أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تيماء حسن ديوب - إلى حيدر حيدر، مع حبي.















المزيد.....

إلى حيدر حيدر، مع حبي.


تيماء حسن ديوب
الحوار المتمدن-العدد: 5697 - 2017 / 11 / 13 - 01:51
المحور: الادب والفن
    


تنقر كلماتي على لوحة مفاتيح حاسوبي موسيقى تحاكي تلك التي عزفها الموسيقار اليوناني الخارج عن تصنيفات الإبداع Yanni في حفلته الأكثر شهرة في معبد الحب "تاج محل"، تنقر أصابعي على لوحة المفاتيح كما تنقر حبات المطر على شباك صبية عاشقة ما تزال تؤمن بالحب، ما زالت تعتقد بسذاجة الأطفال و براءة تساؤلاتهم أن لا سلطة تعلو على سلطته!

إذا كانت الكلمات هي لغة الجسد فالموسيقا بلا شك هي لغة الروح، فكرتُ في نفسي، أتمنى أن تتحول روحي عندما أموت إلى مقطوعة موسيقية! تخونني كلماتي، تعصاني و أصابعي المتعبة لم تعد تقوَ على اللحاق بمقامات اللحن المجنون، تبتسم الموسيقا اِبتسامة المنتصرين، تدغدغ قلبي، ينتفض الفضول، ما اسم هذه المقطوعة الموسيقية؟ أو بالأحرى هل لهذا الرعب الموسيقي اسم؟ تبسمت في سري للمصطلح، قال بطل الفيلم لحبيبته: جمالك مرعب من الناحية الإيجابية. كم هو جميل، حتى الرعب لديه جانب إيجابي!
تصهل الموسيقا وتعدو، تعدو و تعدو... هل هي مصادفة حقاً أن اسم المقطوعة نوستالجيا "حنين". أنا لا أومن بنبض المصادفات، أؤمن فقط بنبض الذكريات، إذا ما حدث و اجتاحتك موسيقا ذكرياتك إياك ثم إياك أن تقاوم، قل لها فقط آمين! الذكريات لا تعتقل، لا يتم القبض عليها، لا يمكن الحكم عليها بالإعدام، عصية عن الإقصاء، قد تتجاهلها أو تهملها أو تتدعي عدم وجودها، قد ترسلها طواعيةً إلى صندوقك الأسود، قد و قد ... نعم قد يحدث كل هذا و لن يغير من واقع الحال شيء. الذكريات تنسل بين مسامات جسدك كما ينسل الماء من بين الأصابع.

مزة جبل كراجات، قالتْ على الهاتف، اسم السرفيس الذي سيوصلك إلى المدينة الجامعية، سأنتظرك بكل تأكيد بالكراجات، لكن من باب الاحتياط فقط و للطوارئ، احفريها بمخك "مزة جبل كراجات"! وصل البولمان أبكر من الموعد، انتظرتُ في الكراجات دون جدوى، ذهب جميع المسافرين مع حقائبهم و بقيت وحيدة مع شنتة و كرتونة بحجم عائلي. لطالما اعتقدت الأمهات السوريات أن أولادهم الذين يدرسون في مدن مجاورة ذاهبون إلى الصومال، و الصومال بلد المجاعة، لذلك لا يوفرن الحقائب أو ما يمت لها بصلة من أكياس أو كرتون بالحجم العائلي! لم تنسى أمي يومها حب الحمص الأخضر "الميلاني" و لا حبات حب الآس التي طالما أحبتها أختي الكبرى، كانت تفرد الحب كأنها اقطاعي في معصرة زيتون، تغربلها حسب حجمها دون رحمة، يصدر الأمر العسكري بأن تسافر الحبات المكتنزة فقط أما الحبات الضامرة فحكم علينا أختي الصغرى و أنا بأكلها، أمام اِمتعاضي و عدم رضوخي تقول: حرام يا ماما أختك يالله عم تشبع الأكل! كأنها تدرس فعلاً في الصومال و ليس في العاصمة دمشق!
مزة جبل كراجات، صعدتُ إلى السرفيس، ما أن جلستُ و رتبتُ حمولتي الثقيلة حتى لا أزعج بقية الركاب حتى فتح شاب بلباسٍ عسكريٍ الباب، قال بجدية: انزلي يا أنسة، ضابط الأمن المسؤول يريد رؤيتك.
أنا، قلت باستهجان.
نعم، أنت. رد العسكري.
لماذا؟ ما الذي فعلته؟ قال بلهجة صارمة: لا تناقشي، عليك النزول و الذهاب لرؤيته.
استجمعت شجاعتي و قلتُ بكل ما أوتيت من وقاحة: اذهب إلى ضابطك وقل له من يريد الآخر يأتي لرؤيته. في تلك اللحظة قال السائق: أغلق الباب يا أخي، من فضلك نريد أن نسترزق، نظر السائق في المرايا المنتشرة أمامه و قال: لا تخافي، ليس هناك أي ضابط، إنهم فقط يتحرشون بالحلوات! لم أنطق بأي حرف على الملأ أما في داخلي فقد رددت كل الشتائم التي أحفظها. كانت هذه الذكرى الأولى في دمشق.

عندما مشيتُ للمرة الأولى على ضفاف نهر بردى قلت بحزنٍ: خدعني سعيد عقل. هذه هي الذكرى الثانية مع دمشق، ذكرى ستشتعل مرتين في قلبي، عندما سأمشي لاحقاً على ضفاف نهر السين في مدينة الضوء باريس و على ضفاف نهر الدانوب العظيم.

وصلت إلى المدينة الجامعية، كانت أختي بانتظاري مع أصدقائها، لقد خَمَنتْ أنني لن أنتظر فسبقتني إلى مكان سكنها. تسمع في المدينة الجامعية كل اللهجات السورية و بعض اللكنات العربية، ترى كل أنواع الأزياء الوطنية النسائية و الرجالية، القاسم المشترك الأكبر بين الطلاب و هو ما لفت انتباهي مباشرةً هو حقيبة الكتف السوداء التي يمتشقها الجميع دون استثناء، كأنها كانت ماركة مسجلة للمدينة الجامعية في دمشق. جلسنا في كافتيريا المدينة لشرب كأس عصير حتى أنسى قليلاً تعب الطريق ، من درعا، جبلة، السويداء، سراقب، حلب، اللاذقية ومن الأردن، كانت المرة الأولى التي أتعرف إلى شخص من جنسية أخرى، حسدت أختي في سري على هذا التنوع الجغرافي، فهمت أن الشاب الأردني يساري الهوى، قال زميله في الكلية مناكفاً و دون مقدمات: ستفرحون حتماً لموت الرئيس! عدلت من جلستي لهذه الجرأة. رد الأردني بهدوء: لن أفرح، أنا لا أبصق بالصحن الذي أكلت فيه. فهمت لاحقاً أن الشاب من طبقة فقيرة و أنه يدرس على حساب حزب البعث في دمشق. فرحت لهذا الجو المنفتح العابق بنفس حرية مشتهاة منذ الأزل. تسارعت وتيرة الأحاديث، ارتفعت و انخفضت النبرات، ضحكوا مع بعضهم، سخروا من بعضهم، شتموا بعضهم و أنا جالسة تتحلق النجوم حول وجهي من فرط سعادتي، كانوا يافعين، مثقفين، أكاديميين و مغرورين والأهم كانوا جميعاً فقيرين، ينادون بعضهم بروليتاريا بائسة أو حزينة أو فاشلة ...
امتدت الجلسة طويلاً حتى انتبه أحدهم أخيراً لوجودي و سألني الأنسة خليفة بستالوتزي أو جون ديوي أو قد تكونين سيمون دو بوفوار الشرق: قلت بحنقٍ رداً على تهكمه، لماذا ذهبت بعيداً هكذا، مما تشكو د.نوال السعداوي!؟ ضحك بصوت من نال مراده باستفزازي سريعاً و حقيقة الأمر لم أكن حينها صعبة الاستفزاز! قال الشاب القادم من جبل سلطان باشا الأطرش الأشم: لنعقد هدنة، تحدثتْ أختك طويلاً عن ولعك بالقراءة، هل صحيح أنك قارئة من الطراز الرفيع!؟ ماهي أخر الكتب التي نالت استحسانك؟
تلك السنة، كانت أحلام مستغانمي تجتاح الوطن العربي، يكاد لا يخلو رف مكتبة في البيت السوري من روايتها الأولى ذاكرة الجسد، خاصةً أن توقيع الدمشقي الجميل نزار قباني قد ذيّلها. قلتُ له بحماس: ذاكرة الجسد، وهل أجمل من أحلام اليوم، كاتبة مثقفة، اِمرأة جميلة، روايتها أكثر من رائعة، بدأت بتشريح إعجابي بالكاتبة والكتاب، إنها تعري الواقع برقي، تكتب نحو الأمام، لغة نثرية أكثر من رائعة، ثقافة رصينة، عملها غني بأسماء كتّاب وأماكن تدوّخك، اقتباسات تنحفر في ذاكرتك رغماً عنك، وظفّت جُملها في أماكنها و أعطت غرضها... أمام اسهابي و حماسي صمت الشاب يصغي بكل هدوء لما أقول إلى أن قلت: "أحلام مستغانمي الاستثناء في الأدب اليوم"، حينها خرج عن صمته و قال: هل قرأت حيدر حيدر!؟ قبل أن أجيب كرر: هل قرأت وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر!؟ أحمرت وجنتاي و قلتُ لأهرب من الجواب: "نحنا بحيدر واحد مو خالصين" ضحك ضحكة منتصر من جديد وقال: عليك أن تقرئين حيدر، ابحثي عن وليمة لأعشاب البحر، ربما هي الرواية رقم واحد في الوطن العربي، قاطعته فأنا لم أرغب بالاستسلام سريعاً، قلت له: طبيعي أن تقول هذا الكلام، أنتم معشر الرجال لا تحبون نجاحات النساء و لا تعترفون بها أصلاً. قال من جديد: اقرئي الرواية و لابد أن نلتقي يوماً، ربما ستعتذري لي، أنا رجل ناضج و مثقف و أعترف بالنجاح أيّاً كان، ثم أضاف متهكماً مرة أخرى: قد تدور رحى الأيام وتلتقي حيدر حيدر، عُرف عنه الكثير و خاصة ولائه و تعاطفه مع المرأة. كانت تلك الذكرى الثالثة يا شام.

عدتُ إلى مدينة البحر أحمل التحدي في خاطري المكسور، كيف لم أسمع بالكاتب و كيف لم أقرأ له!؟ عندما أخبرت والدي بالأمر قال في مكتبتنا ستجدي حتماً الرواية، قلبت المكتبة رأساً على عقب و لم أجد لها أثراً، قال بحزن: يبدو أن أحدهم استعارها و كالعادة لم يرجعها، بحث رحمه الله في جميع مكتبات اللاذقية و لا أثر للوليمة، قالوا يومها "الكتاب ممنوع!" أخيراً عثرنا على نسخة عن أحد الأصدقاء، أذكر فرحتي عندما قدم لي والدي الرواية منسوخة على ورق أبيض. كم خجلت من نفسي عندما انتهيت من قراءة الرواية لأني لم أسمع بمؤلف الوليمة من قبل. فيما بعد قرأت كل ما كتب حيدر حيدر حتى غادرت سوريا. لم ألتقي بالشاب ابن الجبل لأخبره أن أجمل الروايات العربية التي قرأتها هي " وليمة لأعشاب البحر".

ثم و في مساء قريب، رن جرس الهاتف في إحدى مدن ألمانيا المنسية، صوتٌ من مدينة بحرون ، صوتٌ صلب كصخرة فيه شقاوة سمكة و تمرد ياسمينة، كنتُ أدورُ حول السماعة كفراشة حول قنديل، أجمل ما كان فيه أنه يشبه نفسه على الورق، قلتُ له: لا أصدق أننا التقينا، قصتي معكَ قديمة، أنا أعرفك تماماً منذ سبعة عشر عاماً. سألني في إحدى المرات عن أطروحة الدكتواره التي أنجزتها، أخبرته أنني تناولت المرأة في بحثي!؟ قال: جميل، المرأة الشرقية مظلومة، و لأنني نصير الضعفاء سأبقى إلى جانبها حتى النهاية.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 2,934,289,745
- يا قمر أنا وياك
- أنا أبي لا يموت!
- أسئلة من هواء
- كان اِسمها مريم
- في دُّوَارِات الذات
- ظِّلُ رجلٍ شرقي
- مذكرات أم تنتظر-3-
- رقص شرقي
- صورة الرئيس
- أنتِ طالق
- مذكرات أم تنتظر-2-
- مذكرات أم تنتظر-1-
- فضاءات حدقة
- أسئلةٌ مُرْهَقَة
- أنا والهُوَ
- قيثارة أوفنبورغ
- ذكرى فاطمة المرنيسي
- على عتبة قطار آخن
- موت غير مفاجئ
- ربيع غد


المزيد.....




- رحيل المفكر المصري البارز جلال أمين
- سجن الممثل الأمريكي بيل كوسبي بتهمة الاعتداء الجنسي
- رئيس الحكومة يجري مباحثات مع رئيس جزر القمر
- مدراء جدد بوزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياس ...
- رحيل الكاتب والمفكر المصري جلال أمين
- اختتام -أيام الموسيقى العربية- في برلين
- الباحث والناقد ناجح المعموري والشاعر عادل الياسري في ستوكهو ...
- انطلاق فعاليات معرض عمان الدولى للكتاب ومصر ضيف الشرف
- ممثل أمريكي شهير قد يواجه حكما بالسجن 10 سنوات
- جنة سودانية على البحر الأحمر نفذ فيها الموساد عملية كبرى يجس ...


المزيد.....

- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح
- عناقيد الأدب: أنثولوجيا الحرب والمقاومة / أحمد جرادات


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - تيماء حسن ديوب - إلى حيدر حيدر، مع حبي.