أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم اليوسف - الوطن المعلق إلى جسرديرالزورالشامخ















المزيد.....

الوطن المعلق إلى جسرديرالزورالشامخ


إبراهيم اليوسف

الحوار المتمدن-العدد: 4081 - 2013 / 5 / 3 - 21:31
المحور: الادب والفن
    



كان كثيراً عليك ان تعلق كل تلك الهندسة في خيالك الطفلي، حيث يردُ اسم معجزة المكانين: الديروالجزيرة، على ألسنة الآباء، تسرح تجاهه، بروحك الطفلية، تسأل: أرأيته؟، يردُّ الأب: بلى، وكانت العلامة"سندويشة" تناولتها، ونحن في باص الشام، من الحسكة، عبرالفرات، إلى بردى وقاسيون، تحمل الاسم، من مضافة الحاج سليمان، حيث أبوك، الشيخ، حيث العم سلفيج، حيث العم محمد سنانيك وأخوه العم أحمد، حيث العم حمزة حميد من بقارة الجبل، حيث العم عبدالله حسو، حيث العم سليما محل، والعم سليمان موسى، حيث العم غازي، حيث العم سينو،و يونسي كري، وعليكي نازي، ليس لك إلا ان تجعل أسماءهم شاهدة على الحديث، تنقله إلى الأصدقاء من حولك: باهي، وسيفو، وخضر، وحمدو، وشيخ موس، لا أحد يدحض الحكاية، الماء تنقله إلى الأقران، يروي ظمأ قرية تل أفندي، جارة العلوّ، في المكان، ترتِّب روحك في كتاب، كي تمضي في رحلة تالية مع الأب.
يأتي أصدقاء الأبِّ
تلتقط منهم حكايات الجان
تلتقط منهم بوصلة طريق الجنة
تلتقط منهم رائحة الحوريات
تلتقط منهم أسماء الصحابة والمدن
الشام، وحلب، وديرالزور
يروي أحد هؤلاء الضيوف قصة المدينة وقد مّرَّ عليها التتار
والترك
والفرنسيون
كي تغيب آثارهؤلاء
ستُّ سنوات والمهندس الشاب يعصرحكمته وعلومه في ملتقى البادية والصحراء
ملتقى الأمكنة العديدة في الأصل
ويرتفع الجسرفي ربيع العام 1931
تقول لأبيك، والأُسرة في الطريق إلى الشام، حيث الآسيُّ هناك، تتركون حمَّى الأم، وأنين الألم قرب بردى، سفيرقاسيون: أيقظني، أبتاه، إن وصلنا الدير، حتى ينفخ الفرات، وأحراشه، وماؤه، وأطياره، وشغب الأطفال هناك، في صور المخيال، تبتعث حكاية كل هؤلاء، الحكاية التي ترك لك أبوك عمودها الفقري، قرب أنفاس التدمريين، وزبَّائهم، تبني عليه خرافة الجسر، معلقاً بالحبال، في السماء، شأن طائرة تواصل بين كوكب وكوكب، دون جوازسفر، ودون حبال تربطها بالأعلى، وهومايتم: اللغة الكردية، لغتك، التي تترجم ضمن باص الشمال، تكادلاتحتاج إليها خارج الباص نفسه، في ماعدا بعض من تتعرف عليهم، كي تعودإلى العربية، لغة شقيقك في الرِّضاع باهي، لغة معلم القرية المصري، وهويركل كرة القدم يرسلها كسهم منفلت، إلى المرمى المعني، تشتري على عجالة: السندويشة التي تذكربالمرة الماضية، تفرك عينيك تحت ضوء المكان، وأغنية أم كلثوم، ودخان السكائر، والشواء، نكهة البيوازتكاد تعيدها أبعد من البقدونس والبصل، ونكهة اللحم، بخارالماء، يرتفع فوق رؤوس الصيادين، ومغامري السباحة الاستعراضية، ليلاً، ماالذي يعلق بخيوط هؤلاء أبي؟، يجيبك الأب في حنوالاب ورزانة العالم: تلك هي الصنَّارة، انظر، أنَّى يرفعها ذلك المنهمك على ضفة النهر، يعلق بها السمك، السمك الذي لم تعرفه إلا هامداً، في طريقه إلى المقلاة، كي يشعل فيك نوستالجيا المكان، لينقطع عنك، على نذيرزمورالسيارة:
-هيا بنا..!
يسرع أبوك..!
تسرع الأم
يتوزعان كلتايديك
كي تمضيا إلى الباص، أنتم الخمسة: الأب، والأم، ومحمد، وفاطمة، أخواك، الأصغر، حيث تمنحك سنواتك الخمسة مرتبة العرافة، هنا، تعود إلى المكان نفسه، على صوت زمورأطول، تودع النهر، كي تعيد النظرفي أعمدة الإسمنت، والحديد، متشابكة، وكأنهما برجان لزوج اللقالق، يساهران المسافرين، والضوء الأصفر، الذي ستجده أخضر، في العام 1980، حيث جامعة ديرالزور، حيث التدريب الجامعي، وصفاقة المدربين، واللباس العسكري، وفندق العربي، وأبي أحمد، وعلي العايد، وفرهاد، ورشاد، وذاكر، وفيصل، تقطعون الجسرمرتين، ذهاباً وإياباً، تطيرالعاصفة قبعتك العسكرية، تكاد ترمي نفسك وراءها، القبعة التي لاتنساها، تعود من الشآم، أيقظني أبتي!، وتتكررالمشاهد ذاتها، نسمات الليل، أغاني الصيادين، هرج الباعة، رائحة الشواء، لن تدري أن في عام دراستك الجامعية، ستترك ندوباً في روحك، في صباح باص آخر، باص النقل الداخلي، حيث رجل الأمن الذي ينهال عليك ضرباً، يحاكيه آخرون، وتجد نفسك مغشياً عليك، آثارالكدمات على وجهك، وأنت آت من قرب الكراجات، وحي" العمال الأوسط"، أو"الفوقاني" "أو الحميدية" من بيت سليم، من بيت صالح، يسألانك: من ضربك؟، تجيب: مدنيون، كانت مسدساتهم على خواصرهم، كانوا كثيرين، بلا أسماء، وهوما تواربه في حبرك، ثلاثة وثلاثين عاماً، تكاد لاتنساها، لاتنسى جرداق الحاج رزوق، أحدالشهود، وطلاب جامعيين: من كانوا؟، تظّلُّ تسأل، حتى اللحظة، ذلك الخط بين زمنين، ليس هيناً، الخطُّ بين الطفولة، الجامعة، الحزب الشيوعي السوري، فاضل الحسون، صديقك، الموحسن، الميادين، البوكمال، رشيدالرويلي، فاضل السفان، إبراهيم خريط، فوازالقادري، وجيه الجاسر، محمدعلي ، كمال جمال بك، درغام سفان، منيرالعاني، جورج حشيشو أبو سلام، أم سلام، أديب الخطيب، وقاسم عزاوي..وآخرون..آخرون....
وذلك الشاعرالمنتحر
تظنه باسل الجاسر
قال:يسقط القيدالأسدي
قالهافي ثمانينيات القرن الماضي
كان ذلك في حضورالمحافظ الأعرج
راحت عيناه تقدحان الشرر
كنت وفواز، ولقمان، وسمية، وعبود، ومنير، وطه، نتقاسم الخوف على كراسي المركزالثقافيّ
قال في أمسية كنتم فيها:كي تستردا المأثرة في تكية الرفاعي، حيث صهرالأسرة الكردي
الأسماء ماء النهر
والجسررئة المكان
الجسرأيقونة
-ماذا يبقى لنا من مكان في الديربعدالجسر؟-
من يبث الروح في القبلات الكثيرات تحت الشجر؟
من يعيدالأنس للشجر
والطمأنينة للعاشق..هناك...
الأسماء أكثرمن الحبر
يستطيل الجسر، حتى يصلك في العام 2004، وأنت تمرئي دماء قامشلي، وكردها، في شاشة حاسوبك، تعدأسماء الشهداء واحداً واحداً، كي تصلك أصوات الأصدقاء: أجل، إنها اللعبة، فلننتبه، هوصنوالصوت أطلقته، من قبل، هوصنوالصوت مكرراً الليلة:
طائرة هيلكوبترتقصف الجسرالمعلق بحمم القذائف
الجيش"الوطني" عشية عيده يقصف ديرالزور
حيث ثكنة الشمال كله
يسقط الرجل الإسمنتي
يسقط الرجل التسعينيُّ
يسقط رجل الفولاذ وجبلة الكونكريت التي لاتتكرر
تسعون عاماً يسقط
ترسانة الحمام
ومنارة السنونوات والقطا
حبات عرق المئات يسقط
دريئة حدود الرؤيا لملايين العابرين
علامة النهر، المدينة، هناك: تسقط
لقدفعلها الفرنسيُّ من قبل، في 16 نيسان 1946 تاركاً اللغم تحت الستة والثلاثين متراً، وقرب إحدى الفتحات الهائلة، والقنطرة الأساس، والركائز، الدنكات، الشامخة، إلى حدِّ الطيرالكريم، عالياً، غيرمبال بأيقونة"مسيوفيفو" مهندس العلامتين: الجسرين، جسرجنوب فرنسا، وجسرالدير، يترك شارته تلك، كي تذكربالجسرالشقيق، في بلده الإفرنجي، لكن الباسل-وهوليس أسطورة-محمد علي، سرعان مايفتك بالفتيل، كي يصيحه الديريِّ:
أبا محمودألا انتبه..!
أبامحمودانتبه...!
رائحةُ العامل الذي ترك أعلى العمود، على يمين الجسرقبراً له، في جبلَّة الإسمنت، أول قبرعال، ترسل شفراتها، في كل جهة:
يموت اللغم المحتل، وهوسليل معماريُّ الجسرنفسه، أو ظل إبليسه، في روحه، بين يديه، كي يعيد إليه الفتيل، الطيار، الضابط، الشبيح، وفق ذبذبات القصرالجمهوريِّ، والرأس المجنون-هناك- يشيد وهم الخلود بدماء الاهلين، هاهوالجسر، يرتمي، عشُّ الطائريرتمي، الحبال ترتمي، ترتبك موجات النهرفي أفواه الفتحات الأربعة، الستة، كي يرتمي قرن من الحضارة، قرن من ذكريات الناس، قرن من النزهات، قرن من أغنيات الصيادين، قرن من قصائدالشعرء، ونجاوى العشاق، يرتمي كل ذلك، كي يصفق العالم المتفرج للأرعن نفسه، يهدم مئة عام، هكذا، في ضغطة على الزر، كي يتك أثره، ماحياً الأثر، في لحظة خذله الأثرالطيب..! .
صارت الديرمختلفة
صارالوطن مختلفاً
صارالطفل مختلفاً
صارت محطة القطارمختلفة
المطارالمدنيّ
المستشفى الوطنيّ
بيوت الأصدقاء

صارت الديرأثراً آخرواخزاً
حين يدفن العسس، صديقك، الشيخ، الشهيد، في جسد، الهضبة، الجبل، قرب كراج المدينة، القريب، حين تتابع أثرالسر، منذئذ، وأنت تمسك بأول بعض الخيوط، بيدأنك تبرِّىء المدينة من قتلة عابرين، كانوابيادق بأيد ملوثة، الأثرذاته يكبر، وأنت تنظرللمدينة، الجارة، المدينة المحطَّة، المدينة الذاكرة، المدينة الأصدقاء، المدينة الحبيبة، وهي تسيرإلى طلليتها، يختلط العجاج، برائحة البارود، والجثث، ودماء الكتاب، أرواح الشعراء، والأطفال، والطيور
كراريس الجامعة
فريد ملامحمد، ونيروز، وستير، وحسن، وناديا، وعبدالجليل
وآخرون لاتحصي أثرظلالهم..الآن.....
رسائل الصديقة الحسناء
أناشيد يوم عيدالعمال العالمي قبل عشرين سنة
الجهات، بيوت الأصدقاء، الفنادق، ظلال الأشجار
والعصافير
الحراج
وطمي النهر

-كلُّ شيء-هنا- مختلف
كّلُّ شيء-هنا- حطام
كلُّ شيء-هنا-أشلاء
كلُّ شيء-هنا- جراحات
كلُّ شيء-هنا-نهايات
كلُّ شيء-هنا-عودة إلى الوراء
بدايات
من أنين ودم وعويل...!
2-5-2013
شاعرسوري مقيم في الإمارات





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,362,718,895
- مانيفست المدينة مانيفست البطل..!
- هكذا بدأ بشارالأسد يومه هذا**
- هكذا التقيت مواطنتي السورية في الغربة وقائع حوارمع إمبراطورة ...
- هكذا التقيت مواطنتي السورية في الغربة وقائع حوار حميم مع إمب ...
- الماردالإلكتروني في انتظارقانونه الكوني
- وديعة الأجيال الكبرى
- موعد مع صديقي الكاتب..!؟.
- أبي، والقلم، والبارودة، وعيد الصحافة
- الأصدعاء وسوريا التي تصلب كل يوم
- الكتاب سفيراً فوق العادة:
- فصل لم ينته من- كراسة الحكمة-
- ذاكرة -غوغل-
- دستورالكاتب
- المثقف الكردي الريادي ورهانه الأكبر..!
- الكاتبُ والهمُّ اليوميُّ..
- أولويات الكتابة
- خطاب القيم العليا
- قصيدة بلون الحياة
- التجربة والإبداع الأدبي
- النص المفتوح


المزيد.....




- فيلم اجواء للفلسطيني وسام جعفر يفوز بالجائزة الثالثة في مساب ...
- ستة مرشحين بلجيكيين من أصل مغربي يخوضون الانتخابات
- شاهد: لوحة جديدة للفنان بانسكي تعرض في إحدى شوارع في البندقي ...
- شاهد: لوحة جديدة للفنان بانسكي تعرض في إحدى شوارع في البندقي ...
- نهاية الحق شروق الشمس
- أزطا أمازيغ تطالب بتسريع اخراج القانون التنظيمي لتفعيل للأما ...
- فنانة عراقية ترد على منتقديها بسبب -المشاهد الجريئة- مع منذر ...
- مهرجان كان: لغة الجسد تطغى على الكلام في فيلم مثير للجدل للت ...
- انجح ثم انصح! (قصة قصيرة)
- دوري رمضاني يشعل فتيل الحرب بين البام والكتاب بمرتيل


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إبراهيم اليوسف - الوطن المعلق إلى جسرديرالزورالشامخ