أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد كشكار - هل العلم موضوعي أم متحيّز؟















المزيد.....

هل العلم موضوعي أم متحيّز؟


محمد كشكار

الحوار المتمدن-العدد: 2969 - 2010 / 4 / 8 - 22:29
المحور: التربية والتعليم والبحث العلمي
    


أنطلق في هذا الموضوع من مقال نشره في الأنترنات (2004) الأستاذ "بيار كليمان"’ أستاذ بجامعة كلود برنار بفرنسا, عنوانه "العلم و الأيديولوجية" [science et idéologie ]. اعتمد الأستاذ في هذا المقال على أبحاثي الشخصية في تونس و أبحاث غيري في بلدان أخرى. يقول الأستاذ: "أودّ هنا طرح ملائمة المقاربة التعلّميّة و الإبستومولوجية (الإبستومولوجيا مبحث نقدي في مبادئ العلوم) [approche didactique et épistémologique ] للمشاركة في تحليل العلاقات التي تربط بين وسائل الإعلام من جهة و العلوم و المجتمع من جهة أخرى. يتبوأ التفاعل بين العلم و الإيديولوجية مركزا هامّا في أعمال فلاسفة العلوم انطلاقا من كتابات العلماء. لكن ما يضيفه التعليم أ و تعميم التعليم [ les pratiques d enseignement ou de vulgarisation ] لهذا التفاعل بين العلم و الإيديولوجية نادرا ما كان محلّ بحث.
أقصد هنا بمفهوم " الأيديولوجية" في نفس الوقت الأيديولوجية العلميّة السّائدة في تاريخ علوم الحياة و الأيديولوجية التي يحملها المدرّس أو الوسيط الثقافي للعلوم. ما يعنينا هنا هو التفاعل بين القيم و المعارف العلميّة [ interaction entre valeurs et connaissances scientifiques]. نرى من الضروري, في عهد التعليم و تعميم العلوم, توضيح حدود المعارف العلميّة و تحديد نوعيّة القيم التي يحملها من سينشر هذه المعارف. (...)
لنضرب مثلا على ذلك: يظهر من نتائج البحوث المذكورة أعلاه أنّ التصوّرات غير العلميّة [ représentations ou conceptions non scientifiques] الّتي ترى أنّ الذّكاء مرتبط بوزن و/أو حجم الجمجمة (الرجل أذكى من المرأة لأنّ مخه أكبر وزنا و حجما من مخّها) لا زالت حاضرة في بعض البلدان بصفة متفاوتة مع العلم أنّ ليس لها أيّ أساس علمي فهي إذا "تصوّرات أيديولوجية غير علمية". يدلّ هذا المثال السابق على أنّ الخطاب العلمي لا يخلو من أيديولوجية تغذّي - في بعض البلدان – التمييز العنصري بين الجنسين بتفضيل الذّكر على الأنثى. ففي تونس مثلا يعتقد ثلث الأساتذة المستجوبين أن الرجل أذكى من المرأة و في لبنان نصف الأساتذة المستجوبين يعتقدون نفس الشيء. يفتقر تكوين الأساتذة إلى التأكيد في المناهج التعليمية على التفاعل الموجود بين العلم و الأيديولوجية و ينطبق هذا أيضا على تكوين الصحفيّين و الوسطاء العلميّين الآخرين. نلاحظ في النهاية أنّ الأيديولوجية الحتميّة [ le déterminisme] التي ينتمي إليها هذا المثال تتواجد أيضا في عدّة ميادين أخرى يبثّها الإعلام منها العلمي و غير العلمي مثل مفهوم "المكتوب" في الدين و التنجيم و قراءة الكف و علم الفراسة و علم القزحيّّة (العيون هي مرآة الروح) و حديثا الحتميّة الجينيّة (التي تقول بحتميّة تحقق البرنامج الوراثي المكتوب في الجينات على شكل رموز في الهباء العضوي [ molécule d’ADN]. يقول بعض معتنقي إيديولوجية الحتمية الجينية [le déterminisme génétique ]: العنيف عنيف لا لأنّه اكتسب هذا السلوك في حياته بل لأنّه ورثه عن والديه في جيناته أو مورثاته. تؤمن الحتميّة البيولوجيّة [le déterminisme biologique ] بسيطرة البيولوجي على السيكولوجي, مثلا: المرأة لا تصلح لأن تكون قاضية في محكمة لأنّها عاطفيّة أو لأنّها متقلبة المزاج بسبب الحيض. قال عالم الوراثة "ريشار شارل لفونتان" : "مقاومة إيديولوجية الحتميّة البيولوجيّة تشبه مقاومة الحريق. كلّما أطفأت واحدا اشتعل غيره في موضع آخر"
بعد هذا العرض النظري نمر إلى بعض الأمثلة التي تدل على تحيّز بعض العلوم:
- كل العلوم المنتسبة لإيديولوجية الحتميّة الجينيّة التي تدّعي أن القدرات الذهنيّة العالية عند البشر (مثل الذكاء و الإبداع الموسيقي و السينمائي و الرياضي و الغنائي) تحددها الجينات منذ الولادة لذلك يسمونها "موهبة". يحاول العلماء, أسري هذا النموذج من التفكير العلمي, أن يبرهنوا على أفكارهم الإيديولوجية بالاكتشافات العلمية الحديثة و يوظفوا البراهين العلمية لخدمة أغراض أيديولوجية. مثلا: يرجع أصحاب هذه النظرية أسباب العنف في أحواز باريس, حيث يسكن مهاجري شمال إفريقيا, إلى أسباب وراثية متعلقة بالجينات التي ورثوها عن آبائهم و ليس لأسباب اجتماعية مثل الفقر و العنصرية و الإقصاء. يفسرون الفشل الدراسي لأبناء هذه الجالية بالعامل الوراثي فقط دون الأخذ في الاعتبار العوامل الاجتماعية و السيكولوجية. ذهب بعض متطرّفي الحتميّة الجينيّة إلى إنشاء بنوك حيوانات منوية من الرجال الحاصلين على جائزة نوبل حتى يخلقوا على هواهم و حسب اعتقاداتهم عباقرة من صلب عباقرة ناسين أو متناسين دور القرين في الوراثة و دور المكتسب في تكوين القدرات الذهنية العالية .
- كل العلوم الرأسمالية, من اقتصاد سياسي و تجارة و غيرها, تتحيز للبرجوازية و تمجد النظام الرأسمالي و تبيح المحظور من الربح السهل على حساب عرق العمال بالفكر و الساعد و عرق الفلاحين. أبدع الرأسماليون في "علمهم" المتحيز و أنشأوا بيوتا سمّوها بنوكا حيث يجبر الموظفون الفقراء على ادخار ما تيسّر من أموالهم ليسرقها الأغنياء على شكل قروض قد تسترجع يوم القيامة !
- كل العلوم الطبية التي تحدد على هواها مواصفات عالمية لنسبة السكر و الكولسترول في الدم. يخضع تحديد هذه النسب لإملاءات شركات الأدوية الكبرى فتجعل السليم مريضا و تربطه بنموذج الطب الغربي السائد و تمتص دمه و عرقه و ترهق ميزانيته الضعيفة فيمرض حتى و لو كان معافى فيقضي جل وقته في قاعات الانتظار في العيادات الخاصة و المستشفيات.
- كل العلوم العسكرية المنحازة للأقوياء التي لا تنتج إلا الدمار و تزرع الموت كالقنابل العنقودية التي نشرها الجيش الإسرائيلي في كل شبر من الأراضي اللبنانية خلال حرب جوان 2006. تتنافس "الدول العظمى" في صنع أسلحة الدمار الشامل و يا ليتها تنافست في صنع السلام الشامل. احلموا معي و لو للحظة, لو صرفت كل هذه الأموال في تحسين الأجور و المسكن و الصحة و الغذاء لأصبحنا كلنا أغنياء.
- كل العلوم الفضائية التي اقتحمت القمر و المريخ و لم تأتي بدواء للجوع و الفقر و السيدا. ألم يكن أجدر بالإنسان أن يحل مشاكل أخيه الإنسان قبل السفر الاستكشافي أو السياحي إلى الكواكب الأخرى؟
- اكتشف العلماء الأمريكان القنبلة النووية و استعملها السياسيون الأمريكان فأبادت في "هيروشيما" و "نڤازاكي" 150 ألف من المدنيين اليابانيين الأبرياء. و الغريب أن دول العالم الثالث ما زالت تسعى لامتلاكها ظنّا منها أنها تحميها من العدوان الخارجي ولم تتّعظ بما جرى لباكستان عند احتلال جارتها أفغانستان و إسقاط حليفها نظام "طالبان". حينئذ قالت باكستان مبررة عدم تدخلها لنجدة أبناء عمومتها: "لن أتدخل حفاظا على قنبلتي النووية من نقمة الأمريكان" فأصبح هذا السلاح الفتّاك سببا في الانبطاح و فقدان الكرامة عوض حماية الشعب من الأعداء.
خلاصة القول: نعم, العلم متحيز للأغنياء طبعا أما نحن المعذّبون في الأرض فلا تصلنا فوائد العلم إلاّ بعد استنفاذ طاقتنا الشرائية الضعيفة أصلا. يصرف الأغنياء على صنع العلم المال الوفير كتجارة مربحة و يكتب الأقوياء التاريخ لتسجيل بطولاتهم في قهر الضعفاء.
يجب أن لا ننسى أن العلم صنعه العلماء فلا وجود لعلم دون علماء و العلماء بشر و علمهم ذاتي 100% و موضوعي 100% و هم صنفان:
- صنف يذكر فيشكر و يمجد و يخلد لأنه خلق نظريات علمية تحولت إلى تكنولوجيا لصنع الأدوية النافعة و الأمصال الواقية و السيارات و الطائرات و البواخر و الحاسوب و الأنترنات و غيرها.
- صنف يذكر فيذم و يلعن لأنه حوّل نظريات علمية إلى تكنولوجيا لصنع أسلحة الدمار الشامل من الكلاشنكوف إلى القنابل العنقودية و الكيماوي المزدوج و فبرك حيل الرأسمالية المتوحشة للتحكم في مصائر الشعوب المستضعفة وصنع وسائل التعذيب و اقامة المصانع المربحة للأغنياء و الملوثة لبيئة الفقراء و لوث و استنفذ و استغل مصادر الطاقة من نفط و أسما ك كأنها ملكه الشخصي أو ورثة ورثها عن أجداده ناسين أو متناسين أن الثروات الطبيعية في الخليج العربي و أمريكا و روسيا و غيرها هي ملك لجميع البشر و ليس لهم حق التصرف فيها و تبديدها كما يشاءون تاركين إرثا ثقيلا للأجيال القادمة يتمثل في غابات متصحرة و محيطا ملوثا و ألغاما تحصد الآلاف من الأبرياء.
قد ينقل العالم نفسه من الصنف الثاني إلى الصنف الأول عندما يصبح مثقفا مثل العالم "أينشتاين" مكتشف القنبلة النووية الذي أصبح فيما بعد من أكبر منتقديها و العالم "نوبل" مكتشف الديناميت الذي خصص ثروته كاملة لمنجزي الاكتشافات العلمية النافعة في الطب و الفيزياء.
أنهي مقالي هذا بعرض هذه المعلومة الطريفة و الصحيحة: أوصى العالم "نوبل" بعدم منح أي جائزة لعلماء الرياضيات لأنه اكتشف أن زوجته تخونه مع واحد منهم.
أمضي مقالي كالعادة بجملتين مفيدتين: "أنا أكتب - لا لإقناعكم بالبراهين أو الوقائع - بل بكل تواضع لأعرض عليكم وجهة نظر أخرى"..."على كل مقال سيّئ نردّ بمقال جيّد لا بالعنف لا المادي و لا اللفظي".





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,386,983,078
- التلميذ لا يتحمل مسؤولية الغش في الامتحانات وحده.
- خطأ التلميذ في القسم يفيد المعلّم و المتعلّم.
- بطاقة تعريف لعلم نسبيا جديد يسمّى -التعلّميّة - [ la Didacti ...
- هذا ما أقوله لتلامذتي في الحصّة الأولى.
- استغفلونا
- التعليم في تونس: هل هو هرم مقلوب؟
- الإسلام المقاتل: من يقاتل, أين يقاتل و لماذا يقاتل ؟
- تبسيط المفاهيم العلمية قد يجر التلميذ إلى الخطأ.
- هل يستطيع التلميذ بناء معرفة علميّة جديدة فوق معرفته غير الع ...
- التصوّرات غير العلمية لا تزول بسهولة.
- حذار من مرض السكر(Diabète) .
- -جمنة- الخمسينات تعطي درسا في التربية الحديثة: التربية البنا ...
- التربية الصحية بين المطلوب و الممكن.
- خواطر في التعليم بلغة لو...
- هل يوجد لدى الطفل مستويان من النموّ الذهنيّ ؟
- يبدو أنّ مهنة الأستاذ المباشر في القسم في طريق الانقراض !
- -جمنة- الستينات تعطي درسا في الطب النفسي الحديث: -الساسي بن ...
- جمنة- الستينات تعطي درسا في التنمية المستديمة: النظام الغذائ ...
- نساء مناضلات في -جمنة- الستينات
- إرهابنا و إرهابهم؟


المزيد.....




- السودان: نائب رئيس المجلس العسكري يتوعد -بإعدام- المسؤولين ع ...
- مصدر لـCNN: السعودي مرتجى قريريص أعفي من الإعدام
- نتنياهو يدشن -هضبة ترامب- في الجولان السوري المحتل
- البابا فرنسيس يدعو إلى الدبلوماسية في حل مشاكل الشرق الأوسط ...
- تعرض ضابط شرطة للطعن في غرب اليابان والأسباب لا تزال مجهولة ...
- رسالة إلى جيسيكا في عيد الأب: -ستظلين ابنتي دائما-
- البابا فرنسيس يدعو إلى الدبلوماسية في حل مشاكل الشرق الأوسط ...
- صيف حار ينذر بأزمة ساخنة في العراق
- نيويورك تايمز: طريق السودان غير الأكيد نحو الديمقراطية
- 45 أسيرا فلسطينيا يبدؤون إضرابا مفتوحا عن الطعام


المزيد.....

- التعليم والسلام -الدور الأساسي للنظام التربوي في احلال السلا ... / أمين اسكندر
- استراتيجيات التعلم النشط وتنمية عمليات العلم الأهمية والمعوق ... / ثناء محمد أحمد بن ياسين
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في السياقات العربية ، إشكا ... / زياد بوزيان
- احذر من الكفر الخفي / حسني البشبيشي
- دليل مواصفات المدققين وضوابط تسمية وإعداد وتكوين فرق التدقيق / حسين سالم مرجين
- خبرات شخصية بشأن ديمقراطية العملية التعليمية فى الجامعة / محمد رؤوف حامد
- تدريس الفلسفة بالمغرب، دراسة مقارنة بين المغرب وفرنسا / وديع جعواني
- المدرسة العمومية... أي واقع؟... وأية آفاق؟ / محمد الحنفي
- تقرير الزيارات الاستطلاعية للجامعات الليبية الحكومية 2013 / حسبن سالم مرجين ، عادل محمد الشركسي، أحمد محمد أبونوارة، فرج جمعة أبوسته،
- جودة والاعتماد في الجامعات الليبية الواقع والرهانات 2017م / حسين سالم مرجين


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - التربية والتعليم والبحث العلمي - محمد كشكار - هل العلم موضوعي أم متحيّز؟