أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عماد عبد اللطيف سالم - الدور الأقتصادي للدولة في العراق : اشكاليات ومحددات التأسيس في المرحلة الأنتقالية .






















المزيد.....

الدور الأقتصادي للدولة في العراق : اشكاليات ومحددات التأسيس في المرحلة الأنتقالية .



عماد عبد اللطيف سالم
الحوار المتمدن-العدد: 3565 - 2011 / 12 / 3 - 14:27
المحور: الادارة و الاقتصاد
    


الدور الأقتصادي للدولة في العراق
اشكاليات ومحددات التأسيس في المرحلة الانتقالية
2003 – 2011


المقدمة
ليس الهدف من هذا البحث هو النيل من انجازات الدولة العراقية بعد العام) 2003 على تواضعها . ( لكننا نرى أن الكشف عن التحديات الضخمة التي واجهتها , والاخفاقات التي منيت بها, والمحاولات المحمومة لأضعاف دورها السياسي والاقتصادي , هو جزء من الاعتراف بأهمية دورها في هذه المرحلة الصعبة والحاسمة في تاريخ العراق المعاصر .
أن أي جهد يهدف الى انصاف هذه الدولة ينبغي ان ينصرف لوضع اصابعه على مسارب النزف والاستنزاف في هذا الجسد الهش , وان يحدد بدقة وشجاعة الاسباب التي جعلت الدولة تتصرف على هذا النحو, في سبيل اداء دورها ووظيفتها التاريخية . أن اخفاقات الدولة العراقية بعد العام 2003 لم تعد اخفاقات دولة قيد التأسيس ( بعد مضي اثنان وثمانون عاما ً على التأسيس الاول لها في العام ( 1921 بل تحولت الى عامل حاسم في عدم اكتمال بناء مؤسسات هذه الدولة رغم مرور ثمان سنوات على الشروع في التأسيس الثاني لها ) في العام 2003 ) . وتقف وراء هذا الاخفاق اسباب وعوامل عديدة , و جميعها تقع في صميم العملية السياسية الجارية في العراق وتتفاعل في داخلها , وتطرح تداعياتها الخطيرة من خلال السلوك السياسي للاطراف الفاعله فيها. وتتجسد ابرز المحددات لبناء الدور السياسي والاقتصادي الفاعل للدولة في العراق في اشكاليات عديدة ذات صلة بطبيعة الاداء الاقتصادي والسياسي للسلطات الحاكمة بعد العام 2003 وفي الأطر القانونية والدستورية المنظمة أو الهادفة لتنظيم هذا الأداء , وفي غياب الثقة التي لاتسمح بأي اتفاق على الحد الادنى من وحدة الهدف لانجاز عملية التحول نحو اوضاع اقتصادية وسياسية افضل . كما تتجسد المحددات ايضا في تنامي الخوف من الدولة الوطنية القومية حتى وأن كانت دولة تعددية اتحادية , والسعي بكل السبل لاضعافها من خلال تفسيرات متطرفة لمفاهيم متعددة الاوجه كالفدرالية واللامركزية, وغيرها كثير, مما يقع في صلب سيادة الدولة على مواردها, واستئثارها بصلاحياتها السيادية ورعايتها للمصالح الوطنية العليا .
وسيتم تناول محددات الدور والوظيفة للدولة العراقية بعد العام 2003 من خلال التركيز على معطيات واشكاليات التأسيس لها , بدءاً من اجراءات وتصرفات سلطة الائتلاف المؤقتة, وانتهاءاً بدستور العراق الدائم للعام .2005
أن الافتراضات والمنطلقات الاساسية لهذا البحث تتمحور حول طبيعة وخصائص المرحلة الانتقالية في العراق , وعما اذا كانت الدولة ) بمؤسساتها وأطرها القانوينة والدستورية ) تتعامل معها بعدّها مرحلة " اصلاح اقتصادي " فقط , أو بعدّها " مرحلة انتقال "الى نظام السوق .
وسواء تعلق الأمر بتحقيق عملية " الأصلاح " , أو الايفاء باشتراطات مرحلة "الانتقال " نحو نظام سياسي واقتصادي افضل , فأن العمل على اضعاف الدولة , وضبط حدود ومديات قوتها ( من خلال قيود ومحددات سياسية واقتصادية وقانونية ودستورية , وبما يحول دون امكانية تحولها الى دولة مركزية استبدادية ) يعد واحداً من اخطر مقاربات التعاطي مع دور الدولة في العراق بعد العام . 2003
أن دولة غير قادرة على " الانتقال " هي دولة غير قادرة على " الاصلاح " بالضرورة . فأذا انغمست هذه "الدولة الهشة " ( بفعل ظروف تكوينها في العام ( 2003 في حرب اصلاح باهظة الكلفة , وغير مضمونة النتائج , استطالت مرحلة " الانتقال " اكثر مما ينبغي , وتحولت وظائف الدولة ( بخصائصها الحداثوية - المعاصرة ( إلى وظائف دولة في طور الانتقال , الى ما لا نهاية .
أن ايضاح كل ما سبق هو الهدف الرئيس لهذا البحث.


أولا- سلطة الائتلاف المؤقتة
أخطاء التأسيس للأدارة الانتقالية في العراق المحتل
2003-2004


أن احد الاسباب الرئيسة التي تقف وراء تعثر الدولة في انجاز عملية انتقال منظمة نحو نظام اقتصادي وسياسي افضل في العراق , هو تلك النظرة التبسيطية والتجزيئية لتعقيدات الحالة العراقية , التي دأبت الحكومات العراقية المتعاقبة , وقبلها سلطة الائتلاف المؤقتة , على تبنيها عند تعاطيها مع الشأن السياسي والاقتصادي في العراق بعد العام 2003 . أن سلطة الائتلاف المؤقتة , ابتداءاً , لم تعترف ابداً بحقيقة الاوضاع التي كانت سائدة في العراق قبل العام 2003 . ولم تكن مدركة , على نحو كاف لشبكة المصالح المتعددة والمعقدة المرتبطة بتلك الاوضاع . و " حالة الانكار" هذه لم تكن جزءاً من منهجية عمل سلطة الائتلاف المؤقتة , في سعيها للتأسيس لنظام سياسي واقتصادي جديد في العراق , بل أصبحت احد العيوب الخطيرة في " منظومة إدراك " الحكومات العراقية المتعاقبة لمدى وجوهر دورها ووظيفتها على الصعيدين السياسي والاقتصادي , في بلد اصبح بعهدتها , وهو على ما هو عليه , من الانقسام المجتمعي , والخراب العميم .
وقد فاقمت " حالات الانكار" و" عيوب الادراك " هذه من ضراوة المقاومة لأي تغيير , مها كان محدوداً ومتواضعا ً , وبالتالي فقد كانت كلفة هذا التغيير باهظة جداً , ولا تتناسب على الأطلاق مع حجم العائد الناتج عنه .
وبأفتراض أن إرادة التغيير كانت بمثابة " معطى " لجميع القوى السياسية الحاكمة بعد العام 2003 , فأن مثل هذه الارادة كان يعوزها التصميم , وزخم العمل الجماعي , ووحدة الهدف , ووضوح الرؤية والتنسيق في أداء المهام , وعلى جبهتي الاقتصاد والسياسة معاً . لهذا كله اصبحت ارادة التغيير في الحالة العراقية رهينة لسلوكيات سلطوية , وقرارات فوضوية , ولغياب كامل للثقة , ليس بين المواطنين ودولتهم فحسب , وإنما بين المكونات والعناصر الرئيسية للسلطة السياسية الجديدة ذاتها .
وحين يعمل " السياسي" و " الاقتصادي " معاً على تقويض " إرادة التغيير " في بلد ما , فأن " النظام العام " برمته سيكون عرضة للانهيار , او للانتكاس الى آليات عمل اقل كفاءة حتى بمعايير النظام السابق .
أن سلطة الائتلاف المؤقتة لم تقم بتهديم "الدولة القديمة " لتعيد بناءها من جديد . لقد كانت هذه السلطة تخشى من تعطيل العمل الحكومي , ومن اتهام المجتمع الدولي بالتدخل الواسع النطاق في عملية تغيير الاطار القانوني والأداري للبلاد , مما جعل شكل الحكومة ومعظم محتواها خلال المدة 2003-2004 امتداداً لما كان عليه الامر قبل العام 2003 . كانت السياسة الاقتصادية التي انتهجتها سلطة الائتلاف المؤقتة خليطاً من الأصلاحات الراديكالية القائمة على العقائد وليس على الاقتصاد (اصولية السوق ) , ومن الاجراءات غير الواقعية التي كانت تهدف الى تحقيق " انجاز ما " حتى وان كان مظهرياً على ارض الواقع . في حين أن الهدف الحقيقي المطلوب منها كان التأسيس لاقتصاد سوق حر في أطار سياسات مدروسة تعمل على تفعيل النشاط الاقتصادي من جديد , وبشكل تدريجي .(1)

وكان هذا التخبط والبطء وعدم الفاعلية في تحقيق تغيير ملموس في نمط الادارة الاقتصادية والسياسية الموروث عن النظام السابق , استجابة لفهم سلطة الائتلاف لدورها آنذاك , ومفاده : أن احتلالها للعراق هو احتلال قصيرالامد , وان الرأي العام العالمي لن يتقبل الا الحد الادنى من التدخل في الأطر الادارية والقانونية القائمة . (2)
ولم يفصح انتقال السلطة الى الحكومات العراقية اللاحقة عن منهج مختلف عن منهج سلطة الائتلاف العقيم في إدارة شؤون السياسة والاقتصاد . فكان الطابع العام للاصلاحات الاقتصادية والسياسية مشوباً بالبطء والتخبط وانعدام الكفاءة . أن التأجيل والتراخي في انتهاج سياسات لا خلاف على ضرورتها واهميتها الحاسمة في تطور البلد ( على الاصعدة كافة ) سوف يمنح الواقع القائم ( وهو واقع مختل ومتخلف على وفق جميع المقاييس والمؤشرات المعروفة ) ديمومة وقوة لن يكون بوسع اي نظام جديد الصمود بوجهها طويلا ً .
ولهذا بقيت الدولة العراقية " الجديدة " , من حيث الطبيعة والوظيفة والدور , كما كانت عليه قبل العام 2003 . ومع انهيار المنظومات الامنية والاستخباراتية والقمعية للدولة " القديمة " وافتقار الدولة " الجديدة " لهذه المنظومات , فقد اصبح هيكل هذه الدولة واهنا ً وغير فعال وفاسدا ً الى حدود غير معقولة . (3)

ثانيا - اللامركزية والحكم المحلي في العراق
امكانات التعزيز أو الاضعاف لدور الدولة في الاقتصاد

تكتسب اللامركزية الادارية زخمها في العراق من عمق وحدّة الاختلالات البنيوية بين المحافظات , وتركز ثمار التنمية في محافظات دون اخرى , وزيادة حدة التفاوت في مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية , وبالتالي تجذير ظاهرة " الثنائية المكانية " . ويعود ذلك الى الرعاية الخاصة التي أولتها الدولة لمحافظات دون اخرى خلال المدة 1968-2003 . وبعد العام 2003 لم تعد المستويات المختلفة من التنمية البشرية في بعض المحافظات تعكس ذلك التفاوت الناتج عن تراكم الحرمان وسوء تخصيص الموارد, بل اصبحت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بسوء الوضع الأمني .
واللامركزية الادارية هي اسلوب يتصل بتسيير الوظيفة الادارية في الدولة من خلال توزيع اختصاصات هذه الوظيفة بين الحكومة المركزية وبين هيئات ادارية اخرى , محلية او مصلحية , تباشر سلطتها في نطاق القانون وتحت رقابة الدولة واشرافها . (4)
وأهم مايميز اللامركزية الادارية هو تطبيق الديموقراطية في النظم الادارية للدولة , حيث يتم تمثيل مواطني الوحدة الادارية في ادارة شؤونهم المحلية بأسلوب ديمقراطي , وبشكل يساعدهم على تنمية مصالحهم والدفاع عنها بأفضل مما تقوم به السلطة المركزية . وتتطلب اللامركزية الادارية توافر عناصر حاسمة ينبغي على السلطة المركزية الايمان بها , والقبول بالنتائج المترتبة عليها , واهمها ما يأتي : (5 )
1- الاعتراف بوجود مصالح خاصة بالوحدات الاقليمية متميزة عن المصالح الوطنية او القومية , ويبرر هذا العامل بتبني الدولة لنظام اداري يسمح بإدارة هذه المصالح وتنظيمها وتسييرها محلياً لا مركزياً .
2- الاعتراف للوحدات المحلية بالشخصية المعنوية المستقلة ,اي بالاستقلال المالي والاداري , وبالتالي بالحق في التملك والتقاضي والتعاقد . غير أن هذا الاعتراف سيبقى مشروطاً برقابة واشراف السلطة المركزية .
3- أن انعدام التنسيق او ضعف الرقابة على اعمال المجالس المحلية , وعدم وجود حدود واضحة للصلاحيات , أو قوانين منظمة للنصوص الدستورية ذات الصلة , سيؤدي الى عواقب وخيمة تهدد بتآكل ادارة الدولة لأزمات ومشكلات " المرحلة الانتقالية " , وبما ينعكس سلباً على تماسك الدولة وقدرتها على حماية مصالحها الوطنية العامة . وتعد مشكلة التمويل , والتصرف بموارد الوحدات المحلية , والحق في التعاقد وابرام الاتفاقات , أحد ابرز اوجه الخلاف بين الوحدات المحلية والسلطة المركزية . وهذا الخلاف هو جزء من صراع القوى السياسية حول شكل الدولة ونظام الادارة , وعنصراً اساسياً من عناصر الصراع على السلطة والثروة في العراق .
ويقدم قانون المحافظات غير المنتظمة في اقليم ( رقم 21 لسنة 2008 ) تسوية توافقية قائمة على انصاف الحلول . وتتجلى هذه التسوية في الخلط بين الفدرالية واللامركزية في هذا القانون . ففي الوقت الذي يقضي فيه هذا القانون بإدارة المحافظات التي لم تنتظم في اقليم على اساس اللامركزية الادارية (أولاً) فانه لا ينص على مبدأ الرقابة على اعمال السلطات المحلية من قبل السلطات التنفيذية (ثانياً) ويرفع بمستوى بعض اختصاصاتها الى ما يشبه صلاحيات الاقاليم ( ثالثاً ) .(6)
غير أن هذه التسوية التوافقية لم تتمكن من حسم مسألة الخلاف حول منح المحافظات غير المنتظمة في اقليم حق اصدار التشريعات المحلية في حدود المحافظة " وبما يمكنها من إدارة شؤونها وفق مبدأ اللامركزية الادارية بما لايتعارض مع الدستور والقوانين الاتحادية " ( كما ورد في نص المادة 2/ اولاً من قانون المحافظات ) . فالبعض يرى أن هذا الحق يتعارض مع المادة 22/ ثانياً من الدستور التي تمنح المحافظات غير المنتظمة في اقليم صلاحيات ادارية ومالية واسعة ولم تنص على منحها سلطة تشريعية . بينما يرى البعض الاخر ,(استناداً الى نص المادة 115 من الدستور ذاته ) , أن حجب حق التشريع والاكتفاء بمنح الصلاحيات الادارية والمالية فقط يعد مخالفة صريحة لاحكام الدستور النافذ .
ويعود السبب وراء هذين التفسيرين المتناقضين والمتعارضين لنصوص الدستور , لكون المادتين (115 و 122 منه)تخلطان بين اللامركزية الادارية للمحافظات وفدراليتها( من حيث مشاركتها الاقاليم في الاختصاصات المشتركة , وبين اللامركزية الادارية للمحافظات وكونفدراليتها ( من حيث أولوية قانون المحافظات على القانون الاتحادي ) . ولا تقتصر المشاكل الناجمة عن غموض النص الدستوري على المحافظات غير المنتظمة في اقليم , بل تمتد بتداعياتها الى العلاقة مع اقليم كوردستان ايضاً .
أن ترجيح قانون الاقاليم على القانون الاتحادي ( على وفق احكام المادة 115 من الدستور ) يكرّس سمة من سمات الكونفدرالية , وليس سمة من سمات الفدرالية التي يرجّح فيها القانون الاتحادي على قانون الولايات الاتحادية . واذا ما تصرفت الاقاليم والمحافظات بهذا السياق الكونفدرالي , فان النظام الفدرالي الذي تحددت سماته على وفق احكام دستور العام 2005 سيكون مصدر خلاف دائم ومنهك وطويل الامد مع السلطات الاتحادية . وما الدعوات الى تأسيس اقاليم في أكثر من محافظة عراقية , والتي ارتفعت وتيرتها في الآونة الاخيرة , ألا امتداد للخلاف المحتدم بين السلطات الاتحادية وبين اقليم كوردستان حول قضايا عديدة لعل من اهمها : صلاحية ابرام عقود النفط في الاقليم , وتطبيق المادة 140 من الدستور بشأن ترسيم حدود المحافظات والمناطق المتنازع عليها , والاستفتاء حول كركوك , واجراء التعداد السكاني , والخلاف حول حزمة قوانين اخرى : كقانون الرسوم الكمركية للمنافذ الحدودية , وقانون النفط والغاز , وغيرها كثير .
أن التطرف في اللامركزية , مثل التطرف في المركزية , يقوّض امكانات , ويحد من كفاءة الادارة الاقتصادية للموارد الوطنية , ويقلب هذه الامكانات الى محددات لعملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية , ويفضي الى تكريس آليات غير ديموقراطية تقوم على التوافقات السياسية الآنية , بصدد تقاسم المنافع , ورصد التخصيصات . ولا يتم التوصل الى هذه التوافقات ( في الغالب ) من خلال التعاون والتنسيق والاتفاق على الحد الادنى من وحدة الهدف , ووحدة المصالح , بل من خلال صراع شرس ( ومعلن ) على السلطة الادارية , والثروة الوطنية .
أن رقابة السلطات الاتحادية وأشرافها المباشرعلى نمط تصرف الوحدات اللامركزية بمواردها المحلية , وبتخصيصات تنمية الاقاليم في الموازنة العامة الاتحادية , يفترض وجود دولة مؤسسات تمتلك من القوة والتصميم ما يؤهلها لممارسة دورها هذا بكفاءة وفاعلية . وهذه القوة ليست رديفة للمركزية الاستبدادية , بل هي جزء من السلطة السيادية للدولة , والتي تمنحها حق ممارسة الدور الرئيس للدولة في كل مكان : دور الدولة التي تعمل على حماية مصالحها الوطنية العليا , ومصالح مواطنيها في جميع الاقاليم والمحافظات . كما ان قوة الدولة مطلوبة لكي لا تطغى المصالح المحلية على المصالح الوطنية على نحو يخل بالاطار العام لتخطيط التنمية الوطنية .
ان الكثير من ممارسات السلطات المحلية في العراق مشوبة بشبهات الفساد . كما يفتقر نمط انفاق التخصيصات فيها للكفاءة بسبب انعدام الخبرة , وقلة الكوادر المؤهلة لادارة الوحدات المحلية . وأذا كان اقليم كوردستان هو قصة النجاح الوحيدة في الحالة العراقية فان هذا النجاح لا يعود الى تطبيق مبدأ الفيدرالية ( أو الكونفدرالية ) , كما تم التأسيس لها في دستور العام 2005 , بل يعود لاسباب وعوامل ومعطيات داخلية وخارجية عديده ليس من اختصاص هذا البحث بحثها في التفصيل . أن قصة النجاح هذه ( مقرونة بأحباط وسخط المحافظات الاخرى غير المنتظمة في اقليم ) باتت تنذر بمخاطر جمة تهدد بتداعي الركائز السيادية لدولة لا زالت قيد التأسيس .
ان تجربة أقليم كوردستان لا زالت تقدم لنا الدليل تلو الدليل على نجاعة الفيدرالية في الحالة العراقية . ولكنها لا زالت تقدم لنا ايضاً الدليل تلو الدليل على احتدام الصراع على الموارد الوطنية وعلى تقاسم الحدود الادارية وعلى الصلاحيات والمصالح بين المركز والأقليم . كما انها تقدم لنا الدليل تلو الدليل على أن ارتفاع وتائر الانفاق العام للسلطات الاتحادية ,عاما بعد آخر, ( ومعظمه يتم تمويله بعائدات نفط وطنية وليست اقاليمية , ومن خلال تخصيصات الموازنة العامة الأتحادية ) قد يحقق نمواًً غير مسبوق في محافظات ما , وافقاراً غير مسبوق في محافظات اخرى , ولكن التنمية الوطنية " الشاملة " لن تتحق ابداً .



ثالثا- الدولة العراقية
ثنائية القوة والضعف ومازق الانتقال الى نظام السوق
2003 – 2011
نشأ نظام السوق نتيجة تطور تاريخي تلقائي ولم يفرض بقرار سياسي من اية سلطة , بينما تم فرض نظم الاقتصاد المركزي بقرارات سياسية استناداً لقوة السلطة.
فاذا تم النظر الى المرحلة الانتقالية في العراق بعدّها مرحلة "اصلاح" اقتصادي فقط وليس بعدّها مرحلة "انتقال" الى نظام السوق , فأن هذا الأصلاح (بما يتضمنه من انساق ونظم وهياكل جديدة للأدارة السياسية والاقتصادية) لايمكن انجازه دون الاعتماد على سلطة الدولة , ومن خلال اجهزة ومنظمات ومؤسسات الدولة ذاتها.
ان العمل على اضعاف الدولة , وضبط حدود ومديات قوتها ( من خلال قيود سياسية واقتصادية وقانونية ودستورية ) , وبما يحول دون امكانية تحولها الى دولة مركزية استبدادية , يعد واحداً من أخطر مقاربات التعاطي مع دور الدولة في العراق بعد العام 2003.
ان دولة غير قادرة على " الانتقال " هي دولة غير قادرة على " الأصلاح بالضرورة " . فعملية الاصلاح تنطوي على مقاومة ضارية من شرائح واسعة من المتضررين , تعتقد ان عملية الاصلاح ,بحد ذاتها, ستلحقق ضرراً فادحاً بمصالحها ومكانتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية .
فأذا انغمست " الدولة الهشة " , (بفعل ظروف تكوينها في العام2003 ) , في حرب اصلاح باهظة التكلفة , وغير مضمونة النتائج , استطالت مرحلة الانتقال أكثر مما ينبغي , وتحولت وظائف الدولة (بخصائصها الحداثوية - المعاصرة) الى وظائف دولة في طور الانتقال , الى مالا نهاية.
ان انحراف النظام السياسي في العراق بعد العام 2003 عن تحقيق الحد الأدنى من اشتراطات الانتقال الى نظام سوق كفوء , وتبنيه لحزمة متناقضة من السياسات والرؤى والاجراءات الاقتصادية ,(بهدف مواجهة السخط الشعبي الناجم عن تردي الاوضاع المعيشية والخدمية ) , يهدد بتقويض عملية الانتقال برمتها , وهدر المزيد من المال والموارد , وضياع الكثير من الجهود المخلصة التي بذلتها المؤسسات الوطنية ذات الصلة بالشان الاقتصادي للأيفاء بالحد الأدنى من متطلبات عملية الانتقال خلال المدة 2003 –2011.
ان تقويض اسس النظام الاقتصادي السابق , والفشل في بناء ( او حتى توصيف) نظام اقتصادي بديل , قد جعل عملية الانتقال مثقلة باعباء اقتصادية وسياسية باهظة وغير مبررة.
ان السياسيين والاقتصاديين قد اخفقوا (معاً) في بناء الأسس والضوابط المؤسسية والقانونية اللازمة لوضع تحديد واضح لطبيعة ومنطق أقتصاد السوق (اولاً) ولم يتمكنوا من ادامة اشتراطات الكفاءة النسبية للنظام القديم (ثانياً) كما اخفقوا في صنع السياسات الازمة لتحقيق الأعباء الاجتماعية والاقتصادية التي ينطوي عليها الاقتصاد الانتقالي (ثالثا).
ان تحديد دالة الهدف للنظام الاقتصادي يرتبط ارتباطاً عضوياً (ووظيفياً) بتحديد دالة الهدف للنظام السياسي بكل ما تنطوي عليه هذه العملية من تعقيدات وتفاصيل , وتحديد هذه الدوال أو الاتفاق عليها (او التوافق حولها , كما هو الحال في العراق ) يتطلب توافر ثلاثة عناصر اساسية هي : الفهم والتصميم , والمصداقية .(7)
ان اقتصاد السوق ليس عقيدة سياسية تقف على النقيض من عقيدة سياسية اخرى , كان النظام السابق يؤمن بها (كما يعتقد السياسيون) . وليس مجرد تحرير لبعض ادوات السياسة الاقتصادية , او الحط من شان الدولة في الاقتصاد (كما يعتقد الاقتصاديون) .
ان الانتقال الى اقتصاد السوق يتطلب انتقالاً من " اقتصاد الأوامر" إلى " اقتصاد القواعد والسياسات". كما يتطلب ايضاً تعزيز قدرة الدولة المؤسسية على ضبط نشاط الافراد والمشروعات.
ومن مفارقات الحالة العراقية بعد العام 2003 هو سعي بعض الاطراف السياسية (وهي جزء رئيس من النظام السياسي الجديد) لكسر ارادة الدولة سياسياً , وتقزيمها اقتصادياً , ودفعها بالاكراه للتخلي عن دورها ووظيفتها , بل وحتى عن هيبتها كدولة ذات سيادة , في ذات الوقت الذي تكون فيه هذه الدولة ملزمة بحشد الارادة السياسية اللازمة لتحقيق تقدم ملموس على اكثر من صعيد , وفي اكثر من مجال , وعلى ممارسة دور فاعل في وضع الاسس القانونية والادارية وبناء النظم والمؤسسات المناسبة , وتعزيز جميع أشكال الرقابة والضبط.
ان فهم هذه الاشتراطات والتعقيدات والمحددات لا يكفي بحد ذاته لأنجاز عملية انتقال ناجحة وسلسة من نظام معين الى نظام اخر , أفضل منه . ان انجاز هذه العملية يتطلب التصميم على استمرار قوة الدفع والاستمراية في هذا الانتقال , والنظر اليه كمصلحة وطنية عليا , تتطلب الاصرار والديمومة ، وليس برنامجاً منوطاً بحكومة معينة , او بحزب او تكتل سياسي معين , او بمكون قومي او مذهبي معين , او بقادة سياسيين معينين.
ان تصميم النظام السياسي على اداء دوره بهذا الصدد لا ينبغي ان يكون موضع شك . ولا ينبغي القبول ابداً بتقويض هذا التصميم من قبل اطراف النظام السياسي ذاته . ومن هنا فان وجود هذا التصميم سيكون ضرورياً للتصدي لمقاومة شرسة لعملية الانتقال يمكن ان تبديها جهات مناهضة للنظام السياسي , ومن خارجه , وليس من مكونات في داخله , وتعد جزءاً اساسياً منه.
ولان الانتقال الى اقتصاد السوق ( كخيار سياسي واجتماعي ودستوري ) ليس قراراً فوقياً, فان على النظام السياسي ان يتمتع بالمصداقية المطلوبة للحد من سلبية الافراد والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني , وتعزيز ثقتهم بالاجراءات والسياسات ذات الصلة بتحقيق هذا الانتقال.
ان التحول الى نظام جديد , ومنطق مختلف , لا يعني فقط تبني ترتيبات جزئية لاعادة تاهيل بعض القطاعات الاقتصادية , بل يعني ايضاً تطوير قواعد جديدة للسلوك الاقتصادي , وتوسيع قاعدة المستفيدين من عملية الانتقال لتقليل كلفة مقاومة هذه العملية الى ادنى حد ممكن.
ان الدولة في العراق لم تفعل حتى الان كل ماهو مطلوب منها لتعزيز مصداقيتها لدى مواطنيها . ودولة كهذه لا تستطيع اقناع مواطنيها بتحمل مسؤوليات طالما تخلوُا عنها في النظام السابق.
وهذه الدولة لم تتمكن ايضاً من وضع افق زمني للتدرج , او توفير ترتيبات مؤقتة تسمح لها بالانتقال السلس والمنظم والسليم نحو نظام اقتصادي جديد.
ومع تبديد الوقت في الصراعات السياسية الداخلية , وتعاظم الكلف الامنية , وتفاقم التمزقات المجتمعية , فقد النظام الجديد الكثير من مصداقيته امام مواطنيه . وأفضت استطالة النمط الانتقالي , دون وجود نهايات محددة أو واضحة لهذا الانتقال , إلى التشكيك في تصميم النظام السياسي الجديد على انجاز اي عملية تحول الى وضع اقتصادي أفضل ( وليس فقط الى اقتصاد السوق ). (8)
ان هذه المعطيات والمحددات والتحديات بمجملها تجعل ادارة عملية التحول في العراق عملية صعبة ومعقدة للغاية . ولا يمكن لدولة ضعيفة , أو مستهدفة بالتهميش والأستنزاف , والتشتيت لقدراتها ومواردها , ان تنجح في التأسيس لأنظمة اقتصادية وسياسية أفضل , مهما طال الزمن .
وفي الوقت الذي تشكل فيه التشريعات الدستورية الأطار المناسب لتقليل كلفة الصراع حول السلطة والثروة , في بلد متعدد الأعراق والمذاهب والديانات . وبينما يفترض أن تكفل هذه التشريعات للدولة في العراق , ممارسة حقوقها السيادية , وبسط ولايتها على الموارد الوطنية , وأن تمنحها القوة الكافية , والضرورية , التي تجعلها " مستقلة " عن المصالح المحلية أو الأقاليمية .. فأن الحالة العراقية تقدم لنا أطارا دستوريا , لم يتمكن من ان يقدم المقاربة المناسبة لكل ماتقدم . وأفضى ذلك الى المزيد من الصراعات , والكثير من الأرباك .. والى الأمعان ( عن قصد , او دون قصد ) في أضعاف دور الدولة , هذا الدور الذي حولّه الدستور الدائم لجمهورية العراق للعام 2005 الى مجرد " وجهات نظر " بين الفرقاء السياسيين .. كما سيتضح لنا الآن .

رابعا- التشريعات الدستورية بعد العام 2003
التأسيس للأشكاليات المرتبطة بدور الدولة وتوصيف النظام الأقتصادي

ً1- : قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية لعام 2004
بعد احتلال العراق في العام 2003 , تم اصدار سلسلة من التشريعات والقرارات التي كانت تهدف الى تغيير طبيعة النظام السياسي والاقتصادي في العراق .
ومن أهم هذه التشريعات "قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية لعام 2004" , والذي تم سنـّه بهدف وضع قواعد مؤسسّة للدستور العراقي الدائم , وبافتراض حقائق دستورية ثبت لاحقا ً انه لا يوجد اجماع عراقي حولها .
وبموجب "ديباجة" هذا القانون(9)
فقد تم تشريعه وإقراره "لإدارة شؤون العراق خلال المرحلة الانتقالية , الى حين قيام حكومة منتخبة , تعمل في ظل دستور شرعي دائم , سعيا ً لتحقيق ديموقراطية كاملة" .
وليس من الواضح هنا ما هو المقصود بـ "الديموقراطية الكاملة" .. هل هي الديموقراطية السياسية أم الديموقراطية الاقتصادية .أم الاثنين معا ً؟ .
ولأن عيوب الصياغة شائعة في هذا القانون (كون نصه الاصلي قد كتب بالانجليزية , ثم ترجم الى العربية) فان لا أحد بوسعه الاجابة بدقة على مثل هذا السؤال , وغيره من الاسئلة الطافحة بالمرارة والارتياب , وتضارب القصد .
ولأن هذا القانون هو بمثابة دستور مؤقت ينظم شؤون ادارة الدولة العراقية لمدة قصيرة , ولأن الكثير من مواده شكلت الاساس لمواد دستور جمهورية العراق الدائم لعام 2005 , فأن تركيزنا سينصب على المواد ذات الصلة بتوصيف المرحلة الانتقالية , وتحديد أمدها , اضافة الى المواد الهامة الاخرى ذات الصلة بموضوع البحث الرئيس .




أ‌- خصائص وطبيعة "المرحلة الانتقالية" .
تشير المادة الثانية -أ- من هذا القانون الى توصيف "زمني" للمرحلة الانتقالية , وليس الى توصيف اقتصادي لهذه المرحلة . "فعبارة (المرحلة الانتقالية) تعني المرحلة التي تبدأ من 30 يونيو/حزيران 2004 حتى تشكيل حكومة عراقية منتخبة بموجب دستور دائم , كما ينص عليه هذا القانون , وذلك في موعد اقصاه 31 ديسمبر/كانون الأول 2005 ".
وهذه أقصر "مرحلة انتقالية" في تاريخ العراق الحديث . كما انها المرة الاولى التي يحدد فيها دستور مؤقت امدا ً زمنيا ً معينا ً لبداية ونهاية هذه المرحلة .
وعلى وفق فهمي المتواضع لأحكام هذا القانون , فأنه أكثر أهمية وخطورة من كونه دستورا ً مؤقتا ً, لأنه يحدد (في ظل سيطرة شبه مطلقة لسلطة الاحتلال على الشأن العراقي) الاطار العام والتفاصيل ذات الصلة بالدستور الدائم الذي تقوم باعداده حكومة عراقية منتخبة , وبما يجعل هذه الحكومة ملزمة بالتقيد بأحكامه . واعتقد أيضا ً ان هذا "التقييد الدستوري" يتخذ هنا طابعا ً قسريا ً لم يسبق له مثيل في تجارب دول اخرى مرت بمراحل انتقالية اطول امدا ً , وقامت بصياغة دساتيرها المؤقتة في ظروف لم تكن أبدا ً اقل صعوبة من ظروف الحالة العراقية , المليئة بالأعاجيب .
وتقدم المادة الثالثة من هذا القانون دليلا ً لا يدحض على صحة هذا الافتراض اذ تشير الى عدم جواز "أن يمدد امد المرحلة الانتقالية الى ما بعد المدة المذكورة في هذا القانون , أو سيؤخر اجراء الانتخابات لجمعية جديدة , او يقلل من سلطات الاقاليم والمحافظات , او من شأنه ان يؤثر على الاسلام , او غيره من الاديان والطوائف وشعائرها" .

ب‌- التوصيف الدستوري لطبيعة الدولة وشكل النظام السياسي .
تشير المادة الرابعة من هذا القانون الى ان : "نظام الحكم في العراق جمهوري إتحادي (فيدرالي) ديموقراطي تعددي . ويجري تقاسم السلطات فيه بين الحكومة الاتحادية والحكومات الاقليمية والمحافظات والبلديات والادارات المحلية" .
وبموجب هذه المادة تم التاسيس لنظام حكم لم يكن قائما ً في العراق من قبل . فجميع الدساتير السابقة أكدت على نظام "الدولة الواحدة" وليس "الدولة الاتحادية" .(10)
ولان هذا القانون لم يتم الاستفتاء عليه , فان تغيير طبيعة الدولة العراقية بموجبه , قد تم دون وجود اجماع وطني على هذا التغيير. ولكون هذا القانون يؤسس (بشكل ملزم) لتحديد طبيعة الدولة في الدستور الدائم , فقد تم تحويل "الدولة الاتحادية (الفيدرالية)" الى حقيقة معطاة , لم يكن بوسع لجنة صياغة الدستور الدائم رفضها , او الاعتراض عليها .
هذا اضافة الى الشرعية التي أسبغها هذا القانون على التأويلات المختلفة لمعنى الدولة الاتحادية , وما اكتنفها من صراع شرس على السلطة والثروة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الاقاليم (كما افرزه الدستور الدائم , بعد مدة قصيرة من وضع احكامه موضع التطبيق) .
وتحدد المادة الرابعة ايضا ً الاسس التي يقوم عليها النظام الاتحادي , حيث "يقوم النظام الاتحادي على أساس الحقائق الجغرافية والتاريخية والفصل بين السلطات وليس على أساس الأصل او العرق او الاثنية او القومية او المذهب" .
وينطوي هذا النص على اشكالات عديدة . فما هي يا ترى الحقائق الجغرافية والتاريخية التي ينبغي ان يقوم على أساسها النظام الاتحادي , دون ان تكون هذه الحقائق عرقية او اثنية او قومية او مذهبية في العراق الحديث , والعراق المعاصر؟.

ت‌- الحريات العامة والخاصة وحقوق الملكية والحقوق الأساسية.
تكفل المادة الثالثة عشرة -أ- صيانة الحريات العامة والخاصة بينما تحرّم الفقرة - ز-منها "العبودية وتجارة العبيد والعمل القسري والخدمة الاجبارية (اعمال السخرة) ".
وليس من اليسير معرفة المعنى المقصود بهذا النص . فالاقطاع (كمنظومة اقتصادية) لم يعد قائما ً , وهو لا يمارس دوره (كمنظومة قيمية) على هذا النحو . اما اذا كان المقصود مجاراة الصكوك الدولية بهذا الصدد , فليس من الضروري ايراد هذا النص بتفاصيله هذه , وكان بالامكان الاشارة الى احترام التعهدات الدولية ضمن بنود أخرى.
وتنص المادة الرابعة عشرة على ان "للفرد الحق بالأمن والتعليم والعناية الصحية والضمان الاجتماعي . وعلى الدولة العراقية ووحداتها الحكومية , بضمنها الاقاليم والمحافظات والبلديات والادارات المحلية , بحدود مواردها , ومع الأخذ بنظر الاعتبار "الحاجات الحيوية الأخرى , أن تسعى لتوفير الرفاه وفرص العمل للشعب".
ويلاحظ هنا الى ان كفالة الدولة الاتحادية وتشكيلاتها لهذه الحقوق , ليست مطلقة , وانما هي مشروطة "بحدود مواردها" آخذة بنظر الاعتبار "الاحتياجات الاخرى". وهذا يعني ان رعاية الدولة لمواطنيها باتت مشروطة بقيد الموارد المتاحة لهذه الدولة , وهو أمر لم يسبق وأن تم تاطيره دستوريا ً من قبل .
وتشير المادة السادسة عشرة -ب- الى ان "الملكية الخاصة مصونة , فلا يمنع احد من التصرف في ملكه الا في حدود القانون , ولا ينزع عن أحد ملكه الا لأغراض المنفعة العامة في الأحوال المبينة في القانون .. وبشرط تعويضه عنه تعويضا ً عادلاً وسريعا" .
ولا جديد في هذا النص , الذي لا يشترط للملكية الخاصة وظيفة اجتماعية , ويتعهد بصيانتها , ومنح مالكها حرية التصرف بها , ولا يجيز نزعها الا لأغراض المنفعة العامة . أما شرط التعويض فيقترن هنا ليس بالعدالة فقط وانما بالسرعة ايضا ً. وهي صفة للتعويض لم تكن موجودة في الدساتير السابقة.

ث‌- الدور الاقتصادي للحكومة الانتقالية .
بموجب المادة الخامسة والعشرون "تختص الحكومة العراقية الانتقالية بالشؤون التالية حصرا ً :
ج- رسم السياسة المالية وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الاقاليم والمحافظات .
د- رسم السياسة العامة للاجور .
هـ- ادارة الثروات الطبيعية للعراق , والتي تعود لجميع ابناء الاقاليم والمحافظات في العراق بالتشاور مع حكومات وادارات هذه الاقاليم والمحافظات , وتوزع الواردات الناتجة عن هذه الثروات عن طريق الميزانية العامة , وبشكل منصف , يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع انحاء البلاد , مع الأخذ بنظر الاعتبار المناطق التي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق...".
ولن نتوسع في تحليل هذه النصوص الآن , فالدستور الدائم لعام 2005 , سيعيد التأكيد عليها ويقوم بتكريسها . غير ان بعض الملاحظات ستكون ضرورية لمعرفة الدور الاقتصادي المستقبلي للحكومة العراقية . فالاختصاصات الحصرية لهذه الحكومة محدودة جدا ً. فهي ترسم السياسة المالية (أي تضع الاطار العام لهذه السياسة فقط) . وهي تقوم بتنظيم (وليس صنع) السياسة التجارية . ومع ذلك فأن هذا "التنظيم" سيكون "عبر حدود الاقاليم والمحافظات" وكأن هذه "الحدود" هي حدود "دولية" وليست "وطنية" .
وبموجب المادة 25 – أ- تختص الحكومة العراقية الأنتقالية " برسم السياسة الأقتصادية , والتجارية , الخارجية وسياسات الأقتراض السيادي " .
وبهذا النص أصبحت الحكومة العراقية تمارس دورين إقتصاديين , يراد لهما ان يكونا مختلفين : الأول هو "تنظيم" التجارة الداخلية , والثاني هو : "رسم" السياسة التجارية الخارجية .أما موضوع تحديد أي دور سيكون "سياديا ً" من بين هذين الدورين , ولماذا هذا الفصل بينهما , فهو ما سيتضح من خلال دستور العراق الدائم لعام 2005 , الذي الزم , هو الآخر , الحكومة المنتخبة بأداء هذين الدورين , وليس الحكومة الأنتقالية فقط .
كما تكرس الفقرة (هـ) من المادة الخامسة والعشرون دور الدولة العراقية الريعية , التي تقتصر وظيفتها على توزيع هذا الريع "توزيعا ً منصفا ً" من خلال بنود وتخصيصات الموازنة العامة الاتحادية , (وهو ما سيتم التطرق اليه بتفصيل اوسع فيما بعد) .



ج‌- طبيعة وخصائص النظام الاتحادي في العراق الجديد .
تحدد المادة الثانية والخمسون من هذا القانون الشرط الاساس الذي يحكم "تصميم النظام الاتحادي في العراق" . فهذا النظام يجب ان يصمم "بشكل يمنع تركيز السلطة في الحكومة الاتحادية , ذلك التركيز الذي جعل من الممكن استمرار عقود الاستبداد والاضطهاد في ظل النظام السابق .ان هذا النظام سيشجع على ممارسة السلطة المحلية من قبل المسؤولين المحليين في كل اقليم ومحافظة , ما يخلق عراقا ً موحداً يشارك فيه المواطن مشاركة فاعلة في شؤون الحكم ويضمن له حقوقه ويجعله متحررا ً من التسلط" .
ورغم عيوب الصياغة في هذا النص , فأن الهدف الرئيس المتضمن في طياته هو هدف سياسي له موجبات "ماضوية" , وذو صلة بممارسات الحكومات المركزية "في الماضي" , أكثر من صلته بتحديد طبيعة الممارسات الاقتصادية للحكومات العراقية في المستقبل . كما انطوت فرضيات هذا النص على "مقدمات" غير منطقية , أفضت لاحقا ً(ومن خلال دستور العام 2005 , الذي جاء نسخة ً طبق الأصل لهذا القانون) الى "نتائج" غير منطقية عند التطبيق .
فتصميم النظام الاتحادي بهذا الشكل لم يمنع لاحقا ( ومن واقع تجربة ممارسة الحكومة المركزية لأختصاصاتها المختلفة ) ما تمت الأشارة اليه في هذا القانون بوصفه "تركيز السلطة في الحكومة الاتحادية" . واستمرت الاقاليم والمحافظات في شكواها المرّة من "تركيز السلطات بيد الحكومة المركزية - الاتحادية - في بغداد" . كما لم يتضح ابدا ً كيف ان هذا "النظام الاتحادي الجديد" سيخلق عراقا ً موحدا ً" وليس عراقا ً متشرذما ً , منقسما ً على نفسه , تتكالب اداراته المتعددة على السلطة والثروة , بشراسة لم يسبق لها مثيل .
كما لم تتضح طبيعة المعايير والأحكام والآليات التي سيعتمدها هذا "النظام الاتحادي" وبما يسمح "للمواطن العراقي" وليس "للمواطن الاقاليمي - المناطقي" بأن "يشارك مشاركة فاعلة في شؤون الحكم , ويضمن له حقوقه , ويجعله متحررا ً من التسلط" .
كانت هذه هي الألغام التي زرعها قانون ادارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية في الارض العراقية القلقة , وثبّتها بإحكام دستور جمهورية العراق لعام 2005 (كما سيتضح لنا فيما بعد) .

2: دستور جمهورية العراق لعام 2005
لم نتطرق الى جميع مواد قانون الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية ذات الصلة بموضوع الادارة اللامركزية للاقتصاد ( رغم خطورتها وصلتها بموضوع البحث الرئيس) , لأننا سنتطرق اليها هنا .. في دستور العام 2005 ,المتخم بالاشكاليات والتضادات والاحكام المختلطة القصد , والملتبسة في معناها وصياغتها .
انه اول نص دستوري في العالم , تتحول احكامه الملزمة الى وجهات نظر بين المعنيين بأحكامه وليس الى قاعدة قانونية ضابطة ومنظمة لشؤون الحكم والسلطة ونمط الادارة وواجبات الدولة وحقوق المواطنين . ولن نتوسع كثيرا ً في تفسير مواد واحكام دستورية لا قدرة لنا على تفسيرها , ولسنا مؤهلين أصلا ً لأيضاح تداعياتها القانونية والاجرائية عند التطبيق (بحكم الاختصاص) . ولكن اهتمامنا الاساس سيبقى منصّبا ً على تحليل مواد هذا الدستور والكشف عن مضامينها ومقارباتها الاقتصادية , والتحقق من امكانية استخدامها من قبل الدولة بهدف تحديد وجهة معينة للأنتقال لنظام اقتصادي محدد وقابل للتوصيف أم لا , مع كل مايرتبط بذلك من قدرة على تأسيس منظومات سلوك وقيم و مؤسسات ذات صلة بهذه العملية , التي على وفقها يمكن ان يتحدد مصير العراق برمته, وليس نظامه الاقتصادي فقط .
أ‌- التوصيف الدستوري لطبيعة الدولة وشكل النظام السياسي .
تشير المادة (1) من هذا الدستور (11):
الى ان "جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة , ذات سيادة كاملة , نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديموقراطي , وهذا الدستور ضامن لوحدة العراق" .
ان هذا النص يحدد شكل الدولة , وطبيعة نظامها السياسي , ولا يساعد على تحديد وظيفتها الاقتصادية , ولا الخروج بتوصيف معين لنظامها الاقتصادي .
ب‌- الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
تنص المادة (22) - ثانيا- على ان القانون "ينظـّم العلاقة بين العمال وأصحاب العمل على أسس اقتصادية , مع مراعاة قواعد العدالة الاجتماعية"
ولا تتضح من خلال هذا النص ماهية الأسس الاقتصادية التي تنظم العلاقة بين العمال واصحاب العمل . ان هذه الأسس مهمة لتوصيف النظام الاقتصادي , خاصة مع مراعاة القانون المنظـّم لها "لقواعد العدالة الاجتماعية" . فلو كان قصد المشرّع واضحا ً في تحديده للأساس الاقتصادي لهذه العلاقة (بافتراض انها جزء من منظومة السوق الحرة) , لَما أشار الى "قواعد العدالة الاجتماعية" التي تتعارض تعارضا ً بيّنا ً مع قيم تلك المنظومة .
تنص المادة (23) -أولا- على ان "الملكية الخاصة مصونة , ويحق للمالك الانتفاع بها واستغلالها والتصرف بها في حدود القانون" .
غير ان "هذا القانون" لا يجوز ان "يتعارض مع احكام الاسلام" مما يجعل "حق المالك في الانتفاع والاستغلال (اي في استثمار ملكه) محددة بأطر تشريعية لا تمت بصلة الى قيم الاقتصاد الحر , والسوق الحرة" .
"ثانيا ً: لايجوز نزع الملكية الا لأغراض المنفعة العامة , مقابل تعويض عادل , وينظـّم ذلك بقانون" . ونلاحظ هنا ان التعويض عن الملكية المنزوعة لأغراض النفع العام كان "عادلا ً وسريعا ً" في قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية (الصادر في العام 2004 والذي يعد بمثابة مسودة اولية لهذا الدستور , وأصبح هنا "عادلا ً" فقط . وربما كان تبرير ذلك هو قدرة المشرّع على ضمان عدالة التعويض بنص قانوني من جانب , وعدم قدرته على تحديد الآليات والشروط والمديات الزمنية الكفيلة بأن يتم الايفاء بهذا التعويض بسرعة , من جانب آخر .
وتكفل الدولة بموجب المادة (24) "حرية الانتقال للأيدي العاملة والبضائع ورؤوس الاموال العراقية بين الاقاليم والمحافظات , وينظـّم ذلك بقانون" .
غير ان نظام السوق الحر , يقتضي ايضا ً ضمان الدولة لحرية انتقال الايدي العاملة والبضائع ورؤوس الاموال عبر الحدود الدولية وليس بين الاقاليم والمحافظات فقط . ولم نجد في الدستور أية اشارة لكفالة الدولة لمثل هذا الانتقال , ولسنا على يقين من امكانية أن يكون ذلك مدرجا ً (نصا ً أو ضمنا ً) في مواد اخرى .
وثمة من يعتقد بأن مضمون المادة (25) يفيد أو يفصح عن تحديد واضح لطبيعة النظام الاقتصادي الجديدة في العراق .
ونص هذه المادة هو : "تكفل الدولة اصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة , وبما يضمن استثماركامل موارده , وتنويع مصادره , وتشجيع القطاع الخاص وتنميته" .
ويستند اصحاب هذا الرأي الى ان الاشارة الى "إصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة" ستعني توفير الاسس الكفيلة للانتقال به من اقتصاد مركزي الى اقتصاد السوق الحر. كما ان الاشارة الى "تشجيع القطاع الخاص وتنميته" ستضمن تحقيق هذا الانتقال. غير اننا جميعا ً ندرك ان سعي الدولة لاصلاح اقتصادها لن يكتب له النجاح , الاّ اذا قامت عملية الاصلاح على "أٍٍسس اقتصادية حديثة" , وذلك بغض النظر عما اذا كانت هذه الدولة رأسمالية أم لا . اما تشجيع القطاع الخاص وتنميته" فهو نص نمطي في كافة دساتير الحكومات المركزية - الاستبدادية , ولا يوجد دستور من دساتير الدولة العراقية لم ينص على هذا التوجه . رغم اختلاف الصياغات .
ولا تتضمن المواد (26) و (27) و (28) نصوصا ً ذات مضمون مختلف عن مضامين الدساتير السابقة (بقدر تعلق الامر بكفالة الحقوق الاقتصادية الاساسية) , لذا فأنها لا تفصح عن توجهات اقتصادية محددة.
غير ان المادة (29) تفصح عن كفالة الدولة لخليط من الحقوق والقيم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ,يمكن وصفها بأنها قيم بعيدة جداً بل ومتعارضة مع قيم السوق الحرة . فهي تؤكد على ان "الاسرة اساس المجتمع" وان الاستغلال الاقتصادي للأطفال محظور , وان كل اشكال العنف والتعسف في الاسرة والمدرسة والمجتمع ممنوعة . وان "للاولاد حق على والديهم في التربية والرعاية والتعليم , وللوالدين حق على اولادهم في الاحترام والرعاية."..!!!!!
ولم يسبق لدستور عراقي آخر وان أفاض في سرد التفاصيل الخاصة بالسلوك الأسري كهذا الدستور. ومع ذلك فان للنص دلالاته التي لا تخفى على أحد , وأهمها ان هذه القيم لا علاقة لها أبدا ً بقيم وممارسات ستفرضها اخلاقيات السوق الحرة.. ولو بعد حين .
وينطبق هذا التحليل على المواد (30)-(36) التي تكفل الدولة بموجبها للمواطنين كل شيء يمكن أن يخطر على البال (ضمان اجتماعي وتعليم ورعاية معوقين وبيئة سليمة وتعليم أهلي ومؤسسات ثقافية) , وأشياء اضافية أخرى لا تقع ضمن الأولويات ذات الصلة بالوضع في العراق (كحماية التنوع البيئي) .
واذا ما تغاضينا عن عدم ايفاء حكومات ما بعد العام 2005 بالحد الأدنى من هذه الحقوق ( وبما يشكل خرقا ً دستوريا ً واضحاً تتحمل جميع سلطات الدولة مسؤوليته المباشرة وغير المباشرة وليس الحكومات المتعاقبة وحدها ) فأننا مضطرون للتذكير بان "الدولة الراعية" لا تتطابق بالضرورة مع "دولة الرفاه الاجتماعي" , وانها (على وفق المنطق ذاته) أبعد ما تكون عن دولة ضابطة ومنظـّمة لقوى السوق . ان هذا "الضبط" و "التنظيم" هو واحد من مهام الدولة التي تدرك ان وظيفتها الاساسية هي الانتقال بالاقتصاد من اقتصاد موجه مركزيا ً تمارس فيه الدولة كل تفاصيل الشأن الاقتصادي تقريبا ً , الى اقتصاد السوق الحرة , حيث لا تمارس الدولة سوى التنظيم والرقابة وضبط ايقاعات السلوك الاقتصادي .
وتشير المادة (35) الى رعاية الدولة للنشاطات والمؤسسات الثقافية , مؤكدة حرصها
"على اعتماد توجهات ثقافية عراقية أصيلة" .!!
اما المادة (36) فتشير الى حق لم يرد في اي دستور عراقي آخر , وهو "الحق في ممارسة الرياضة". ونص هذه المادة هو : "ممارسة الرياضة حق لكل عراقي وعلى الدولة تشجيع انشطتها ورعايتها , وتوفير مستلزماتها" .



ت‌- الموقف من تنظيمات وتكوينات وقيم ما قبل الدولة الحديثة .
بموجب المادة (45) ثانيا ً "تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية , وتهتم بشؤونها بما ينسجم مع الدين والقانون , وتعزز قيمها الانسانية النبيلة بما يساهم في تطوير المجتمع , وتمنع الاعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الانسان" .
وهذه المادة بالغة الدلالة (على الصعيدين السياسي والمجتمعي) . فتوظيف العشائر لخدمة مصالح داخلية وخارجية معينة ليست عملية طارئة ,أو دخيلة , في تاريخ العراق الحديث . فلقد سبق لجميع الانظمة المتعاقبة على حكم العراق منذ العام 1921 وان استخدمت القبائل والعشائر والشيوخ والاغوات لخدمة مصالحها الخاصة.
ولأن هذه هي ثاني اشارة للعشائر والقبائل في الدساتير العراقية (بعد القانون الاساسي العراقي لعام 1925) فان مما يقتضي التنبه له , هو ذلك السياق التاريخي (العام) , ومعطيات المرحلة التاريخية التي كتب فيها كلا الدستورين , واحداهما بدأت مع بداية العقد الثاني من القرن العشرين والاخرى بدأت مع بداية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين . ولن يتوسع الباحث في شرح ما يعنيه ذلك ( أي ما تعنيه الاشارة إلى "النهوض بالقبائل والعشائر " وتعزيز قيمها" في دستور يتعامل مع متغيرات ما بعد العقد الأول من القرن الواحد والعشرين). ويمكن الرجوع الى مصادر عديده تتناول موقف دستور العام 1925 من نظام دعاوى العشائر لعام 1918 ,(12) لعل ذلك يؤسس (الآن أو مستقبلاً) لموقف واضح من هذا الموضوع الحساس والخطير .
ث‌- الأختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية :
ج‌- تنص المادة (110) من هذا الدستور على ممارسة السلطات الاتحادية الاختصاصات الحصرية الآتية:
أولاً : رسم السياسة الاقتصادية والتجارة الخارجية السيادية ".
ثانياً : رسم السياسة المالية و الكمركية وإصدار العملة وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الاقاليم والمحافظات في العراق , ووضع الميزانية العامة للدولة , ورسم السياسة النقدية , وإنشاء البنك المركزي وإدارته .
ثالثاً : تنظيم أمور المقاييس والمكاييل والأوزان .
رابعاً : وضع مشروع الموازنة العامة والاستثمارية .
خامساً : الإحصاء والتعداد العام للسكان ."
وسنحاول الان الكشف عن بعض المضامين و المدلولات الهامة لهذه المادة وذلك بقدر تعلق الأمر بموضوع البحث الرئيس , وكما يأتي :
- أن حصر الوظيفة الاقتصادية للسلطة الاتحادية العامة برسم السياسة الاقتصادية العامة وباستخدام أدوات السياستين المالية والنقدية يعد شرطاً غير كاف ٍ لتحقيق اصلاح الاقتصاد العراقي على وفق أسس اقتصادية حديثة , خاصة وأن هذا الاقتصاد يعاني من أختلالات هيكلية مزمنة استمرت عقوداً طويلة , وأصبح يعاني الآن من تبعات الخراب الشامل الذي عم مفاصله كافة بعد العام 2003 .
- وهكذا فأن الواقع الاقتصادي والاجتماعي القائم في العراق حاليا ً هو الذي يتطلب دوراً أكبر للدولة في الشأن الاقتصادي لسنوات طويلة قادمة . وبالتالي فمن غير المنطقي أن يحدد الدستور صلاحيات الدولة بهذه الاختصاصات الحصرية (المحددة والمقيدة بدورها بالصلاحيات المشتركة مع صلاحيات الاقاليم والمحافظات , كما سيتضح لنا فيما بعد) .
- أن اقتصار دور الدولة على إعداد موازنة عامة , موزعة للتخصيصات , سيكرس الطابع الريعي لدولة تعتمد اعتماداً شبه مطلق على عائدات تصدير النفط الخام بهدف تمويل الإنفاق الجاري .
وفي ظل غياب شبه تام لدور القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي , لن يتاح لسلطات اتحادية , بصلاحيات حصرية ( مقيدة بحكم الدستور) أن تحقق أي اصلاح جاد يسمح بأنتقال ناجح الى اقتصاد سوق متنوع , وحديث .

ح‌- نمط التصرف بالموارد الاقتصادية الرئيسة ,والعلاقات بين السلطة الأتحادية وسلطات الأقاليم .
تشير المادة (111) الى أن النفط والغاز هو ملك كل الشعب العراقي في كل الاقاليم والمحافظات " . أما نمط أدارة هذا الملك فتحدده المادة (112) حيث " تقوم الحكومة الاتحادية بإدارة النفط والغاز المستخرج من الحقول الحالية مع حكومات الاقاليم والمحافظات المنتجة ,على أن توزع وارداتها بشكل منصف يتناسب مع التوزيع السكاني في جميع أنحاء البلاد , مع تحديد حصة لمدة محددة للأقاليم المتضررة , والتي حرمت منها بصورة مجحفة من قبل النظام السابق , والتي تضررت بعد ذلك , بما يؤمن التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من االبلاد , وينظم ذلك بقانون" .
وقد مر من الوقت ما يكفي لتقييم نمط تصرف الحكومة الاتحادية , وحكومات الاقاليم والمحافظات بعائدات النفط والغاز ( على وفق أحكام هذه المادة ). ذلك أن عائدات "الحقول الحالية " لم توزع "بشكل منصف " في جميع أنحاء البلاد . ولم تعد للحكومة الأتحادية (حتى ساعة اعداد هذا البحث) أية سيطرة على عائدات " الحقول "غير الحالية " ( أو المستقبلية ), وليست لها أية سلطة على آليات الاستكشاف والإنتاج والبيع في مناطق مهمة من البلاد . وبقيت المحافظات الجنوبية المترعة بنفط " الحقول الحالية" تعاني من الفقر والحرمان, ومن تردي الخدمات الاساسية . وبعائدات نفط الجنوب ازدهرت محافظات أخرى , وبما حال دون تحقيق " التنمية المتوازنة للمناطق المختلفة من البلاد " , وبما يشكل خرقاً واضحا آخر لهذا الدستور , الذي يبدو أن الكثير من مواده قد كتبت لتخرق, أو لتكون موضع صراع لا ينتهي بين الأطراف المعنية بأحكامه .

وأذ تنص المادة (112) –ثانياً – على أن " تقوم الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم , والمحافظات المنتجة معاً , برسم السياسات الاستراتيجية اللازمة لتطوير ثروة النفط والغاز , بما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي معتمدة أحدث تقنيات مبادئ السوق , وتشجيع الاستثمار " ... فان لا أحد من المعنيين بهذا الملف ( لا في المركز ولا في الاقاليم ولا في المحافظات ) قد أتفق مع الآخر على القيام برسم سياسات استراتيجية (وطنية ) , وبما يحقق أعلى منفعة للشعب العراقي بأسره . ولا زالت مسودات قانون النفط والغاز نائمة في أدراج الساسة , بإنتظار الاتفاق على صفقة ما , أو صيغة ما ,يجب ان لاتتعارض بدورها مع أحكام هذا الدستور المبهم والعجيب . وفي هذه المادة بالذات وردت (ولأول وآخر مرة ) عبارة " أحدث تقنيات مبادئ السوق " ... وليس من الواضح ما هو المقصود بهذه العبارة من الناحيتين المهنية و الأكاديمية , وهل أن الحكومة الاتحادية ستعتمد مبادئ السوق وتشجيع الاستثمار ( الاجنبي) لتطوير ثروة النفط والغاز فقط , أم أنها ستتبنى هذه المبادئ في جميع المجالات ذات الصلة بالنشاط الاقتصادي .
يبدو أن الوقت لم يحن بعد للإجابة على هذه الأسئلة ..
ح- الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم
تحدد المادة (114) الاختصاصات المشتركة بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم كما يأتي:
" أولاً : أدارة الكمارك بالتنسيق مع حكومات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في أقليم وينظم ذلك بقانون .
" رابعاً : رسم سياسات التنمية والتخطيط العام " .
وهذا يعني أن السلطات الاتحادية التي من صلاحياتها الحصرية رسم السياسة الكمركية , وتنظيم السياسة التجارية عبر حدود الأقاليم والمحافظات ( المادة 110- ثالثاً ) لن تستطيع أدارة الكمارك ألا بالتنسيق مع حكومات الأقاليم والمحافظات . كما أن السلطات الاتحادية التي من صلاحياتها الحصرية أجراء الاحصاء والتعداد العام للسكان " لن تستطيع رسم سياسات التنمية والتخطيط العام بمفردها , لأن هذه الصلاحية مشتركة بينها وبين سلطات الأقاليم . وعلى أرض الواقع فأن التعداد العام للسكان هو أحد ركائز خطة التنمية الوطنية . ومع ذلك فقد تم تعطيل هذه الصلاحية الحصرية أكثر من مرة , ولم ينجز التعداد العام للسكان حتى الآن (كانون الأول/ ديسمبر2011) رغم أعلان الحكومة المركزية عن استكمال استعداداتها لأنجازه , وإنفاقها لمبالغ طائلة ,وبذلها لجهود جبارة في إعداد متطلباته . وقد سبق لبعض المحافظات الأعتراض على أجراءه , مع التهديد بمنعه , او مقاطعته , ولمدة سنتين متتاليتين . وربما لن يتم أجراء هذا التعداد ابداً , حتى مع أعلان وزارة التخطيط نيتها أجراءه لأغراض تنموية صرفة . ولا أحد يدري أي عقل دستوري هذا الذي جعل التعداد العام للسكان صلاحية حصرية (قابلة للنقض على أرض الواقع ) , بينما يكون رسم سياسات التنمية الوطنية صلاحية مشتركة مع الأقاليم والمحافظات . فالتنمية كلية وذات طابع وطني ( وليس أقليمي أو مناطقي) , والشراكة في إعداد هذه الخطط , لا يجب أن تعني تعطيلاً لدور الدولة التنموي , وذلك بسبب التعارض في المصالح بين الكل والجزء , أي بين سلطة المركز وسلطة الأقاليم .
وقد سبق للمادة (110) وأن قسمت السياسات الاقتصادية العامة بطريقة لم يسبق لها مثيل في أي دستور عراقي سابق ( وقد لا يكون لها مثيل في أي دستور آخر في العالم ) , فهناك" السياسة الاقتصادية والتجارية الخارجية السيادية " (110-أولاً ) وهناك " السياسة التجارية عبر حدود الأقاليم والمحافظات " (110-ثالثاً ) وهناك " وضع الميزانية العامة للدولة " ( 110-ثالثاً ) وهناك ايضاً " وضع مشروع الموازنة العامة الاستثمارية ( 110- سابعاً ) وجميع هذه الاختصاصات (المتداخلة والمختلطة ) هي من الصلاحيات الحصرية للسلطات الاتحادية . ورغم كل ما تقدم فأن المادة (115) من الدستور ستأتي لتضع قيداً على ممارسة السلطات الاتحادية لصلاحياتها كافة (أي الحصرية والمشتركة معاً ) بنصّها على ما يأتي :
- " كل ما لم ينص عليه في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية يكون من صلاحية الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم .
- والصلاحيات الأخرى المشتركة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم , تكون الأولوية فيها لقانون الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم , في حالة الخلاف بينها " .
- وهذا يعني أنه أذا كان هناك ثمة خلاف بين سلطات المركز وسلطات الأقاليم ( وهذا الخلاف حاصل فعلاً ) فأن قانون الأقاليم والمحافظات سيكون هو النافذ , بينما تتعطل جميع أحكام الدستور ذات الصلة باختصاصات السلطة الاتحادية , وتصبح هذه السلطات بدون اختصاصات حصرية أو بدون صلاحيات تسمح لها بممارسة هذه الاختصاصات فعلاً . !!!
- وتكرس المادة (121- ثانياً ) هشاشة السلطات الاتحادية بالنص على حق سلطة الأقليم في " تعديل تطبيق القانون الاتحادي في الإقليم في حالة وجود تناقض أو تعارض بين القانون الاتحادي وقانون الإقليم , بخصوص مسألة لا تدخل في الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية !! . ولما كانت سياسات التنمية والتخطيط العام , اختصاصاً مشتركاً وليس حصرياً , فأن بإمكان قوانين الأقاليم أن تقوّض أي سياسة تنموية ( وطنية ) بحجة تعارضها مع قانون الإقليم !!! .
- ولا يقف الأمر عند هذا الحد , فأضافة الى "الحصة الدستورية " للأقاليم في الموازنة العامة الاتحادية , تمنح المادة (121- ثالثاً ) هذه الأقاليم حصة أخرى حيث "تخصص للأقاليم والمحافظات حصة عادلة من الإيرادات المحصّلة أتحادياً , تكفي للقيام بأعباءها و مسؤولياتها , مع الأخذ بنظر الاعتبار مواردها وحاجاتها , ونسبة السكان فيها " .
وبعد هذا كله لا أعرف لماذا يستهجن البعض مطالبة المحافظات بحقها في تشكيل أقاليم (فدرالية ) أسوة بأقاليم أخرى . أن هذا هو حقها الدستوري في بلد "الكونفدراليات الفعلية" و "الفيدراليات الدستورية" . وليس من العدل ولا من مقتضيات الإنصاف ( التي يؤكد عليها الدستور مراراً وتكراراً ) أن تبقى المحافظات الغنية بالموارد فقيرة ومتخلفة , لا لشيء .. ألا لكونها محافظات غير منتظمة في إقليم.
ومع ذلك .. وعلى وفق مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي السائد في المحافظات فأن النظام الفيدرالي ربما يحمل في طياته تداعيات سلبية على مستوى التطور الاقتصادي في العراق ككل . ذلك أن غياب التنسيق وتعدد مراكز صنع القرار , وتضارب الصلاحيات وتطبيق منظومات كمركية مختلفة ستؤدي في نهاية المطاف الى نشوء " إقطاعيات أثنية " متناحرة ومتدنية الإنتاجية. وقد يفضي هذا الواقع الى تجزأة السوق الوطنية . وهي سوق أحوج ما تكون الى التوحيد والسعة , خاصة مع ضعف تنافسية الاقتصاد العراقي إزاء الاقتصادات الأخرى ( والإقليمية منها بالذات) والتي باتت منتجاتها تهيمن هيمنة مطلقة على السوق العراقية .


خ- الأحكام الختامية.
من أكثر الوقائع سوداوية ومرارة في دستور العام 2005 أنه لن يعدّل ... ولن يعدّل أبداًًُ . أن العراق ( كوطن واحد لجميع العراقيين) قد يبقى , وقد يتم تعديله ( كلاً أو جزءاً ) , بل أن العراق قد يلغى .. لكن هذا الدستور لن يعدّل أبداً .
وللمتفائلين بأية أمكانية لأن يتقدم العراق خطوة واحدة الى الامام في ظل هذا الدستور لا يسعنا ألا أن نعرض عليهم المادة (126) – رابعاً – ونصهّا ما يأتي :
" لا يجوز أجراء أي تعديل على مواد الدستور , من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلة ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية , ألا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني , وموافقة أغلبية سكانه بأستفتاء عام".
أخيرا ً .. فأن واحدةً من أخطر الإشكاليات التي يثيرها دستور جمهورية العراق الدائم لعام 2005 هي أن الجميع يجدون فيه ضالتهّم : الرأسماليون والاشتراكيون وأنصار التخطيط المركزي والإدارة الشمولية للاقتصاد ودعاة السوق الحرة , ورجال الدين وشيوخ العشائر و الإقطاعيون الجدد , ورجال الأعمال والفقراء , والقبائل ومنظمات المجتمع المدني , والوطنيون وملوك الطوائف (عرقية كانت أم مناطقية أم مذهبية ) . وجميع هؤلاء يعتقدون أن الدستور يوّفر الشرعية لتصرفاتهم , وطريقة تعاطيهم مع الشأن الاقتصادي والسياسي والمجتمعي .. وأن معارضيهم يخرقون هذه "الشرعية" بإنكارهم ,أو بوقوفهم , على الضد من حقوق (لا لبس فيها) يكفلها هذا الدستور .
وبالنتيجة فأن محصلة هذا الفهم ستكون كارثية بجميع المقاييس , لا بالنسبة للاقتصاد والمجتمع العراقي والنظام السياسي فحسب , بل بالنسبة لمصير العراق كدولة ووطن وأمة .
لقد كرّس هذا الدستور خلافات العراقيين بين كل شيء , وحول كل شيء ... خلاف بين السلطات الاتحادية وسلطات الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم ... وخلاف حول أسباب التأسيس ( أي هل تؤسس الأقاليم بدواع ٍ أثنية أم جغرافية ) وخلاف بين الأقاليم والمحافظات .. وخلاف بين المحافظات المتجاورة .. وخلاف بين مجالس المحافظات وبين الإدارات المحلية التابعة لها .. خلاف على كل شيء , وحول كل شيء .. السلطة والثروة , والحقوق الشخصية والموازنة الاتحادية , والسياسة الخارجية , والدفاع والأمن الوطني , والجيش والشرطة , والاستخبارات والوزارات والمناصب العليا .. والبطاقة التموينية وخطط التنمية الوطنية , والتعداد السكاني ...
ومع كل ماسبق ذكره , يعد دستور جمهورية العراق لعام 2005 , الدستور الأكثر أهمية وخطورة في تاريخ العراق المعاصر .
ولن يكون بوسع أحد أن يتجاهل طبيعة الظروف الصعبة التي كتب هذا الدستور في ظلها , ولا الضغوط الهائلة التي مارستها أطراف عديدة لتمرير مصالحها المتناقضة , وسعيها المحموم لتأطيرهذه المصالح دستوريا ً, ومن ثم التمهيد لمنحها الشرعية القانونية على ارض الواقع. لكن أذا كانت مصالح العراق الفيدرالي ( أي الاتحادي الموحد ) هي الأكثر سمواً من " المصالح العرقية و المناطقية " (الأقاليمية) المؤسسة تجاوزاً على وفق ما يسمى " بالأسس الجغرافية " ( بموجب أحكام هذا الدستور ) , فأن على جميع المعنيين بمصالح مواطني هذا البلد ( والمتضررين منهم خاصةً في جميع محافظات العراق وأقضيته ونواحيه ) أن يطرحوا على طاولة البحث من جديد , وقبل فوات الآوان , مواد هذا الدستور كافة ( ومن ديباجته الى أحكامه الختامية ) .
ولحصر هذا الطرح باختصاص محدد , نعيد التأكيد على أن هذا الدستور (الذي يؤسس لدولة هشة منزوعة الدور والفاعلية على الصعيد الأقتصادي ) لن يسمح أبداً ببناء اقتصاد وطني حديث , أو التأسيس لنسق تطوري متدرج قادر على التعاطي مع متغيرات الاقتصاد العالمي . بل وغير قادر أيضاً على الإيفاء بمتطلبات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والتعاطي مع الإختلالات والتحديات التي يفرضها الاقتصاد العراقي ذاته .
وليس من المعقول , ولا من المقبول , التسليم بأمكانية تقسيم العراق أو تعديل حدوده الجغرافية , أوالتحكم بنمط تخصيص واستغلال الموارد فيه (نتيجة للخلافات والأنقسامات الداخلية ), بينما لا يتم التسليم بأمكانية بلورة إرادة سياسية حازمة تأخذ على عاتقها تعديل معظم بنود هذا الدستور ( أو حتى ألغاءه ) ,لأنه من صنع العراقيين انفسهم , وتمت كتابته بإرادتهم ( حتى وان كانت هذه الأرادة هي حصيلة ارادات متناقضة ومتنافرة ) , وليس كتاباً مقدساً هابطاً عليهم من السماء .
لقد فعل القادة الإستثنائيون , في الظروف الاستثنائية التي مرت بها بلدانهم ما هو أكثر شجاعة وإقداماً وعزيمة من هذا بكثير .
وليس العراق ولا ظروف العراق ولا أبناء العراق استثناءا من هذه القاعدة .

الهوامش :
(1)- علي عبد الامير علاوي . احتلال العراق , ربح الحرب وخسارة السلام . ترجمة عطا عبد الوهاب . المؤسسة العربية للدراسات والنشر . بيروت p 184 . .
(2) - المصدر السابق p. 185
(3) - علي عبد الامير علاوي . المصدر السابق pp.241,243))
(4) - دعم اللامركزية والحكم المحلي لتقديم الخدمات في العراق (خلاصة تنفيذية ) اعداد فريق خبراء بيت الحكمة – بغداد – تشرين الثاني/ نوفمبر 2010. p.p 2,4 )) .
(5) - المصدر السابق p.5
(6) - المصدر السابق p.8
(7) - لمزيد من التفاصيل حول طبيعة الاشكاليات والاشتراطات المرتبطة بدور الدولة في المرحلة الانتقالية راجع: د.حازم الببلاوي/دور الدولة في الأقتصاد/ دار الشروق . القاهرة –1998 - ط1 -p.153-155
8)) - مرّت الدولة في مصر بظروف واشتراطات ومعطيات شبيهة بهذه / راجع د.حازم الببلاوي / محنة الاقتصاد والاقتصاديين /دار الشروق.القاهرة ط1989 – 1 – p.144
(9) - لمراجعة جميع النصوص التى أستلّها الباحث من هذا القانون , انظر : قانون ادارة الدولة للمرحلة الأنتقالية . جريدة الوقائع العراقية – العدد 3981 / مايس2004 .
(10) - من أجل مراجعة شاملة لدساتير الدولة العراقية منذ القانون التأسيسي العراقي للعام 1925 , الى دستور العام 1991 , انظر : د. رعد ناجي الجدة . التطورات الدستورية في العراق . بيت الحكمة – بغداد- 2004

( - (11راجع نصوص جميع المواد الدستورية الواردة في هذا المحور في : دستور جمهورية العراق -جريدة الوقائع العراقية – العدد 4012 – 28 كانون الأول/ ديسمبر / 2005 .
(12) - تم ذكر العديد من هذه المصادر في : عماد عبد اللطيف سالم . الدولة والقطاع الخاص في العراق : الأدوار , الوظائف , السياسات ( 1921-1990 ) . بيت الحكمة – بغداد - 2001
المصادر :
1- علي عبد الامير علاوي . احتلال العراق , ربح الحرب وخسارة السلام . ترجمة عطا عبد الوهاب . المؤسسة العربية للدراسات والنشر . بيروت
2- د.حازم الببلاوي/دور الدولة في الأقتصاد/ دار الشروق . القاهرة ط1 –1998
3- د.حازم الببلاوي / محنة الاقتصاد والاقتصاديين /دار الشروق.القاهرة ط1989 – 1
4- د. رعد ناجي الجدة : " التطورات الدستورية في العراق " – بيت الحكمة – بغداد – 2004
5- قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية . جريدة الوقائع العراقية – العدد 3981 /مايس 2004
6- دستور جمهورية العراق . جريدة الوقائع العراقية . العدد 4012/ 28 كانون الأول 2005
7- عماد عبد اللطيف سالم . الدولة والقطاع الخاص في العراق : الأدوار – الوظائف-السياسات (1921-1990) / بيت الحكمة / بغداد / 2001 .
8- دعم اللامركزية والحكم المحلي لتقديم الخدمات في العراق (خلاصة تنفيذية ) اعداد فريق خبراء بيت الحكمة – بغداد –تشرين الثاني/نوفمبر 2010.






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,689,008,091
- طغاة .. وكرنفالات .. وقبائل
- جنود أيلول .. قطارات سبتمبر
- تأبين ٌ متأخر ْ .. للمقهى البرازيليّة
- بغداد .. سينما
- الكتابة في درجة خمسين مئوي
- بين بغداد .. وضحاها
- توصيف النظام الاقتصادي في دساتير الدولة العراقية 1925-2005
- البيان الأخير لحوت العنبر
- الأداء الأقتصادي للقطاع الخاص في العراق :(الخصائص والمحددات ...
- العراق والكويت والولايات المتحدة الأمريكية : مأزق الملفات ال ...
- القراءة الخلدونية ( حكايات جديدة لأطفال ٍ في الستين من العمر ...
- قلب ٌ وحيد ُ الخليّة
- مملكة العراق السعيدة
- الأمل ْ .. أوّل ُ من يموت
- تفاحة ُ الأسى
- القطاع الخاص وأنماط التشغيل في العراق ( أبعاد المشكلة وإشكال ...
- الحزن هنا .. فوق قلبي
- - فوضى هوبس - : الفرد الخائف .. والدولة التنين .
- أحزان مستلة .. من الفرح القديم
- همرات .. ورعاة .. ومسالخ


المزيد.....




- تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والبديل(2)
- الاخبار العربية والعالمية الاقتصادية والسياسية
- البرنامج الخماسي للإصلاح الاقتصادي:  لن يصلح العطار ما أفسده ...
- كيف تحتفظ بموظفيك للأبد
- الذهب يستقر قرب 1200 دولار
- وزير البترول السعودي: اتفاق خليجي على سياسة إنتاج النفط
- عودة أحمدي نجاد مسرحية لانتزاع أرصدة -نووية-
- زيباري: موازنة العام المقبل 100 مليار دولار على اساس سعر 70 ...
- صالح كامل يطير إلى تركيا للمشاركة في فعاليات اقتصادية
- حملات أمنية على العقارات المجاورة للوزارات والسفارات والمنشآ ...


المزيد.....

- الطرح المنهجي لمشكلة القيمة / محمد عادل زكي
- ازمة الرأسمالية العالمية / فهمي الكتوت
- المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتفعيل دورها في التنمية والتشغيل ... / كمال هماش
- الاقتصاد كما يجب أن يكون / حسن عطا الرضيع
- دراسة بعنوان الأثار الاقتصادية والاجتماعية للبطالة في الأراض ... / حسن عطا الرضيع
- سيرورة الأزمة وتداعياتها على الحركة العمالية (الجزء الأول) / عبد السلام أديب
- الاقتصاد المصرى / محمد عادل زكى
- التبعية مقياس التخلف / محمد عادل زكى
- حقيقة التفاوت الصارخ في توزيع الثروة العالمية / حسام عامر
- مخطط ماكنزي وصيرورة المسألة الزراعية في المغرب / عبد السلام أديب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادارة و الاقتصاد - عماد عبد اللطيف سالم - الدور الأقتصادي للدولة في العراق : اشكاليات ومحددات التأسيس في المرحلة الأنتقالية .