أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ساطع راجي - ادارة المعرفة( قراءة في الاضحوية لابن سينا )






















المزيد.....

ادارة المعرفة( قراءة في الاضحوية لابن سينا )



ساطع راجي
الحوار المتمدن-العدد: 2007 - 2007 / 8 / 14 - 07:30
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يتجه الفعل الفلسفي في ( الاضحوية في المعاد) نحو ممارسة تأويليه لقضية المعاد في العقيدة الاسلامية ، والتأويل الفلسفي للنص الديني يمثل الحد التطبيقي للفلسفة الاسلامية التي اندمجت ، فيما بعد ، لغتها وقضاياها في علم التوحيد ( الاصول ، العقائد) بينما اندثرت هي كسياق معرفي، والممارسة التأويلية في الاضحوية تحركت بين حدين:
1-الايمان المطلق بمصداقية قضية المعاد وامكانيتها باعتبارها عقيدة دينية.
2-عدم امكانية حدوث المعاد بالصورة الحسية التي يصورها النص الديني لتناقضها مع العلوم الطبيعية والتصورات الفلسفية.

هذان الحدان، هما بالاساس صياغة لدائرتي الشريعة والفلسفة ، حيث تبنى المشروع الفلسفي الاسلامي محاولة التوفيق بينهما، وقد هيأ له ذلك التراث المعرفي الذي اعتمده ، وهو تراث المذهب الاسكندراني او الافلاطونية المحدثة، وهو اتجاه فلسفي توفيقي / تلفيقي حاول عقلنة عدد من ديانات الشرق الاوسط ( الديانات القومية، اليهودية ، المسيحية) واعتمد الخلط بين اراء مشاهير الفلاسفة اليونانيين وقد كتب مفكرو واتباع هذا المذهب عددا من المؤلفات ونسبوها الى الفلاسفة اليونانيين او هكذا وصلت الى الفلاسفة المسلمين ، واذا كان التوفيق بين الشريعة والفلسفة هي القضية الاساسية التي طرحها المشروع الفلسفي الاسلامي ومهد بها لتقبل الفلسفة داخل منظومة الثقافة الاسلامية فأن هذا المشروع الى جوار قضية عقلنة الشرع كان يتجه الى شرعنة العقل (الفلسفي) بأثبات قدرة هذا العقل على التماهي مع الشريعة والاستجابة لمقتضياتها، بل والكشف عن مقاصدها، وهذا اساسا ما كانت المؤسسة الدينية تحتاجه لتوسيع افاق النص الديني المحكومة باللغة والبيئة وهما غريبتان عن الوافدين الجدد للاسلام ، الا ان المستوى الثالث الذي طمح المشروع الفلسفي لتحقيقه فهو ( شريعة العقل) ، وهذا المستوى يبدو تحصيلا سياقيا بأعتبار الفلسفة .
الجهد العقلي الفردي الهادف لاكتشاف الكون وتنظيم الحياة الانسانية والمفهوم الاخير ( تنظيم الحياة الانسانية) لم يتمظهر على سطح النص الفلسفي الاسلامي مباشرة بل تواجد بين طيات النص في ادوات ولغة واتجاهات التأويل الفلسفي للنص الديني، وبشكل اكثر وضوحا في نصوص اتخذت صيغة ( المظنون به على غير اهله) أي المعرفة السرية الرمزية ( وهي جزء من التراث الاسكندراني ايضا) . وابن سينا من اهم فلاسفة هذا النمط المعرفي ، حيث يؤسس لهذه المعرفة في رسالة الاشارات والتنبيهات ( وانا اعيد وصيتي واكرر التماسي ان يظن بما تشتمل عليه هذه الاجزاء كل الظن على من لايوجد فيه ما اشترطه في اخر هذه الاشارات )1 ، ويكتب ايضا في موضوع اخر من نفس الرسالة ( فأن وجدت من تثق بنقاء سريرته واستقامة سيرته، وبتوقفه عما يتسرع اليه الوسواس، وبنظره الى الحق بعين الرضا والصدق ، فأته ما يسألك منه مدرجا مجزءا مفرقا تستفرس مما تسلفه لما يستقبله، وعاهده بالله وبأيمان لامخارج لها ، ليجري فيما يؤتيه مجراك، متأسيا بك)2.
ان تراكم النصوص السرية ادى الى وجود تراثين لذات الفيلسوف ( ابن سينا) ولايمكن اعتبار هذه النصوص تطورا معرفيا في مسيرة هذا الفيلسوف لانه ينتج نمطين من المعرفة في ذات الوقت مع ادراكه لما بينهما من تقاطع واختلاف ، ويبدو هذا التناقض المعرفي مدروسا ومقصودا ونفعيا الى حد بعيد ( ولما كان المشتغلون بالعلم شديدي الاعتزاء الى ( المشائين) من اليونانيين ، كرهنا شق العصا ومخالفة الجمهور ، فأنحزنا اليهم وتعصبنا للمشائين اذ كانوا اولى فرقهم بالتعصب لهم واكملنا ما ارادوه وقصروا فيه ولم يبلغوا اربهم منه، واغضينا عما تخبطوا فيه وجعلنا له وجها ومخرجا ونحن بدخلته شاعرون وعلى ظله واقفون ، فأن جاهرنا بمخالفتهم ففي الشيء الذي يمكن الصبر عليه، واما الكثير فقد غطيناه باغطية التغافل) 3.
النص السابق يوضح دور الفيلسوف في منظومة الثقافة الاسلامية وهذا الدور / المأزق يدفع الفعل الفلسفي الى الاستمرار في عقد الموازنات والتوفيق بين حدود متضادة ليس في منظومة المعرفية فحسب بل في المنظومة الاجتماعية ايضا، فالمعرفة السرية انتجت في سياق الرسائل ، وهذا السياق التأليفي يتوسط المسافة بين الكلام والكتابة ويبدو تطورا منطقيا في الثقافة الاسلامية التي اتسمت بالدينية والشفاهية والعملية في مراحلها التأسيسية، والسياق التاليفي ليس مجرد اداة تواصلية بل هو منطق ينظم العمل الابداعي ويحدد مواصفات النص وافاقه، ان نفس الافكار يختلف وضوحها وتنظيمها واللغة التي تدونها عندما ينتقل وجودها من الرسالة الى الكتاب ، فالمباشرة والتلقائية والنزعة الكلامية تسيطر على الرسالة ، ربما بسبب الحميمية والصفة الشخصية التي تحيل الرسالة ( حتى ولو كانت معرفية) الى مساحة للبوح ، ومن جهة اخرى ، فأن الرسالة المعرفية تخضع لسلطة المتلقي، فهو الذي يستدرج الكاتب بأختيار الموضوع، وحتى اللغة التي يستعملها المتلقي في طلب المعرفة وعرض القضية ربما ثؤثر في اللغة التي يستعملها الكاتب كما قد تؤثر معرفة الكاتب بالتوجهات والقناعات الفكرية للمتلقي في نوع المعارف التي سيبثها ( الكاتب ) في الرسالة. فأذا كان ابن سينا يستعمل المداراة وعدم التعارض مع اراء العامة من طلبة وجمهور الفلسفة، كما في النص السابق، فالقارئ يشكك في امتناعه عن استعمال ذات الاسلوب مع الخاصة من ذوي السلطة والشخصيات الاجتماعية الهامة التي تستكتبه تلك الرسائل المعرفية، وهذا يمنع القارئ من معرفة وتحديد المنظومة الفكرية الاصلية للفيلسوف من تلك المصطنعة، خاصة مع تراث ضخم مثل تراث ابن سينا ، مما يحيل القارئ الى الاعتقاد بأن كل تلك المعرفة قد خضعت لادارة منظمة تهدف لتمكين الفلسفة من العيش في فضاء اجتماعي تبدو فيه كيانا غريبا ومشوشا حظر الى منظومة الثقافة الاسلامية ضمن ملابسات تاريخية / سياسية معقدة.
لقد ادرك المشروع الفلسفي الاسلامي ازمته الوجودية فاعاد تعريف بعض المفاهيم الفلسفية لتغدو اكثر انسجاما مع البيئة الجديدة وكذلك مع الادوار التي الزم هذا المشروع نفسه القيام بها، ومن المفاهيم الاساسية التي تم تعديل تعريفها مفهوم العقل ، فأذا كانت الفلسفة ( ذات الاسس الميتافيزيقية خاصة) قد عرفت العقل بصفة الاولية والاطلاق في الوجود واعتبرت العقل البشري صوره عن العقل المطلق ضمن سلسلة تدرجيه للعقول الفاعلة في الكون وان هذا العقل البشري قادر على ادراك العقل المطلق ، وربما الاتحاد به ، فأن المشروع الفلسفي الاسلامي قد عرف العقل بصورته البشرية من خلال المعطيات الاجتماعية ، فصنفه الى ( عقول العامة ) و (عقول الخاصة)، ان وجود عقلية ثنائية هو مايبرر وجود معرفة ثنائية ، الا ان التعامل مع اشكالية الوجود الثقافي والاجتماعي للفلسفة بهذه الصيغة يشكك بمفهوم المعرفة المطلقة ويضحي تماما بمفهوم الحقيقة الذي يعد الاساس في تكوين أي خطاب فلسفي متماسك .
والثنائيات التي سيطرت على الجهد الفلسفي الاسلامي هي نتيجة للقضية الاساسية التي انشغل بها هذا الجهد وهي التوفيق بين الشريعة والفلسفة والصيغة التوفيقيةهيمنت على الخطاب الفلسفي الاسلامي وعلى الحلول التي وفرها هذا الخطاب للاشكاليات الدينية ومنها اشكالية المعاد فقد تنبه ابن سينا في الاضحوية الى خطورة المواجهة بين النص الديني والنص الفلسفي فأخذ بتقرير ( ان المادة الموجودة للكائنات لاتفي بأشخاص الكائنات الخالية اذا بعثت) 4 ، حيث يحمي ذات الفلسفة من الانتهاك بتشخيص الحقيقة المادية للكائنات وبأعتبار الحدث التكويني للموجودات محكوم بالقوانين الطبيعية ومنها ( محدودية المادة) وحتى قوى ماوراء الطبيعة تعمل في حدود ما تسمح به الطبيعة حيث يكتب ابن سينا ( ان الامور الواردة اثر هذا الوضع (حسية المعاد) في الشرائع اذا اخذت على ما هي عليها لزمها امور محالة وشنيعة) 5 . أي ان الشريعة يجب ان تخضع لمعطيات الطبيعة ، وبين الضرورة الشرعية والاستحالة الطبيعية ( الفلسفية ) يتحرك المشروع الفلسفي لانجاز موازنة تتفق مع المنهج الوسطي التوفيقي ، فيقترح ابن سينا ان يكون المعاد للنفس فقط دون الجسد ، وهذا حل توفيقي بين مقولة انكار المعاد التي يعتقدها الفلاسفة الماديون وضرورة المعاد النفسية والجسدية معا التي يقول بها الفقهاء والنص الديني، واذا كان ابن سينا قد اختار اجابة وسطية فهو ملزم باعادة تاويل النص الديني بما ينسجم مع هذه الاجابة التي لاترى امكانية لوجود عالم مادي اخر موازي لهذا العالم ومفارق له في ذات الوقت فتكون الصور الحسية التي يتضمنها النص الديني اما تكوينات رمزية تتمظهر فيها حالات روحانية ونفسية تعجز اللغة وسياقاتها المألوفة عن الاشارة اليها مباشرة فيضطر النص الديني الى هذه التراكيب الخيالية / الفنية.
او ان هذه الصور الحسية تكوينات ايهامية اضطر النص الديني الى انتاجها لاقناع المتلقي وحثه على الالتزام بمقتضيات الشريعة وقوانينها ( فالدعوة المجملة الى وجود الصانع وصفاته ووحدانيته ، وحكمته وعدله ، وبراءته عن صفات الملحقين به النقص، ووجود الملائكة والاخبار عن العلية الالهية بالجليل دون الدقيق ، ووصفها بما يستحسن عند الجمهور ، وتصوير الملائكة في احسن صورة يتخيلها الجمهور دون المعاني العقلية ، المحضة والسمات الروحانية الشجية التي لاتتخطى اليها عقول دون عقول الحكماء ، ثم ترغيب الجمهور وترهيبهم بالبشارة بالثواب والانذار بالعقاب ، وتصوير السعادة الثوابية لا بالصورة الالهية الجليلة الفائقة التي هي عليها بل بالصورة المفهومة عندهم والمستحسنة لديهم وهي اللذة والراحة ، وتصوير الشقاوة على مقابلة ذلك وتقسيم اللذة الى المبصرة والمسموعة والمشمومة والملموسة والمطعومة، والنكاحية من الملموسة ، واشباع القول في كل واحدة منها من حور عين وولدان مخلدين ، وفاكهة مما يشتهون ، وكأس من معين لايصدعون عنها ولاينزفون ، وجنات تجري من تحتها الانهار من لبن وعسل وخمر وماء زلال وسرر وأرائك وخيام وقباب فرشها من سندس واستبرق ، وجنة عرضها السموات والارض، وما يجري مجرى ذلك …) 6
هذا النص يحشد مكونات العالم الاخر ( الموعود) لتحديد طبيعة المخيال المقدس الذي يستجيب للمخيال الانساني ( العامي) ويمنحه ما يقدر على فهمه او ما يرغب فيه ، ان ما اعتمده ابن سينا في تقسيم طروحاته المعرفية وافكاره الى ( نصوص للعامة) و ( نصوص للخاصة) ينعكس على تأويله للنص الديني الذي يرى فيه افقا ثنائيا يمنح كل متلقي احتياجاته ، المهم ان يخضع هذا المتلقي للنص ويستجيب لمحدداته السلوكية والاعتقادية ، ان النص الديني والنص الفلسفي يأخذان بقدرات المتلقي وامكانياته ورغباته بنظر الاعتبار في صياغة الطروحات التي يعرضانها ، بل المتلقي يؤثر بشكل اساسي في مكونات هذه الطروحات وتقنياتها والرؤية التأويلية التي يبثها ابن سينا في رسالة (الاضحوية في المعاد) تنتج عن رؤية في الطبيعة البشرية التي تتحكم في ذات المتلقي حيث يرى(ان العام من البشر اذا دعوا الى الخير والعدل الانسانيين فكأنهم دعوا الى امر هو خلاف طباعهم البشرية وضد حركات نفوسهم الحيوانية الغالبة على النفس النطقية المصير بها كأنها معدومة اصلا او معدومة الفعل والسلطان البتة، لم يجيبوا اليه الا قهرا ورعبا )7 هذا التصوير للطبيعة البشرية (العامية) هو ما يستلزم ، في رأي ابن سينا تعاملا نصيا حذقا ينسجم مع رغباتها ويقودها الى تقنين تلك الرغبات في ذات الوقت وربما الغائها بالوعد بتحقق اجل يتصف بالديمومة والتنوع والحرية كما يوضحه النص الديني بالصور الحسية للجنة او بالتهديد بعذاب وانتقام كابوسين يقمعان تلك الرغبات التي تهدد النظام الاجتماعي الذي يقترحه النص الديني، ان تصور ابن سينا، للطبيعة البشرية يضع الانسان (العامي) في صورة كائن حسي تحركه شهواته ولايمكنه الاستجابة لمفاهيم الخير المطلقة ولا يقبلها ، وانما لابد من دفعه اليها بالقوة حتى لو تحول ايمانه بها الى رياء (على ان ما يتخيله الجمهور من امر الملائكة وان لم يجرءوا ان ينطقوا به ، هو انهم اشقياء لالذه لهم ولاراحة، اذ لايأكلون و لا يشربون ولاينكحون ، ويسبحون ويعبدون اناء الليل والنهار ولايفترون ، ثم لايثابون اخر الامر … وان حملوا انفسهم على اعتقاد خلافه كرها وطوعا للشريعة…)8 .
ان المعرفة تدار ، في تصور ابن سينا ، لتحقيق اهداف النظام الاجتماعي الديني (الذي يرى فيه ابن سينا مصداقية اخلاقية ) بأنتاج وهمي لتصورات تبدو معرفية الا انها لاتعدو ان تكون تصورات تربوية او اعلامية تخضع للنظام الاجتماعي اكثر مما تخضع للنظام المعرفي (فأنه اذا لم يمثل لهم الثواب والعقاب الحقيقي البعيد عن الافهام بما يظهر ، لم يرغبوا ولم يرهبوا ومالم يبعث ابدانهم لم يترشحوا للامرين ، فوجب في حكم السياسة الشرعية تقرير امر المعاد والحساب والثواب والعقاب على هذه الوجوه)9.
هذه الرؤية الغائية للمعرفة تتعارض مع الهدف (النظري) للفلسفة (الوصول الى الحقيقة) ، واذا كان النص الفلسفي وقضاياه يكتنفهما الغموض والتعقيد الا ان هذا النص لايمانع في بث المعرفة الحقيقية مهما كانت قسوتها وتعارضها مع المعتقدات العامة او النظام الاجتماعي ، وقد يبدو هذا الكلام مثاليا احيانا ولكن السؤال هو: هل يمكن لفسفة ما ان تقرر تجهيل المتلقي ؟ مثلما نجد، ( والجاهل صلاحه ان لايكشف له ذلك (استحالة المعاد الجسدي) فيلاحظ الديانات الالهية والشرائع الحقيقية بعين الاستخفاف، وهي مقدسة عن ذلك)10.
حيث يلزم النص الفلسفي (المباح/ العامي) بتحقيق المصلحة العامة،أي الحفاظ على النظام الاجتماعي، (يلاحظ القارئ ان كلمتي الجاهل والعامي مترادفتان ، او انهما صفتان لذات الشريحة ) ويلزمه كذلك بالحفاظ على قداسة الشريعة حتى عندما يتأكد الفيلسوف من لا مصداقيتها في بعض الجوانب التي تؤسس لهذه القداسة ، واذا كان لابد للعامة من معرفة ، فان سياق المعرفة الفلسفية قادر (كما يرى ابن سينا) على انتاج معرفة لاتثير هؤلاء العامة وتحقق رغباتهم وتحفظ استمرار النظام الاجتماعي ، بل وتجعلهم اكثر خضوعا له . اما المعارف الحقيقية فانها من حق الخاصة فقط، حتى ان المعارف التي تبث للخاصة ترد في سياق حميمي وشخصي (ايها الاخ ، اني قد مخضت لك في هذه الاشارات عن زبدة الحق، والقمتك قفى الحكمة في لطائف الكلم ، فصه عن المتبذلين والجاهلين، ومن لم يرزق الفطنة الوقادة والدربة والعادة ، وكان صفاه مع الغاغة، او كان من ملاحدة هؤلاء المتفلسفة ومن همجهم ))11.
وابن سينا في الوقت الذي يحفظ فيه النظام والعقيدة فانه يحفظ نصه الفلسفي من الانتقادات بحجب بعض ارائه عن نمط معين من قراء الفلسفة ، وربما الفلاسفة انفسهم (خاصة الملاحدة) ، ويحدد مواصفات القارئ (الفطنة الوقادة والدربة والعادة) والتدريب يعني تنميط القراءة في تلقيها للنص وفق تاويل معين عاشت حياتها وتجربتها المعرفية في حدوده ، ويصف العلاقة بين الكاتب والمتلقي (وما جمعنا هذا الكتاب لنظهره الا لانفسنا – اعني الذين يقومون منا مقام انفسنا)12.
والتوافق بين الكاتب والمتلقي يؤدي الى انسيابية وسهولة في تدفق المعلومات وعدم تعرض الكاتب / الفيلسوف لرفض النظام الاجتماعي له. وتعدد الرؤى والمواقف المعرفية وازدواجيتها يتم تنظيمها من خلال تعدد السياقات وازدواجيتها (الكتاب ، الرسالة) فاذا كان ابن سينا علميا/ ماديا /قريبا من فلاسفة اليونان و خاصة المشائين الارسطين في كتبه ،فانه في رسائله يكون اشراقيا / روحانيا / قريبا من الافلاطونية والافلاطونية المحدثة، و ربما من الفلسفات الشرقية. وبالتنظيم النصي والمعرفي لكل واحدة من هذه الرؤى يحظى الفيلسوف برضا التكوينات الاجتماعية المختلفة ، هذا من جهة وبتبني النص الفلسفي وظيفة المحافظة على النظام الاجتماعي والعقائدي من خلال تعدد مستويات المعرفة التي يبثها يكون هذا النص موازيا ومساويا للنص الديني الذي يعتمد ذات الاسلوب الازدواجي / الثنائي في تنظيم المعرفة ( ولم يكن يمكن رفع هذا عن اوهام الناس دفعة و في اولى الخطاب ، فاضطر واضعوا الشرائع في الترغيب بالثواب والترهيب بالعقاب ، الى ان قالوا ان السعادة الاخروية باللذة الحسية والشقاوة الاخروية بالالم الحسي )13.
كلمة (اضطر) تعني انصياع النص الديني لاليات التلقي وتاثيرات شخصية المتلقي ،فالنص الديني لايعني بالضرورة (كما يرى ابن سينا) كل ما يقوله فقد يستعمل هذا النص اساليب اعلامية وتربوية تدفعه لابتكار اشياء وكائنات واماكن وازمنة وحالات جسدية ونفسيه غير حقيقية تهيء له السيطرة على عقل وجسد المتلقي، الا ان ابن سينا يعمق محاولته لموازاة النص الديني بالنص الفلسفي حين يستعمل مفهوم ( واضعوا الشرائع) حيث يؤكد الصفة الوضعية للشرائع بالاشارة الى تعدديتها اولا، وصفة المساواة فيما بينها في الادوات والاهداف ثانيا ، وتدخل الفاعل الانساني في تكوينها ثالثا ، ورضوخها لمقتضيات الطبيعة البشرية (كما يراها ابن سينا) رابعا.
هذه المواصفات ، التي يرى ابن سينا انها مؤثرة في انتاج النص الديني هي ذاتها التي تنتج النص الفلسفي ، صحيح انه لم يقل ذلك مباشرة لكن تاويله للشريعة يجعلها تشبه الفلسفة بل ربما كانت نوعا من الفلسفة الذي اجاد التعامل مع عقل العامة.
المقاربة التاويلية لابن سينا بين الشريعة والفلسفة يمهد للمستوى الثالث والمضمر لطموح المشروع الفلسفي الاسلامي والمقصود به ( شريعةالعقل) و الذي اشرنا الية سابقا . وللبوح المعرفي الذي يمارسة ابن سينا في رسائله (خاصة فيما يتعلق بالتقنيات الايهامية التي يوظفها النص الفلسفي والديني او رؤيته عن الطبيعة البشرية)اهمية عملية سياسية عند ملاحظة ان هذه الرسائل موجهة لاشخاص يمارسون السلطة السياسية اولهم نفوذ فيها ، وقد تكون الرسائل مكتوبة بطلب منهم وابن سينا نفسه شغل مناصبا سياسية مهمة ، وتقنيات الايهام والترغيب والترهيب التي يؤسس لها ابن سينا ويشرعها تبدو نافعة للمؤسسة السياسية .
قراءة ابن سينا لظاهرة عقائدية (المعاد) وما توصل اليه نتيجة طبيعة لتكوين الثقافة الاسلامية وسماتها التي اشرنا اليها سابقا (الدينية، الشفاهية، العملية)حيث انتهت القراءة الى اعتماد رؤية اشراقية للمعاد تؤيد النص الديني رغم المصاعب الفلسفية التي واجهتها ، كما ان هذه القراءة جاءت في سياق اقرب الى الكلام منه الى الكتاب (الرسالة) ، واهم ما انتهت اليه هذه القراءة هو رضوخ النظام المعرفي (فلسفيا كان ام دينيا) لضرورات الطبيعة البشرية والنظام الاجتماعي.


المصادر:
1- ابن سينا ، الاشارات والتنبيهات، تحقيق: سليمان دنيا،دار المعارف 1958 القسم الثاني ص 125.
2- نفسه ، ص 906.
3- ابن سينا ، منطق المشرفين ، القاهرة 1910، ص2.
4- ابن سينا الاضحوية في المعاد، تحقيق الدكتور حسن عاصي ، ص104
5- نفسه ، ص105
6- نفسه ، ص111
7- نفسه ،ص111- ص112
8- نفسه ، ص113 – ص114
9- نفسه ، ص 112
10- نفسه ، ص 105
11- الاشارات والتنبيهات ، القسم الرابع ص903
12- منطق المشرقين ، ص4
13- الاضحوية ، ص 130






رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

لماذا ننصح باستخدام تعليقات الفيسبوك ؟

| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 1,646,498,041
- الاداء الضعيف
- المالكي.. حكومة وأزمة
- مهمة عاجلة
- جبهة التوافق..المواقف المتأرجحة
- تصريحات ليست عابرة
- قانون النفط..صفقات اللحظة الأخيرة
- نقد النص القديم - بنية التورية والسرد الحكائي
- السعودية هدف أيضا
- جدل امريكي
- سرديات الاختلاف/ بابل :صراع اللغات
- منهج المقاطعة
- الجماعة المقدسة
- المالكي ليس هو المشكلة
- الحلقات المنسية في العراق
- السلطة الأنثوية
- احتكار ثقافي
- فوضى السلاح
- قلق في الجوار
- الحلقة الاقتصادية المفرغة
- الساعة الامريكية


المزيد.....




- شخصيات سنية تعرضت لـ-الاستهداف- في عهد المالكي ستحضر مؤتمر م ...
- سويسرا تحتفل بأطول نفق في العالم
- شاهد بالفيديو.. تحطم مركبة فضاء أمريكية أثناء انطلاقها برحلة ...
- مقتل شخص بتحطم مركبة -سبيس شيب 2-
- بدلاً من استخدامها في قتال "داعش".. سوق سوداء للأس ...
- أنباء عن مصرع 21 من "شرطة داعش" والتنظيم يفجر &quo ...
- مصر الآن.. تفجير جديد يستهدف مدرعة عسكرية بشمال سيناء وأنباء ...
- مراسلنا: قافلة قوات البيشمركة تتوجه نحو الحدود التركية السور ...
- بوروسيا دورتموند يهزم البافاري 3-1 في المواجهة المنتظرة في ا ...
- أوروبا تستعد للحرب الإلكترونية بأكبر عملية تدريب في تاريخها ...


المزيد.....

- اسرار الوجوه في التعامل مع الاخرين / احمد رياض
- في الأسس الفلسفية للسميولوجيا جدل المربع والدائرة / بتول قاسم ناصر
- نيتشه : مولد المأساة من روح الموسيقى / عادل عبدالله
- وقائع موت الشعر في فلسفة هيجل 2 / عادل عبدالله
- موت الشعر في فلسفة هيجل / عادل عبدالله
- الكتابة بوصفها خلاصا من الكتابة - مقاربة شعرية لفهم (اختلاف) ... / عادل عبدالله
- سوسيولوجيا بورديو النقدية : قضايا واشكاليات / عصام العدوني
- السرطان : جدل الوجود بالقوة والوجود بالفعل / بتول قاسم ناصر
- الرأسمالية .. وأزمة العلم / محمد دوير
- شبح ماركس ورعب نهاية التاريخ / معن الطائي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - ساطع راجي - ادارة المعرفة( قراءة في الاضحوية لابن سينا )