|
|
من البرازيل إلى تونس، استقلال الطبقة العاملة، أزمة اليسار ومأزق بناء الحزب الثوري .
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8871 - 2026 / 10 / 27 - 02:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لا تقاس أزمة اليسار الثوري بعدد المناضلين الذين ينتسبون إليه، ولا بحجم حضوره داخل النقابات والمنظمات الجماهيرية، ولا حتى بقدرته على المشاركة في التحركات الاجتماعية. المقياس الأعمق هو قدرته على تحويل هذا الحضور إلى قوة سياسية مستقلة للطبقة العاملة، تمتلك برنامجها الخاص، وتنظيمها المستقل، واستراتيجيتها في الصراع على السلطة. هنا تحديدا يكمن أحد المآزق التاريخية لليسار التونسي، لقد راكم حضورا داخل الحركة النقابية، وشارك مناضلوه في معارك اجتماعية عديدة، وامتلكوا مواقع داخل هياكل الاتحاد العام التونسي للشغل، لكن هذا التراكم لم يتحول إلى مشروع متكامل لبناء حزب عمالي ثوري جماهيري، قادر على وصل النضال اليومي من أجل الأجور والشغل والحقوق بالنضال من أجل تغيير علاقات الإنتاج وبنية السلطة الطبقية. هذه ليست ملاحظة تنظيمية، ولا دعوة إلى التقليل من أهمية العمل النقابي. إنها مسألة استراتيجية تتعلق بموقع الحركة النقابية داخل الصراع الطبقي، وبالعلاقة بين الدفاع عن المصالح المباشرة للعمال وبين امتلاكهم أداة سياسية مستقلة تمكّنهم من التدخل في مصير المجتمع. فالطبقة العاملة لا تصبح قوة سياسية مستقلة لمجرد أنها تخوض الإضرابات، أو تنتظم في نقابة واسعة، أو تفرض تنازلات على الحكومة وأصحاب المؤسسات. إنها تصبح كذلك عندما تتمكن من بلورة مصالحها التاريخية في مشروع سياسي، وتنتج تنظيمها القادر على توحيد نضالاتها المتفرقة، ومواجهة القوى التي تسعى إلى احتوائها، وطرح بديل عن النظام الاجتماعي القائم. من هذا المنظور، تكتسب التجربة البرازيلية أهميتها، لا بوصفها نموذجا جاهزا للاستنساخ، بل باعتبارها تجربة تتيح فهم العلاقة المعقدة بين الحركة النقابية وبناء الحزب السياسي للطبقة العاملة، وبين صعود التنظيمات العمالية وإمكان اندماجها التدريجي في مؤسسات الدولة القائمة. تأسس حزب العمال البرازيلي سنة 1980 في سياق اتسم بتصاعد نضالات العمال، ولا سيما الإضرابات الصناعية الكبرى التي شهدتها منطقة ساو باولو في أواخر السبعينيات، في مواجهة الدكتاتورية العسكرية. ثم تأسست الكونفدرالية الموحدة للعمال سنة 1983، لتشكل إطارا نقابيا واسعا يستند إلى قطاعات مختلفة من الحركة العمالية. لم يكن الحزب مجرد امتداد إداري للنقابات، كما لم تكن النقابة جهازا تابعا له من حيث المبدأ. نشأت التجربتان في فضاء اجتماعي متقاطع، لكن لكل منهما وظيفته التنظيمية والسياسية. تكشف هذه التجربة، في الوقت نفسه، حدود الاكتفاء ببناء حزب يستمد قوته من الحركة النقابية من دون أن يحسم مسألة الاستقلال السياسي للطبقة العاملة في مواجهة الدولة والبرجوازية. فمع اتساع المشاركة الانتخابية وصعود حزب العمال إلى الحكم، برز التناقض بين امتلاك قاعدة عمالية وشعبية واسعة وبين إدارة دولة تستمر في العمل داخل علاقات إنتاج رأسمالية، وتخضع لضغوط الأسواق ورأس المال والمؤسسات المالية والقوى المحافظة. لم يكن دخول المؤسسات السياسية خطأ في حد ذاته، كما لم تكن الانتخابات عديمة القيمة؛ إنما تمثلت المشكلة في تحول إدارة الدولة إلى أفق يطغى على بناء القدرة المستقلة للطبقة العاملة، وفي خضوع أجزاء من الحركة العمالية لمقتضيات التوافقات الحكومية على حساب استقلالها الطبقي. تؤكد التجربة البرازيلية أن الحزب الذي نشأ من نضالات العمال لا يحتفظ بطابعه العمالي والثوري بمجرد استناده إلى تاريخ نضالي أو قاعدة انتخابية واسعة. فالهوية الطبقية ليست شهادة تأسيس دائمة، بل علاقة تتجدد من خلال البرنامج والتنظيم والممارسة والموقف من الدولة والرأسمال. وعندما تصبح المحافظة على المواقع الانتخابية والحكومية هي المحدد الأساسي للقرارات، يمكن لحزب ذي جذور عمالية أن يتحول تدريجيا إلى قوة لإدارة التوازنات الرأسمالية، حتى عندما يواصل استخدام لغة العدالة الاجتماعية والدفاع عن الفئات الشعبية. لا يعني ذلك أن كل مشاركة انتخابية تقود حتما إلى الاندماج في النظام، أو أن الحزب الثوري مطالب بالانسحاب من المؤسسات التمثيلية. المسألة تتعلق بترتيب الوسائل والغايات، وبقدرة الحزب على استعمال المواقع الانتخابية والنقابية لتطوير التنظيم المستقل للعمال، بدلا من تحويل هذا التنظيم إلى قاعدة انتخابية أو قوة ضغط تفاوضية داخل النظام. فالانتخابات وسيلة من وسائل الصراع السياسي، والنقابة أداة للدفاع عن المصالح المباشرة للعمال، أما الحزب الثوري فمهمته توحيد هذه النضالات ضمن استراتيجية تستهدف تغيير علاقات القوة والملكية والسلطة. في تونس، اتخذت العلاقة بين الحركة النقابية والدولة مسارا تاريخيا مختلفا، لكنها أنتجت تناقضات لا تقل أهمية. فقد نشأ الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946 في سياق الاستعمار الفرنسي، وارتبط تأسيسه بالحاجة إلى تنظيم العمال والدفاع عن مصالحهم، كما اكتسب دورا سياسيا واسعا في معركة التحرر الوطني. لم تكن الحركة النقابية منذ البداية مجرد جهاز مهني محصور في المطالب الاجتماعية؛ لقد كانت قوة جماهيرية ذات قدرة على التعبئة والتأثير في موازين القوى، وهو ما جعل علاقتها بالحركة الوطنية وبالسلطة بعد الاستقلال علاقة مركبة، تداخل فيها التعاون مع الصراع، والتقاطع مع التنافس على تمثيل الجماهير وقيادتها. تجسد تجربة فرحات حشاد هذه العلاقة. فقد اكتسب الاتحاد في مرحلة الاستعمار قدرة على التعبئة والإضراب والتنظيم جعلته طرفا مركزيا في الصراع الوطني والاجتماعي. ولم يكن دوره مقتصرا على التفاوض حول الأجور وشروط العمل، بل امتد إلى مقاومة الاستعمار وقيادة قطاعات من الحركة الشعبية. وقد أبرز ذلك أن التنظيم النقابي يمكن أن يتجاوز حدود الوظيفة المهنية المباشرة، خصوصا عندما تنغلق قنوات العمل السياسي أو تتعرض القوى الوطنية للقمع. لكن اتساع الدور السياسي للاتحاد لم يحسم بصورة نهائية مسألة استقلال الطبقة العاملة السياسي، ولا طبيعة الأداة التي ينبغي أن تتولى تنظيم مصالحها الطبقية في مواجهة الاستعمار والبرجوازية الوطنية الناشئة معا. بعد الاستقلال، تعمقت التناقضات بين استقلال الاتحاد ومحاولات إخضاعه لمتطلبات الدولة والحزب الحاكم. وقد تكررت هذه التناقضات في محطات عديدة، وصولا إلى الصدام الكبير في 26 جانفي 1978، عندما واجهت السلطة الإضراب العام بالقمع الدموي. ولا يمكن اختزال تلك المواجهة في صراع شخصي بين الحبيب بورقيبة والحبيب عاشور، أو في تنافس بين شخصيات تنتمي إلى تقاليد سياسية متقاربة. لقد عبّرت عن تناقض اجتماعي وسياسي أعمق بين حركة عمالية تمتلك مصالحها ومطالبها وقدرتها على الإضراب، وبين دولة تسعى إلى إخضاع هذه الحركة لمنطق الانضباط السياسي ومتطلبات تراكم رأس المال وإدارة المجتمع. تكشف هذه المحطات أن استقلال النقابة عن الدولة والحزب الحاكم شرط أساسي للدفاع عن مصالح العمال، لكنه لا يحل وحده مشكلة الاستقلال السياسي للطبقة العاملة. فالنقابة، مهما اتسعت قاعدتها وتعددت اتجاهاتها، تظل إطارا يجمع العمال حول مصالح مهنية واجتماعية مشتركة، ويمكن أن تضم توجهات سياسية متباينة. أما الحزب العمالي الثوري، فينبغي أن يجمع المناضلين حول برنامج سياسي واضح لتغيير المجتمع، وأن يعمل داخل الطبقة العاملة ومنظماتها، من دون أن يحوّل النقابة إلى جهاز تابع له أو يجعلها بديلا عن التنظيم السياسي المستقل. وهنا يبرز مأزق اليسار التونسي. فقد انغرست أطياف واسعة منه في الاتحاد العام التونسي للشغل، واعتبرت العمل النقابي مجالا أساسيا لبناء النفوذ والتأثير في الصراع الاجتماعي. وكان لهذا الحضور دور لا يمكن إنكاره في عدد من المعارك العمالية والشعبية. غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول الحضور النقابي من رافعة لبناء القوة السياسية المستقلة للعمال إلى أفق نهائي للعمل اليساري، وعندما يصبح تحسين المواقع داخل الهياكل النقابية أو التأثير في قرارات القيادة بديلا عن بناء حزب ثوري متجذر في الطبقة العاملة. لقد راكم اليسار حضورا نقابيا، لكنه لم ينجح في تحويل هذا التراكم إلى مشروع سياسي موحد، قادر على تجاوز التشتت التنظيمي، وبناء قيادة ثورية متجذرة في أماكن العمل والأحياء والقطاعات المهمشة. كما لم يطرح، بالقدر الذي تتطلبه المسألة، استراتيجية متكاملة لبناء حزب عمالي مستقل، يمتلك برنامجا يتجاوز إدارة المطالب اليومية نحو تغيير النظام الاجتماعي. وظلت العلاقة بين العمل النقابي والعمل السياسي في حالات كثيرة علاقة تنسيق ظرفي أو تنافس بين تيارات، بدلا من أن تكون جزءا من تصور استراتيجي واضح لاستقلال الطبقة العاملة. ينبغي هنا ضبط المسألة بدقة. فالمطلوب ليس تحويل الاتحاد العام التونسي للشغل إداريا إلى حزب، ولا إخضاعه لقيادة سياسية واحدة، ولا إلغاء تعدديته التي تشكل جزءا من طبيعته الجماهيرية. مثل هذا التصور يمكن أن يقود إلى إضعاف النقابة وإقصاء العمال الذين لا يتبنون البرنامج السياسي للحزب. المطلوب هو بناء حزب عمالي ثوري مستقل عن الاتحاد من الناحية التنظيمية والسياسية، لكنه متجذر في صفوف العمال، حاضر في معاركهم، يدافع عن استقلال نقابتهم وديمقراطيتها، ويعمل على تحويل الخبرة المتراكمة في النضال إلى وعي سياسي وبرنامج اشتراكي. إن استقلال الحزب عن النقابة لا يعني انفصاله عن الطبقة العاملة، كما أن استقلال النقابة عن الحزب لا يعني حيادها تجاه الصراع الطبقي. العلاقة الصحيحة بينهما تقوم على الاستقلال المتبادل والتفاعل المستمر: النقابة تنظم العمال على أساس مصالحهم المباشرة وتتيح لهم توحيد قواهم رغم اختلافاتهم السياسية، والحزب الثوري يناضل من أجل توحيد القطاعات العمالية والاجتماعية ضمن مشروع للتحرر من الاستغلال. ولا يستطيع الحزب أن يفرض نفسه على الطبقة بقرار تنظيمي أو بادعاء امتلاك الحقيقة، بل عليه أن يثبت ضرورته من خلال قدرته على تنظيم النضال، وتطوير الوعي، وتقديم إجابات عملية عن المشكلات التي تعيشها الجماهير. من هنا تبرز أهمية المنطق الاشتراكي الثوري في فهم المأزق. فالثورة عند تروتسكي ليست قفزة إرادية ينفذها تنظيم معزول، ولا نتيجة آلية لتراكم المطالب الاقتصادية. إنها عملية تتطور من خلال التناقضات الفعلية للمجتمع، ومن خلال انتقال الجماهير من النضال من أجل مطالبها المباشرة إلى الاصطدام بالعلاقات الاجتماعية والسياسية التي تعيد إنتاج بؤسها. ولا يحدث هذا الانتقال تلقائيا؛ إنه يحتاج إلى تنظيم سياسي قادر على ربط حلقات الصراع، وصياغة مطالب انتقالية تنطلق من الحاجات الراهنة وتفتح الطريق نحو تغيير جذري في علاقات الملكية والسلطة. إن المطالبة بتحسين الأجور، أو تثبيت العمال الهشّين، أو توفير الشغل للعاطلين، أو الدفاع عن المرافق العمومية، ليست مطالب إصلاحية بالضرورة. يتحدد معناها السياسي من خلال موقعها داخل استراتيجية النضال. يمكن أن تبقى هذه المطالب محصورة في مفاوضات دورية تنتهي بتسوية مؤقتة، ويمكن أن تتحول إلى نقاط انطلاق لمواجهة أعمق مع منطق الربح والملكية الخاصة وتوزيع الثروة. فعندما يصطدم مطلب اجتماعي برفض أصحاب القرار، يصبح ضروريا توضيح القوى والمصالح التي تمنع تحقيقه، وطرح مسألة من يملك الموارد، ومن يقرر الاستثمار، ولمن يوجه الإنتاج، ومن يتحمل كلفة الأزمات. هذا هو جوهر المنهج الانتقالي، بناء الجسر بين ما تحتاجه الجماهير اليوم وبين ما يقتضيه تحررها من علاقات الاستغلال. ولا يعني ذلك إغراق كل معركة نقابية في شعارات قصوى لا تتصل بوعي العمال أو بحاجاتهم الفعلية. بل يعني الانطلاق من التجربة الحية للعمال، ومن تناقضات مطالبهم مع حدود النظام، لتطوير قدرتهم على الفعل والتنظيم واتخاذ القرار. الحزب الثوري الذي يكرر الشعارات الاشتراكية من خارج هذه التجربة يتحول إلى جماعة دعائية، أما الحزب الذي يكتفي بترديد المطالب المباشرة فيفقد وظيفته السياسية ويتحول إلى صدى لمستوى الوعي القائم. وتلتقي هذه الرؤية مع تأكيد لينين ضرورة التنظيم السياسي المستقل للطبقة العاملة، ومع دفاع روزا لوكسمبورغ عن المبادرة الجماهيرية والديمقراطية داخل الحركة الثورية، ومع تحليل غرامشي للهيمنة بوصفها صراعا على قيادة المجتمع سياسيا وثقافيا وأخلاقيا، لا مجرد صراع على المواقع في مؤسسات الدولة. ويضيف تروتسكي إلى هذا الأفق إصراره على أن مطالب الحاضر لا تكتسب كامل معناها الثوري إلا عندما ترتبط بمسار يفضي إلى تغيير السلطة والعلاقات الاجتماعية التي تنتج الاستغلال. لا تتطابق هذه المساهمات في كل تفاصيلها، لكنها تلتقي في رفض اختزال تحرر العمال في التفاوض الاقتصادي أو التمثيل الانتخابي أو الحلول الإدارية. لقد قدمت تجربة الحوض المنجمي بقفصة سنة 2008 مثالا بالغ الدلالة على الهوة بين الغضب الاجتماعي والقدرة السياسية المنظمة. فقد انطلقت الاحتجاجات في سياق الاعتراض على نتائج الانتداب بشركة فسفاط قفصة وما رافقها من اتهامات بالمحاباة والفساد، ثم اتسعت لتكشف التهميش والبطالة والاختلال الجهوي وحرمان السكان من ثمار الثروة التي تستخرج من منطقتهم. لم تكن تلك الحركة مجرد نزاع حول نتائج مناظرة تشغيل، بل كانت تعبيرا عن أزمة اجتماعية أعمق، وعن تناقض بين ثروة منتجة محليا وشروط حياة لا تتيح للسكان نصيبا عادلا منها. أظهرت التجربة كذلك المسافة التي يمكن أن تفصل بين ديناميكية النضال في القواعد والمناطق وبين تردد القيادة النقابية المركزية. فقد اضطلعت هياكل محلية وجهوية ونقابيون أفراد بأدوار مهمة في مساندة المحتجين، بينما لم تكن الاستجابة المركزية على مستوى الزخم الذي بلغته الحركة. وهذا التفاوت لا يفسر بمجرد اختلاف التقديرات أو الأخطاء الظرفية، بل يكشف أهمية الديمقراطية النقابية واستقلال القواعد وقدرتها على فرض المبادرة، كما يكشف الحاجة إلى قوة سياسية تستطيع توحيد المطالب الاجتماعية المتناثرة ضمن برنامج وطني للعدالة الاجتماعية والتحرر من علاقات الاستغلال. ومع ثورة 2010–2011، بلغت التناقضات الاجتماعية والسياسية درجة أطاحت بنظام بن علي، وشاركت الحركة النقابية في توفير فضاءات للتنظيم والتعبئة، كما ساهمت الإضرابات والتحركات الشعبية في تعميق أزمة النظام. غير أن إسقاط رأس السلطة لم يؤد تلقائيا إلى تغيير علاقات الملكية أو بنية الاقتصاد أو طبيعة الدولة. لقد اتسعت الحريات السياسية في مرحلة ما بعد الثورة، وتغيرت موازين القوى، لكن الرأسمالية التونسية احتفظت بأسسها، واستمرت التبعية الاقتصادية والاختلالات الجهوية والبطالة والهشاشة. ولم تتوفر قوة عمالية ثورية جماهيرية قادرة على تحويل الزخم الشعبي إلى مشروع مستقل لإعادة تنظيم الاقتصاد والسلطة على أساس مصالح المنتجين. لا يجوز تفسير هذه النتيجة بضعف وعي الجماهير أو تحميلها مسؤولية غياب البديل. فالجماهير تتعلم من تجربتها، وتختبر القوى السياسية من خلال مواقفها العملية، وتطور وعيها عبر الصراع. أما بناء الأداة السياسية القادرة على توحيد هذه الخبرة وتحويلها إلى مشروع، فهو مهمة القوى الثورية نفسها. وعندما تعجز هذه القوى عن بناء تنظيم متجذر ومستقل، تظل المبادرات الاجتماعية عرضة للتشتت، وتستطيع القوى الأكثر تنظيما، حتى إن كانت أقل ارتباطا بالمطالب الأصلية للانتفاضة، أن تعيد ترتيب المؤسسات وتستعيد المبادرة السياسية. لهذا لا يمكن اختزال أزمة اليسار التونسي في انقساماته التنظيمية، على أهمية هذه الانقسامات، ولا في أخطاء بعض القيادات النقابية، ولا في ضعف حضوره الانتخابي. فهذه كلها مظاهر لمشكلة أعمق تتعلق بغياب استراتيجية متماسكة لبناء الاستقلال السياسي للطبقة العاملة. لقد جرى في أحيان كثيرة التعامل مع الاتحاد بوصفه المجال الرئيسي الذي يمكن من خلاله التأثير في المجتمع، من دون بناء الطرف السياسي المستقل الذي يحول هذا التأثير إلى مشروع لتغيير المجتمع. وبذلك أصبح الحضور النقابي، الذي كان يفترض أن يكون رافعة لبناء الحزب الثوري، قادرا على استهلاك طاقات المناضلين داخل صراعات المواقع والتوازنات النقابية. كما أن الحزب لا يبنى بمجرد إعلان اسمه أو جمع مجموعات صغيرة حول برنامج مكتوب. بناء حزب عمالي ثوري يقتضي عملا طويلا داخل مواقع الإنتاج، وبين العمال القارين والهشّين، والعاطلين، والنساء العاملات، والشباب الذين يدفعون ثمن البطالة والتهميش، والقطاعات التي لا تجد تمثيلا كافيا داخل الأطر النقابية التقليدية. ويقتضي كذلك تجاوز الفصل بين العمال المنظمين وغير المنظمين، وبين النضالات الاقتصادية والديمقراطية، وبين القضايا الاجتماعية المحلية والتحولات الدولية التي تحدد شروط العمل والإنتاج. فالطبقة العاملة ليست كتلة متجانسة جاهزة للتحرك السياسي الموحد. إنها تتوزع على قطاعات ومواقع وعلاقات تشغيل متفاوتة، وتتأثر بالاختلافات الجهوية والجندرية وبالتفاوت بين العمل المنظم والعمل الهش وغير الرسمي. ومهمة الحزب الثوري ليست افتراض وحدة غير موجودة، بل العمل على بنائها من خلال برنامج وممارسة يبرهنان أن المصالح المشتركة للعمال تتجاوز الانقسامات التي ينتجها النظام الرأسمالي. وهذا يقتضي أيضا صراعا داخل الحركة النقابية من أجل الديمقراطية والشفافية واستقلال القرار عن البيروقراطية، من دون تحويل هذا الصراع إلى بديل عن بناء الحزب السياسي. ولا يمكن أن يكتمل هذا المشروع في حدود وطنية ضيقة. فالاقتصاد التونسي مرتبط بسلاسل الإنتاج والأسواق والتمويل الدولية، وسياسات التشغيل والاستثمار والمديونية ليست نتاج قرارات داخلية فحسب. كما أن قدرة رأس المال على نقل الاستثمار والضغط على الحكومات تقابلها حاجة الطبقة العاملة إلى تنسيق نضالاتها وتبادل الخبرات وبناء تضامن يتجاوز الحدود. لذلك لا يمثل التوجه الأممي إضافة أخلاقية إلى البرنامج الثوري، بل ضرورة عملية لفهم خصم يعمل على نطاق دولي، ولتجاوز المنافسة التي يفرضها رأس المال بين العمال على أساس الأجور ومواقع العمل والجنسية. من البرازيل إلى تونس، تكشف التجارب اختلاف المسارات التاريخية، لكنها تطرح قضية مشتركة: لا يكفي أن تمتلك الطبقة العاملة نقابة قوية، ولا أن تنجح في إسقاط حكومة أو فرض تنازلات، ولا أن يصل حزب ذو جذور شعبية إلى مؤسسات الدولة. المسألة الحاسمة هي قدرتها على بناء تنظيم سياسي مستقل يظل مرتبطا بنضالاتها، ويقاوم اندماجه في آليات إدارة النظام، ويطور استراتيجية لتحويل القوة الاجتماعية إلى قوة سياسية قادرة على إعادة تنظيم المجتمع. لم يفشل الاتحاد العام التونسي للشغل لأنه لم يتحول إلى حزب سياسي، فهذه ليست وظيفته التاريخية ولا شرط قوته. إن المأزق يكمن في أن قطاعات واسعة من اليسار لم تنجح في تحويل حضورها المتراكم داخل الاتحاد إلى مشروع جدي لبناء حزب عمالي ثوري مستقل، يحترم التعددية النقابية ويدافع عنها، ويعمل في الوقت نفسه على تجاوز حدود النضال المطلبي نحو أفق التحرر الاشتراكي. لقد جرى في حالات عديدة التعامل مع المواقع النقابية باعتبارها دليلا على النفوذ، فيما كان المطلوب قياس هذا النفوذ بمدى مساهمته في تنظيم العمال سياسيا، وتطوير استقلالهم الطبقي، وبناء قدرتهم على قيادة المجتمع. إن المهمة اليوم ليست المفاضلة بين النقابة والحزب، ولا استبدال أحدهما بالآخر، بل إعادة بناء العلاقة بينهما على أساس استقلال كل منهما ووحدة الهدف الطبقي. نقابة واسعة وديمقراطية ومستقلة، وحزب عمالي ثوري متجذر في الصراع الاجتماعي، وبرنامج انتقالي يربط مطالب الجماهير اليومية بتغيير علاقات الملكية والسلطة، وحركة أممية تدرك أن تحرر العمال لا يمكن أن يكتمل داخل حدود الدولة الرأسمالية. من دون هذه العناصر سيظل اليسار قادرا على الحضور في المعارك، لكنه عاجز عن تحويلها إلى مسار تاريخي متراكم. أما بناء هذا البديل، فهو المعيار الذي ينبغي أن يُقاس به أي تجديد حقيقي للمشروع الثوري في تونس.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حين يترك اليسار غضب الناس لخصومه .
-
الاستقلال والسيادة الوطنية المبتورة في زمن الإمبريالية الجدي
...
-
شذرات ... الجامعة التونسية، الاتحاد العام لطلبة تونس، ورأس ا
...
-
اليمين والسعودية .. حين تنكسر هيبة النفط أمام إرادة الشعوب
-
حين ينتفض التلاميذ على مستقبلهم .. المدرسة الفرنسية في مواجه
...
-
الوثيقة عدد 9 : من ثورة 1949 إلى رأسمالية الدولة الصينية .
-
مرسوم إعادة هندسة الشرعية الانتخابية .
-
المديونية : حين يتحول مستقبل شعب إلى سندات في يد رأس المال .
-
تنقيح المرسوم 54، إعادة هندسة للعقوبة، وليس هدم لفلسفة العقا
...
-
الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .
-
النيولسانية واستعادة الزمن .
-
توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
-
الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
-
العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على
...
-
حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
-
الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
-
بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
-
الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
-
الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
-
حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا
...
المزيد.....
-
للمرة الثالثة.. -العدل- الأمريكية توجه اتهامات للمدير السابق
...
-
ترامب يعرض -مكافأة مليونية- لأي شخص يبلغ عن -وقائع تزوير في
...
-
إيران تعلن اتفاقاً مع السعودية وتركيا وباكستان على تعزيز أمن
...
-
فرنسا: حشود تملأ ميناء مارسيليا القديم في احتجاج ضد العنصرية
...
-
شهر من الانتظار.. زيلينسكي ينتقد تأخر موافقة هيغسيث على صوار
...
-
-مصر تدافع عن السعودية ولا تهاجم اليمن- .. البرلمان المصري ي
...
-
أمن عدن يضبط 11 مخالفاً ويصادر أسلحتهم في حملة لملاحقة مطلقي
...
-
مدير صحة درعا: 10 قتلى من المدنيين جراء الغارات الجوية الأرد
...
-
دمشق تعلق على الغارات الأردنية في الجنوب وتؤكد عدم إجراء أي
...
-
تقارير أردنية تكشف مواقع الغارات الجوية في درعا والسويداء ضم
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|