أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض الشرايطي - دَفْتَرُ الْمَجْذُوبِ فِي خَرَابِ الْبِلَادِ















المزيد.....



دَفْتَرُ الْمَجْذُوبِ فِي خَرَابِ الْبِلَادِ


رياض الشرايطي

الحوار المتمدن-العدد: 8882 - 2026 / 11 / 7 - 18:33
المحور: الادب والفن
    


1 ـ سَاعَةُ الذِّئْبِ

فِي تِلْكَ السَّاعَةِ، حِينَ يَخْلَعُ اللَّيْلُ جُبَّتهُ وَيَعُودُ النَّجْمُ إِلَى عَمَاهُ الْأَوَّلِ، أَرْتَدِي عُوَاءَ الذِّئْبِ وَأَمْشِي حَافِيًا فِي نَسَبِ الْقَبِيلَةِ، أُفَتِّشُ عَنْ أُمٍّ لَمْ تَلِدْنِي، وَعَنْ تُرَابٍ يَقْبَلُ أَنْ يَنْتَسِبَ إِلَيَّ دُونَ أَنْ يَسْأَلَنِي عَنْ أَبِي.

الضَّبَابُ يَسْرِقُ أَسْمَاءَ السَّنَابِلِ، وَ الْبَدَاوَةُ تَشِيخُ فِي عُيُونِ الْخُيُولِ، وَاللَّهُ، عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ غُبَارٍ، يَبْدُو كَمَنْ أَرْهَقَتْهُ كَثْرَةُ الَّذِينَ يَتَحَدَّثُونَ بِاسْمِهِ.

رَأَيْتُهُ يَبْكِي.

لَمْ يَكُنْ بُكَاؤُهُ مِنْ قِلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ مِنْ كَثْرَةِ الَّذِينَ صَلَّوْا لَهُ ثُمَّ ذَهَبُوا لِيَذْبَحُوا عِبَادَهُ.

يَا فَرَسِي، يَا آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنْ ذَاكِرَةِ السُّرُوجِ، أَيْنَ اخْتَفَتِ الْقَبِيلَةُ؟

لَمْ يَبْقَ مِنْهَا سِوَى صَهِيلٍ يَتِيمٍ، وَخَيْمَةٍ نَسِيَهَا الرُّعَاةُ، وَمُهْرٍ يَجُرُّ وَرَاءَهُ جَنَازَةَ فَارِسٍ.

وَأَيْنَ امْرُؤُ الْقَيْسِ؟ قَالُوا : بَاعَ آخِرَ مُعَلَّقَةٍ لَهُ لِحَلَّاقٍ فِي بِلَاطِ خَلِيفَةٍ، لِيَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَحْلِقُ لِلْقَصَائِدِ رُؤُوسَهَا الْمُتَمَرِّدَةَ.

يَا حَامِلَ كُحْلِ الْحُزْنِ فِي مِحْبَرَةِ الْعُصُورِ، مَتَى تَسْتَعِيدُ الْقَصِيدَةُ دَمَهَا؟ مَتَى نَخْلَعُ عَنْ هَذَا الشَّرْقِ ثِيَابَ الْخَطِيئَةِ الَّتِي خَاطَهَا لَهُ جَلَّادُوهُ؟

لَقَدْ تَعِبْنَا مِنْ مَمَالِكِ تُقِيمُ أَعْمِدَتَهَا عَلَى ظُهُورِ السَّبَايَا، وَمِنْ سَلَاطِينِ يُوَزِّعُونَ صُكُوكَ الْغُفْرَانِ عَلَى تُجَّارِ الْحُرُوبِ، وَمِنْ رَايَاتٍ تَرْتَفِعُ كُلَّمَا سَقَطَتْ مَدِينَةٌ.

فِي الْمَقْهَى، الشُّعَرَاءُ يُدَخِّنُونَ مَا تَبَقَّى مِنَ الْهَوَاءِ، وَيَسْتَدْرِجُونَ الْقَصَائِدَ إِلَى مَوَائِدِهِمْ كَمَا يَسْتَدْرِجُ السَّمَاسِرَةُ الْفَتَيَاتِ إِلَى الْفَنَادِقِ.

أَبْحَثُ عَنْ امْرَأَةٍ مِنْ طِينٍ، تَخْرُجُ مِنْ خَاصِرَتِهَا سُنْبُلَةٌ، وَتَحْمِلُ فِي ضَحْكَتِهَا شَيْئًا مِنْ سُومَرَ، امْرَأَةٍ لَا تَضَعُ قَلْبَهَا فِي وَاجِهَةِ الْعَرْضِ، وَلَا تَسْتَأْذِنُ أَحَدًا حِينَ يَشْتَعِلُ فِيهَا الْفَرَحُ.

امْرَأَةٌ إِذَا أَحَبَّتْ تُرْبِكُ حِسَابَاتِ الْمُلُوكِ، وَإِذَا ضَحِكَتْ تَسْقُطُ مِنْ أَفْوَاهِ الْوُعَّاظِ كُلُّ تِلْكَ الْمَوَاعِظِ الْيَابِسَةِ.

إِبْلِيسُ، رَأَيْتُهُ جَالِسًا أَمَامَ دُكَّانِ سِيَاسِيٍّ، يُوَقِّعُ صَفَقَاتٍ بِاسْمِ الْفَضِيلَةِ، وَيَسْتَرِيحُ مِنْ عَنَاءِ غَوَايَةِ الْبَشَرِ.

بَنُو سُفْيَانَ، فِي ثِيَابٍ جَدِيدَةٍ، يَبِيعُونَ خُبْزَ الْفُقَرَاءِ وَيَشْتَرُونَ مِنْ دَمِهِمْ بَرَامِيلَ نَفْطٍ.

قَلْبِي ضَرِيحٌ مَهْجُورٌ، سَرَقَ اللُّصُوصُ مَفَاتِيحَهُ ثُمَّ أَقَامُوا عَلَى بَابِهِ صَلَاةً طَوِيلَةً.

أَبْحَثُ عَنْ جَنُوبِيٍّ لَا يُحْسِنُ الِانْحِنَاءَ، عَنْ حَنْجَرَةٍ لَمْ تَتَعَلَّمِ النَّشِيدَ الرَّسْمِيَّ، عَنْ مَجْنُونٍ يَصْعَدُ الْمِئْذَنَةَ سَكْرَانًا يُعْلِنُ أَنَّ الْكَرَامَةَ آخِرُ مَا تَبَقَّى مِنْ مُعْجِزَاتِ الْجِيَاعِ.

2 ـ الْمَجْذُوبُ

أَنَا الْمَجْذُوبُ.

أَمْشِي فِي خَرَائِبِ الزَّمَنِ وَعَلَى كَتِفِي قِرْبَةٌ مِنْ هَذَيَانٍ، وَفِي دَاخِلِي مَقْبَرَةٌ صَغِيرَةٌ لِنِسَاءٍ هَرَبْنَ مِنْ سَطْوَةِ النَّسَبِ وَلَمْ يَجِدْنَ قَرْيَةً تَسْتَقْبِلُهُنَّ.

لِي عَيْنٌ وَاحِدَةٌ، تَرَكْتُهَا فِي قَاعِ النَّهْرِ تَحْرُسُ سَمَكَةً عَمْيَاءَ مِنْ حِكَايَاتِ الصَّيَّادِينَ.

وَلِي لِسَانٌ تَعَلَّمَ الصُّرَاخَ فِي أَفْوَاهِ الْمَظْلُومِينَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْجُمُعَةِ مُلَطَّخًا بِخُطَبِ السَّلَاطِينِ.

كُنْتُ هُنَاكَ حِينَ اقْتَادُوا الْحَلَّاجَ إِلَى نِهَايَتِهِ، وَحِينَ صَارَ الزَّيْتُ فِي قَنَادِيلِ غَزَّةَ أَشَدَّ سَوَادًا مِنْ لَيْلِ الْقَتَلَةِ، وَحِينَ تَحَوَّلَتْ مَكَّةُ إِلَى وَاجِهَةٍ لِلْبَيْعِ، وَصَارَ بَعْضُ حُرَّاسِهَا يَحْسِبُونَ الْمَسَافَةَ إِلَى وَاشِنْطُنَ بِمِقْدَارِ مَا يَصِلُ إِلَى خَزَائِنِهِمْ.

فِي دَرْبِ الشَّامِ، كَانَ طِفْلٌ يَحْمِلُ نَعْشَ أَبِيهِ كَأَنَّهُ يَحْمِلُ صَبَاحًا صَغِيرًا تَأَخَّرَ عَنْ مَوْعِدِهِ.

قَالَ : السَّمَاءُ قَرِيبَةٌ حِينَ نَمْشِي حُفَاةً.

وَمَضَى.

لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الَّذِينَ فَقَدُوا آبَاءَهُمْ يَصِيرُونَ أَكْبَرَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ، وَأَنَّ بَعْضَ الْأَطْفَالِ يُولَدُونَ مِنْ جَدِيدٍ فِي جَنَازَاتٍ لَا تَنْتَهِي.

يَا أَرْضَنَا، كَمْ مَرَّةً أَطْعَمْتِ أَبْنَاءَكِ ثُمَّ تَرَكْتِ قَاتِلِيهِمْ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ خُصُوبَتِكِ؟

أَنَا الْغَرِيبُ فِي وَطَنِ الْفُقَرَاءِ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَقْتَسِمُونَ رَغِيفَ الطِّينِ وَيُخْفُونَ ضَحِكَاتِهِمْ عَنِ الْحُرَّاسِ.

يَا شَرْقًا تَزَوَّجَ جَلَّادِيهِ، ثُمَّ كَتَبَ عَلَى وَاجِهَةِ قَصْرِهِ: هُنَا يَسْكُنُ الْعَدْلُ.

نَامَ الْمَلِكُ، وَاسْتَيْقَظَتِ الْبِلَادُ عَلَى مَذَاقِ الدَّمِ الْقَدِيمِ.

3 ـ الْمَرْأَةُ الَّتِي جَاءَتْ مِنْ سُومَرَ

رَأَيْتُهَا تَخْرُجُ مِنْ شَقٍّ فِي الْعَتَمَةِ، كَأَنَّ امْرَأَةً سَبَقَتِ التَّارِيخَ كَانَتْ قَدْ خَبَّأَتْهَا فِي وَصِيَّةٍ سِرِّيَّةٍ.

فِي شَعْرِهَا بَقَايَا حَرَائِقَ قَدِيمَةٍ، وَفِي مِشْيَتِهَا اضْطِرَابُ الْمُدُنِ حِينَ تَكْتَشِفُ أَنَّ أَسْوَارَهَا مِنْ وَرَقٍ.

تَحْمِلُ أَلْوَاحَ طِينٍ لَا تَقْرَؤُهَا إِلَّا النِّسَاءُ اللَّوَاتِي أَفْلَتْنَ مِنْ كُتُبِ الْعَائِلَةِ.

قُلْتُ لَهَا : مِنْ أَيْنَ جِئْتِ؟

ابْتَسَمَتْ، وَانْفَتَحَ فِي فَمِهَا نَهْرٌ سُومَرِيٌّ تَسْبَحُ فِيهِ آلِهَةٌ صَغِيرَةٌ تَخَلَّتْ عَنْ عُرُوشِهَا كَيْ تَتَعَلَّمَ الْحُبَّ.

لَمْ تَقُلِ اسْمَهَا.

الِاسْمُ أَضْيَقَ مِنْ قَامَتِهَا، وَكَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ الْأَسْمَاءَ أَوَّلُ مَا يُصَادِرُهُ الْحُرَّاسُ.

اقْتَرَبَتْ، فَاضْطَرَبَتْ فِي دَمِي قَبِيلَةٌ كَامِلَةٌ، وَتَعَثَّرَتِ الصَّلَوَاتُ فِي طَرِيقِهَا إِلَى السَّمَاءِ.

قَالَتْ : أَنَا امْرَأَةٌ خَرَجْتُ مِنْ حِكَايَةٍ أَرَادَ الرِّجَالُ أَنْ يَكْتُبُوهَا وَحْدَهُمْ، فَأَخَذْتُ مِنْهَا النَّارَ وَتَرَكْتُ لَهُمُ الرَّمَادَ.

لَمَسْتُ وَجْهَهَا، فَسَمِعْتُ أُمِّي تَعْجِنُ خُبْزَهَا فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ، وَسَمِعْتُ حِصَانًا يَرْكُضُ فِي طُفُولَتِي، وَسَمِعْتُ بَابًا قَدِيمًا يَفْتَحُ عَلَى قَرْيَةٍ لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً.

نَامَتْ إِلَى جِوَارِي.

فِي جَسَدِهَا تَعَبُ بِلَادٍ أَمْضَتْ قُرُونًا وَهِيَ تُدَافِعُ عَنْ حَقِّهَا فِي أَنْ تَكُونَ بِلَادًا.

وَحِينَ اسْتَيْقَظَتْ، لَمْ تَسْأَلْنِي إِنْ كُنْتُ أُحِبُّهَا.

قَالَتْ : هَلْ مَا زِلْتَ تَذْكُرُ كَيْفَ كُنْتَ تَضْحَكُ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَسْمَاءَ الْهَزَائِمِ؟

أَرَدْتُ أَنْ أُجِيبَ، لَكِنَّ فَمِي كَانَ مُمْتَلِئًا بِأُغْنِيَاتٍ لَمْ تَجِدْ مَنْ يُغَنِّيهَا.

4 ـ الْحَانَةُ الَّتِي تَسْكُنُهَا الْبِلَادُ

دَخَلْتُ الْحَانَةَ عِنْدَ انْطِفَاءِ آخِرِ مِصْبَاحٍ، وَ الْخَاسِرُونَ يَتَبَادَلُونَ مَقَاعِدَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَتَقَاسَمُونَ مِيرَاثًا لَا يُرِيدُهُ أَحَدٌ.

كَانَتْ هُنَاكَ.

عَلَى مَلَامِحِهَا خَرِيطَةٌ مُمَزَّقَةٌ، وَفِي عَيْنَيْهَا جَوَازَاتُ سَفَرٍ لَمْ تَعْتَرِفْ بِهَا الْمَطَارَاتُ.

قَالَتْ : اِجْلِسْ، فَقَدْ طَالَ وُقُوفُكَ فِي طَوَابِيرِ النَّجَاةِ.

صَبَّتْ لِي كَأْسًا، وَكَانَتِ الرَّائِحَةُ تُشْبِهُ قَافِلَةً ضَاعَتْ مِنْهَا الْجِهَاتُ.

شَرِبْتُ.

فَخَرَجَ مِنْ صَدْرِي عَامِلُ مَنْجَمٍ، وَفَلَّاحٌ مَنْسِيٌّ، وَمُعْتَقَلٌ لَمْ يَرَ أَبْنَاءَهُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَامْرَأَةٌ تَبِيعُ حُلِيَّهَا كَيْ تَشْتَرِيَ دَوَاءً لِطِفْلِهَا.

كُلُّهُمْ سَأَلُونِي عَنِ الْبِلَادِ الَّتِي تَرَكْنَاهَا خَلْفَنَا.

وَضَعْتُ رَأْسِي فِي حِجْرِهَا، فَسَمِعْتُ الْأَذَانَ يَأْتِي مِنْ جِهَةٍ بَعِيدَةٍ، وَكَانَ الْمُؤَذِّنُ يَبْكِي لِأَنَّ الَّذِينَ مَلَؤُوا الْمَسَاجِدَ أَفْرَغُوا الْحَيَاةَ مِنَ الرَّحْمَةِ.

قُلْتُ لَهَا : كَيْفَ صَارَ جَسَدُكِ مَحْكَمَةً تُحَاكِمُ فِيهَا الْحُرُوبُ ضَحَايَاهَا؟

ضَحِكَتْ، وَكَانَتْ ضَحْكَتُهَا أَقْدَمَ مِنَ السُّلَالَاتِ ..

كُلُّ قُبْلَةٍ هُنَا تَفْتَحُ مَمَرًّا إِلَى مَنْفًى، وَكُلُّ عَاشِقٍ يَحْمِلُ فِي حَقِيبَتِهِ تَارِيخًا مِنَ الْمُدُنِ الْمُهَدَّمَةِ.

تَذَكَّرْتُ أُمِّي، وَتَنُّورَهَا الَّذِي كَانَ يُوَزِّعُ الدِّفْءَ عَلَى جِيرَانٍ لَا يَسْأَلُونَ عَنْ انْتِمَاءِ بَعْضِهِمْ.

تَذَكَّرْتُ رَائِحَةَ الْخُبْزِ حِينَ كَانَتِ الْحَيَاةُ بَسِيطَةً بِمَا يَكْفِي كَيْ لَا يَحْتَاجَ الْفَقِيرُ إِلَى تَفْسِيرِ فَقْرِهِ.

قَالَتْ : خُذْ مِنِّي مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْحَيَاةِ، فَالَّذِينَ يَمْلِكُونَ الْبِلَادَ تَرَكُوا لَنَا أَجْسَادَنَا كَيْ نَتَذَكَّرَ أَنَّنَا لَمْ نَمُتْ بَعْدُ.

5 ـ زِنْزَانَةُ النِّسَاءِ

فِي الزِّنْزَانَةِ الْأَخِيرَةِ وَجَدْتُهَا جَالِسَةً عَلَى الْبِلَاطِ، تَضُمُّ إِلَى صَدْرِهَا مِعْطَفًا لَمْ يَعُدْ يَتَذَكَّرُ صَاحِبَهُ.

الْقُيُودُ فِي مِعْصَمَيْهَا أَشَدَّ لَمَعَانًا مِنْ أَوْسِمَةِ الْجَنَرَالَاتِ.

سَأَلْتُهَا عَنْ حِكَايَتِهَا.

قَالَتْ : أَنَا أُمُّ الَّذِينَ يَعُودُونَ فِي التَّوَابِيتِ، وَأُخْتُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَبْكُوا أَمْ يُوَاصِلُوا الْمَسِيرَ.

وَجْهُهَا سِجِلًّا لِلْمَنْفِيِّينَ، وَكَانَتْ تَضْحَكُ فَتَخْرُجُ مِنْ ضَحْكَتِهَا مَوَاكِبُ لِأُنَاسٍ لَمْ يَجِدُوا فِي التَّارِيخِ مَكَانًا يَلِيقُ بِمَوْتِهِمْ.

قَالَتْ : سَيَجِيءُ يَوْمٌ لَا يَحْمِلُ فِيهِ الثَّائِرُ رَايَةً، سَيَأْتِي بِيَدَيْنِ فَارِغَتَيْنِ وَقَلْبٍ لَمْ يُوَقِّعْ صُلْحًا مَعَ الْخَوْفِ.

سَيَصْلِبُونَهُ، لِأَنَّ الْفُقَرَاءَ حِينَ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ يَرْتَبِكُ تَرْتِيبُ الْعَالَمِ.

يَا امْرَأَةَ الزِّنْزَانَةِ، يَا ابْنَةَ مَنْ لَمْ يَجِدُوا قَبْرًا لِأَحْلَامِهِمْ، حِينَ أَنْظُرُ إِلَيْكِ أَشْعُرُ أَنَّنِي آلَةٌ مُوسِيقِيَّةٌ تَرَكَهَا الطُّغَاةُ تَحْتَ الْمَطَرِ.

تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكْتُبَ مِنْ جِرَاحِ الْآخَرِينَ، وَأَنْ أُخْفِيَ فِي الْحُرُوفِ مَا عَجَزْتُ عَنْ قَوْلِهِ فِي التَّحْقِيقِ.

اِمْنَحِينِي لَيْلَةً وَاحِدَةً أَخْلَعُ فِيهَا عَنْ ذَاكِرَتِي ثِيَابَ السَّجَّانِ، وَأَسْتَعِيدُ وَجْهِي قَبْلَ أَنْ يَتَعَرَّفَ إِلَيَّ الْمُحَقِّقُ.

6 ـ مَدِينَةٌ تُسْتَبَاحُ كُلَّ صَبَاحٍ

دَخَلْتُ الْمَدِينَةَ مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ، وَكَانَتْ تَنْزِفُ عِنْدَ مُفْتَرَقَيْنِ.

كُلَّ صَبَاحٍ يُعَلِّقُونَهَا عَلَى مَشْنَقَةٍ جَدِيدَةٍ، وَعِنْدَ الْمَسَاءِ يُعِيدُونَهَا إِلَى أَهْلِهَا كَيْ يَتَعَرَّفُوا إِلَى جُثَّتِهَا.

فِي مَدَاخِلِهَا جُنُودٌ نَدِمُوا عَلَى السِّلَاحِ بَعْدَ أَنْ انْتَهَتْ حِصَّتُهُمْ مِنَ الْقَتْلِ، وَتُجَّارٌ يَبِيعُونَ دُمُوعَ الْأَطْفَالِ فِي مَعَارِضِ السَّلَامِ.

عَلَى رُكَامِ بَيْتٍ امْرَأَةٌ تُرْضِعُ طِفْلًا لَمْ يَبْقَ لَهُ مِنْ وَجْهِهِ مَا يَكْفِي لِلتَّعَرُّفِ إِلَى أُمِّهِ.

تَقْرَأُ لَهُ مِنْ كِتَابٍ قَدِيمٍ:

يَا صَغِيرِي، قَدْ تَكُونُ الْخَيْمَةُ أَكْثَرَ رَحْمَةً مِنْ قَصْرٍ يَفْتَحُ أَبْوَابَهُ لِلْقَتَلَةِ.

سَأَلْتُهَا عَنِ الْمَدِينَةِ.

قَالَتْ : كَانَتْ لِي ..

ثُمَّ أَشَارَتْ إِلَى الْخَرَابِ : هُنَا نَامَ أَبِي، وَهُنَا تَعَلَّمْتُ الْمَشْيَ، وَهُنَا دَفَنْتُ أَخِي حِينَ صَارَ اسْمُهُ رَقْمًا فِي نَشْرَةِ الْأَخْبَارِ.

فِي السُّوقِ، وَاعِظٌ يَزِنُ الْمَوَاعِظَ بِكِيلُوغْرَامَاتِ الدَّمِ، وَسِمْسَارٌ يَبِيعُ الْخَلَاصَ بِالتَّقْسِيطِ، وَحَاكِمٌ يَتَذَوَّقُ حَلْوَى الْقَصْرِ وَيَشْكُرُ اللَّهَ عَلَى نِعْمَةِ الِاسْتِقْرَارِ.

وَأَنَا، أَبْحَثُ عَنْ شَارِعٍ لَمْ تَطَأْهُ جَنَازَةٌ، وَعَنْ بَيْتٍ لَا يَنَامُ فِيهِ الْخَوْفُ، وَعَنْ طِفْلٍ يَذْهَبُ إِلَى مَدْرَسَتِهِ دُونَ أَنْ يَحْفَظَ أَسْمَاءَ الطَّائِرَاتِ.

قَالَتْ لِي الْمَدِينَةُ : لَا تَحْمِلْنِي عَلَى كَتِفَيْكَ، فَقَدْ تَعِبَ الَّذِينَ حَمَلُونِي وَمَاتُوا قَبْلَ الْوُصُولِ.

قُلْتُ : سَأَمْشِي مَعَكِ.

فَانْحَنَى الطَّرِيقُ، وَخَرَجَ مِنْ حِجَارَتِهِ صَوْتُ أُمِّي وَهِيَ تُنَادِينِي مِنْ آخِرِ طُفُولَتِي.

7 ـ تَأْوِيلُ الْعَاشِقَةِ

رَأَيْتُهَا تَمْشِي فَوْقَ الْمَاءِ، وَالنَّهْرُ يُفْسِحُ لَهَا طَرِيقًا كَمَا يُفْسِحُ السَّجِينُ مَكَانًا لِذِكْرَى حُرِّيَّتِهِ.

جَلَسْتُ عِنْدَ قَدَمَيْهَا، وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ عَاشِقًا أَمْ نَاسِكًا أَضَاعَ طَرِيقَ الْعَوْدَةِ.

فِي عَيْنَيْهَا حَيْرَةُ الْمُتَصَوِّفَةِ حِينَ يَكْتَشِفُ أَنَّ اللَّهَ أَوْسَعُ مِنْ كُلِّ مَا قِيلَ عَنْهُ.

لَمْ تَكُنْ قَصِيدَةً مُكْتَمِلَةً، كَانَتْ خَطَأً جَمِيلًا فِي نَحْوِ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ الْمَعْنَى يُمْكِنُ حَبْسُهُ فِي كِتَابٍ.

قَالَتْ : لَا تَبْحَثْ عَنِّي فِي كُتُبِ الْعَارِفِينَ، فَقَدْ أَخْفَوْا كَثِيرًا مِنَ النِّسَاءِ بَيْنَ هَوَامِشِ حِكَايَاتِهِمْ.

أَنَا تِلْكَ الَّتِي عَبَرَتِ التَّارِيخَ دُونَ أَنْ تَحْصُلَ عَلَى حَقِّ الْكَلَامِ، أَنَا الَّتِي أَنْجَبَتِ الْحِكَايَاتِ ثُمَّ شَاهَدَتِ الرُّوَاةَ يَنْسِبُونَهَا إِلَى الرِّجَالِ.

قَبَّلْتُ يَدَهَا، فَأَزْهَرَتْ فِي فَمِي أُغْنِيَةٌ كَانَ أَبِي يَخَافُ أَنْ يَسْمَعَهَا الْجِيرَانُ.

وَفِي لَحْظَةِ غَفْلَةٍ ارْتَدَتْ رُوحِي مَلَامِحَهَا، وَصِرْتُ أَمْشِي دَاخِلَهَا كَمَا يَمْشِي الضَّوْءُ فِي كَأْسٍ مِنَ الْمَاءِ.

لَمْ أَعُدْ أَبْحَثُ عَنْ مُعْجِزَةٍ.

يَكْفِينِي أَنْ أَرَاهَا تَضْحَكُ دُونَ أَنْ تَخْشَى عُقُوبَةً مِنَ السَّمَاءِ، وَأَنْ أُحِبَّهَا دُونَ أَنْ أَسْتَشِيرَ حَارِسَ الْجَنَّةِ.

8 ـ طُفُولَةٌ تَحْتَ الْمِقْصَلَةِ

كُنْتُ طِفْلًا يَلْعَبُ بِالْحِجَارَةِ، وَ الْحِجَارَةُ تَعْرِفُ أَنَّ اللَّعِبَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى تُهْمَةٍ.

كَانَ وَجْهُ أُمِّي يُضِيءُ الْمَطْبَخَ، وَكَانَ أَبِي يُنَادِينِي إِلَى الصَّلَاةِ، فَتَتَّسِعُ الْمَسَافَةُ بَيْنَ صَوْتَيْهِمَا مِثْلَ بَلَدَيْنِ لَا يَتَصَالَحَانِ.

فِي الْمَدْرَسَةِ، شَرَحَ الْمُعَلِّمُ الْحُرُوفَ، وَتَوَقَّفْتُ عِنْدَ حَرْفِ الْوَاوِ.

كَانَ يُشْبِهُ يَدَ طِفْلٍ يَمْتَدُّ بِهَا نَحْوَ أَبِيهِ فَيُعِيدُهَا الْمُعَلِّمُ إِلَى الْكُرَّاسِ بِضَرْبَةٍ مِنْ عَصَاهُ.

ضَحِكُوا حِينَ بَكَيْتُ.

أَمَّا الْمِقْصَلَةُ الْمَرْسُومَةُ عَلَى السَّبُّورَةِ فَلَمْ تَضْحَكْ.

أَكْتُبُ اسْمِي فَتَهْرُبُ الْحُرُوفُ مِنْ أَصَابِعِي، كَأَنَّهَا تَعْرِفُ مَصِيرَ الَّذِينَ يُحَاوِلُونَ أَنْ يَكُونُوا أَنْفُسَهُمْ.

لِي كُرَةٌ صَغِيرَةٌ، قَلْبُهَا مِنَ الْجَوَارِبِ وَثَوْبُهَا مِنْ بَقَايَا قَمِيصِ أُمِّي.

ذَاتَ يَوْمٍ عَبَرَتْ دَبَّابَةٌ مِنْ شَاشَةِ التِّلْفَازِ، فَانْفَجَرَتْ الكُرَة بَيْنَ سَاقَيّ.

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ صَارَ التِّلْفَازُ أَكْبَرَ مِنْ بَيْتِنَا، وَصَارَتْ طُفُولَتِي تَقِفُ فِي طَابُورٍ لِتَسْأَلَ عَنْ حَقِّهَا فِي اللَّعِبِ.

فِي الْحَارَةِ، رَأَيْتُ مَجْنُونًا يُحَدِّثُ نَمْلَةً، وَيَجْمَعُ مَفَاتِيحَ لَا تَفْتَحُ شَيْئًا.

قَالَ لِي : اِحْتَفِظْ بِهَا، فَقَدْ تَحْتَاجُ يَوْمًا إِلَى بَابٍ لَا يَعْرِفُهُ السَّجَّانُونَ.

وَفِي الْمَنَامِ، جَاءَنِي رَجُلٌ بِحِذَاءٍ مُمَزَّقٍ يَحْمِلُ سَبُّورَةً عَلَيْهَا بَحْرٌ مَشْطُوبٌ.

قَالَ : لَا تُصَدِّقِ الَّذِينَ يُعَلِّمُونَكَ الطَّاعَةَ ثُمَّ يُطَالِبُونَكَ بِأَنْ تُحِبَّ الْقَيْدَ.

كَبِرْتُ.

لَكِنَّ الطِّفْلَ الَّذِي كُنْتُهُ مَا زَالَ يَنْتَظِرُ عِنْدَ بَابِ الْمَدْرَسَةِ، يَحْمِلُ حَقِيبَتَهُ، وَيَخْشَى أَنْ يَتَأَخَّرَ عَنْ دَرْسِ الْحُرِّيَّةِ.

9 ـ مُسْتَشْفَى الْمَجَانِينِ

أَدْخَلُونِي مُسْتَشْفَى الْأَمْرَاضِ الْعَقْلِيَّةِ.

فِي جَيْبِي دَفْتَرٌ صَغِيرٌ، وَفِي رَأْسِي جُمْهُورِيَّةٌ لَمْ يَصْدُرْ قَانُونُهَا الْأَوَّلُ بَعْدُ.

سَأَلَنِي الطَّبِيبُ : مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ إِلَى هُنَا؟

قُلْتُ : أَسْمَعُ النَّشِيدَ الْوَطَنِيَّ فَأَرَى الْعُمَّالَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْمَصَانِعِ بِأَيْدٍ مُبْتَوِرَةٍ مِنَ التَّعَبِ، وَأَرَى الْفُقَرَاءَ يُصَفِّقُونَ لِمَنْ سَرَقَ أَعْمَارَهُمْ.

كَتَبَ فِي مَلَفِّي : هَلْوَسَةٌ سِيَاسِيَّةٌ.

ثُمَّ حَقَنَنِي بِجُرْعَةٍ مِنَ الصَّمْتِ.

فِي الْجَنَاحِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ شُيُوعِيٌّ يُنَاقِشُ إِمَامًا فِي مَعْنَى الْعَدَالَةِ، وَقَوْمِيٌّ يَنْحِتُ تِمْثَالًا لِصَلَاحِ الدِّينِ مِنْ عِظَامِ الْجُنُودِ الْمَجْهُولِينَ، وَلِيبْرَالِيٌّ يَبِيعُ أَعْذَارَهُ فِي رِدْهَةِ الْمُسْتَشْفَى.

وَأَنَا، كُنْتُ أُصَلِّي عَلَى الرَّغِيفِ حِينَ يَصِلُ إِلَى مَائِدَةِ الْجَائِعِينَ، وَعَلَى الْعَامِلِ حِينَ يَعُودُ بِيَدَيْنِ لَا تَكْفِيَانِ لِإِطْعَامِ أَبْنَائِهِ، وَعَلَى رَفِيقٍ أَطْلَقُوا عَلَيْهِ الرَّصَاصَ لِأَنَّهُ كَتَبَ عَلَى حَائِطٍ:

يَسْقُطُ الْمَلِكُ وَالرَّئِيسُ ..

فِي اللَّيْلِ، فَتَاةٌ بِعَيْنَيْنِ خَضْرَاوَيْنِ تَدْخُلُ إِلَى غُرْفَتِي وَتَضَعُ قِطْعَةَ خُبْزٍ قُرْبَ رَأْسِي.

تَقْرَأُ لِي مِنْ كِتَابٍ عَنْ جِيفَارَا، ثُمَّ تَقُولُ : لَا تَجْعَلِ الْهَزِيمَةَ تُقْنِعُكَ بِأَنَّ الثَّوْرَةَ كَانَتْ وَهْمًا.

خَرَجْتُ مِنَ الْمُسْتَشْفَى.

وَجَدْتُ الشَّارِعَ يَسِيرُ عَلَى أَرْبَعٍ، وَالزَّعِيمَ يَقْرَأُ بَيَانًا عَنْ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَوَرَاءَهُ شُرْطِيٌّ يُدَوِّنُ أَسْمَاءَ الَّذِينَ صَفَّقُوا مُتَأَخِّرِينَ.

كَانَ الْمَجْنُونُ وَاقِفًا عِنْدَ الْبَوَّابَةِ.

ضَحِكَ وَقَالَ : لَقَدْ خَرَجْتَ أَنْتَ مِنَ الْمُسْتَشْفَى، أَمَّا الْمُسْتَشْفَى فَمَا زَالَ يَحْكُمُ الْبِلَادَ.

10 ـ الْوَطَنُ الَّذِي أَحْبَبْتُهُ

أَنْتَ الْوَطَنُ الَّذِي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُنَادِيهِ، وَأَنَا الْمُسَافِرُ الَّذِي يَحْمِلُ فِي حَنْجَرَتِهِ تَذْكِرَةَ عَوْدَةٍ مُنْتَهِيَةَ الصَّلَاحِيَّةِ.

فَتَّشْتُ عَنْكَ فِي الْكُتُبِ، بَيْنَ هَوَامِشِ الْمُقَدَّسِ، وَفِي قَصَائِدِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى آخِرِ السَّطْرِ.

سَافَرْتُ بَعِيدًا، فَاكْتَشَفْتُ أَنَّ الْمَسَافَةَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّرَ أَسْمَاءَ الْمُدُنِ لَكِنَّهَا تَعْجِزُ عَنْ تَغْيِيرِ رَائِحَةِ الْخُبْزِ الْأَوَّلِ.

تَمْشِي فِي شَوَارِعِ الْعَرَبِ وَتَضْحَكُ، وَخَلْفَ ابْتِسَامَتِكَ مَوْكِبٌ طَوِيلٌ مِنَ الْمَهْزُومِينَ.

قُلْتَ لِي : أَتُحِبُّنِي؟

قُلْتُ : أُحِبُّكَ كَمَا يُحِبُّ السَّجِينُ فِكْرَةَ الْبَابِ الْمَفْتُوحِ، وَكَمَا يُحِبُّ الْفَلَّاحُ مَوْسِمًا مَوْعُودًا فِي التَّقْوِيمِ الفِلَاحِيِّ.

أُحِبُّكَ رَغْمَ أَنَّ الْعَسَاكِرَ نَصَبُوا خِيَامَهُمْ فِي حَدَائِقِكَ، وَرَغْمَ أَنَّ الَّذِينَ أَقْسَمُوا عَلَى حِمَايَتِكَ بَاعُوا مَفَاتِيحَكَ فِي الْمَزَادِ.

تَعَلَّمْتُ مِنْكَ أَنَّ الثَّوْرَةَ لَيْسَتْ صُورَةً مُعَلَّقَةً فِي سَاحَةٍ عَامَّةٍ، وَلَا خُطْبَةً يُرَدِّدُهَا أَصْحَابُ الْمَنَابِرِ.

الثَّوْرَةُ أَنْ يَسْتَعِيدَ الْعَامِلُ حَقَّهُ فِي ثَمَرَةِ يَدَيْهِ، وَأَنْ تَنَامَ الْمَرْأَةُ دُونَ أَنْ تَخْشَى وِصَايَةَ أَحَدٍ، وَأَنْ يَذْهَبَ الطِّفْلُ إِلَى الْمَدْرَسَةِ دُونَ أَنْ يَتَعَلَّمَ أَسْمَاءَ الْقَتَلَةِ.

أَنْتَ الْوَطَنُ الَّذِي حَلِمْنَا بِهِ، لَكِنَّ الْكُتُبَ لَمْ تَقُلْ لَنَا إِنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْكَ يَمُرُّ بِكُلِّ هَذِهِ الْمَقَابِرِ.

11 ـ الْمَنْفَى

فِي الْمَنْفَى، كَتَبْتُ رَسَائِلَ إِلَى الَّذِينَ يَحْكُمُونَ، لَكِنَّ الْبَرِيدَ كَانَ يَعُودُ إِلَيَّ مُحَمَّلًا بِعَنَاوِينِ الْمَوْتَى.

لَمْ يَكُنْ لِلْمَنْفَى جِدَارٌ وَاضِحٌ، كَانَ يَبْدَأُ كُلَّمَا حَاوَلْتُ أَنْ أَتَذَكَّرَ تَفْصِيلًا صَغِيرًا مِنْ حَيَاتِي فَأَكْتَشِفُ أَنَّنِي فَقَدْتُهُ.

قَالُوا : أَنْتَ فِي أَرْضٍ لَا تَعْرِفُ تَارِيخَكَ.

قُلْتُ : أَنَا فِي تَارِيخٍ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ أَبْنَاءَهُ.

كُنْتُ أَرَى النِّسَاءَ مِنْ بَعِيدٍ يَحْمِلْنَ مَا تَبَقَّى مِنَ الْبُيُوتِ وَيُعِدْنَ بِنَاءَ الْحَيَاةِ بِأَدَوَاتٍ مُسْتَعَارَةٍ مِنَ الْحَنِينِ.

حَسِبْتُ أَنَّنِي أَهْرُبُ، لَكِنَّ كُلَّ طَرِيقٍ كَانَ يُعِيدُنِي إِلَى تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي تَرَكْتُهَا وَفِيهَا صَوْتُ أُمِّي يَطْلُبُ مِنِّي أَنْ أَعُودَ قَبْلَ الْغُرُوبِ.

كَتَبْتُ بِالْحِبْرِ الْأَحْمَرِ عَلَى صَفَحَاتٍ لَمْ تَنْتَهِ، وَكُلُّ جُمْلَةٍ تَفْتَحُ بَابًا عَلَى زِنْزَانَةٍ أُخْرَى.

وَحِينَ أَغْمَضْتُ عَيْنَيَّ رَأَيْتُ نَفْسِي وَاقِفًا أَمَامَ الْبَيْتِ الْقَدِيمِ.

لَمْ يَكُنِ الْبَيْتُ هُنَاكَ.

شَجَرَةُ التُّوتِ وَحْدَهَا تَتَذَكَّرُنِي، .وَالرِّيحُ تَمُرُّ مِنْ بَيْنِ أَغْصَانِهَا كَأَنَّهَا تَقْرَأُ أَسْمَاءَ الَّذِينَ رَحَلُوا.

12 ـ مَا تَبَقَّى مِنَّا

فِي الْعَتَمَةِ، رَأَيْتُ أَجْسَادًا تُشْبِهُنَا تَتَدَافَعُ عِنْدَ حُدُودٍ لَا تَظْهَرُ عَلَى الْخَرَائِطِ.

كُلُّ وَاحِدٍ يَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ حَيَاتِهِ الْمَكْسُورَةِ، صُورَةَ أُمٍّ، رِسَالَةً لَمْ تَصِلْ، مِفْتَاحًا لِبَيْتٍ هَدَمَتْهُ الْجَرَّافَاتُ، أَوْ رَغِيفًا يَابِسًا احْتَفَظَ بِهِ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ فِي الْبِلَادِ.

سَحَبُونَا إِلَى أَمَاكِنَ لَا تَعْرِفُ أَسْمَاءَهَا الْخَرَائِطُ.

فِي الزَّنَازِينِ الْأَنِينُ يَصْعَدُ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَ بُخَارٍ قَدِيمٍ، وَالْجُدْرَانُ تَحْفَظُ مَا عَجَزَ الْمُعْتَقَلُونَ عَنْ قَوْلِهِ.

لَمْ يَكُنْ صَمْتِي خَوْفًا، كَانَ فِي دَاخِلِي كَلَامٌ كَثِيرٌ تَحْتَاجُ وِلَادَتُهُ إِلَى زَمَنٍ آخَرَ.

رَأَيْتُ رِفَاقًا تَعِبُوا مِنِ انْتِظَارِ الْعَدَالَةِ، وَرَأَيْتُ آخَرِينَ يُخَبِّئُونَ تَحْتَ أَلْسِنَتِهِمْ بَذْرَةَ انْتِفَاضَةٍ جَدِيدَةٍ.

وَحِينَ أُغَادِرُ كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَفْقِدُ شَيْئًا مِنَ الطَّرِيقِ، حَتَّى صَارَ الطَّرِيقُ نَفْسُهُ هُوَ الشَّيْءُ الْوَحِيدَ الَّذِي أَعْرِفُهُ.

قَالُوا : أَنْتَ عَالِقٌ فِي حُلْمٍ.

قُلْتُ : أَنْتُمُ الَّذِينَ تُسَمُّونَ الْكَابُوسَ حَيَاةً، ثُمَّ تَسْتَغْرِبُونَ لِمَاذَا لَا يَنَامُ النَّاسُ.

فِي آخِرِ غُرَفِ التَّوْقِيفِ صِرْنَا الْمَكَانَ الَّذِي غَادَرَهُ الْجَمِيعُ، وَصَارَتْ ذَاكِرَتُنَا سِجِلًّا لَا تَسْتَطِيعُ الدَّوْلَةُ إِتْلَافَهُ.

لَمْ نَعُدْ نَمْلِكُ سِوَى مَا كَتَبْنَاهُ، وَمَا هَمَسْنَا بِهِ خَلْفَ الْأَبْوَابِ، وَمَا خَبَّأْنَاهُ فِي أَصْوَاتِ الَّذِينَ سَيَأْتُونَ بَعْدَنَا.

سَنُغَنِّي.

سَنُغَنِّي لِلَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا، لِلْأُمَّهَاتِ اللَّوَاتِي أَعْدَدْنَ الْعَشَاءَ وَظَلِلْنَ يَنْتَظِرْنَ أَبْنَاءَهُنَّ، لِلْعُمَّالِ الَّذِينَ حَمَلُوا الْمَصَانِعَ عَلَى أَكْتَافِهِمْ ثُمَّ نَامُوا بِلَا خُبْزٍ، لِلنِّسَاءِ اللَّوَاتِي رَفَضْنَ أَنْ يَكُنَّ حَاشِيَةً فِي حِكَايَةِ الرِّجَالِ، لِلْأَطْفَالِ الَّذِينَ كَبِرُوا قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمُوا أَسْمَاءَ أَلْعَابِهِمْ.

سَنُغَنِّي لِلْمَدِينَةِ حِينَ تَسْتَعِيدُ شَوَارِعَهَا مِنَ الْعَسْكَرِ، وَلِلْحُبِّ حِينَ يَخْرُجُ مِنْ مَحَاكِمِ التَّفْتِيشِ، وَلِلْخُبْزِ حِينَ يَعُودُ إِلَى أَصْحَابِهِ، وَلِلْإِنْسَانِ حِينَ يَتَوَقَّفُ عَنِ الِاعْتِذَارِ لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَعِيشَ.

هَذِهِ لَيْسَتْ خَاتِمَةً.

فَالَّذِينَ يَكْتُبُونَ مِنْ دَاخِلِ الْخَرَابِ لَا يَمْلِكُونَ تَرَفَ وَضْعِ النُّقْطَةِ الْأَخِيرَةِ.

وَإِذَا أَطْفَؤُوا الْمَصَابِيحَ، سَنَكْتُبُ عَلَى الْعَتَمَةِ.

وَإِذَا صَادَرُوا دَفَاتِرَنَا، سَنَكْتُبُ عَلَى جُدْرَانِ السُّجُونِ.

وَإِذَا أَغْلَقُوا أَفْوَاهَنَا، سَتَتَكَلَّمُ الْأُمَّهَاتُ، وَسَيُوَاصِلُ الْعُشَّاقُ ارْتِكَابَ الْحَيَاةِ، وَسَيَنْهَضُ مِنْ بَيْنِ الْحِجَارَةِ عَامِلٌ يَحْمِلُ مِعْوَلَهُ، وَفَلَّاحٌ يَحْمِلُ بُذُورَهُ، وَطَالِبٌ يَحْمِلُ كِتَابًا، وَامْرَأَةٌ تَفْتَحُ بَابًا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِ الْحُرَّاسِ.

وَأَنَا، سَأَظَلُّ ذَلِكَ الْمَجْذُوبَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ طُفُولَتِهِ مُتَأَخِّرًا، وَمِنْ سِجْنِهِ مُبَكِّرًا، وَمِنْ وَطَنِهِ دُونَ أَنْ يُغَادِرَهُ.

أَمْشِي وَفِي حَنْجَرَتِي جَنَازَةٌ لَمْ تَكْتَمِلْ، وَفِي رَأْسِي مَهْرَجَانٌ لَمْ يَبْدَأْ.

أَعْرِفُ أَنَّ اللَّيْلَ طَوِيلٌ، وَأَنَّ الَّذِينَ يَبِيعُونَ الْفَجْرَ مَا زَالُوا يَمْلِكُونَ دَكَاكِينَ كَثِيرَةً.

لَكِنَّنِي رَأَيْتُ ذَاتَ مَرَّةٍ طِفْلًا يَرْسُمُ شَجَرَةً عَلَى حَائِطِ السِّجْنِ، وَحِينَ سَأَلَهُ الْحَارِسُ عَنْ سَبَبِ رَسْمِهَا، قَالَ :

أُرِيدُ أَنْ أَرَى غَدًا كَيْفَ يَكُونُ شَكْلُ الطُّيُورِ حِينَ تَعُودُ إِلَى بِلَادِهَا.

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ أَعُدْ أَخَافُ مِنَ النِّهَايَةِ ......



#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الحركة الطلابية الصربية، من العفوية إلى التنظيم الأفقي، ومن ...
- من البرازيل إلى تونس، استقلال الطبقة العاملة، أزمة اليسار وم ...
- حين يترك اليسار غضب الناس لخصومه .
- الاستقلال والسيادة الوطنية المبتورة في زمن الإمبريالية الجدي ...
- شذرات ... الجامعة التونسية، الاتحاد العام لطلبة تونس، ورأس ا ...
- اليمين والسعودية .. حين تنكسر هيبة النفط أمام إرادة الشعوب
- حين ينتفض التلاميذ على مستقبلهم .. المدرسة الفرنسية في مواجه ...
- الوثيقة عدد 9 : من ثورة 1949 إلى رأسمالية الدولة الصينية .
- مرسوم إعادة هندسة الشرعية الانتخابية .
- المديونية : حين يتحول مستقبل شعب إلى سندات في يد رأس المال .
- تنقيح المرسوم 54، إعادة هندسة للعقوبة، وليس هدم لفلسفة العقا ...
- الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .
- النيولسانية واستعادة الزمن .
- توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
- الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
- العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على ...
- حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
- الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
- بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
- الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة


المزيد.....




- في الذكرى الخمسين لفيلم -روكي-.. جولات في فيلادلفيا تعيد إحي ...
- الرياض تحتضن نزالات عالمية في الفنون القتالية المختلطة بمشار ...
- الرباط تحتفي بسينما المؤلف في دورتها الحادية والثلاثين وتكرم ...
- عمان تستعد لاحتضان الدورة المقبلة لمهرجان المسرح العربي مطلع ...
- سباق القمر يعود إلى الحياة في وثائقي يجمع المسرح بالموسيقى
- علي ماهر.. من قناص الملاعب إلى سدة القيادة الفنية للفراعنة
- في الـ81 من عمره.. زواج الفنان المصري قيس عبد الفتاح للمرة ا ...
- ترامب يطلب من رئيس -يو إف سي- للفنون القتالية تولي منصب المت ...
- -واحدة من مليون-.. فيلم يوثق 10 أعوام من رحلة لاجئة سورية
- مهرجان سينمائي يمنح المصابين بأمراض نادرة حق رواية قصصهم


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - رياض الشرايطي - دَفْتَرُ الْمَجْذُوبِ فِي خَرَابِ الْبِلَادِ