هل ينجح تجمع بريكس أمام الغرب


محمود يوسف بكير
الحوار المتمدن - العدد: 7742 - 2023 / 9 / 22 - 02:48
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

كما أننا كأفراد نشعر بالقوة والأمن وسط الجماعة فهذا أيضا حال الدول، ولذلك فهناك تحالفات سياسية واقتصادية عديدة عبر العالم. وحتى ينجح أي تحالف في تحقيق أهدافه فلابد أن يكون هناك قدر معقول من التجانس والاتساق بين أعضائه كما سوف نبين حالًا. والغرض من هذا المقال هو بيان الفرص التي يمكن إن تجنيها الدول الأعضاء في تجمع بريكس والتحديات العديدة التي تواجه التجمع وما إذا كان بمقدور مصر أن تستفيد من عضويتها به لتحسين أوضاعها الاقتصادية المتردية. ولعلي أبدأ بالفرص الإيجابية المحتملة داخل بريكس قبل أن أعرض للتحديات الكبيرة والخطيرة التي من المرجح أن يواجهها التجمع. وفي هذا ومنذ أشهر قليلة سمعنا عن نية الأعضاء الخمسة للتجمع "الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب افريقيا" فتح بأب العضوية للدول الأخرى، وعلى الفور تقدم عدد كبير من الدول الأفريقية والأسيوية واللاتينية بطلبات الانضمام، ومن ضمن كل هذه الدول تم اختيار السعودية والإمارات ومصر وإيران وأثيوبيا والأرجنتين كأعضاء جدد. أما عن السبب في رغبة العديد من الدول في الانضمام فهو أن الجميع يرى أن هناك فرصًا كبيرة للاستفادة، ومن أهم هذه الفرص ١الأسواق الضخمة لهذه الدول ذات الكثافة السكانية الكبيرة، كما أنها ليست أسواقا كبيرة فقط ولكنها أيضا أسواقا نامية إي لازالت في حالة نمو مرتفع ومفتوحة للتجارة والاستثمارات، علما بأن نصيب التجمع من الناتج المحلي الإجمالي للعالم زاد من حوالي 10% في عام 2000 إلى حوالي 25% حاليا ولكن نسب النمو الاقتصادي في دول التجمع متباينة بشكلٍ كبير ، وعلى سبيل المثال فإن نصيب الصين من الناتج الإجمالي للتجمع زاد في نفس الفترة من 45% إلى 70% ٢التنوع في العلاقات التجارية والاقتصادية يعتبر سياسة جيدة بدلا من الاعتماد على الغرب فقط. وعلى ما يبدو فإن الجميع تعلم درس أن أفضل طريقة للتعامل مع العقوبات الأميركية في حال تطبيقها لأي سبب، هو الانفتاح على الآخر والمزيد من العلاقات الدولية. ٣كما أن من عوامل إسراع عدد كبير من الدول لمحاولة الانضمام لبريكس هو أن الصوت الجماعي للتجمع بالتإكيد سوف يكون مسموعا، وفي رأينا فإن هذه قد يكون خطوة هامة نحو عالم متعدد الأقطاب بدلا من قطب واحد وهذا شيء جيد للجميع خاصة الدول الفقيرة.٤ومن المزايا الأخرى هي أن بنك التنمية الجديد التابع لبريكس سوف يكون بمثابة مصدر إضافي إلى جانب مؤسسات التمويل الدولية في الغرب مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتمويل مشروعات البنية التحتية التي تحتاجها الدول النامية. ٥وأخيرا فإن بعض دول تجمع بريكس مثل الصين والهند متقدمة في التكنولوجيا وهو ما قد ينعكس بشكلٍ إيجابي على الدول الأعضاء الإخرى. مما سلف يمكن القول بإن هنآك مزايا إحتمالية عديدة للانضمام لبريكس ولكن هنالك أيضا تحديات عديدة وكبيرة تواجه التجمع وهي بالتأكيد معروفة لكل الدول الأعضاء ولكن المسؤولين في التجمع لا يحبون أو يتجنبون الخوض فيها عملا بالمنهجية المتبعة في الأنظمة الاستبدادية وهي أن أفضل الطرق للتعامل مع المشاكل هو تجاهل وجودها حتى تستفحل وتتعقد ويصعب حلها، عندئذٍ يخرج علينا المسؤولون بالقول بإن المشكلة معقدة وصعبة الحل وإن علينا أن نتحلى بالصبر! وإلى جانب هذا التجاهل للصعوبات بدأت إبواق الدعاية للتجمع في الإعلان عن أن بريكس سوف تقضي على أميركا والغرب بل إن بعض الزملاء الكتاب في الموقع تنبأوا بانهيار الدولار في خلال شهرين "وليس ثلاثة!" أين الحيادية والواقعية في الكتابة وما هو الداعي لبث هذه الأكاذيب البعيدة عن الواقع؟ وإليكم بعضا من التحديات التي تواجه التجمع: ١عدم وجود قواعد أو شروط معينة للانضمام كما هو الحال في المجموعة الأوروبية مثلا ولذلك يضم التجمع خليطا غير متجانس من الدول بل إن بعضها في حالة عداء شديد ومن أمثلة هذا؛ وجود خلاف شديد بين الصين والهند على بعض المناطق الحدودية دون حل حتى الآن، وجود خلاف مرير بين مصر وإثيوبيا على حصة مصر في مياه النيل بعد قيام إثيوبيا ببناء سد النهضة وملء بحيرته دون إي تنسيق مع مصر، العداء التاريخي القديم بين إيران والسعودية، كما أن أحد الأعضاء المؤسسين وهو روسيا في حالة حرب وحشية وتدميرية ضد أوكرانيا وقد ينتج عنها صراع مباشر وخطير مع الغرب، كل هذه المشاكل والعدوات التاريخية سوف تؤدي وباحتمالية عالية جدا إلى اندلاع الخلافات بين الدول الأعضاء إن عاجلًا أم آجلًا. ٢بالإضافة إلى عدم الاتساق السياسي بين دول التجمع، فإن مستوى الرفاهة والنفوذ الاقتصادي بينها متباين بشكل واضح، وعلى سبيل المثال فإن الصين تتمتع بنفوذ كبير في القارة الافريقية من خلال ما تقدمه من قروض ضخمة للدول الفقيرة بالقارة والتي وصل حجمها منذ عام ٢٠٠٠وحتى ٢٠٢٢ إلى حوالي ١٧٠بليون دولار ومن البديهي ان يكون للصين نفوذا وسيطرة على كل الدول المدينة لها، وقياسًا على هذا فإن دول التجمع ذات المديونية العالية لن يكون لها وزن كبير في التجمع مقارنةً بنفوذ الصين. وبالنتيجة فإنه من الطبيعي أن تختلف وجهات النظر والتوجهات والاولوييات بين الدول الأعضاء وهذا شيء لازال تحت السيطرة حتى الآن، ولكن لا يوجد شهر عسل يمكن أن يستمر للإبد. ٣يلاحظ أيضا أن الدول الأعضاء لديها مستويات مختلفة من الانفتاح على التجارة الدولية والاستثمار. وكما هو معروف لدى الاقتصاديين فإن الاختلاف حول السياسات التجارية وإجراءات الحماية والجمارك يمكن أن يؤدي إلى تقويض إركان فكرة إنشاء عملة موحدة للتجمع، وحتى لو تمكن التجمع من توحيد هذه السياسات فإن عملية إصدار عملة موحدة وبديلة للدولار كما يقولون تتطلب توحيد السياسة النقدية للدول الأعضاء وكذلك التنسيق بينها فيما يتعلق بالسياسة المالية. وبالإضافة إلى ما سبق فإن أصدار عملة موحدة للتجمع تصلح كعملة دولية للاحتياطي والتسعير للسلع الاستراتيجية في التجارة الدولية إلى جانب الدولار فإن هذه مهمة في غاية الصعوبة والصين لا تنوي أخذ هذه المسؤولية حاليا لأسباب فنية وسياسية عديدة من أبسطها أن دول مجموعة بريكس نفسها لن تقبل بسهولة أن تكون بنوكها المركزية تابعة للبنك المركزي الصيني لأنهم يعلمون جيدا أن حكومة الصين تتدخل بشكلٍ مباشر في تحديد سعر صرف عملتها التي لم تدار أبدا وفقا للتوازنات الحرة للعرض والطلب ٤ هناك تفاوت كبير بين الدول الأعضاء بخصوص ملف حقوق الانسان لأن بعض أنظمة الحكم في التجمع ديموقراطية مقابل أغلبية لنظم الحكم الاستبدادية والتي لا تتردد في قمع واضطهاد أي أصوات معارضة للنظام الحاكم، فهل ستجرأ الدول الديموقراطية على معارضة أنتهاكات حقوق الإنسان داخل التجمع؟ في الغالب سيتم غض الطرف لإن المصالح الخاصة عادة ما تتحطم عليها أعظم المبادئ ولذلك قال ميكيافيلي إنه لا علاقة للسياسة بالأخلاق.
والخلاصة أن بريكس خطوة جيدة على الطريق ولكنها ليست سحرا ولديها تحديات كبيرة كما أوضحنا وتحتاج إلى المزيد من العمل وتصميم آليات للتوفيق وحل المشاكل بين أعضائها لضمان الاستمرار والتقدم والنجاح.
‏أما بالنسبة لمصر فإنها من الدول التي سارعت أيضا للانضمام لتجمع بريكس وليس في هذا عيب، ولكننا نتمنى ألا يكون الغرض من الانضمام هو استجداء المزيد من القروض من الصين ومن بنك التنمية الذي أسسته بريكس علما بأن مصر من ضمن الدول التي اقترضت من هذا البنك لأنه لا يشترط العضوية في التجمع. والمفارقة هنا أن هذا البنك يقدم قروضه بالدولار بالرغم من أن الغرض من تأسيس بريكس هو التخلص من التبعية للدولار! مصر بحاجة إلى إصلاحات هيكلية عديدة للبدء في معالجة الاختلالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي تعاني منها وهذه الاختلالات لن تحلها القروض أو المزيد منها ولن يحلها مجرد الانضمام إلى بريكس لأن الاخيرة ليست منظمة خيرية وكل الدول الأعضاء بها لا هم لهم إلى مصالحهم وليس مصلحة الآخر، ولا يوجد على المائدة أي شيء ببلاش او مجاني. وللأسف فإن هناك دول كثيرة استثمرت في أزمة مصر من خلال تملك حصص معتبرة في الكثير من الشركات والبنوك والأسهم المصرية مقابل الديون التي أقترضها مصر والتي استخدمت في تمويل مشاريع مظهرية في بلد يصل عدد سكانها إلى ١١٠مليون نسمة وذو موارد محدودة لا تحتمل هذا البذخ. موضوع مصر معقد وطويل ومؤلم ويحتاج إلى مقالات عديدة ولكن البداية الصحيحة للتعامل مع الأوضاع الصعبة تكون بالإقرار بأن هناك مشكلة تحتاج إلى مراجعة لسلم الأولويات. منذ سنوات طويلة ونحن نطالب بأن تعيد مصر وكل الدول العربية ترتيب اولوياتها الاقتصادية بحيث يأتي الأمن المائي والأمن الغذائي في المقدمة لضمان حياة كريمة ومستقرة لشعوبها وأجيال المستقبل لأنه ليس هناك أذل من الاعتماد على الخارج لتوفير الخبز للناس. التغيرات العنيفة في المناخ الآن واختلال التوازن البيئي للأرض بسبب التلوث الرهيب الذي يقوم به بلايين من البشر والكوارث المتلاحقة في كل انحاء الأرض والجفاف والفيضانات وشح المياه العذبة تنذر بأن الإنسان في خطر داهم خاصة في منطقتنا العربية المشغولة ببناء الأبراج العالية والمشاريع الترفيهية ولا حياة لمن تنادي.

‏‏‏ محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي