
" عم مساء أيها الرجل الغريب ص177"
تبدو مقولة الطفولة و القرية مركزيتين في نصوص هماش , و لنتأمل عناوين هذه القصائد:
" طفل المطر القديم – طفل الحوا كير – أيقونة الطفلة الوحيدة- صباح قروي-...الخ" و كلها من مجموعة شعرية وحيدة " نادب الحياة الأحزن" .
يهيمن على تجربة طالب هماش الشعرية إحساس داهم باقتراب الرحيل و نضوب العمر مع ميل للتأمل الوجودي نجده مسيطرا ً في مجموعة الشاعر الأخيرة " المتأمل عند نهاية الأمواج"
" يا أيها الرجل الضرير
إلام يملؤك البكاء؟
و أنت مخلوق كثير الدمع
منفردا ً تموت ْ
..
.. و الموت هذا الكائن
المولود من عجز القلوب
متى يحين أوانه
بالله يا ربَّ الشقاء
متى يحين؟"
ص86-89

2- عيسى الشيخ حسن
شعرية معنية بالحنين إلى الأحبة و الأصدقاء عبر السفر و الفقدان حيث يعيش الشاعر تجربة السفر بكل مكابداتها و يصوغها عبر لغة بسيطة تنطوي على دلالات واضحة تخفي هواجس الاغتراب المكاني و الانعزال العاطفي القسري
" أخوتي غادروا دفتر العائلة
واحدا
واحدا
تركوا كومة الذكريات
على دكَّة البيت
ثم مضوا نحو أيامهم
واحدا واحدا"
" يا جبال أوبي معه ص43"

و في قصيدته إلى أمي
" عيناك قافلتان من تعب
لا تحزني إن كنت مغتربا
فأنا أسافر بين هدبيهما"
يا جبال أوبي معه ص75"
في تجربة الشاعر عيسى الشيخ حسن يبدو الحزن المرتبط بفقد الأحبة طاغيا ً, ابتداء من عنوان مجموعتيه الشعريتين" أناشيد مبللة بالحزن- يا جبال أوبي معه"
و توسطا ً بالإهداء" 1- إلى نشيد الإنسانية الخالد : أمي
2- إلى فاطمة
الغيوم التي لم تمر على قبرك
لم تشيعها دموعي"
و انتهاء بانتقاء المفردات و البناء الفني للتراكيب و للقصيدة ,عبر بنية جمالية تستمد عناصر وجودها من بيئة اجتماعية يصر عيسى على استحضارها
و تبني مقولة الطلل الحي
3- أديب حسن محمد التوق إلى الموت في معنى ملتبس, يتوزع في دوائر ثانوية تجمع معاني ,اليأس ,و العقم, و اللاجدوى, و النرجسية
" لو كان يدري
أن في كنف المنافي موته
لارتاح من تعب التسكع
و الحنين إلى البيوتْ
و اختار بيتا ً في أقاصي يأسه
ثم استخار الليل في علياء عتمته القصية
من ترى يختار موتا ً لا يموتْ"
" و ثامنهم حزنهم ص37-38"
و لنتأمل عناوين هذه القصائد" ما يطلبه الموتى- طاب موتي- الرافل في ميتته- البيدق في الموت العشرين" و كلها من مجموعته الشعرية الأخيرة " و ثامنهم حزنهم"
الخلاصة
الرومانسية الجديدة لدى شعراء جيل التسعينيات السوري حققت تقدم على ثلاث محاور
- المحور الأول: تجاوز للرومانسية السورية التي نجدها عند شعراء جيل الخمسينيات كعمر أبو ريشة و عبد الباسط الصوفي و عبد السلام عيون السود و موريس قبق, و ذلك بتخليها عن ضرورة إحلال الطبيعة محل المجتمع, و أعادت الاعتبار للمجتمع عبر مفردات الطبيعة المؤنسنة.
- المحور الثاني: طورت المقولة الرومانسية الراسخة القائلة بإحلال الخيال و الصورة الشعرية, و جعل المفاهيم و المقولات تتوارى خلف الصورة الشعرية
- المحور الثالث: الارتداد الجوَّاني, و التمحور حول هموم الذات و ذلك بتغليب الذاتي على الموضوعي, و يبدو هذا الفارق واضحا ً بالمقارنة مع جيل الستينيات و رواد الحداثة في مرحلة الانبعاث الثوري العربي

- ملاحظة أولى : أميِّز في هذه الدراسة بين جيل التسعينيات الشعري كمصطلح إجرائي يحمل خصوصية ذات بعد جمالي و فني. و بين النتاج الشعري في عقد التسعينيات في سوريا, و ذلك ينسحب على مصطلحات جيل الستينيات" الرواد" و جيل الثمانينيات" قصيدة النثر"

- ملاحظة ثانية: كتحقيب زمني : يوجد ضمن النتاج الشعري لشعراء جيل التسعينيات العديد من الحساسيات الشعرية الكبرى
- كالحساسية التحريضية
- و الحساسية اللغوية
- و الحساسية الشفوية و قصيدة التفاصيل
- و الحساسية الرومانسية الغنائية
و أنا هنا سأتحدث عن الحساسية الرومانسية في جيل التسعينيات , و أسميها من باب ذكر الشيء بالجزء الأكثر تميزا ً و ظهورا ً فيه.
فشعراء جيل الثمانينيات " قصيدة النثر" استمروا في النتاج الشعري طوال عقد التسعينيات, و مطلع الألفية على سبيل المثال, بل و أضيفت تجارب إبداعية جديدة إلى هذا التيار على سبيل المثال.
ملاحظة ثالثة: هناك شعراء سوريون كنزار قباني و الماغوط لا ينطبق عليهم التحقيب و التجييل المتناول في هذه الدراسة, و يفضل دراستهم كظواهر مفردة.
إلا أن مصطلح الجيل " مصطلح إجرائي يحمل خصوصية ذات بعد جمالي و فني" أدَّعي أنه مفيد و صالح لدراسة المشهد الشعري السوري في صيرورته التي امتدت ما يزيد عن نصف قرن





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,565,955,799
- الحوار بين الأديان : حوار يحتاج إلى حوار
- عناقيد الملائكة
- إطلاق الحملة الوطنية للقضاء على الطريزينات في محافظة إدلب
- لا للمظاهرات و البيانات ...نعم لهيفاء وهبي
- الاسلام السياسي بين الفصام و الحيوية
- عرب ال48 ليسو أقلية و ليسو أكثرية
- الشاعر طالب هماش في أيقونة المراثي
- تجليات عشتار في مجموعة الدائرة للشاعر عايد سعيد سراج
- من أجل جوكندا عربية إسلامية
- ملكوت الزبالة الوطنية
- عندما يضرب المثقفون الطبول - دبكة حماة
- الديمقراطية و الإحتلال الوطني
- من هنا طريق غير المسلمين
- قصائد وطنية
- شهداء البسوس : من الزير سالم إلى جبران تويني
- الحوار المتمدن فضاء تنويري
- هولاكو...سيدة الرمال
- مشاغل سيدة الرمال
- عتبات سيدة الرمال
- مجتمعات بني إسرائيل


المزيد.....




- راغب علامة ووائل جسار.. فنانو لبنان يدعمون مطالب المتظاهرين ...
- سينما الحمراء.. عندما كان في القدس مكان للترفيه
- أغنيتين جديدتين لعملاق الاغنية اليمنية عبدالباسط عبسي
- لقاء بالرباط لانتقاء مستشاري حكومة الشباب الموازية
- ترامب محق بخصوص روما القديمة.. فهل تعيد أميركا أخطاء الجمهور ...
- -جريمة على ضفاف النيل-.. أحدث الأفلام العالمية المصورة في مص ...
- منع فيلم أمريكي في الصين بسبب لقطات عن بروس لي
- تونس... 22 دولة تشارك في الدورة الثانية للملتقى الدولي لأفلا ...
- هذا جدول أعمال الاجتماع الثاني لحكومة العثماني المعدلة
- جبهة البوليساريو تصف السعداني بـ-العميل المغربي-!


المزيد.....

- دروس خصوصية / حكمت الحاج
- التخيل اللاهوتي ... قراءة مجاورة / في( الخيال السياسي للإسلا ... / مقداد مسعود
- شعر الغاوتشو:رعاة البقر الأرجنتينيين / محمد نجيب السعد
- ديوان " الملكوت " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- ديوان " المنبوذ الأكبر " _ السعيد عبدالغني / السعيد عبدالغني
- شعر /مشاء / مصطفى الهود
- مريم عارية - رواية سافرة تكشف المستور / حسن ميّ النوراني
- مختارت من شعرِ جياكومو ليوباردي- ترجمة الشاعر عمرو العماد / عمرو العماد
- الأحد الأول / مقداد مسعود
- سلّم بازوزو / عامر حميو


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حمزة رستناوي - جيل التسعينيات الشعري و الرومانسية الجديدة