أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - تحليل للنظام السياسي المغربي















المزيد.....



تحليل للنظام السياسي المغربي


سعيد الوجاني
(Oujjani Said)


الحوار المتمدن-العدد: 4903 - 2015 / 8 / 21 - 20:28
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحليل للنظام السياسي المغربي

تمهيد :
اولا حين نتكلم على النظام السياسي المغربي ، فان المقصود ليس الانظمة السياسية التي تعالجها مادة القانون الدستوري والمؤسسات السياسية ، او يعالجها علم السياسية وعلم الاجتماع السياسي . لكن المقصود بالنظام السياسي المغربي ، نظام فريد من نوعه في العالم ، ويختلف عن غيره من الانظمة السياسية ، بكونه نظام غارق في الرجعية والقروسطوية ، وينتمي الى الزمن الميت ، حيث يتفنن في تكريس مجتمع العبودية ، وإعادة انتاج العبيد بشكل اكثر قبحا وقرفا . انه نظام معاد للديمقراطية ويشكل نقيضها ، بل عدولها ، حيث تنتفي فيه كل مواصفات المواطن والمواطنة ، ويتحول الجميع الى مجرد اقنان عبيد يطلق عليهم اسم الرعايا . ان المقصود بالنظام السياسي المغربي ، هو ما يطلق عليه المغاربة ، وتسميه الدول الغربية خاصة ماما فرنسا بالمخزن ، ويسميه المنافقون الحربائيون بالحكومة العميقة المتحكمة في كل شيء من الصغيرة الى الكبيرة .
ويمكن ان نلاحظ مظاهر تجليات العبودية ، اضافة الى ما يعيشه المغاربة تحت ظل هذا النظام ، من ظلم وإذلال مقصود ، وإهانات متوالية ومتعددة ، وتفقير وتمييز ، واعتداءات مقصودة ، في مناسبتين رسميتين .
الاولى ، هي احياء طقوس عيد العرش بشكل تتقزز معه الجوارح ، حيث التجسيد الدراماتيكي للعبودية في ابشع صورها ، وكأننا نعيش القرون الوسطى ، او العصور الحجرية ان صح القول . ان مظاهر العبودية التي تعكسها طقوس العبودية في عيد العرش ، حيث الانحناء والركوع للحاكم وهو فوق جواد او سيارة فاخرة مكشوفة ، مع ترديد تلك الاقاويل التي يرددها العبيد " قاليكم سيدنا ... " ، ليست وحدها دالة بامتياز على نظام العبيد القروسطوي ، بل تتجسد العبودية بشكل جلي وظاهر ، حين يركع الضابط في الجيش او الدرك على ركبتيه ، لتقبيل يد الملك ، او يد ولي العهد ، او يد اي فرد من اسرة الملك . بل تظهر العبودية بشكل جلي ، حين يتسابق جنرالات الجيش والدرك بمناسبة او بدون مناسبة لتقبيل يد الملك بشكل اثار اهتمام الاوربيين والأمريكيين قبل العرب ، حيث يستنكرون مثل هذه الاهانات المختلفة التي يتعرض لها الشعب والجيش ، والتي تؤكد على الطابع الجاهلي للنظام المخزني الغارق في الجاهلية . فأين نحن من الخطاب الرسمي السكيزوفريني ، الذي مرة ينسب المغرب الى مجمع الحداثة ، ومرات وهي المتعددة ينتسب المغرب بفعل هذه الممارسات المشينة الى العصر ما قبل التاريخ .
اما ثاني مظاهر تجليات العبودية ، فتتجلى كل سنة من الجمعة الثانية من شهر اكتوبر ، حين يفتتح رئيس الدولة البرلمان كأمير للمؤمنين وليس كملك . هنا فان نواب ( الامة ) المخزن يجبرون على حضور الجلسة الافتتاحية ، وهم يلبسون اللباس المخزني لباس العبيد ، وليس اللباس الوطني الذي لا علاقة له باللباس الاول . ورئيس الدولة كأمير للمؤمنين وليس كملك ، يوجه خطابه السامي امام الحشود التي تلتزم الصمت ، وتكتفي عند نهاية الامير من القاء خاطبه ، بالتصفيق والمباركة والمساندة التامة لمضمونه . والخطاب الاميري هذا يُحجب عن اية مناقشة من البرلمانيين ، و تبقى مناقشته مفتوحة من قبل بعد ( الاساتذة ) الطبّالين المدّاحين ، صحف المخزن التي تجتمع على تمجيده واعتباره ثورة جديدة احدثت خللا في الهرم المتلاشي ، وانه فعلا خارطة طريق جديدة نجحت في رسم توجهات المغرب لعشرات السنين قادمة ، ومع العلم ان خطابات الملك تعرف بالتناقض التام بين خطاب وخطاب ، حيث ما يؤكده خطاب ينفيه آخر .
ان اخطر المراسيم المخزنية التي تجسد الطابع العبودي للنظام ، هي البيعة البرلمانية التي يحضرها ( نواب الامة ) المخزن الذين يمثلون ، او يجسدون حقيقة العلاقة التي تجمع الامير بالرعية . انها اخطر وأقبح من رسميات البيعة التي تحصل في عيد الجلوس على كرسي الحكم ، وليس العرش ، لان العرش لله وحده لا لغيره ، و لأن هذه يحضرها حتى الرعاع ، في حين ان الثانية يحضرها فقط ممثلو المخزن ( الامة ) . وهنا اوجه السؤال لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ، ولحزب اليسار الاشتراكي الموحد . هل اذا نجحتم في الانتخابات سترتدون اللباس المخزن الالزامي ، ان ستثورون على التقليد المخزني وستلبسون اللباس الاوربي العصري ؟ وهنا الم يلبس برلمانيو الاتحاد الاشتراكي وحزب التقدم والاشتراكية ومحمد بنسعيد آيت ايدر اللباس المخزني عند حضورهم جلسات افتتاح العمل التشريعي عند كل جمعة ثانية من شهر اكتوبر ؟ ام الطقوس المخزنية الاجبارية تفرض على الحداثيين الانضباط للقروسطوية سواء بالبرلمان ، او إذا قرر الحكم ان يسند لهم بعض المناصب الوزارية ؟ اليسوا هم الآن مخزنيون اكثر من المخزن المعادي للديمقراطية والوضوح والشفافية ؟ فعلى من يكذبون ؟ .
ثانيا . ان معالجتي وتحليلي لنظام المخزن ، ستتفادى تلك الدراسات التي تحصر المخزن في نظام الخزينة ، يخزن النقود والزرع والغلّة وحتى البشر . فباستثناء تحليلات ودراسات الاستاذة هند عروب ، فان تلك الابحاث تبقى انشائية ووصفية ، لا تلامس عن كثب ، جوهر النظام المخزني ، الذي هو الفساد بكل تجلياته ومفاصله ، اي سأعالج النظام المخزني كنظام مجرم ، يبني كل ممارساته وسياساته على الاجرام ، الذي وصل قمته بإطلاق سراح مغتصب الصبيان الاسباني دنيال كلفان ، وفي اطلاق العنان لمجرمي اجهزته في الاعتداء على الناس ظلما وبطرق خارج عن القاون . وهنا اود ان اشير ، الى ان شكل وقوة المخزن ، كنظام متخلف ورجعي وفاسد ، تختلف وتتجدد مع شخصية رأس المخزن . ففي مرحلة الحسن الثاني كان الملك اقوى من جهاز المخزن ، حيث ان الملك كان فوق المخزن ، حيث كان يقول " الدولة انا - انا الدولة " وغيري مجرد رعايا وأتباع . اما في عهد محمد السادس ، فالنظام المخزني هو الاقوى ، حيث هو ، اي المخزن ، وليس الملك يردد : انا الدولة - الدولة انا . ويمكن ملاحظة هذا الفارق في نوع الخطابات التي كان يلقيها الحسن الثاني في جميع المناسبات والأحداث ، و الخطابات التي يكتبها المخزن لمحمد السادس لقراءتها ، ثم يلاحظ هذا الفارق في كيفية القاء الخطابات والتحكم في توجيهها . كما يلاحظ في جداول اعمال الملك الراحل التي كانت تقتصر على السياسات الكبرى من داخلية وخارجية ، وجداول اعمال محمد السادس التي تدور حول التدشينات التي لا ترقى الى تدشين من مستوى رئيس جماعة ، حيث مل الناس منها ، كما ملت منها القوات العمومية التي وجدت نفسها تهرول ، ومستنفدة طاقاتها في خرجات مخدومة ، لتركيز صورة الملك لدى الشعب الذي لم يبق غبيا كما كان في السابق . اما اذا تأكدنا من ان الشعب كان ينتظر بلهف وشوق ، الاستماع لخطابات الحسن الثاني ، خاصة في الشؤون الدبلوماسية ، ولا يعير اهتمام لخطابات محمد السادس ، كما ان الشعب في الاعياد الوطنية مثل عيد العرش او عيد الميلاد ، كان يحفظ عن ظهر قلب تواريخ هذه المناسبات بسبب شخصية الحسن الثاني ، فان مثل هذه المحطات في عهد محمد السادس لا احد يعيرها الاهتمام ، كما كان الحال ايام الملك الراحل .
إذا كان النظام المخزني يمثل الجهاز الايديولوجي للدولة ، فان خطورته اليوم لم تعد كذلك ، بل اضحت تلك الخطورة واضحة حين تحول المخزن الى عقيدة فلسفية عند الشعب . فعدد المنتسبين الى هذه العقيدة قبل هبّت 20 فبراير التي اجهضتها خيانات الاحزاب والنقابات والجماعة ( العدل واللاحسان ) ، اكثر من المنتسبين الى الديانة الاسلامية ، او اليهودية ، او المسيحية ، او الملحدين او اللاّذدينيين في المغرب . هكذا تمخزن جزء من الرعية اكثر من المخزن ، فأصبح يجسد الطقوس المخزنية المذلة في مختلف المناسبات ، من زواج حيث يسمى العريس بمولاي السلطان ، وله وزيرين على اليمين والشمال ، ويُحمل مع العروسة فوق عمّارية ، و يطوف بهم اشخاص يلبسون لباس العبيد ، وهم يرددون جمل مخزنية مثل : " بايع سيدي . الله ايبارك في اعمر سيدي " . كما تلاحظ في احياء المناسبات الوطنية والدينية حيث اللباس الوطني والمخزني ، وتبادل الزيارات والتحية بطرق مخزنية .
لقد تغلغل النظام المخزني في وجدان الرعية ، الى درجة اصبحت معها مازوشية ، تتلذذ بآلام هراوات المخزن وهي تنزل على رئسها وأكتافها . فالمغرب هو البلد الوحيد الذي يعتبر فيه جزء من الرعية ، آلام زرواطة المخزن بركة إلهية . ويا العجب ، وهذا مرض غير مفهوم ، حين تبرأ الرعية الملك من اي مسؤولية عمّا المّ بها من عذاب وآلام من مختلف القوات العمومية . في المغرب تصدر الاحكام باسم الملك ، وتنفذ باسمه كذلك ، والأعوان الذين ينفذونها ، هم اعوان الملك من بوليس ، وقوات مساعدة ، ودرك . فحين يتدخل هؤلاء لتنفيذ قرار بالهدم ، بدعوى البناء العشوائي ، او مصادرة املاك خاصة بدعوى نزع الملكية ، او فض وقفة اواعتصام لعمال ضيعة ، او مصنع بسبب طردهم من العمل ،،، فما ان تشرع القوات العمومية في استعمال العنف ، وتوجيه ضربات عصيها الى رؤوسهم ، وأكتافهم ، وأيديهم ، وبكل قوة وقسوة معهودة ، حتى تتعالى اصوات الناس وهي تصيح من شدة الالم " عاش سيدنا – عاش سيدنا – سيدنا مافي راسُوشْ هادْ الشّي " " سيدنا ما يبْغيشْ هاذْء الشيّ " ، والخطورة المازوشية في العديد من حالات تدخل القوات العمومية ضد الرعية ، هي حين يزداد ويتضاعف ، الصياح ، والعويل ، والبكاء ، وندب الخدود ، والضرب على الافخدة ، ليس بسبب زيادة ومضاعفة ألم الضرب ، بل لأن القوات العمومية عند تدخلها ، اسقطت تصْويرْتْ سيدنا في الارض ، حيث تسمعهم يرددون بشكل هستيري مخبول " ألاّ ألاّ . ضرْبونا أحْنا او ما الطّيْحُوش تصْويرْت سيدنا " . فهل من كلبونية ومازوشية اكثر من هذه ؟ وهل من خطورة اكثر من تلك التي تصبح فيها الرعية تتلذذ بألم زرواطة المخزن ، لان الزرواطة ، هي زرواطة بركة سيدنا . والمضحك الاكثر غرابة ، هو اعتصام المقبرة النموذجية بمنطقة الزهراء ، للاحتجاج على مشروع القطار السريع ( ت ج ف ) ، رغم ان صاحب المشروع ، هو الملك الذي اراد ان يخلد به اسمه ، مثلما خلد الحسن الثاني اسمه عند بناء مسجد الحسن الثاني . ومما كان يردده اصحاب الوقفة للإعراب عن احتجاجهم : " تحية نضالية للأسرة العلوية " . إذن الآن أفْهمْ الى بْغيتي تفْهمْ شي حاجة " . اليس هذا المرض المازوشي ، اعادة لما ساد مخزنيا في السابق ، من كون موت الرعايا ، كان يقدم على انه مظهر من مظاهر رحمة السلطان اللاّمُتناهية ، يعود على المعذبين بالجنة والغفران ، بحيث لم تكن التصفية الجسدية للخصوم والحالة هذه إلاّ تجسيدا ، لتوسيع وتقديس العسف والظلم والعنف .
لقد قمنا ببحث حول مرض المازوشية والكلبونية الذي اصاب جزءا من الرعايا او القطيع ، فوجدنا ان هذا الفيروس موجود فقط بين بعض قبائل بني هلال ، ولا وجود له بين سكان الاطلس المتوسط ، او سكان الريف ، او الاطلس الكبير . ان هؤلاء الحثالات الذين يعشقون التناغم مع الألم الذي تسببه لهم زرواطة المخزن ، هم الذين يهرولون وراء الموكب الملكي للاستفادة من مأذونية ( كريما ) .فمثل هؤلاء يجتهدون في تحسين شروط وظروف استعبادهم ، وهم سبب فشل كل المحاولات التي كانت تهدف تصحيح النظام . لهذا يمكن ان نفهم لماذا كان ضباط الانقلاب العسكري في سنة 1971 و 1972 امازيغيين ولم يكونوا هلاليين ، بل ان الكلونيل الفنيري ينتمي الى قبائل زعير التي تعربت بعد ان كانت ولا تزال جذورها امازيغية . لقد ادرك الضباط الوطنيين الاحرار الذين تم اعدامهم بدون محاكمات ، ان اصل المشكل هو خلل في جزء من قطيع وليس في المجتمع السليم .

مقدمة :
شيء من التاريخ المخزني قبل عهد الخيانة ( الحماية ) : المخزن يعني الاستعمار والقمع :
إذا عدنا شيئا ما الى التاريخ كباحثين ودارسين ، سنجد ان المخزن وطوال عدة قرون ، يمارس سياسة قمعية ومنهجية من اجل الحفاظ على اسس حكمه وتوطيدها . وقد كان خصومه ، في اغلب الحالات ، يعدمون بعد لجمهم وإضعافهم . وإذا نجوا من الاعدام ، فذلك من اجل المتاجرة بحياتهم على المستوى السياسي ، و "قلبهم " بهدف جعلهم ادوات لمخططاته .
لقد كان الاعدام إذن هو القاعدة ، من حيث كونه وسيلة ردع متقدمة ضد الخصوم . على ان هناك حالة استثنائية كان المخزن ، او القصر وخدامه ، يلجئون فيها الى اختطاف اعيان وممثلي القبائل ، وذلك عندما كانت ترفض هذه الاخيرة تسديد الضرائب . فقد كان هؤلاء الاعيان يؤخذون كرهائن حتى يؤدي الثوار العصاة الضرائب المفروضة بقوة السيف . وفي حالة الرفض ، يتم اعدام الرهائن ، وتنظيم حملات عسكرية قمعية ، لنهب وذبح القبائل التي يمثلونها . وهكذا كان مقابل الضريبة ، الاختطاف ، او الفدية ، او الموت .
لقد كان المخزن يعتبر ان الحرب الظافرة ،هي التي تنتهي ، اما باستعباد الخصم ، او موته . وبما ان الاستعباد ، هو شكل من اشكال الموت ، فان الحرب المختصرة كانت تؤدي الى ابادة وسائل الخصم ، العسكرية ، والسياسية ، والنفسية ، والاستحواذ على موارده ، وإمكانياته الاقتصادية . وهكذا ، فان اي شكل آخر من اشكال القمع ، ومن بينها الاختطاف والقتل ، كاقتصاد وتسيير للقمع ، لم يكن إلاّ بديلا ثانويا جدا . ويمكن القول ان الشعب المغربي ، قد تعرض لهذا الشكل من الحرب ، على يد المخزن ، خاصة في عهد السلطان القمعي اسماعيل ، الى حدود الغزو الاستعماري للمغرب .
بما ان دعامة الاستعمار والامبريالية ، هما الربح والاستحواذ على الموارد ،فان اقتصادهما السياسي للحرب العدوانية ،كان ولا يزال يُثبّت قدميه على اقتصاد صارم للوسائل المادية ، مع العمل في نفس الوقت بأشكال جديدة من الحرب ، التي ينبغي ان تؤدي بأقل كلفة الى استسلام الخصم ، وإخضاع الشعوب المعتدى عليها . فالحرب النفسية بشكلها العصري ، خرجت للوجود هكذا ، مع تطور الايديولوجية الاستعمارية . ولم يكن الهدف من الوسائل العسكرية المستعملة ، سوى ان تجسد على الساحة ، النتائج المحققة على صعيد الضمائر ، بفضل عملية نسف غادرة وطويلة الامد .
لقد كان الايديولوجيون الاستعماريون يؤكدون ان ميدان المعركة الحقيقي الوحيد ، يوجد في مستوى الوعي الجماعي للشعوب المعتدى عليها والمحتلة . وهكذا يمكننا ان ندرك ، معنى عبارة الجنرال ليوطي الشهيرة " على المرء ان يظهر قوته ، لكي لا يضطر لاستعمالها " . ان الهدف من هذه القولة الشهيرة ، هو اظهار الاستعماريين ، ان باستطاعتهم خوض اي حرب ، وان لهم الوسائل الكفيلة لذلك ، لكي لا يضطرون لدفع مصاريف باهظة ومٌؤدّية الى الافلاس عند القيام بها . ان كل استراتيجية الحروب الاستعمارية واقتصادها السياسي منذ اكثر من قرن ، تتلخص في هذه العبارة المقتضبة التي استبق محتواها المفهوم الراهن للترهيب والتخويف والردع في المجال النووي .
لقد هيمن هذا المحتوى الايديولوجي على كل السياسة القمعية للمخزن في ظل الاحتلال الكلونيالي ، ولا يزال يهيمن الى حد ما ، على السياسة القمعية للمخزن المغربي منذ استقلال ايكس ليبان ، والى عهد محمد السادس .
ان الاستعمار ، كنظام للاستغلال الكلي للمصادر والثروات ، لم يكن له إذن ، ان يكتفي بنهب ظرفي ، مقابله الطبيعي هو القمع الوحشي ، إن لم يكن ابادة القبائل كما كان يفعل المخزن طوال القرون الماضية . ومن هنا ، فان سياسة الرأسمال الاستعماري ، كانت لها كمقابل وكمساعد ، استراتيجية قمعية ذات خصوصية ، تعمل على تشجيع اقامة نظام استغلالي دائم ، لا يقوم على نهب المصادر فحسب ، بل ايضا و بالأخص ، على تجنيد قوة عمل السكان المحتلين لفائدته .
وهكذا ، فان قانون الربح ، كان يملي على المستعمر استبدال اعدام وقتل المقاومين والمجاهدين ، بسجنهم او تكبيلهم بالحديد ، وإكراههم ، وتسخيرهم على الاشغال الشاقة ، وإحالتهم الى اوضاع العبيد ، وبذلك كانت لهم مردودية قصوى ، بحيث انهم لم يكونوا يكلفون الاستعمار سوى غذائهم ، الذي كان الغرض منه ، تجديد قوة العمل وعملهم .
هناك وجه آخر من قانون الربح لا يقل اهمية ، وهو قابلية المُكبّلين على الحركة ، بحيث كانوا ينقلون وفق الاوراش ، وخاصة منها تلك التي كانت تمليها متطلبات الغزو الاستعماري ، كالموانئ وطرق المواصلات والتحصينات .
وهكذا اختفى عشرات الآلاف من المقاومين الشهداء ، والسجناء المغاربة ، دون ان يظهر لهم اثر ، واستشهدوا على قارعة مذبحة قانون الربح الاستعماري . لقد كان الرهائن يختطفون من القبائل الامازيغية ، فيقومون وأرجلهم مكبلة بالحديد ، بوضع خطوط السكك الحديدية للطريق الرابط بين فاس والجزائر . كما كانت اليد العاملة السجينة تُسلّم للشركات الكبرى التي انشئت من طرق بنك " شنايدر " ، و بنك " باريس والأراضي المنخفضة " ( باريبا ) ، لتشييد البنية التحتية المرفئية ، والحضرية ، والسكك الحديدية للساحل الاطلسي . بينما كان سجناء المخزن ، يستعملون كيد عاملة مجانية ، لصيانة الطرقات البلدية ، وإعداد المراكز الاستعمارية الصغيرة .
كان للاختفاءات الجماعية ، اثناء الغزو الاستعماري ، للمواطنين المغاربة ، الرافضين ان يستخدموا كمرتزقة ضد القبائل الامازيغية الثائرة العاصية ، اربعة اهداف :
1 ) – اضعاف الامكانيات الديمغرافية للشعب المغربي ، وبالتالي قدرته على المقاومة .
2 ) – التجنيد الاستعماري للسجناء المكبلين بالحديد والأغلال ، لإقامة الاساس الاقتصادي للرأسمال الاستعماري .
3 ) – تحطيم البنيات الاقتصادية لنمط الانتاج المغربي ، بغية ادماج المغرب تدريجيا ضمن الدورات الرأسمالية القائمة .
4 ) – الشروع في البلترة الاجتماعية لجماهير الفلاحين المغاربة ، لإضعاف جبهة المقاومة من جهة ، وإطلاق مسلسل هجرة السكان نحو الاوراش الاستعمارية ، من جهة ثانية .
ان الاختفاءات الجماعية لعشرات الآلاف من المقاومين العصاة المغاربة ، طوال الخمسة وعشرين سنة التي دامها الاستعمار من 1912 الى 1936 ، والتي شكلت ، اي الاختفاءات ، ادوات ساطعة للحرب الكلية ضد الشعب المغربي ، كانت تتواصل بسياسة من العسف بلا حدود ، وخاصة في مناطق المغرب الجنوبية . فبمبادرة ومساعدة المحتلين ، تحولت مراكش ونواحيها ، الى معاقل شخصية حقيقية ، لما كان يسمى في السابق بقياد الجنوب الكبار ، مثل الكندافي والمتوكي والكلاوي الذي سرعان ما فرض سيطرته التامة على القياد الاخرين .
كانت سلطة هؤلاء القياد الكبار ، هي مقابل تعاملهم مع الاستعمار من اجل غزو المغرب . فقبل هذا الغزو بكثير ، كانت كل تحركات المصالح الاجنبية التابعة لبلدان اوربية مختلفة ، تجد في هؤلاء القياد من يوصلها الى معرفة كل شيء عن المغرب وسكانه . وفي هذا الصدد فان المدني الكلاوي ، الابن الاكبر للتهامي الكلاوي السيئ الذكر ، كانت له علاقات مع وكلاء سريين اوربيين من مختلف الجنسيات . وليس من قبيل الصدفة ان يتم احتلال منطقتي مراكش وأغادير ابتداء من السنوات الاولى ( 1911 – 1914 ) للغزو الاستعماري . فلقد انضم القياد الكبار مع انصارهم ، الى الجيوش الغازية لمحاربة المقاومة المغربية في المنطقة التي كان يقودها الثائر احمد الهيبة ماء العينين بالصحراء . وقد توصل قياد الجنوب الكبار ، وهم مغمورون بالتشريفات لتعاملهم وخيانتهم ، من الجنرال ليوطي وخلفاءه ، بتوقيع على بياض ، يطلق ايديهم لينهبوا ويقتلوا على هواهم ، ويقيموا ثروات طائلة على حساب الجماهير الموضوعة تحت رحمتهم .
وهكذا عرفت اقاليم الجنوب المغربي في ظرف اربعة وأربعين سنة من الاستعمار قمعا وحشيا ، واختطف الناس بالآلاف من طرف زبانية القياد الكبار ، ولم يظهر لهم اثر ابدا من قبل عائلاتهم التي تعرضت لأعمال انتقامية وحشية ، من اختطاف وقتل واختفاء مع مصادرة ونهب ممتلكاتهم .ولذلك خيم صمت رهيب على مجازر اقاليم الجنوب طوال ازيد من اربعة عقود .
وقد كان الاشخاص المختطفون ، المحبوسون والمكبلون بالحديد والأغلال ، يحتضرون ويموتون في دهاليز الرعب وظلام القصبات التي كانت جميعها عبارة عن قلاع محصنة ترمز في اعين السكان ، الى قوة وخيانة طغاة الجنوب . ان قياد الجنوب وخاصة منهم باشا مراكش التهامي الكلاوي ، يستحوذون على الارض والماء والكلأ ، وكلهم كانوا يشغلون في اقطاعاتهم شعبا يستغلونه ويسخرونه بلا رحمة ، وكلهم يقتطعون رسوما باهظة وغير مشروعة ... ويتركون الاشقياء الذين يتجرؤون على الاحتجاج يقبعون في قصباتهم المحصنة .
ان اختطاف الاشخاص في اقاليم الجنوب ، تحت الحكم المتسلط للقياد الكبار طوال اربعة وأربعين سنة من الاستعمار ، كان إذن يهدف بالخصوص الى ارهاب السكان ، وإجبارهم على الركوع ، والسجود مثل العبيد ، بغية استغلالهم حتى العظم . وعلى عكس اختفاء عشرات الآلاف من الاشخاص الذين القي عليهم القبض خلال الغزو الاستعماري ، كان هذا الاختفاء يرمي لتحقيق اهداف متعددة : عسكرية ، سياسية ، اجتماعية ، اقتصادية ، ايديولوجية ... لخ .
وتجدر الاشارة الى حالة اخرى من الاختفاءات الجماعية للمغاربة ، وقعت في نهاية 1945 بوهران ، والتي تعرضت لها التجريدة المغربية المكونة من زهاء اربعين الف رجل ،اغمروا مجدا في المعارك ضد جيوش المحور في تونس وفي ايطاليا وفرنسا وألمانيا . فقد نزلت التجريدة المغربية بوهران ، حيث كان عليها ان تلتحق بالمغرب عن طريق البر بعد فترة استراحة قصيرة . وعلى اثر ازعاجات متكررة لا مبرر لها ، ارتكبها الضباط الفرنسيون داخل بعض الوحدات المغربية ، تسممت العلاقة بسرعة ، وتحولت الى معارك حقيقية استعملت فيها جميع انواع الاسلحة . وقد سبب تدخل الفرقة الاجنبية والطيران خسائر فادحة في جنود التجريدة ، والقي القبض على المئات من الضباط وضباط الصف والجنود المغاربة ، ولم يظهر لهم اثر ابدا ، بل وأرسل العديد من الضباط الى معتقل " كايان " للأشغال الشاقة بغويانا بأمريكا الوسطى ، حيث قضوا نحبهم جميعا . وهكذا ، وبعد خمس سنوات من المعارك البطولية ، كان جزاء الجنود المغاربة ، هو مذبحة وهران واعتقال واختفاء جزء مهم منهم .
وإذا كان الهدف الاساسي لسياسة المخزن القديم هو التصفية الجسدية السريعة لخصومه ، فان سياسة الاستعمار في هذا المجال ، كانت ، بحكم قوانين الربح والاستغلال ، مزيجا من الوسائل ، منها الاختفاءات التي تهدف الى تصفية الخصوم من الساحتين السياسية والعسكرية ، مع الاحتفاظ بهم على قيد الحياة ، من اجل استغلال قوة عملهم الضرورية لتطور المشروع الرأسمالي في المغرب .
ويمكن القول ، ان الاختطافات الاستعمارية للمغاربة ، خلال حرب الاحتلال ، كانت في واقع الامر ، موتا اجتماعيا واقتصاديا وعسكريا وسياسيا ، لان المختطف لا يبقى حاضرا في المجتمع المغربي ، مع انه يبقى حيا بالنسبة للرأسمال الاستعماري . فهؤلاء المغاربة المختطفون ، كانوا إذن ، موتى مؤجلين ، يقضون نحبهم بسبب العمل الاستعبادي ، والإنهاك والتعذيب . لقد شكلت الاختفاءات احدى الوسائل المتعددة الهادفة الى تدمير المجتمع المغربي في مجموعه ، اي في هياكله الاجتماعية ، وأنماط انتاجه الاقتصادية والثقافية ... الخ ، بغية فرض الهيمنة الكلية للمحتلين ، وتسهيل التنظيم المستمر للاستغلال والنهب .
ان المجتمع والشعب المغربيين ككيانين اصليين ، هما اللذان كانا إذن مستهدفين ، باعتبار ان المشروع الرأسمالي الاستعماري ، كان يرمي الى تدميرهما ، وبالتالي موتهما ، ابتداء من اللحظة التي اصبحا فيها خاضعين لمتطلبات المصالح الاجنبية . وبالمقابل ، فان المخزن ، باعتباره تشكيلة اقطاعية قروسطوية وعتيقة ، لم يكن يهتم على غرار الرأسمال الاستعماري ، بقوة عمل خصومه السياسيين . ولذلك كان يصفيهم عندما كانت تتوفر له الوسائل ، من اجل ارهاب السكان بغرض الهيمنة والسرقة والنهب . لكن سياسته القمعية ، بسبب الهياكل الاجتماعية القائمة ، لم يكن بإمكانها ان تمس إلاّ كيانات اجتماعية مستقلة محددة ، هي القبائل . امّا وحدة المجتمع والشعب المغربيين ووجودهما فلم يكونا قط مهددين ، لا سيما وان مشروع المخزن لم يكن يخضع لمصالح الاجنبي ، باستثناء بعض الفترات من التاريخ الاسود لتحالف المخزن مع الاحتلال .
وبالمقابل ، فان قياد الجنوب الكبار جعلوا من الاغتيالات والاختطافات دعامة سياستهم القمعية ، بموافقة ومباركة وعون المحتلين ، بغية زرع الرعب وممارسة الهيمنة والنهب . وهكذا نلاحظ ان سياسة الكلاوي وزبانيته في القمع ، كانت تنتمي في نفس الوقت الى سياسة المخزن القديم ، وسياسة الاستعمار .
الوضع الحالي للنظام المخزني القروسطوي :
باستثناء ابحاث الاستاذة هند عروب التي تمكنت من تشخيص النظام المخزني في عدة مفاصليه ، فان جميع الابحاث التي نشرت في الجرائد ، او في بعض المنشورات ، لخصت المخزن في وظيفة الخزّان الذي يخزن العملة ، والغلة وحتى ( البشر ) الرعايا .
لكن معنى المخزن الحقيقي بمفهومه السائد ، يدل على السلطة ، والحكم ، والإدارة التي كانت في الماضي بيد السلطان ومجموع المكلفين بتسييرها وممارستها ، على امتداد مجال جغرافي معين يسمى المغرب . وكان هذا الاخير كمساحة وحدود متقلبة حسب المراحل والسلالات ، يتطابق مع صلاحيات وشرعية السلطان الذي كان يمسك بهذه السلطة بيد من حديد ، وبحكم انتسابه ( المفترض ) الى النبي ، رغم ان هذا لم يخلف ولدا ذكرا حتى نقول ، ان عقد السلسلة تدحرجت عبر الزمن ، حتى وصلنا الى آخر ذرية النبي الذي هو محمد السادس . فباستثناء ابنه بالتبني زيد زوج زينب التي حين رآها الرسول وأُعجب بها ، طلب منه تطليقها ، وحين فعل طلب ، منه خطبتها له ليتزوجها ، بحيث بعد ان كانت زوجة زيد اضحت زوجة النبي . فالمعروف اجماعا ان النبي لم يخلف ذكرا ولدا ، بل خلف بنتا هي فاطمة الزهراء التي ابناءها ليسوا ابناء النبي ، بل هم ابناء علي : بنونا بنو ابناءنا ------- وبناتنا ابناءهن ابناء الرجال الاباعد .
ان هذه الصلاحيات وهذه ( الشرعية ) في الانتساب المزيف الى النبي ، تشكل على المستويين الايديولوجي والسياسي ، سندات ملكية من نوع خاص ، بحكم انها تُقدّم وكأنها تابعة لقانون إلهي ، وبالتالي فوق قانون البشر ، وفوق الدستور ، اي تغليب عقد البيعة في الحكم ألاستثناءي ، على الدستور الممنوح في الوضع الطبيعي . ان هذا القانون غير الطبيعي الالهي وسندات الملكية هذه ، يسري مفعولها على مجال المخزن هذا بالضبط . فكلمة ، ملك تعني تحديدا المالك للسلطة ، وللمجال الجغرافي الذي تمارس عليه هذه السلطة . وكل ما يوجد في هذا المجال وبالدرجة الاولى البشر ، هو ملك للملك وخاضع لسلطته . كما ان كلمة سلطان مشتقة من كلمة السلطة . فالسلطان إذن ، هو من يملك ويمارس السلطة على مجال جغرافي يسمى سلطنة ، او مملكة ، او امبراطورية .
والعلاقة بين الملك او السلطان ، والجماعة البشرية التي تعيش فوق المجال الجغرافي ، المملوك له والتابع لحكمه ، هي علاقة خضوع وتبعية وإذلال ، اي علاقة عبودية لا علاقة مواطنة ، ومن ثم فان للملك او السلطان ، رعايا لا يمكنهم في هذه الشروط ، ان يطمعوا في ان يكونوا مواطنين . فالسلطان في المخزن القديم ، الذي كان يمركز في شخصه السلطة الدينية والدنيوية ، كان هو مصدر وحامل كل الحقوق ، وبخاصة الحق العام . بينما المصدر الوحيد للقانون الاسلامي يبقى هو القرآن . فمن الواضح إذن ان السلطان او الملك يتسلط على القرآن ، ويستغله ، ويوظفه لإضفاء الشرعية على شخصه ونظام حكمه وملكيته وحقوقه ، وذلك على حساب الرعايا الاقنان العبيد ممن لا يمكنهم التطلع الى وضعية اخرى غير وضعية الخضوع والتبعية التي تنتج مجتمع العبيد والأقنان . ومن هنا ، فان اي امتياز يخصص لفرد او مجموعة من الرعية العبيد ، او حتى لعشيرة منها مثل القبائل ، هو من قبيل المنحة ، وذلك بهدف ربطهم بالسلطان او الملك عن طريق مصالح معينة . هذا ناهيك عن الرشاوى التي تدفع لجنرالات الجيش في شكل ترقيات في وقتها ، وزيادة دائمة في الاجور ، والامتيازات المختلفة ، بغية الدفاع عن الملك السلطان ، وليس الدفاع عن الاوطان . ان سياسة المنح المختلفة والترضيات ، لا زالت تمثل احدى دعامات اسلوب الحكم عند القصر منذ استقلال ايكس ليبان الخياني المفضوح ، والى اليوم في عهد محمد السادس .
هناك ملاحظة مهمة اود اثارتها في هذه الدراسة ، هي ان وصول نظام الحماية الفرنسية الى المغرب ، لم يغير شيئا من الوضعية الفاشية المتميزة للسلطان ، والذي يجدر التذكير ، بان الغزو الاستعماري قد تم باسمه بمقتضى معاهدة الخيانة ( الحماية ) التي وقعها السلطان عبدالحفيظ . وبالفعل فان مغرب الحماية قد ظل نظاما رجعيا فاشيا ثيوقراطيا ، بحيث ان مبدأ الفصل بين السلط لم ينقل الى الحق العام الشريف .
هكذا فان المغاربة الرعايا ، وجدوا نفسهم مستعمرين بنفس الصفة ، حيث شكل هذا المزيج بين الوضعيتين القانونيتين ، كعبيد رعايا وكمستعمرين ، ارضية لسياسة القمع خلال الحماية ، والتي كان من نتاجها الطبيعية ، ليس اخضاع المغاربة طوال القرون الماضية فحسب ، بل ايضا ، وبالخصوص ، الاستغلال المنهجي الكلي والوحشي لقوة عملهم بموازاة الاستغلال المنهجي لثروات البلاد كما هو الحال اليوم .
وقد قاد قانون الرعية العبد والخادم المطيع ، وقانون المستعمر ، الى اخضاع مزدوج ، او بالأحرى اخضاع ، هو جوهر العنف نفسه . والحال ان اي اخضاع إلاّ ويعني ، الاستغلال ، والنهب ، والامتيازات التي لا يمكن ان تحفظ وتجدّد إلاّ بالإكراه والقمع . وهذه كلها صفات مميزة وجدت مجال تطبيقها وتجريبها في الجنوب المغربي على الخصوص ، تحت وطأة التهامي لكلاوي . فالمقابل لخيانة هذا الاخير ، كان ان تُركتْ له حرية تحرك اقطاعية فاشية ، مكنته شيئا فشيئا من مراكمة ثروات هائلة . فكل ما ينتج شيئا من المال في مراكش وبالأطلس الكبير ، كان يوجد بين يديه ، من سحرة ، و عاهرات ، وشواذ ، ورعاة ، ورُحل وشياخات ، وفلاحين وتجار الشاي والسكر والجمّالة ...لخ . فكل نشاط بشري في الجنوب إلاّ ويقطع منه الباشا ضريبته ، وهذا طبعا ما كان يقوم به ادريس البصري ومدراء اجهزته الامنية المختلفة .
ان مفهوم المخزن ، ما قبل الحماية وخلالها ، كان يتعلق بنوعين من الحكم ، لكل منها اقتصاده الخاص للقمع . فحكم المخزن القديم ، كان يقضي على وجه العموم ، بالتصفية الجسدية للخصوم ونهب ممتلكاتهم . اما في حكم الحماية ، فانه استعمل نسقا كاملا من الوسائل ، لتنظيم الاستغلال الكلي والمنهجي . ومن ضمن هذه الوسائل ، كانت هناك الاختفاءات التي شكلت إذن ، تجديدا في مجال القمع بالمغرب .
لكن إذا ما تصفحنا المعنى الحرفي لكلمة المخزن ، فانه يعني متجر ، مستودع ، مكتب ، مطمورة ، ثكنة للحفظ والخزن . وبما انه كان يشير ايضا الى السلطة ، والحكم والإدارة ، التابعة للسلطان في السابق ، فهذا يعني ان تلك السلطة كانت مجسدة ماديا ومندرجة ، مرموز اليها ، ومعرّفة في المجال القروي المغربي ببنية حضرية ، مكونة من قلاع كانت في آن ، ثكنات عسكرية ومستودعات لتموين الجيش ، وأماكن حيث يخزن منتوج الضريبة او الغنيمة بعد نهبها ، ومراكز للاعتقال المؤقت للرهائن ، ونقاط دعم لتوسيع سلطة المخزن وإدارته .
والسلطان اسماعيل ، هو اول سلطان كانت له في تاريخ المغرب فكرة ، هي أن احسن وسيلة لتثبيت دعائم حكمه ، هي تأطير البلد وتطويقه بمجموعة من القلاع المشيدة في النقاط الاستراتيجية . وهكذا كانت هناك في نهاية القرن السابع عشر ، ستة وسبعون قلعة في المجموع . ويمكننا ان نفترض ان دلالة هذه القلاع ( التي كانت مخازن ذات وظائف متعددة ) على سلطة وحكم وإدارة السلطان ، ترجع الى عهد السلطان اسماعيل .
لقد كانت هذه القلاع / الثكنات إذن ، في نظر سكان القبائل المغربية ، بمثابة نقاط دلالة ، على حكم جاء من بعيد ، مجهول وشرير ، يستعملها كقواعد لحملاته العسكرية ، ولنهبه وقمعه ، مع ما يرافق ذلك من تقتيل جماعي . كان هناك جدار من العداء وانعدام الثقة ما بين هذه القلاع وسكان المناطق المحيطة بها ، خاصة وان الجنود القاطنين بها وعائلاتهم كانوا اجانب عنهم تماما ، فهم عبيد جاء بهم السلطان اسماعيل من السنيغال ومالي الذين كان يطلق عليهم في السابق اسم السودانيين لبشرتهم الداكنة السواد ، خلال حملاته جنوب الصحراء . وتجدر الاشارة الى ان فرقا هامة من ابناء جنوب الصحراء ، قد جندت ضد المقاومة المغربية خلال الغزو الاستعماري ، واستعملت كحطب للنار اثناء الحملات القمعية .
ومع توطد الغزو ، انشئت فرقة من الجنود الاضافيين ، اغلبهم من اصل قروي ، الذين اطلقت عليهم سلطات الحماية اسم المخزن ، وكانوا ولا يزالون اداة قمع فعالة جدا . ان هذه الفرقة المخزنية التي حافظ عليها النظام المغربي الحالي ، تستعمل ايضا لانطلاق النار على التلاميذ والطلبة ، وإغراق المظاهرات بالدماء ، وتكسير الاضرابات . وهي تشكل بعد المحاولتين الانقلابيتين 1971 و 1972 مع مختلف اجهزة البوليس ، ركيزة للدفاع عن النظام ، بسبب ان الجيش المغربي منفي ومسجون في الصحراء منذ 1974 . ويمكن ان نقول ان لفرقة المخزن هذه نفس الدور الذي لعبه ساليغان اثناء الغزو العسكري لبلادنا .
ان مفهوم المخزن المقرون بالحكم ، والإدارة ، والمستودع ، والثكنة ، والقلعة ، والجيش ... الخ ، مقرون ايضا بالقمع الذي هو احد اوجه الحرب ضد الشعب المغربي . وهكذا كان العنف والقمع يقدمان على المستوى الايديولوجي ، على انهما نوع من الخلاص واللعنة الضرورية ، لإرجاع الرعايا الضالين الى الصراط المستقيم ، اي طريق العناية ألإلهية المتماشي مع وضعية الرعايا الخاضعين . لذلك ، لم يكن هناك اي حد لهذا العنف وهذا القمع ، لأنهما يشرعان بقانون فوق وضد القانون الوضعي . بل حتى موت الرعايا كان يقدم على انه مظهر من مظاهر رحمة السلطان اللاّمتناهية ، يعود على المعذبين بالجنة والغفران . فلم تكن التصفية الجسدية للخصوم والحالة هذه ، إلاّ تجسيدا لتوسيع وتقديس العسف والظلم .
كل هذا الخليط الايديولوجي نجده ايضا في قلب الاقتصاد السياسي للقمع في ظل المخزن الحالي . ذلك انه وراء واجهة ولعبة المؤسسات المقامة من اجل الضحك والتلاعب بمجموعات الصحافيين الاجانب المجاملين والدول الغربية ، فان القصر الملكي الذي اخذ على عاتقه الاستقلال الممنوح عام 1956 ، ظل في العمق مخزنيا كما قبل 1912 ، اي اقطاعية من الحق الالهي ، بكل صلاحياته المبينة سالفا . فالفصل 23 من ( دساتير ) 1962 و 1970 و 1972 و 1980 و 1996 ، ينص على ان شخص الملك مقدس ولا يجوز المس به ، وكذلك بالنسبة للفصل 19 الذي تم توزيعه بين الفصل 41 و 42 من ( دستور ) 2011 ينص على ان الملك هو " امير المؤمنين " مثلما في القرون الماضية . ان جميع الدساتير وبما فيها دستور 2011 ، اقامت ملكية مطلقة متسترة وراء مظهر تمثيلية وطنية زائفة ، بل ان دستور 2011 نفسه حافظ على عنصر غارق في الرجعية ، ألا وهو الثيوقراطية . وهذه الاخيرة التي اسدل عليها ستار المؤسسات لا تضلل احدا ، فأعضاء البرلمان لا يمثلون الشعب المغربي ، بل انهم يمثلون القصر والمخزن . الم يصرح الحسن الثاني بان البرلمانيين هم وزراء ؟ . والملك الحالي محمد السادس الآن هو حجر الزاوية في هذه الثيوقراطية التي تبحث عن التمدد في افريقيا بدعوى اسلام التسامح والمحبة والإخاء ، والتي لا توجد ، اي الثيوقراطية ، إلاّ من خلاله ولأجله ، ومن اجل اقاربه ، و زبنائه وخدامه من المغاربة والأجانب ، هو طاغية صغير من العصور القديمة ، ضال في القرن الواحد والعشرين ، تنبثق شراسته العذبة المُلبّسة بمصطلحات اليوم من عصر وسطي غريب . وبما ان كل ثيوقراطية لا يهمها غير البقاء والاستمرار ، فان محمد السادس يهيء ابنه الحسن ليكون وليا للعهد على صورته وصورة جده الحسن ، اي ثيوقراطي مستقبلي يستمد سلطته من الله وليس من الشعب . لذا فانه رغم وجدود دستور ممنوح ، فان حل الاشكاليات السياسية المعقدة يكون عن طريق البيعة وإمارة المؤمنين وأمير المؤمنين ، اي تركيز الحكم الاستبدادي المطلق حكم الشخص وليس حكم الشعب . ومن خلال الارهاصات الاولية ، هناك احتمالات كبرى لتخلي محمد السادس عن الحكم لصالح ابنه الحسن عند سن السادسة عشر . لذا فالسرعة مع الوقت تفعل فعلتها في برنامج تكوين ملك المستقبل الحسن الثالث . فهل الوضع الاجتماعي المزري ، والاقتصادي المتهور ، وحرب الصحراء التي هي على الابواب ستسمح بمجيء الحسن الثالث ؟ .
ان المخزن الحالي ، اقطاعية الحق الالهي ، لا يتعامل مع المغاربة إلاّ كرعايا عبيد فقط ، فلما يلقي الملك فيهم خطابا ، فانه يبدأ بتعبير طقوسي " رعيانا الاوفياء " ، مع العلم ان في جميع الدساتير يجري الحديث عن مواطنين . غير ان الحياة اليومية للشعب المغربي تثبت ان جهاز المؤسسات التي اقيمت منذ ما يزيد على خمسة عقود من السنين ، ليست سوى فزّاعة وواجهة مخصصة للخارج ، تسمح لزبناء القصر الملكي والبرجوازية المغربية ، امام ابتهاج الغرب وخاصة ماما فرنسا الحارس الامين على مغرب محمد السادس ، بلعب لعبة الديمقراطية لفائدتهم ، ولعب الكوميديا الديمقراطية الممنوحة من طرف امير المؤمنين ، وهو نفسه الذي يقوم ، لصالح طبقته وحماته ودعائمه الاجانب ( ساركوزي وشيراك ) ، بإدارة استقلال ممنوح مسروق ومصادر من الشعب المغربي في 1955 / 1956 .
ان هذه الكوميدية الديمقراطية المضحكة والمفضوحة ،يلعب دورها الملك من جهة والأحزاب السياسية والنقابات من جهة اخرى . ولا بد للقارئ ان يعرف ان الدولة هي من تمول الاحزاب بشكل مباشر او غير مباشر ، او عن طريق اختلاس الاموال العمومية التي يغض عنها القصر العين . فإذن فان اصحاب الخدعة الديمقراطية هم الملك والأحزاب التي لا تمثل غير البرجوازية المغربية ، وتجدر الاشارة الى ان احد اهم الممثلين وشركاء الحسن الثاني في الكوميديا الديمقراطية الحسنية على حساب شعبنا كان عبدالرحيم بوعبيد عن الاتحاد الاشتراكي ومحمد بوستة عن حزب الاستقلال وعلي يعته عن حزب التقدم والاشتراكية . اما ممثلو الكوميديا الديمقراطية المحمدية اليوم ، فهم الحزب الاشتراكي الموحد برئاسة محمد بن سعيد آيت ايدر الذي وشحه الملك مؤخرا ، وقيادة حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي ، اضافة الى نوبير الاموي ( ك د ش ) ، ومخاريق ( ا م ش ) ، و ( شباط ) حزب الاستقلال . اما الاحزاب الادارية صنيعة وزارة الداخلية ، فهي لا تختلف منذ عهد الراحل الحسن الثاني من الاتحاد الدستوري الى التجمع الوطني للأحرار الى الحركة الشعبية .. لخ الى عهد محمد السادس حيث سنجد نفس الاحزاب اضافة حزب صديق الملك فؤاد الهمة ( الاصالة والمعاصرة ) الذي انشأه كحزب للقصر عندما كان وزيرا منتدبا في وزارة الداخلية ، الى حزب العدالة والتنمية المتأسلم .
ان المخزن الحالي ، باعتباره اقطاعية من القانون الالهي ، يحكمها طاغية صغير يطلق عنان اجهزته للاعتداء على الناس ظلما وبدون وجه حق ، بل وحين طالبناه ، وطالبه غيرنا من المظلومين ، بالإنصاف ، وتطبيق العدل ، فانه لم يجيب ولم يستجيب ، بل والخطورة حين يوظف الوزير المنتدب في الداخلية المدعو الشرقي ضريس سلطاته ، بدفع المدير العام للأمن الوطني ، والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ، بتصفية حسابات ، بسبب البغض والحسد والحقد والشعور بالدونية امامي ، ومع ذلك لا يتدخل الملك الذي قال في خطاب العرش " ان ما يصيبكم يصيبني " ، اي ان الملك انحاز الى الظالمين على حساب المظلومين ، والغريب حين يقدم نفسه على انه من اسرة النبي لا يجب المساس به ، و ينتحل اسم الجلالة ، حيث ان هذه الاقطاعية اضحت في القرن الواحد والعشرين تشكل اطارا سياسيا / عقائديا / ايديولوجيا من عصر آخر ، حيث المغاربة بسبب هذا الظلم ، ليسوا سوى رعايا عبيد منعدمي الحقوق . ان قانون الاقطاعية الالهية " الشرعي " هذا ينطوي على الخضوع والإذعان الضروريين للمخزن . والحالة ان التناقضات المتفجرة التي توجد داخل التشكيلة الاجتماعية المغربية ، بسبب الامتيازات اللاّمحدودة للقصر الملكي وطبقته وزبنائه ، لا يتم تجميدها وحدها إلاّ عن طريق العنف والقمع الوحشيين للشعب . ولهذا الغرض تم وضع نظام بوليسي حوّل الدولة الى دولة بوليسية يتحكم فيها فؤاد الهمة وعبداللطيف الحموشي والشرقي ضريس اللذين دفعوا الملك للانقلاب على جهاز الدرك عندما ابعدوه من حراسة الاقامات الملكية والباب الرئيسي للإدارة العامة للدراسات والمستندات ، وعوضوهم بالبوليس الذي اضحى رقابة مفروضة على جهاز المخابرات الخارجية ، رغم الخدمات الخطيرة التي قدمها جهاز الدرك للنظام ، وليس للشعب في احلك الظروف التي مر منها النظام .
ان كل مهتم بالشأن العام المغربي سيتبين له ان الشعب المغربي اليوم كما الامس هو في وضعية منعدمي الحقوق . والحال ان هذه الوضعية ليست ظرفية ، ولا هي وليدة الصدفة . انها التجسيد المؤسسي والسياسي الدائم لإيديولوجية المخزن الموجودة في المغرب منذ 350 سنة خلت . والمثير في الامر ، انه كان لا بد من مرور خمسين عاما من الاستقلال الممنوح ، لكي يبدأ الشعور بها من قبل الشعب . اما تنظيمات اقصى اليسار والحركة الاتحادية الثورية والاتحاد الاشتراكي حتى المؤتمر الاستثنائي فقد ادركوا هذا الوضع بعد ثلاثين سنة من استقلال ايكس ليبان الخياني ، رغم كل المآسي التي لا تكف عن اضناء الشعب المغربي . اضف الى ذلك ان المغرب بفعل الجهاز البوليسي القمعي ، وبإجماع السياسيين والملاحظين والمهتمين ، قد اصبح اليوم مع المجرم عبداللطيف الحموشي والخسيس الجبان الشرقي ضريس محكمة استثنائية واسعة .
والواقع ان اسباب هذا الجهل بالوضعية الاستثنائية التي يعيشها الشعب المغربي ، تعود الى ان النظام المغربي يتمتع بحماية الحكومات الغربية ومساعدتها المكثفة ، كما انه يحظى بتواطؤ وصداقات متينة داخل اجهزة الاعلام الفرنسية والأوربية الغربية . وهذان العاملان هما اللذان يوجدان في اصل مؤامرة الصمت حول كل ما يمس النظام المغربي ، وهي مؤامرة تبررها وتغذيها مصالح دنيئة خسيسة ، واعتبارات جيو / سياسية و جيو / استراتيجية ، لان مغرب الحسن ومغرب محمد السادس وزبانيتهم يعتبر على غرار ايران ايام الشاه المقبور والمملكة العربية السعودية والأردن ، احد الاركان الاساسية في المنطقة الخلفية لما يسمى بالعالم الحر . فسياسة القمع تنم اذن ، بالضرورة عن التقاليد القمعية لمخزن القرون الماضية . ومن هنا ، فلا غرابة ان يعلن الحسن الثاني عشية محاولة 16 غشت 1972 الانقلابية : " ان الله وضع الملك على العرش ليحافظ على الملكية ، ومن اجل ذلك ، نص المذهب المالكي على انه لا يجب التردد في ابادة ثلث الشعب ذوي الافكار الضارة ، من اجل حماية الثلثين الاخرين ، اذا اقتضى الحال . واليوم نجد محمد السادس في خطابه الاخير يوصي الرعايا بضرورة التمسك بالمذهب المالكي ،وهو تمسك لا يفهم اسسه إلاّ من درس جيدا تاريخ القمع العلوي عبر التاريخ .
ان هذا النظام المخزني الذي ضرب جذوره ( العقائدية ) والإيديولوجية في دموية مخزن القرون الماضية ، قد يبدو شادا لذوي الحس السليم . ومع ذلك ، فان منطق الكراهية والقتل الذي يحمله يوجد في قلب المآسي والمجازر الجماعية التي عرفها الشعب المغربي : 1959 الريف ، 1965 و 1981 الدارالبيضاء ، 1971 الرباط ، 1973 الاطلس المتوسط ، 1984 مراكش ومدن الشمال المغربي ، 1990 فاس والرباط والشمال ، 1973 اختطاف جنود وضباط وضباط صف نحو تزمامارت ، 1975 اعدام ضباط وجنود وحراس وضباط صف بالنقطة الثابتة رقم 3 ، 1975 اعدام الفرنسيين المتورطين في اختطاف المهدي بن بركة بالنقطة الثابة رقم 2 و 3 ، . . لخ . والى جانب كل هذا يجب اضافة المأساة الصحراوية الجارية منذ 1974 حاملة معها عشرات الالاف من القتلى والمشوهين والمغتالين والمختفين من اجل قضية لا تزال لم تحسم دوليا وامميا بعد . ان المأساة الصحراوية هي الى جانب ذلك مـأساة اقتصادية ، ذلك ان تمويلها كلف منذ 1974 والى اليوم اكثر من 200 مليار دولار دفعها الشعب المغربي من دمه .
وبموازاة التصفيات الجسدية على نطاق واسع للخصوم السياسيين الحقيقيين او المحتملين او المفترضين ، كما في عهود المخزن القديم ، فان المخزن الحالي ومنذ ستينات القرن الماضي والى اليوم ، وهو يستخدم تشكيلة كاملة من الوسائل القمعية التي اثبتت فعاليتها خلال الغزو العسكري الاستعماري لبلادنا ، يساعده في ذلك حماية الاجانب له ، ولقد رأينا فيما سبق ، كيف ان مناطق الجنوب المغربي ومراكش كانت تحت نير الكلاوي ، مختبرا رهيبا للقمع المتعدد الاشكال : التصفيات الجسدية ، التعذيب ، الاختفاءات ، التعذيب الجنسي ...الخ . في هذا النسق من الوسائل المستعملة ، وبموازاة التصفيات الجسدية ، تندرج الاختطافات ، وهي على نقيض الفكرة الرائجة ، لا تشكل واقعا حديث العهد في الترسانة القمعية ، بل انها تمارس بكيفية منهجية منذ ازيد من خمسين سنة خلت والى اليوم بأشكال مختلفة .
وهكذا ، فان سياسة القمع التي تستعمل ضد الشعب المغربي اليوم ، تنم في آن واحد عن سياسة المخزن القديم وسياسة الاستعمار ، كما عن سياسة التهامي الكلاوي السيئ الذكر . ولذلك فان استقلا ايكس ليبان الخياني الذي رهن المغرب بيد المعمرين والاستعماريين الجدد ولفائدة القصر الملكي وزبنائه والبرجوازية المغربية وحلفائها ، كان له كمقابل ارث استعماري جديد ، ليس على المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية فحسب ، بل ايضا على مستوى القمع .
ويمكن القول اجمالا ، ان تدويل الرأسمال واستغلال العمل على نطاق هائل ، كان مقابله هو تدويل القمع والعدوانية ، مع نتائج طبيعية هي البؤس والجوع والجهل والمرض والمآسي المختلفة التي حلت بالشعب المغربي المفقر . فكما ان المشروع الرأسمالي الاستعماري كان بهدف تدمير التشكيلة الاجتماعية المغربية ، وان كيان المجتمع والشعب نفسه كان في خطر ، لكونهما كانا خاضعين للضرورات والمصالح الاجنبية ، فان الاستقلال الممنوح للمغرب في سنة 1956 ، يشكل اطارا تستمر فيه عملية التدمير هذه . بل وتتعمق على مر السنين لفائدة القصر الملكي والبرجوازية المغربية وحلفائهما الاجانب . فإذا كان الاستقلال قد سرق وصودر من الشعب المغربي ابتداء من 1955 / 1956 ، فان كل الوسائل قد استخدمت منذ ذلك الحين لتكون الاسبقية لمصالح القصر وزبنائه والمتواطئين معه على حساب الشعب المغربي .
ان التشكيلة الاجتماعية المغربية الحالية ، على غرار تشكيلة العالم الثالث ، تعيش انتقالا مشوها نحو الرأسمال الذي توجد جذور اعصابه المحركة في المراكز الهيمنية ، فتوسع وتعمق العلاقات الرأسمالية داخلها لا يمكن ان تنمو إلاّ في علاقات وثيقة مع الرأسمال العالمي . والحال ان هذه العلاقة هي بالضرورة علاقات هيمنة واستغلال ، إن لم تكن علاقات نهب . والطبقات التي تدير قاعدة الرأسمال المغربي هي بالضرورة ، بحكم متطلبات مصالحها ، طبقات وسيطة وسمسارة لأقطاب القوة في الرأسمال العالمي . ولهذا ، فان الملك محمد السادس كما كان والده الحسن الثاني وطبقتهما والبرجوازية المغربية وزبانيتهما ، وأحزابهما السياسية ونقاباتهما ، هم من الناحية الموضوعية رعاة المصالح الاجنبية في المغرب .
ان تشييد اسس الرأسمال الخاص او رأسمال الدولة في كل من اوربة الغربية وأوربة الشرقية على سبيل المثال ، قد تم على حساب جماهير الفلاحين الذين خضعوا لعلاقات انتاج النظام الجديد ، والتي كانت في جوهرها علاقات عنف وقمع . والغزو الاستعماري كان من بين اهدافه ، فرض نمط الانتاج الرأسمالي بغية افلاس الاساس الاقتصادي للجماهير القروية ، وتجنيدها لخدمة مصالح الغزاة . ومن المعروف ان وضع المشروع الرأسمالي في المغرب قد تم بقوة الحديد والنار .
لقد توصل الغزو الاستعماري إذن ، بوسائل وطرق اخرى ، في اطار استقلال ممنوح عام 1956 ، كان نوعا من مغربة للاستعمار القديم والجديد . فكما هو الشأن في المخزن الحالي ذو الحق الالهي ، فان العلاقات هي علاقات الراعي السيد برعيته وعبيده ، تستدعي بالضرورة الخضوع والإذعان ، اي وضعية انعدام الحقوق . فدوام هذا الغزو الاستعماري الجديد الذي خلف الاستعمار الفرنسي ، يعني استمرار البؤس والجوع والجهل والمرض والمخدرات والجريمة والاعتقالات والاختطافات والتعذيب والاغتيالات والتقتيل الجماعي ، كما يعني استمرار الدس والمكائد والانقلابات الفوقية كما في حصل في انقلاب 16 مايو 2003 حيث سقط شهداء واختطف الالاف من الضحايا لا لشيء فقط ليظهروا عن حنكة يد مفضوحة ، وحتى يغالطوا الملك بكون الوضعية تقتضي الجدية واليد الحديدية ، رغم ان انقلاب 16 مايو 2003 كان انقلابا على شعار ملك ( الفقراء ) وانقلابا على شعب ملك ( الفقراء ) لأسباب ستكون محطة دراسة مستفيضة مستقبلا . اي استمرار العنف والقمع المتعدد الاشكال وبلا حدود من قبل عصابات المخزن المتنفذة .
ويمكن التثبت من هذه الوضعية بالمعطيات والأرقام التالية : ف 15 الى 20 في المائة من السكان المغاربة يتقاسمون ما بين 80 و 85 في المائة من الدخل الوطني ، بينما 80 و 85 في المائة من السكان يتقاسمون ما بين 15 و 20 في المائة من الدخل الوطني . وبصيغة ادق ، فان 20 عائلة مغربية ومنها القصر الملكي ، تهيمن وتملك وتنهب وتخرب البلاد لفائدتها ولفائدة الاجنبي . ففيما يخص القصر الملكي ، فان ثروته التي كانت تبلغ 5،3 مليار من السنتيمات عام 1953 ، اصبحت في عهد الحسن الثاني تصل الى حوالي الاربعين مليار من الدولارات ، وتضاعفت مع محمد السادس لتصبح ثروة خيالية حيث تبلغ ثروة الملك اكثر من مليارين من الدولارات . وحسب قانون المالية لسنة 2015 فان اجور الملك وميزانية البلاط التي تتحملها خزينة الدولة التي تمول من قبل الشعب هي ما يلي : 237و 164750 درهم شهريا ، اي مليار سنتيم شهريا ، اي ان اجر الملك اليومي يبلغ 707 مليون سنتيم يوميا ، اضافة الى امتلاكه ل 12 قصرا و اكثر من 30 اقامة يعمل بها ازيد من 1400فرد على نفقة الشعب . هذا ناهيك عن القصور والاقامات بالخارج ، والضيعات المختلفة ، وكيفية طرق تمويل استثماراتها ، والحسابات المجمدة بالابناك الاوربية بالعملة الصعبة ، والبذخ طولا وعرضا حيث يستجمم بجزر السيشيل الى اليونان التي صرف فيها في اقل من اسبوع حوالي ستة مليون اورو حسب ما تناقلته الصحف ولم يكذبه القصر ، الى الاحتفال برأس السنة الميلادية ( المسيح ) بتركيا حيث اصطحب معه خمس طائرات عسكرية بكل ما طاب من الاكل والشراب ، هذا دون نسيان اسطول السيارات الفخمة والفاخرة من لمبروكيني الى الفراري .. الخ .
وهكذا ، فإذا كان يتم التأكيد في الدساتير على ان شخص الملك مقدس ( ازيلت هذه القداسة في دستور 2011 ، لكن ظل هو الممثل الاسمى للأمة في دينها ودنياها ) ، فان ثمنه هائل بقدر هول البؤس والجوع والجهل والأمراض والاعتقالات والتعذيب والاختفاءات والاغتيالات ، والتقتيل الجماعي الذي يعرفه الشعب المغربي منذ اكثر من خمسين سنة خلت وما يزال . مع استمرار الانقلابات والانقلابات المضادة بطرق مكشوفة ومفضوحة كما حصل في انقلاب 16 مايو 2003 الذي استرجع الملك من الشعب الذي اضحى فوبيا له ، وتم تثبيت النظام البوليسي القمعي بصدور قانون الارهاب المشؤوم ، اي تفجيرات الدارالبيضاء التي شكك فيها الوزير الاول عبدالاله بنكيران ، وشكك فيها ادريس البصري ، وحيرة العائلات المكلومة لمعرفة ما حصل في ذلك اليوم البغيض .
لقد اضحى عنوان المرحلة للنظام المخزني هو المكر السياسي بكل تجلياته التي فاقت كل مكر بالعالم ، بل وصل الى مرحلة ، حتى عنوان القذارة في الغرب تخجل وتستحيي مما يفعله السياسويون في المغرب . هكذا اصبحت القاعدة العامة هي النفاق ، الكذب ، الخداع ، التسويف ، التضليل ، اتخاذ الوسائل القدرة في سبيل الوصول الى المنافع وتحقيق المصالح الشخصية والجهوية ، او التي تخدم مصالح وايديولوجية او عقيدة معينة ، صارت هي السمة الغالبة والبارزة التي يعرف بها كل سياسي مفسد في مغرب محمد السادس . وفي الوقت الذي عاني فيه اكثر من 15 في المائة من المغاربة من الفقر المدقع ، سنجد استفحال الدين العام على حساب الشعب حيث سيرهن تسديده اجيالا قادمة لا ذنب لها في هذه الجرائم التي ترتكب في حق الوطن . فحسب معهد " ماكينزي " المعهد الامريكي للدراسات الاستراتيجية ، صنف المغرب من بين البلدان الاكثر مديونية في افريقيا والعالم العربي وشمال افريقيا . فحسب تقرير المعهد انتقل حجم ديون المغرب من نسبة 63 في المائة من الدخل القومي الخام سنة 2007 ، الى نسبة 163 في المائة في سنة 2013 ، وهو ما بوأ المغرب المرتبة 29 عالميا ، والمرتبة الاولى افريقيا بمبلغ 545 مليار درهم امام كل من مصر وجنوب افريقيا .
ولهذا سيفهم القارئ ، وعلى الشعب ان يفهم ، ان سياسة القمع في المغرب لها بالضرورة كنتيجة طبيعية مآس متكررة ، كما سيفهمون ان النظام المخزني الاستعماري الذي سرق حقوق الشعب المغربي بمقتضى معاهدة ايكس ليبان الخيانية التي منحت استقلالا مخدوما للمخزن واستعمارا للشعب ، هو لعنة حقيقية مسلطة على الشعب المغربي . فالى متى الاستمرار في نظام الخضوع والخنوع والعبودية والرعايا وتقبيل الايدي والأرجل . الم يحن الوقت لهذا الشعب ان ينتفض ضد الحكرة والاهانات والاذلال الذي يعانيهم من قبل المخزن الفيودالي والجبان والمعتدي بغير وجه حق على الناس ؟
لا خير في امرئ خانع ، ولا في شعب خانع ، ولا في امة خانعة .
لا تسأل الطغاة لماذا طغوا ، بل اسأل العبيد لماذا ركعوا .
لكل عصر خونته ومُنبطحوه ، كما له ابطاله ورجاله ، ولكل ثورة ، ثورة مضادة ، وان التناقض هو ضامن حركية التاريخ " محمد بوكرين " .
اشد مراتب الاستبداد هي حكومة الفرد المطلق ، الوارث للعرش ، القائد للجيش ، الحائز على سلطة دينية " عبدالرحمن الكواكبي – طبائع الاستبداد " .









كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,423,625,726
- أي صراع نخوض ؟
- حملة تضامن دولية مع الصحفي المغربي علي لمرابط المضرب عن الطع ...
- رسالة مفتوحة الى : - جيش التحرير العربي الصحراوي -
- نشوء الطبقات الاجتماعية
- رسالة الى - الشعب الصحراوي - - الشعب العربي في الصحراء - - ا ...
- العبت
- طبخة طنجرة وزارة الداخلية والمسخ السياسوي الانتخابوي
- هل لا يزال هناك امل بالوحدة العربية ؟
- الثورة
- شروط التغيير
- على هامش - الاستحقاقات الجماعية - القادمة : المجالس - المنتخ ...
- السيد محمد عبدالعزيز رئيس - الجمهورية العربية الصحراوية الدي ...
- قراءة لقرار مجلس الامن 2218 حول نزاع الصحراء
- - ملف حقوق المرأة في العالم العربي -
- انصار واعداء الرسل : المجتمع الاشتراكي مجتمع الكفاية والعدل
- رد على مقال الاستاذ سعيد الفطواكي . ملكية برلمانية ام جمهوري ...
- هل تنفع المخزن سياسة الهروب الى الامام للإلتفاف على ازمته ال ...
- قوى المعارضة السرية في الاسلام
- السلف الصالح
- بحلول 23 مارس 2015 تكون قد مرت خمسة واربعين سنة على تأسيس او ...


المزيد.....




- ما هي أبرز وجهات الرحلات البحرية في العالم؟
- انقطاع الاتصالات في العاصمة اليونانية أثينا إثر زلزال بقوة 5 ...
- صحيفة: الرياض طالبت واشنطن بمساعدتها في ملء الفراغ الناجم عن ...
- واشنطن قلقة لتفوّق موسكو -الكبير- عليها في القطب الشمالي
- مداهمة مصنع ينتج -فيراري- مزورة
- "مشيئة الرب" تكلّف زوجين أستراليين غرامة بنحو مليو ...
- جانيت جاكسون و50 سانت وكريس براون بالسعودية يشاركون في حفل غ ...
- 105 آلاف يورو غرامة للمسافرة التي دفعت إلى استدعاء سلاح الجو ...
- شاهد: رجل ينزل من أحد جوانب مبنى شاهق في فيلادلفيا إثر نشوب ...
- شاهد: مغامر هولندي يقطع أطول رحلة بسيارة كهربائية صديقة للبي ...


المزيد.....

- لصوص رفحا وثورتنا المغدورة في 1991 / محمد يعقوب الهنداوي
- الهيستيريا النسائية، العمل المحجوب، ونظام الكفالة / ياسمين خرفي
- ثورة وزعيم / عبدالخالق حسين
- التنظير حول الطبقية في الدول الناطقة باللغة العربية أفكار وا ... / نوف ناصر الدين
- العامل الأقتصادي في الثورة العراقية الأولى / محمد سلمان حسن
- مجلة الحرية عدد 4 / محمد الهلالي وآخرون
- مجلة الحرية عدد 5 / محمد الهلالي وآخرون
- ممنوعون من التطور أم عاجزون؟ / محمد يعقوب الهنداوي
- أ.د. محمد سلمان حسن*: مبادئ التخطيط والسياسات الصناعية في جم ... / أ د محمد سلمان حسن
- الانعطافة الخاطئة في العولمة، وكيف تلحق الضرر بالولايات المت ... / عادل حبه


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعيد الوجاني - تحليل للنظام السياسي المغربي