النيوليبرالية والفشل المحزن لليسار


محمود يوسف بكير
الحوار المتمدن - العدد: 5182 - 2016 / 6 / 3 - 00:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
راسلوا الكاتب-ة  مباشرة حول الموضوع     

النيوليبرالية أو موجة التحرر الحديثة بدأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية حيث رأى الكثير من المفكرين والأكاديميين ورجال الأعمال في الولايات المتحدة وكرد فعل لما حدث في ألمانيا النازية وايطاليا الفاشية وروسيا الشيوعية انه لا ينبغي أبدا السماح للحكومة بأن تتغول على حرية الفرد وأن تسيطر على الاقتصاد وأن تعيق حرية الأسواق وحركة التوازن الحر بين قوى العرض والطلب.
وباختصار شديد فإن النيوليبرالية ترى أن المنافسة الحرة هي التي ينبغي ان تحكم علاقة الأفراد ببعضهم البعض وقد بدأت بأفكار تنادي بالمحافظة على المبادرة والحرية الشخصية والحد من سطوة الدولة لتجنب ما حدث في أوروبا ولكنها انتهت إلى تشجيع غريزة الجشع لدى الإنسان وتقليص دور الدولة وما تقدمه من خدمات عامة متنوعة كما أنها حولت مفهوم المواطن الى مجرد مستهلك تقاس حقوقه الديمقراطية بمدى قدرته على حرية الاستهلاك لما يشاء دون قيود ودون اعتبار لأي عوامل إنسانية أو بيئية.
والمنظم الوحيد في هذه المعادلة الاستهلاكية هو السوق وقوى العرض والطلب والمنافسة، والقيد المفروض على الجميع والذي يتعين احترامه هو السعر الذي يحقق التوازن بينهم في ظل افتراض ساذج بأن السوق يتمتع بحرية كاملة وتتوفر فيه المعلومات للجميع.
وتؤمن النيوليبرالية بأن اقتصاديات الأسواق "الحرة" أكثر كفاءة من اقتصاديات التخطيط وأن أي محاولة من جانب الحكومة للتدخل لتنظيم آليات قوى العرض والطلب أوالسيطرة على الأسعار والحد من المنافسة والاحتكارات الضارة أو فرض ضرائب تصاعدية على الأفراد أو الشركات ذات الدخول المتضخمة كلها إجراءات مضرة بالاقتصاد ومن ثم الأفراد.
وأكثر من هذا فإن النيوليبرالية تدعو بقوة إلى خصخصة كل الخدمات العامة باعتبار أن الإدارة الخاصة لهذه الخدمات أكثر كفاءة من الادارة العامة التي تتسم عادة بالتسيب والفساد. ولتحقيق هذا الهدف فإنه يتعين بالطبع إضعاف الاتحادات والنقابات العمالية وخير مثال على ذلك هو ما يحدث في مصر حيث تسيطر الحكومة بالكامل على اتحاد عمال مصر من خلال وزارة تابعة لها، كما أنها تحارب الاتحادات الخاصة على صغرها بلا هوادة.
والنيوليبرالية تنظر إلى أي مظاهرات أو احتجاجات على أي مظالم اجتماعية أو اقتصادية على أنها معوقات من قبل أهل الشر للرأسماليين المنتجين وتعطيل لآلية عمل الأسواق الحرة التي من شأنها ان تمطر خيرات كثيرة يوما ما على رؤوس الأشقياء والمحرومين الذين يتعين عليهم التحلي بالصبر والدعاء لله بان يعجل بسقوط الثمار والخير.
وأما ما يعرف بعدم المساواة والفجوة الهائلة في الدخل بين الأغنياء والفقراء فإن النيوليبرالية تراها مرحلة مؤقتة يتعين القبول بها بدلاً من فرض تشريعات أو ضرائب لمعالجتها بادعاء أن فرض المساواة وتكافؤ الفرص عنوة سوف يلحق ضررا كبيرا بالاقتصاد وخلق فرص عمل جديدة ويدمر أساسيات السوق الحرة التي تضمن بشكلٍ تلقائي وغامض ودون اي تدخل أن يحصل كل فرد على ما يستحقه!
ولدى الاقتصاديون النيوليبراليون قناعة قوية بأنه حتى لو نجم عن آليات السوق بعض الاحتكارات فإنه لا ينبغي معاقبتها
بشدة لأنها في الحقيقة " أي الاحتكارات " نوع من المكافأة للامتياز في العمل، بمعنى أن الاحتكارات تتحقق نتيجة تفوق شركات معينة على ما عداها.
وفي رأينا فإن أحد أهم الاختلالات الجوهرية في الفكر النيوليبرالية هو القناعة بأن الأغنياء يكونون ثرواتهم عادة نتيجة تفوقهم واجتهادهم وعملهم الشاق وأن الفقراء لا يستحقون كل هذه الشفقة لأنهم كسالى وغير مبدعين ، وهذا المنطق صحيح في حالات كثيرة ولكن لا يصح تعميمه بأي حال لأن غالبية الأغنياء ينسون انهم عادة ما ينشأون في ظروف أفضل بكثير من ملايين الفقراء، وأقصد بهذا أنهم عادة ما يحصلون على قدر جيد من التعليم والرعاية الصحية والعلاقات والفرص التي تتيح لهم الانطلاق وتكوين الثروات وهي معطيات لا تتوفر عادة لملايين الفقراء. ومن ثم فإنه لا يصح أن نلقي بالملامة على الفقراء لحظهم العاثر أن ولدوا في بيئة وظروف غير مواتية.
إذن فإن المسألة ليست أن الأغنياء يستحقون ما هم فيه من نعم لاجتهادهم والفقراء يستحقون معاناتهم لأنهم كسالى ولكنها الظروف الاجتماعية والأسرية التي ليس للإنسان أي خيار فيها.
هذه هي النيوليبرالية التي أخفقت في تحقيق الكثير من وعودها بالثراء والسعادة للأغلبية الفقيرة في جميع أنحاء العالم بل إن أغلبية الاقتصاديين اليساريين والمعتدلين ونحن منهم يعتبرونها مسئولة عن العديد من الأزمات الكبرى التي شهدها ويشهدها العالم حالياً مثل الأزمة المالية العالمية في عام 2007 ، وفجوة الدخل المتفاقمة بين الفقراء والأغنياء ، والتغيرات المناخية والكوارث الطبيعية العنيفة الناجمة عن الانبعاثات الحرارية المتولدة في الدول الصناعية الكبرى. هذا بالإضافة إلى مسؤوليتها عن المزايا المالية والتجارية التي تتمتع بها الشركات والمؤسسات المالية العملاقة في الغرب والتي لا هم لها إلا تحقيق المزيد من الأرباح حتى ولو أدى هذا إلى المزيد من الفقر والتلوث والمعاناة للدول الفقيرة والآخذة في النمو.
كما تتحمل النيوليبرالية مسؤولية كبيرة في زيادة التطرف اليمني والديني على مستوى العالم نتيجة الفقر والهجرة الجماعية لمئات الألوف من سكان الدول التي تمزقها الحروب الأهلية الدينية والتي تغذيها تجارة السلاح في الدول الغربية، بالإضافة الى مسؤوليتها المباشرة عن فشل كل ثورات الشعوب التي حاولت التخلص من استبداد وفساد حكامها المدعومين بالنيوليبراليين في جميع أنحاء العالم والذين نجحوا في الالتفاف حول رغبة هذه الشعوب في حياة نظيفة وحرة وكريمة وأعادوا الاستبداد بأسوأ مما كان في جميع هذه الدول.
كما أن اللوبي النيوليبرالي كان السبب في انهيار كل الخدمات العامة والتي كانت تقدم للفقراء وعلى رأسها التعليم والصحة والضمان الاجتماعي ليس فقط على مستوى الدول النامية ولكن أيضاً داخل الدول الغنية حيث أصبح لكل شيء ثمن ولم يعد أمام من تعوزه القوة الشرائية سوى التمتع بالسلع والخدمات الرديئة.
ولكن في المقابل ماذا فعل اليسار في جميع أنحاء العالم وأين هو من تطلعات الجماهير وثورات الشعوب المطالبة بالعدالة الاجتماعية، وأين هو من عمليات نهب وسلب الشعوب التي ألقت تسريبات بنما الضوء على جزء يسير منها؟
لابد ان نقر هنا أن اليسار في حالة تراجع على مستوى العالم حتى قبل السقوط المروع للاتحاد السوفيتي وتفكك حلف وارسو وهرولة دوله صوب الغرب.
إن التراجع الحقيقي لليسار بدأ بعد الحرب العالمية الثانية عندما فرض الاتحاد السوفيتي نظام ديكتاتورية الدولة في كل أنحاء أوروبا الشرقية وحارب حرية الفكر والتعبير وقيد المبادرات الفردية. وقد لمست هذا وانا بعد طالب مبتعث في برلين الغربية في منتصف الثمانينات حيث أصبحت بحالة من الذهول وأنا أعبر لأول مرة سور برلين إلى الجانب الشرقي وشاهدت كيف يعامل الناس هناك وكيف يعيشون مقارنة بالجانب الغربي وتوقعت أن يحدث شيء ما، وقد حدث أن انهار السور بأسرع مما تصورت وانهار معه اليسار القديم.
والآن تحولت الصين إلى نموذج رأسمالية الدولة وهو النموذج التي تسعى كل الدول اليسارية السابقة مثل فيتنام وكوبا إلى تطبيقه بعد أن أدركوا أن سياسات رفع الشعارات اليسارية البراقة والكلام الكبير لم تعد تصلح لخداع واستغفال الجماهير وبكل أسى نشاهد الآن الأحزاب اليمينية في أوروبا وأمريكا اللاتينية وهي تكتسح اليسار القديم وحتى الحزب الديمقراطي المعتدل في أمريكا يتجه إلى الخسارة امام ترامب بالرغم من كونه أجهل وأحط يميني شهدته امريكا في كل تاريخها، ويحدث كل هذا لسبب بسيط وهو غياب البديل المقنع أمام الجماهير.
أما نحن اليساريون القدامى فإننا لم نعد نملك سوى البحث عن عيوب الرأسمالية وثغراتها دون ان نقدم بديلا عمليا يلبي حاجات الملايين التي أدارت ظهورها لنا وانشغلت بالتقاط فتات الرأسماليين والليبراليين الجدد.
ولكن بقاء الحال على ما هو عليه من المحال ولا زلت كيساري قديم أؤمن بحتمية الحل الاشتراكي الديمقراطي وأملي في الشباب خاصة الأوروبي كبير.



تعليقات الفيسبوك