أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (3)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (3)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 6415 - 2019 / 11 / 21 - 19:33
المحور: الادب والفن
    


حاولت أن استرجع ما جرى في الصف الثالث لم تسعفني ذاكرتي في ذلك،حاولت جاهدا أن أتذكر شيئا ما،لا شيء يمكنني تذكره سوى إن الصف كان أمامه عامود كرة السلة التي يلعبها تلاميذ الصف الخامس والسادس وكرتها كبيرة جدا وثقيلة.
لهذا وجدت نفسي في الصف الرابع وبدأ حلم امتلاك قلم جاف قاب قوسين أو أدنى،أصبحت أطول من قبل وشعري كثيف،سماري إزداد عن قبل،والكتب كانت كثيرة فيها كتاب جديد يقولون عنه القواعد هو لا يشبه القراءة لأنه خال من الصور،كذلك كتاب اسمه الزراعة فيها ورود كثيرة واشجار.كان من أقلامي قلم جاف استلمته من أبي وحذرني من ان اكتب فيه في الدفاتر فقط اكتب اسمي على الدفاتر والكتب،فرحت به كثيرا وفي أول يوم في الصف الرابع قال لنا المعلم اكتبوا أسمائكم على دفاتركم وكتبكم،قلت له هل نكتبها بالقلم الجاف؟قال نعم بالجاف،فرحت كثيرا وأنا امتشقه من وسط حقيبتي واكتب أسمي كان البعض ينظر إلي تمنيت أن يطلبه أحدهم لكن لم يفعل ذلك حتى التلميذ الذي يجلس بجانبي،اعدت القلم إلى الحقيبة.
لم يكن لدينا معلم واحد،بل عدد كبير في القراءة والقواعد معلم وفي الحساب الذي أصبح رياضيات معلم آخر وهكذا العلوم والزراعة لكن معلم صباح لا زال موجودا،لا أتذكر من هو معلم الفنية حينها،كل ما أتذكره إن معلم القواعد أو العربي طلب منا ذات يوم أن نكتب له خمسين فعل ونصرفه ماضي ومضارع وأمر،منا من نجح ومنا من نقل على زملاءه،وقلة قليلة استأجرت من يكتب لها مقال 25 فلسا،العملية ليست سهلة واحتاجت تعاون مع الآخرين ،في الصف الرابع اكتشفت إن أمي رحمها الله لم تكن تقرأ وتكتب!عرفت ذلك وأنا أطلب منها أن تساعدني في البحث عن أفعال ماضية وجدتها لا تلبي رغبتي وعرفت إنها(أمية)فكيف كنت استجيب لها في الصف ألأول والثاني والثالث،كنت لا أشك لحظة إنها تقرأ وتكتب،أدركت فيما بعد إنها كانت تتابعني عن بٌعد ربما بالنظر وتميز بين ما أكتبه وما مكتوب في كتاب القراءة.
أتذكر جيدا إنني لم أنم إلا بعد أن أكملت الفعل الماضي وتصريفاته للمضارع والأمر،كانت دروس الرابع كثيرة نوعا ما ومع هذا كانت درجاتي بالعلامة الكاملة منذ الشهر الأول حتى امتحانات نهاية السنة التي صارت لي انتكاسة في درجة الرياضيات كانت(8)ولا أدري كيف حصل هذا وبقيت هذه الذكرى عالقة في ذهني لسنوات طويلة لا أجد لها أي تفسير رغم إن إجابتي كانت كاملة وبدقة بشهادة المعلم المراقب الذي استلم مني الدفتر الإمتحاني.
الصف الخامس صعب جدا،إلا ان فيه ميزة هي السماح لتلاميذ الخامس بالاشتراك في السفرات المدرسية التي عادة كانت إلى صدور نهر ديالى،سفرة في الفصل الأول وأخرى في الفصل الثاني .
والصف الخامس كان هنالك من حذرنا منه لكون صعب جدا،كنت أعاني من درس الانكليزي الذي كان يشكل عندي بعبع مخيف جدا،رغم إن تلاميذ مدرسة عليبات مشهود لهم بقوة إنكليزيتهم لأن المعلم هو صادق جراد،لكن نحن وربما لسؤ الحظ كان هنالك معلما آخر حل بدلا عنه أنا شخصيا كنت أعاني لكنني لست فاشلا فيه كنت أتجاوز درجات النجاح الصغرى قليلا،ربما كان يمنحني درجات إضافية عندما يرى درجاتي في المواد الدراسية ألأخرى سيما الرياضيات التي كانت عالية جدا والعربية وغيرها،لهذا كنت من بين القلة التي تجاوزت الصف الخامس من الدور الأول لأجد نفسي في الصف السادس وتحدي البكلوريا التي تتطلب دروسا إضافية قبل الدوام في مواد الرياضيات والإنكليزي وهو دور مشهود للمعلمين،وأيضا نحن لا نمتحن في مدرستنا بل في مدرسة أخرى،وهنالك دمج كتب اللغة العربية مع الدين، التاريخ والجغرافية والوطنية في مادة اجتماعيات،شيء خارج طاقة الكثير منا،ربما إعدادنا في الصف الخامس ومن ثم السادس أهلنا للمضي قدما في الدخول للبكالوريا التي أدينا الإمتحان فيها في مدرسة مصطفى جواد التي أصبحت بعد مضي 37 سنة مديرا لها،كان الإمتحان في ممراتها وليس الصفوف،ولأول مرة نرى معلمين غير معلمينا يراقبون علينا، كان هنالك من يقف يقرأ بصوت عال الأسئلة ونحن نكتبها ثم نجيب عليها فيما بعد في دفتر هو الآخر مختلف عما كنا نراه في مدرستنا،أسئلة ألانكليزي كانت مطبوعة،لا أدري ماذا كان جوابي في ألإنكليزي ولم يكن بوسعي تقدير كم سأحصل في هذا الدرس.
لكنني كنت واثقا من إنني سأحصل على درجة(100)في الرياضيات وهو ما حصل فعلا عندما جاءت النتائج للمدرسة ونجحت نظرت لدرجة الإنكليزي كانت خمسين وهي الدرجة الصغرى للنجاح، قلت في سري لقد نجوت يا حسوني.
المهم أنهيت المرحلة الإبتدائية بتفوق وبدون رسوب أو حتى إكمال وأيضا لم أكن ضمن أي فريق رياضي في المدرسة ولم يتم ضربي من قبل أي معلم سواء لعدم تحضيري الدروس أو مشاكسة أو غير ذلك،رغم إنني كنت أتمنى أن أكون ضمن فريق المدرسة في الألعاب الرياضية لكنني كنت دائما متفرجا على أقراني مشجعا لهم.
كانت مكافأة النجاح ربع دينار من أبي رحمه الله،أعقبها في اليوم التالي بربع آخر فقد أصبحت طالب متوسطة،مرحلة جديدة سأدخلها،أكيد يكون لي مصروف أكثر ربما يصل إلى خمسين فلسا يوميا وهذا ما حصل بالفعل حين قدمت اوراقي المدرسية لمتوسطة(الرافدين) التي أصبح اسمها ألأخطل فيما بعد.لم تكن بعيدة جدا بل هي في بداية حي العصري،كان أغلب المدرسين من بغداد يأتون صباح كل يوم ويعودون بعد الظهر،مدرس الرياضيات في ألأول المتوسط كان يركز علي كثيرا لأنه في اليوم الأول سألنا من أخذ(100)بالبكلوريا كنت الوحيد الذي رفع أصبعه،اقترب مني وربت على كتفي،شعرت بفرح لكنه ليس طفولي لأنني أصبحت في المتوسطة،وأبي أشترى لي ساعة يديوية نوع (أولما) كنت مزهوا بها.
بقيت عقدت ألإنكليزي تلاحقني ودرجاتي لا تتعدى الستين في أفضل ألأحوال،لكنني لم أخفق فيه،الصف الثاني إزدادت الصعوبة بوجود الفيزياء والكيمياء وألأحياء،في نصف السنة لم ننجح سوى4 طلاب فقط،وفي نهاية السنة أصبحنا عشرة من شعبتنا والبقية بين مكمل وراسب.
في الثالث المتوسط أيضا باكالوريا هنالك الجبر والهندسة كلاهما يشكل الرياضيات من الصعب أن أتحصل على مئة كما في الإبتدائية،تحصلت على درجة 75 في البكلوريا وهي درجة جيدة لكن درجة ألإنكليزي ظلت كما هي درجة النجاح الصغرى،من نجح معي من الأقران بعضهم توجه لإعدادية الخالص خلف شارع كركوك،والبعض صناعة،كنت من ضمن الذين عبروا شارع كركوك في الإعدادية،مضى الشهر الأول ونصف الشهر الثاني وجاء من يقول لأبي أن ابنك قد قبل في دار لمعلمين في بعقوبة،كان ابن عمي قد رتب كل شيء،كانت لي رغبة في ذلك عكس رغبة أبي الذي كان يتمنى أن أواصل الدراسة،كما كانت رغبة بعض المدرسين في الإعدادية الذين قال أحدهم(خسارة تروح دار المعلمين)سحبت أوراقي من الإعدادية صوب بعقوبة حيث دار المعلمين،لا أعرف كيف وصلت لمديرية تربية ديالى حيث يعمل أبن عمي الذي كان ينتظر وصولي ليرسل معي موظف إلى دار المعلمين التي لا تبعد كثيرا عن بناية التربية،من ذهب معي كان يعرف أبي جيدا ويعرفني ايضا وقال لقد كبرت يا حسين وستصبح معلما،ابتسمت ونحن ندخل بناية دار المعلمين واكملت أوراق القبول،ذهب الرجل لدائرته وذهبت أنا بعد أن استلمت الكتب للصف الأول شعبة هاء،آخر شعبة كانت تضم طلاب من كافة أقضية محافظة ديالى وكنا من الخالص ستة،كان عدد الشعبة 30 فيها من خانقين وجلولاء والمقدادية والخالص وبعقوبة،في الفرصة التالية شاهدت الكثير من طلاب الخالص الذين اعرف بعضهم بالشكل فقط دون أسمائهم.
مضى اليوم الأول ثقيلا جدا،أحسست فيه برغبة جامحة بالبكاء،تمالكت نفسي ودخلت للدرس التالي،كنت أنتظر نهاية الدوام في الساعة الثانية عشر والنصف خرجنا من دار المعلمين،توجهت مشيا صوب الكراج الذين لم يكن هو الآخر بعيدا أو ربما انني امشي سريعا لم أشعر بذلك،ركبت سيارات الخالص ووضعت(الدرهم وهو 50 فلسا)في يدي كي اعطيه فيما بعد للسائق،كان معي أكثر من دينار في جيبي،مبلغ ربما لأول مرة أحمله معي،لم اصرف كثيرا لم أتجاوز 100 فلس،فكرت أن اشتري(لفة) لكنني تراجعت حتى لا أفرط بوجبة الغداء التي تنتظرني في البيت.
عندما عدت وقد تجاوزت الساعة الواحدة بعد الظهر،وجدت غرفتي مرتبة وضعت الكتب جانبا ومضيت لأمي التي قالت لي تأخرت؟قلت لها الطريق وحده نصف ساعة،قالت نسيت إن دوامك في بعقوبة،ربما كانت مزهوة بذلك.
التقيت شلة ألأصدقاء بعد ساعة من ذلك بعضهم قال لي أحسن لك أنك ذهبت لدار المعلمين، قلت لهم لا بكالوريا بعد اليوم،وشرحت لهم طبيعة تقسيم الدرجات والنجاح شبه مضمون،قال أحدهم وما هي دروسكم؟قلت له عربي وأنكليزي ورياضيات وموسيقى وعلم النفس التربوي، وعلم نفس الطفل..استغرب من ألأخيرة،قلت له وإشتراكية. قال شنو إشتراكية؟ قلت له درس لا أعرف ما هو حتى الآن.
والإشتراكية تبين إنه درس ثقافي مستمد من كراسات الحزب الحاكم فيه مثاليات عالية جدا يعني مجرد نظريات لا مجال لتطبيقها بكل تأكيد،حاله حال الأحزاب التي لا هم لها سوى التنظير دون التطبيق.
دخولي دار المعلمين فتح آفاق كبيرة أمامي،بدأت لحيتي تظهر مما يتطلب حلاقتها على ألأقل كل أسبوع،بدأت أمشط شعري كل يوم،لدي أكثر من قميصين وأكثر من بنطلونين وحذاء واحد،لي حرية الشراء بحكم ما يمنح لطلبة دار المعلمين من مخصصات حكومية مقدارها 24 دينار شهريا،يضاف لها مبلغ خمسة دنانير إسبوعيا من الوالد،اشتريت ذات مرة كامرة من ألأجهزة الدقيقة،لم تكن باهضة الثمن،التقطت الكثير من الصور في دار المعلمين وفي البيت،كانت ستوديو الأمل الأكثر شهرة في المحافظة هي من تقوم بطبع الصور بثمن هو الآخر زهيد.
وجزء مهم من هذه المبالغ كان مخصصا لشراء الكتب والمجلات،في دار المعلمين تعرفت على أصدقاء كثر من مختلف محافظة ديالى،نجحت من الصف الأول وقبل أن يبدأ العام الدراسي للصف الثاني وقعت الحرب بين العراق وإيران،هذه الحرب الذي توقع البعض إنها لن تطول لكن أبي قال إنها الحرب الطويلة،لا ادري هل هي رؤية أم مجرد عبارة عابرة؟وفعلا كانت حرب طويلة وقاسية جدا.
في الصف الثاني أخترت أن اتخصص في التربية الرياضية،جسمي الرياضي ساعد في ذلك مضافا لذلك عدم رغبة الأغلبية في هذا التخصص،في اليوم ألأول لي في التربية الرياضية جاء مدرس الرياضيات ألأستاذ خالد ودخل الصف وقال أين حسين؟قلت له نعم،قال تعال أنت لا تصلح معلم رياضة أنت معلم رياضيات ممتاز. قلت له بل أريد الرياضة،حاول ثنيي عن هذا لكن أصريت عليه شعرت إنه زعل مني وهو يغادر الصف بشكل غاضب.
قرار لم أندم عليه أبدا،وشعرت حينها إنني يجب أن أتخلص من هذه الرياضيات التي برزت فيها سنوات طويلة،ربما كنت أبحث عن تخصص غير متعب في القراءة ليس لأنني لا أحب المدرسة،لكنني شعرت أن معلم الرياضة محبوب وكانت شخصية المعلم صباح ماثلة أمامي وهي أحد الدوافع الرئيسية لأن أتخصص في الرياضة.
في العام هذا حفظت بعقوبة وكل شوارعها وجربت أغلب مطاعمها ومحلات بيع الملابس التي اشتريت منها،حفظت أسماء المحلات ودخلت اورزدي باك،ومررت على كل مكتباتها وتعرفت على الباعة،كنت اخذ أسبوعيا عدد كبير من المجلات العربية.
ناهيك عن الكثير من الكتب مما جعل غرفتي عبارة عن مكتبة متنوعة.أكتشفت هواية جديدة هي المراسلة، باب التعارف في المجلات العربية جعلني أفكر في توجيه رسائل لعدد من هؤلاء الذين أرى صورهم وعناوينهم في المجلات العربية،خاصة وإن دائرة البريد قريبة أو على طريقي وكذلك دائرة بريد الخالص،فكرت أيضا في عنواني ماذا يكون،كانت محلتنا أسمها الرسمي(المظفر)ولا نعرف لماذا سميت هكذا،اهتديت إلى عنوان تقليدي شائع بين الناس يقول (الخالص – سوق الوشاش – ليد صاحب الدكان فلان ومنه إلى ) عنوان يعرفه رجال البريد جيدا.
لهذا كان عنواني الأول هو دكان زوج خالتي،الوجبة الأولى من الرسائل التي بعثتها وكلها لأصدقاء من الشباب أثمرت عبر إجابات وصلتني بعد حين من قطر والسعودية والمغرب والجزائر،تواصلت معهم سنوات عديدة وتطورت هواية المراسلة لدي لتشمل مجلات عربية كنت أرسل لهم بعض المساهمات أغلبها لم تنشر ولكنني لم أصب بالإحباط لأن هنالك مساهمات تم نشرها،وظلت هذه المراسلات مستمرة حتى دخول العراق للكويت فأنقطعنا عن العالم الخارجي وأكتفينا بالبحث عن أنفسنا في داخلنا.
الحرب ظلت مستمرة ونحن في الصف الثالث وهي السنة ألأخيرة التي بعدها يكون دخول الجيش والذهاب لجبهات الحرب التي لا أحد يعرف متى ستنتهي.
كنت أتمنى أن يكون تطبيقي بعد نصف السنة في السموأل،لم يترك الخيار لنا بل هم أختاروا المدارس التي نطبق بها،كان نصيبي مدرسة(الكندي)التي هي البلاغة الآن،كان مكانها مقابل مرقد السيد يوسف عليه السلام في مدخل الخالص،هذه البناية تحولت فيما بعد إلى ثانوية للبنات ثم تم تهديمها عام 2008 تقريبا ضمن خطة تهديم المدارس في العراق وهي ضحية من بين مئات الضحايا في مختلف المدن العراقية.
نعود للتطبيق الممتع فأنت طالب مطبق أي نصف معلم،ودرس الرياضة يحبه الجميع،أبي رحمه الله عمل حسابه وقبل التطبيق بفترة أخذني إلى خياط أخذ قياسي ليخيط لي(قاط)أطبق به،عملت أكثر من بروفة وكان جاهزا قبل التطبيق بأيام،عرفت إن سعره تقريبا خمسين دينارا،قماشه إنكليزي،كنت في قمة أناقتي كما قال لي مدير المدرسة الأستاذ إبراهيم المجيد(أبو دجلة)الذي كان يعاملنا كمعلمين تارة وطلاب تارة أخرى حتى إنه مرة حاسبنا لأن شعرنا طويل،ربما ليوحي لنا إننا لازلنا طلبة.
لكنني كنت اقضي ساعات الدوام في التطبيق مرتديا ملابس رياضية وصافرة كما يقتضي الحال فأنا معلم رياضة،فترة التطبيق كانت ستة أسابيع إنتهت بسرعة دون أن نشعر بها وظلت ذكرياتها الجميلة خاصة وإن معلمي وإدارة المدرسة قد أقامت لنا وليمة سميت(عزيمة المطبقين)لم تكن في المدرسة بل في مزرعة الناي في شهر آذار قمة الربيع.
عدنا لدار المعلمين ثانية،أدينا الامتحانات النهائية وتخرجنا ومضى كل منا إلى طريق يختلف عن الآخر،الأغلبية التحقت بالجيش لكون مواليدهم كانت موجودة في الخدمة وبسبب الدراسة تم تأجيلهم،أما نحن ما مجموعنا 22 طالب كنا مواليد 1964 وهذه المواليد لم تستحق بعد أداء الخدمة العسكرية حتى ليس لدينا دفتر تجنيد،كانت هنالك معاملات تقديم للتعيين وتمت مقابلتنا وأختار كل منا مدرسة من المدارس المكتوبة على لوحة خشبية دون أن نعرف أماكنها وطلبوا منا أن نأتي غدا لنستلم الأوامر الإدارية.
عرفت من بعض موظفي التربية إن ألأمر الإداري كتاب رسمي بالتعيين،أي ورقة مكتوبة بألالة الكاتبة وموقعة من المدير العام،في اليوم التالي تسلمنا الأوامر الإدارية مؤشر على ألأسم والمدرسة بقلم جاف أحمر،كان أسم مدرستي التآخي في مندلي،قال لنا موظف في التربية وأنا وزميلي جاسم،هذه المدرسة قبل ما تدخلون مندلي ومديرها أسمه ضياء يسكن مندلي.
في اليوم التالي ذهبنا أتذكره 22 تشرين الثاني 1982 أستقلينا سيارات مندلي وسألنا السائق،عرف المدرسة وقال لا تذهبوا للمدرسة لأنها الآن منطقة عسكرية متواجد فيها الجيش،اذهبوا لبيت المدير ألأستاذ ضياء،قبل دخول مندلي قال السائق وهو يؤشر بيده هنا مدرستكم انظروا للوحدات العسكرية،ففي هجوم الشهر الماضي وصل الإيرانيون إلى هنا لكن الجيش أعادهم وراء الحدود في هجوم مضاد.
قلت له وهل الحدود بعيدة؟قال لا ليست بعيدة ومندلي تتعرض لقصف، شيء مخيف هذا،نزلنا في السوق وأرشدنا السائق لمدخل محلة قال أسألوا عن أستاذ ضياء سيدلونكم،كان الجو ممطر وفعلا سألنا أول من صادفنا فأرشدنا إلى بيت المدير الذي رحب بنا واستلم منا الأوامر الإدارية وقال أنا سأعمل لكم مباشرة وتعالوا بعد أسبوع للمدرسة،وقبل أن نغادر قال ساقول للمحاسبة(تشد لكم راتب بس ع الشهر القادم).في طريق العودة فكرت مع نفسي وقلت كيف تفكر الدولة في تعيين معلمين في مدارس لا دوام فيها؟لم أجد إجابة حينها،لكن السؤال ظل في ذاكرتي لسنوات طويلة بحثا عن إجابة.
بعد أسبوع ذهبنا للمدرسة كان فيها معلمين ومعلمات والمدير والمدرسة بلا تلاميذ،نسمع بين الحين والآخر صوت سقوط قذائف،أحدها سقطت على الشارع العام الذي لا يبعد سوى كيلو متر واحد فقط،جاء المدير واعطاني كتاب رسمي قال هذا تخويل تذهب للتربية في بعقوبة وتستلم تجهيزات رياضية وتعالوا بعد أسبوع.
كنا قد دخلنا الشهر الأخير من سنة 1982في اليوم التالي ذهبت للتربية واستلمت التجهيزات التي كانت عبارة عن فانيلات ملونة وكرات جلدية احدها للقدم وأخرى للطائرة وثالثة للسلة.
قبل أن ينتهي الأسبوع طلبوا منا في بيان من التعبئة والأحصاء على مواليد 1964 مراجعة تجانيدهم،ذهبت مع المستمسكات التي من بينها تأييد تخرج من دار المعلمين وصور وأشياء أخرى وبعد ذلك وجدت بين يدي دفتر أحمر قالوا إنه دفتر الخدمة العسكرية ومطلوب يوم 8/1/1983 للسوق للخدمة العسكرية.
عندما ذهبنا أنا وجاسم للمدرسة سلمت التجهيزات الرياضية وقلنا له إننا مطلوبين للخدمة العسكرية وشاهد دفاتر الخدمة وقال حسنا الله معاكم وأنا سأنجز الأمور التي تخصكم في التربية،وطلب منا أن ننتظرة في يوم 30 بالشهر في التربية لكي يسلمنا الراتب.
فعلا انتظرناه لأن عليه إعادة قائمة الراتب للتربية،سلمنا راتب بضعة ايام من شهر تشرين الثاني وراتب شهر كانون ألأول كان أكثر من مئة دينار،لأن راتبنا الشهري كان 98 دينار ونصف ،وأكد علينا أن رواتبنا في ألأشهر القادمة ستعاد للتربية وعلينا إستلامها في إجازاتنا من خلال إجراءات إدارية بسيطة.
انا لم أشاهد الأستاذ ضياء بعد هذا اليوم حتى يومنا هذا،لكنني اتذكر ملامحه جيدا ولو قدر وأن شاهدته سأعرفه فورا،أما زميلي جاسم فقد تم تسويقنا للخدمة العسكرية في يوم واحد ولجهة واحدة ثم افترقنا، لكنني كنت التقيه بين الحين والآخر في الخالص.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,685,821,024
- يوميات الحرب والحب والخوف (2)
- يوميات الحرب والحب والخوف (1)
- لماذا الخدمة الالزامية؟
- الصوت الإنتخابي
- المحكمة الإتحادية واستفتاء كردستان
- البرزاني هل أختار النهاية؟
- اتفاق حزب الله
- صحوة سعودية أم ماذا؟
- الهروب من المجلس الأعلى
- إمتحانات إنتقامية
- الموصل بين الإحتلال والتحرير
- العراق والسعودية وإيران
- ارهاب الكتروني
- جريمة حرق الصور
- هل نحن حلفاء لأمريكا؟
- المصالحة التأريخية بين المواطن والسياسي
- اسئلة المشاية وأجوبة كربلاء
- مسعود بارزاني ..تصفير المشاكل
- وظيفة المدرسة العراقية
- كردستان بين الإستقلال والمساومة


المزيد.....




- منظمة -UFC- للفنون القتالية المختلطة تنشر فيديو مدته 40 ثاني ...
- لأول مرة.. تصاميم إفريقية في أسبوع الموضة بباريس
- جامع علولة بتونس من معلم تحت التراب إلى قائمة التراث الإسلام ...
- السودان: اجتماعات سد النهضة شهدت تقاربا مع تباينات في بعض ال ...
- وزيرة الثقافة: معرض الكتاب استعاد شبابه بعد الخمسين..*رئيس “ ...
- ريشة “حسانين الفنان داخل الميدان” :هكذا أرخ فنان للندي والنو ...
- ارتفاع أسعار الكتب بمعرض الكتاب “2020” بنسبة 40%..و”الثقافة” ...
- ممثل السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي: اللجنة الممثلة لل ...
- صائدو الكنوز: مسكوكات الاسكندر المقدوني المفقودة
- وفاة مفاجئة لفنانة كويتية شابة


المزيد.....

- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني
- ديوان الحاوى المفقود / السعيد عبدالغني
- ديوان " كسارة الأنغام والمجازات " / السعيد عبدالغني
- أثر التداخل الثقافى على النسق الابداعى فى مسرح يوهان جوتة / سمااح خميس أبو الخير
- زمن الخراب (رواية) / محمود شاهين
- طقوس الذكرى / عبد الباقي يوسف
- مسرحية -كلمات القرد الأبيض الأخيرة- وجدلية العلاقة بين الشما ... / خالد سالم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (3)