أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - راتب شعبو - الاغتصاب














المزيد.....

الاغتصاب


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6190 - 2019 / 4 / 3 - 14:13
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات
    


في تحقيق عن امرأة تعرضت للاغتصاب في ناد ليلي في أميريكا، تقول الضحية إنها لو استحمت بكل مياه العالم فإنها لن تتخلص من شعورها بالانتهاك، "أود لو أن جسدي ثوباً فأخلعه". لا يمكن تخيل ما هو أقسى. يتعلق هذا باغتصاب معزول وفي مجتمع متفهم إلى حد ما. لنا أن نتخيل، إذن، شعور الضحية في مجتمعنا، فهي تحمل فوق وزر الانتهاك، وزر انعكاس ما تعرضت له على أهلها ووسطها بفعل ثقافة اجتماعية سائدة تلحق العار بعائلة الضحية وتجعل، بعقلية عجيبة، التخلص من الضحية سبيلاً لاسترداد كرامة العائلة. الضحية في مجتمعنا يمكن أن تكتم مأساتها الشخصية وأن تسكت على جرحها، لكي تحمي العائلة من الشعور بالعار أو بالعجز، أو لكي تقطع الطريق على جريمة ثانية، على يد العائلة هذه المرة.
في الاغتصاب المعزول ثمة ضحية محددة ومجرم محدد، في مثل هذه الحالة فإن الدافع لا يعدو كونه شذوذاً جنسياً عند المجرم دون أن يكون للمجرم غرض آخر يتجاوز تفريغ دافعه الشاذ باستهداف الضحية كموضوع لفعلته. لا توجد هنا دائرة استهداف تتعدى الضحية، مع أن الثقافة السائدة في مجتمعنا، تزج عائلة الضحية في دائرة الانتهاك أيضاً، غير أن ذلك يكون عادة خارج قصد المجرم.
أما في حالة العنف الجنسي والاغتصاب الممارس في الحروب، فإن شخصية المجرم تذوب في عمومية الوظيفة التي يؤديها، كما تغرق فردانية الضحية في عمومية الجريمة. غير أن عمومية الجريمة لا يمكنها، مع ذلك، أن تمحو فردانيتها. في شهادات الضحايا، كما مثلاً في الفيلم الوثائقي الفرنسي المؤثر "صرخة مخنوقة"، الذي يتناول استخدام الاغتصاب كسلاح حرب في سوريا، نلاحظ كيف تحتفظ الضحية بتفاصيل نكبتها: باسم جلادها إن استطاعت، بملامحه، بحركاته، بتفاصيل المكان، بمفردات الذاكرة التي حضرت في تلك اللحظة المشؤومة ..الخ. ضحية الجريمة العامة هي في النهاية، ضحية فرد، وهذه الجريمة العامة ليست سوى مجموع نكبات فردية وخاصة.
في هذا يلتقي الاغتصاب المعزول بالاغتصاب الممنهج، رغم أن الاغتصاب في الحالة الثانية يتجاوز كونه فعلاً جنسياً شاذاً، إلى كونه سلاحاً في حرب يستخدمه أعداء ضد أعداء. لا يستهدف الاغتصاب الممنهج الضحية تحديداً كما هو الحال في الاغتصاب المعزول، بل يستهدف من خلالها الطرف المعادي ومحيطه. لا تستهدف الأنثى هنا لأنها أنثى فقط، بل لأنها أنثى تنتمي إلى الجهة المعادية، الإثنية أو الدينية أو القومية أو السياسية التي تنتمي إليها الضحايا، التي يُراد كسرها، والتي يراد لها أن تشعر بالعار والعجز عن حماية نسائها من "السبي".
التفكير في شيوع العنف الجنسي والاغتصاب في الحروب والصراعات المسلحة لا يقود إلى أن السبب هو إشباع الحاجات الجنسية للجنود المقطوعين في الحروب والمحرومين بالتالي من إشباع هذه الحاجات بشكل طبيعي، ولا يقود أيضاً إلى أن انفلات الغريزة الذكورية من ضوابطها الاجتماعية بسبب الحرب، هو ما يكمن وراء هذه الظاهرة القديمة التي لا تتقادم. في الأمر عنصر "ثقافي" ثابت وعالمي، وهو تصور الفعل الجنسي كفعل سيادة يتم فيه تكثيف الهزيمة المنشودة للعدو بالوصول إلى "عرضه" وتحويله عنوة إلى موضوع لذة. هذا ما يجعل من ظاهرة الاغتصاب في الحروب استمراراً مباشراً للحرب "بوسائل أخرى"، أو ما يجعله فعلاً حربياً شاذاً.
النظر إلى الفعل الجنسي بوصفه واقعة سيطرة أو سيادة أو انتصار للرجل، يشكل نواة اعتباره فعلاً "حربياً" يجري بواسطته "احتلال" النساء والسيطرة عليهن بالجنس بوصفه فعل حيازة واستملاك كما هو مستقر في الثقافة العامة. حيازة نساء العدو بالجنس وإجبارهن على خدمة الجنود، يعادل مهمة عسكرية تهدف إلى تدمير الحصون النفسية للعدو. هذا يجعل من المرأة أداة، ليس فقط بمعنى أنها أداة متعة جنسية للذكر المعادي، بل أيضاً، وفي الفعل نفسه، بمعنى أنها أداة إهانة وتكسير وقهر للذكر الصديق. على هذا الضوء يمكن فهم استعداد الذكر لقتل الأنثى القريبة، في لحظات الشعور بخطر سيطرة العدو، لكي يحمي "عرضه".
أن يكون قتل المرأة سبيلاً لحمايتها من الاغتصاب، أو لغسل "عار" العائلة بعد وقوع الاغتصاب، مؤشر صريح على مرض ثقافي مقيم في مجتمعاتنا، تماماً كما يشير النزوع الى الاغتصاب الممنهج للنساء في الحروب، إلى المرض عينه. والحق أن لهذا المرض حضور عميق لا تخلو منه ثقافة، وإن تباينت الدرجات.
لإدراك المرض الثقافي المذكور، يمكن أن نتصور الاغتصاب واقع على الذكور، وهو أمر يحدث بالطبع. الارتكاس النفسي لمثل هذا الفعل لن يكون من طبيعة مشابهة له فيما لو وقع الفعل على النساء. اغتصاب الذكر يشكل إهانة للضحية كأي فعل مهين آخر، أو ربما أكثر من أي فعل مهين آخر، ولكنه لا يطعن كرامة الوسط الذي ينتمي له الذكر مثلما لو أن الأمر يتعلق باغتصاب أنثى. سوف يبدو اغتصاب الذكر انتقاماً وسيندرج في إطار التعذيب أكثر من كونه انتهاكاً لكرامة الجماعة. وبقدر ما يبدو اغتصاب النساء نقطة مؤلمة للجماعة بقدر ما يميل العدو أكثر إلى اعتماد هذا السلاح لإبقاع المزيد من الأذى النفسي، في سببية دائرية تعبث بمصائر النساء وتسحق أرواحهن.
الاغتصاب المعزول يستهدف المرأة ويمكن أن يحطم كيانها النفسي بالكامل، في حالات معينة وبحسب البنية النفسية للضحية، ولكن في حالات الاغتصاب الممنهج فإن المستهدف النهائي هو البنية النفسية للوسط الاجتماعي للضحية ولاسيما الوسط الذكري، الاغتصاب في هذه الحالة وسيلة وليس هدفاً بذاته، وليست "نساء الآخرين" سوى الجسر الذي يوصل إلى طعن كرامة "الآخرين"، ولكنه جسر من أرواح فردية لنساء محددات بالاسم والميلاد والعنوان والذاكرة، يدفعن ثمن اختلال عام كما في السياسة كذلك في الثقافة، وهو فوق ذلك اختلال هن الأقل تسبباً في وجوده.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,055,340
- العلويون والثورة السورية
- سلعة العداء للامبريالية في سوق العالم الثالث
- صادق جلال العظم، تراجيديا مفكر
- حسين العودات، النهضة العربية المفترضة والهمّ المزدوج
- الصراع القطبي
- النظام السوري: افتراق السياسة عن القيم
- في علمانية اللاعلمانية
- عقدة نقص الدولة الفلسطينية
- العلمانية والديمقراطية وفك الاحتكارات
- عن العلمانية والديموقراطية
- لماذا الصحوة الإسلامية؟
- تعليق على مشروع البرنامج السياسي للتجمع الوطني الديموقراطي ف ...
- في شأن إعدام صدام حسين
- حول اعتقال علي الشهابي
- حرب لبنان ومأزق -العقلانية- السياسية
- سوريا السوريالية
- عن الداخل والخارج مساهمة في الحوار الجاري
- الخارج وفق محددات الداخل - المثال السوري
- الوحدة الوطنية بين السلطة والمعارضة في سورية
- قبل الرماء تملأ الكنائن


المزيد.....




- العراق.. امرأة تستدرج طفلا لبيتها وتقتله بأشنع الطرق!
- تظاهرة نسوية في غزة ضد الحصار الإسرائيلي وتفشي الفقر
- رجل أعمال مصري يسيء للمتظاهرات في لبنان والفنان رامي عيّاش ي ...
- إحذروا غضب النساء في ساحات التظاهر في لبنان
- تحية من الشعب السوداني للثائرات في لبنان
- مسؤول إيراني يشن هجوما عنيفا على الأسرة الحاكمة في البحرين
- بوتين ونتنياهو يبحثان إمكانية عفو روسيا عن امرأة أمريكية إسر ...
- دروس عليك تعليمها لابنتك لتصبح امرأة قوية وسعيدة
- هل تنصر حكومة حمدوك المرأة السودانية بإلغاء قانون -الزي الفا ...
- إحالة أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الكويت إلى -الجنايات-


المزيد.....

- الواقع الاقتصادي-الاجتماعي للمرأة في العراق / سناء عبد القادر مصطفى
- -تمكين النساء-، الإمبرياليّة، وقاعدة كمّ الأفواه العالمية / أريان شاهفيسي
- تحدي الإنتاج المعرفي، مرتين: بحث العمل التشاركي النسوي وفعال ... / تاله حسن
- تدريس الجندر والعرق والجنسانية: تأملات في البيداغوجيا النسوي ... / أكانكشا ميهتا
- وثيقة:في تنظير قمع المرأة: العمل المنزلي واضطهاد النساء / شارون سميث
- رحله المرأة من التقديس الى التبخيس / هشام حتاته
- النسوية الدستورية: مؤسّسات الحركة النسائية في إيران – مر ... / عباس علي موسى
- المقاربة النسوية لدراسة الرجولة حالة نوال السعداوي / عزة شرارة بيضون
- كيف أصبحت النسوية تخدم الرأسمالية وكيف نستعيدها / نانسي فريجر
- الجزءالأول (محطات من تاريخ الحركة النسائية في العراق ودور را ... / خانم زهدي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات - راتب شعبو - الاغتصاب