|
|
مرسوم إعادة هندسة الشرعية الانتخابية .
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 22:16
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس مرسوم عدد 3 لسنة 2026 مجرد تعديل تقني لقانون هيئة الانتخابات، ولا يصح اختزاله في نقاش عدد أعضاء المجلس أو اختصاصاتهم أو مدة ولايتهم . المرسوم المنشور في الإطار القانوني الرسمي لهيئة الانتخابات بتاريخ 30 سبتمبر 2026 يعيد تنظيم بعض أحكام القانون الأساسي عدد 23 لسنة 2012، وفي اللحظة نفسها كانت الهيئة تدير عمليات انتخابية جديدة تتصل بالمجالس المحلية وآليات سحب الوكالة وغيرها من أشكال إنتاج التمثيل السياسي . لذلك فإن إعادة تشكيل المؤسسة التي تتولى إدارة الانتخابات لا تقع خارج الصراع على الشرعية، بل تقع في قلبه . المسألة الأعمق ليست في الأسماء التي ستجلس داخل المجلس، ولا في اختلاف الاختصاصات بين قاض وخبير انتخابي ومهندس وإحصائي ودبلوماسي . المسألة في البنية التي تجعل هذه المؤسسة تولد، وفي مركز القرار الذي يحسم تركيبها، وفي العلاقة بين الدولة والمجتمع التي تعكسها هذه الهندسة القانونية . فالهيئة قد تكون متعددة الاختصاصات، مستقرة في ولايتها، ومزودة بخبرات تقنية عالية، لكن ذلك كله لا يحسم وحده مسألة الاستقلال السياسي . الاستقلال ليس صفة نفسية للأفراد، بل علاقة مؤسساتية تتحدد بمصدر التعيين، وتعدد مراكز الترشيح، وشفافية الاختيار، وآليات الرقابة، وإمكانية المساءلة، وتوازن السلطات . وهنا يبدأ التحليل الماركسي الحقيقي، لأن ماركس لم ينظر إلى الدولة بوصفها مجرد مبنى قانوني محايد، بل بوصفها شكلا سياسيا يتكثف داخله صراع اجتماعي وتاريخي . ولهذا لا يمكن قراءة أي مؤسسة من خلال النص الذي يمنحها اسمها فقط . علينا أن ننظر إلى العلاقات التي تنتجها، وإلى القوى التي تستطيع النفاذ إليها، وإلى من يملك القدرة على تحديد قواعد اشتغالها . من هذه الزاوية، تصبح هيئة الانتخابات واحدة من أكثر المؤسسات حساسية في الدولة الحديثة، لأنها تقع عند نقطة التحويل بين المجتمع السياسي والدولة : أصوات اجتماعية متفرقة تتحول إلى أرقام، والأرقام إلى نتائج، والنتائج إلى مؤسسات، والمؤسسات إلى سلطة . من يملك تنظيم هذه السلسلة لا يملك بالضرورة الانتخابات نفسها، لكنه يملك جزءا بالغ الأهمية من البنية التي تتحول عبرها الإرادة الانتخابية إلى شرعية سياسية . وهنا يصبح السؤال المركزي هو طبيعة هذه الشرعية . اليسار الثوري لا يستطيع أن يتعامل مع الانتخابات بمنطقين متناقضين : أن يعتبرها مجرد خدعة برجوازية من جهة، أو أن يحولها إلى معيار وحيد للديمقراطية من جهة أخرى . كلا الموقفين اختزال . الانتخابات مساحة حقيقية للصراع السياسي، لكنها تجري داخل مجتمع غير متساو في الثروة والتعليم والإعلام والقدرة على التنظيم . والصندوق يمنح المواطن مساواة قانونية لحظة التصويت، لكنه لا يلغي التفاوت الاجتماعي الذي يسبق التصويت ويؤثر في شروطه . روزا لوكسمبورغ كانت أكثر وضوحا في هذه المسألة من كثير من الخطابات التي تتحدث اليوم باسم الديمقراطية . ففي نقدها للثورة الروسية، دافعت عن أوسع مشاركة جماهيرية ممكنة، ورفضت أن تتحول الديمقراطية إلى قشرة فارغة من المساواة الشكلية . وقد ربطت بين الديمقراطية السياسية والمشاركة النشطة للجماهير، مؤكدة أن الديمقراطية الاشتراكية لا يمكن أن تكون مجرد سلطة حزب أو جهاز . هذه الفكرة تقود مباشرة إلى الحالة التونسية . إذا كانت الديمقراطية تختزل في أن يذهب المواطن كل عدة سنوات إلى صندوق الاقتراع، فإن الدولة تستطيع أن تكون ديمقراطية إجرائيا بينما يظل المجتمع ضعيفا سياسيا . أما إذا كانت الديمقراطية تعني أن يمتلك الناس القدرة المستمرة على التنظيم والمراقبة والمساءلة والتأثير في المؤسسات، فإن الانتخابات تصبح جزءا من الديمقراطية لا مرادفا لها . وهنا بالضبط تظهر حدود المرسوم الجديد . الهيئة العليا المستقلة للانتخابات نفسها تعرف مهمتها باعتبارها السهر على انتخابات واستفتاءات ديمقراطية وحرة وتعددية ونزيهة وشفافة، وتصف نفسها كمؤسسة مستقلة ودائمة تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال الإداري والمالي . لكن النقد الجذري لا يكتفي بالنص التعريفي . فهو ينتقل من سؤال الصفة إلى سؤال البنية : كيف تُنتج هذه الاستقلالية؟ وما هي الضمانات التي تمنع تحولها من استقلال قانوني إلى استقلال اسمي؟ هذا هو الفارق بين القراءة القانونية والقراءة الماركسية للدولة . القراءة القانونية تسأل عن مطابقة التعديل للنص الدستوري والقانوني . أما القراءة المادية فتبحث في علاقات القوة التي تقف خلف النص، وفي الاتجاه التاريخي الذي تسير فيه إعادة بناء المؤسسات. ومن هنا تكتسب سنة 2011 أهميتها . الثورة التونسية لم تكن مجرد ثورة من أجل تغيير الحكومة أو إجراء انتخابات أكثر نزاهة . كانت انفجارا اجتماعيا ضد منظومة كاملة من التراتب والامتياز والفساد والتهميش والاستبداد . لذلك فإن المسار الذي أعقبها لا يمكن فهمه فقط عبر تعاقب الدساتير والقوانين . كان هناك صراع أعمق حول من يمتلك الدولة، وكيف تُبنى شرعيتها، وكيف يُعاد توزيع السلطة داخل أجهزتها . في لحظة ما بعد 14 جانفي، كانت الدولة نفسها موضوعا لإعادة التفاوض . البرلمان، القضاء، الهيئة الانتخابية، النقابات، الجمعيات، الأحزاب، الشارع، الإعلام، الجهات، كلها دخلت في حركة سياسية لم تكن مستقرة . لم تكن هناك صيغة نهائية للعلاقة بين الدولة والمجتمع . ثم بدأ مسار معاكس : إعادة تركيب مركز الدولة، وإعادة ترتيب المؤسسات حول رئاسة الجمهورية، خصوصا منذ 25 جويلية 2021 ودستور 2022 . ولا يعني ذلك أن كل مؤسسة أصبحت مجرد امتداد مباشر للرئاسة؛ هذا تبسيط لا يفسر تعقيد الدولة . لكن الاتجاه المؤسسي العام أصبح أكثر مركزية، وأصبحت الرئاسة تحتل موقعا أكثر قوة في هندسة النظام السياسي . ومن هنا يأتي مرسوم 2026 باعتباره حلقة جديدة في هذا المسار، لا بوصفه نصا منفصلا عن التاريخ . إنه تعديل لمؤسسة كانت ولادتها بعد الثورة مرتبطة بفكرة أن الانتخابات تحتاج إلى جهاز مستقل عن السلطة التنفيذية، ثم عاشت منذ ذلك الحين تحولات متتالية في طريقة تشكيلها . لذلك لا يكفي القول إن القانون الجديد "ينظم الهيئة" . إنه يعيد تحديد علاقة الهيئة بمركز الدولة . وهنا يصبح نيكوس بولانتزاس ضروريا . الدولة، عند بولانتزاس، ليست مجرد أداة في يد فرد أو طبقة، وإنما هي تكثيف مادي لعلاقات القوى بين الطبقات والشرائح الاجتماعية . هذه الفكرة تمنعنا من شخصنة الدولة، كما تمنعنا من اعتبار مؤسساتها محايدة . وهذا مهم جدا في الحالة التونسية . لا ينبغي اختزال المسألة في شخص رئيس الجمهورية، كما لا ينبغي إخراج الرئاسة من التحليل . الرئيس ليس الدولة كلها، لكن موقع الرئاسة داخل النظام الدستوري والمؤسساتي يجعل طريقة تعيين القيادات والمؤسسات ذات دلالة في توزيع السلطة . إذا أصبح القرار النهائي في تكوين مؤسسة انتخابية مركزيا، فإننا لا نحتاج إلى افتراض أن كل قرارات المؤسسة ستصبح أوامر رئاسية . يكفي أن ندرك أن نقطة إنتاج القيادة أصبحت أكثر تركيزا . هذه هي النقلة من السيطرة المباشرة إلى القوة البنيوية . والقوة البنيوية أخطر وأعمق من التعليمات اليومية، لأنها لا تحتاج إلى تدخل دائم . يكفي أن تصمم قواعد اللعبة بطريقة تجعل مركزا واحدا يحتفظ بموقع حاسم في إنتاج القيادة . تروتسكي كان شديد الحساسية تجاه هذه المسألة . ففي تحليله للثورة الروسية، لم يتعامل مع الديمقراطية باعتبارها مجرد شكل انتخابي، بل ربطها بتنظيم الجماهير وقدرتها الفعلية على ممارسة السلطة . وفي حديثه عن السوفييتات وصفها بأنها القوة المنظمة للجماهير، وربط الديمقراطية بحق الناخبين في عزل ممثليهم . ليس المطلوب نقل السوفييتات إلى تونس، فهذا سيكون تاريخانية ميكانيكية لا علاقة لها بالواقع . المطلوب استيعاب المبدأ : التمثيل السياسي لا يكتمل بمجرد الانتخاب؛ قيمته الديمقراطية تتوقف أيضا على مقدار قدرة المجتمع على التحكم في ممثليه ومراقبتهم واستبدالهم . وهذا المبدأ يضعنا أمام مشكلة أوسع من هيئة الانتخابات نفسها . ما الذي يحدث عندما تصبح الديمقراطية سلسلة من المؤسسات المنفصلة عن التنظيم الاجتماعي؟ المواطن ينتخب، ثم تنفصل العملية عن حياته اليومية . الدولة تتولى إدارة الانتخابات، والهيئة تتولى الإشراف، والقضاء ينظر في النزاعات، والأحزاب تقدم القوائم، ثم يعود المواطن إلى موقع المتلقي . هنا تتحول الديمقراطية من ممارسة اجتماعية إلى دورة إجرائية . وتلك هي اللحظة التي ينبغي أن يتدخل فيها الفكر الثوري . لينين، في تحليله للدولة، لم يعتبر الديمقراطية البرلمانية نهاية التاريخ . لكنه لم يتعامل معها أيضا باعتبارها مجرد وهم لا قيمة له . المسألة بالنسبة إلى الماركسية الثورية هي تحويل الديمقراطية من مساواة قانونية مجردة إلى قدرة اجتماعية فعلية . ولذلك فإن النقد الماركسي للانتخابات لا يعني التخلي عنها، وإنما كشف حدودها الطبقية والمؤسساتية والعمل على توسيع مجال المشاركة الشعبية . روزا لوكسمبورغ تذهب في الاتجاه نفسه من زاوية أخرى : لا يمكن أن تكون الاشتراكية مجرد استبدال نخبة بنخبة، ولا يمكن للديمقراطية أن تكون مجرد طقس رسمي . المشاركة الجماهيرية هي التي تمنع الثورة من التحول إلى بيروقراطية . وهنا يلتقي تروتسكي مع روزا، رغم اختلافاتهما الهائلة في مسائل أخرى : الديمقراطية الحية تحتاج إلى حركة من الأسفل، لا إلى شرعية تصدر من الأعلى . أما غرامشي فيضيف طبقة أخرى من التحليل . فالسلطة لا تستمر بالقوة وحدها؛ إنها تحتاج إلى إنتاج القبول، وإلى جعل نظام معين من المؤسسات والمفاهيم يبدو طبيعيا . لذلك فإن المؤسسات ليست فقط أدوات للإدارة، بل أدوات لإنتاج الشرعية أيضا . وهنا يصبح الصندوق الانتخابي جزءا من إنتاج الهيمنة . ليس بمعنى أن كل انتخابات مزورة أو أن كل نتيجة مصطنعة، بل بمعنى أن العملية الانتخابية نفسها تمنح النظام السياسي لغة للشرعية . ومن هنا فإن التحكم في بنية المؤسسة التي تدير الانتخابات يصبح جزءا من الصراع على إنتاج الشرعية . وهذا هو السبب الذي يجعل التعديل الحالي أكثر أهمية مما يبدو . الهند تقدم مثالا معاصرا شديد الدلالة . فقد أدى قانون 2023 إلى تغيير تركيبة لجنة اختيار مفوضي الانتخابات، بحيث أصبح رئيس الوزراء ووزير في الحكومة وزعيم المعارضة أعضاء فيها، بدلا من الصيغة التي كانت تمنح رئيس المحكمة العليا موقعا في لجنة الاختيار . وفي 2026 واصلت المحكمة العليا الهندية النظر في الطعون المرتبطة بهذا القانون، مع انتقال القضية إلى مسار دستوري أوسع . الدلالة ليست أن الهند تشبه تونس، بل العكس : اختلاف النظامين يكشف أن مسألة استقلال مؤسسات الانتخابات أصبحت في الديمقراطيات الحديثة قضية صراع مؤسساتي مستقلة عن اختلاف الأنظمة السياسية . في الولايات المتحدة أيضا، لا توجد "هيئة انتخابية وطنية" واحدة تدير كل العملية بالطريقة نفسها، بل تتوزع إدارة الانتخابات على مستويات وولايات مختلفة، بينما توجد مؤسسات اتحادية مختصة في جوانب محددة مثل تمويل الحملات . هذا التوزيع نفسه يعكس فلسفة مختلفة في إنتاج الشرعية الانتخابية : لا مركز واحد يملك وحده البنية الكاملة للعملية . أما في البرازيل، فقد أصبح القضاء الانتخابي والتكنولوجيا الانتخابية جزءا مركزيا من إدارة العملية السياسية، مع تطور نظم التصويت الإلكتروني وآليات الأمن والتدقيق ومواجهة التضليل الرقمي . المثال البرازيلي يكشف انتقال الانتخابات من مجرد تنظيم صناديق إلى إدارة بنية تقنية كاملة . العالم كله يتحرك نحو انتخابات أكثر تقنية، لكن التقنية لا تلغي السياسة . بالعكس، إنها تجعل السياسة أقل ظهورا وأكثر عمقا . في القرن التاسع عشر كان الصراع يدور حول من يملك حق التصويت . في القرن العشرين اتسع الصراع حول التنظيم الحزبي والنقابي ووسائل الإعلام والتمثيل . أما في القرن الحادي والعشرين فقد دخلنا إلى مستوى جديد : من يملك البيانات؟ من يصمم الخوارزميات؟ من يحدد قواعد المنصات؟ من يدير الأمن السيبراني؟ من يملك القدرة على التحقق من المعلومات؟ ومن يحدد ما الذي يدخل في قاعدة البيانات وما الذي يستبعد منها؟ لذلك فإن وجود اختصاص الأمن المعلوماتي والإحصاء داخل هيئة الانتخابات ليس تفصيلا تقنيا صغيرا . إنه يعكس انتقال الانتخابات نفسها إلى عصر البيانات . واليسار الذي لا يفهم هذه النقلة سيظل أسير القرن العشرين . المؤسسة الانتخابية الحديثة لا تدير صندوقا فقط؛ إنها تدير معلومات، قواعد بيانات، سجلات، برمجيات، خرائط، نسب مشاركة، آليات تحقق، اتصالات، نتائج، ومسارات طعن . وبذلك تصبح السيطرة على البنية التقنية جزءا من الصراع على السلطة . هنا يمكن أن نضيف إلى ماركس وتروتسكي وغرامشي وبولانتزاس مفكرين معاصرين مثل دانيال بن سعيد، الذي كان يعيد التفكير في السياسة الثورية باعتبارها زمنا مفتوحا للصراع، لا مسارا آليا يقود من الأزمة إلى النتيجة . أهمية هذا المنظور أن الثورة ليست وصفة جاهزة، والديمقراطية ليست مؤسسة مكتملة، والدولة ليست شيئا يمكن الاستيلاء عليه ثم اعتبار الصراع منتهيا . ومن هذه الزاوية أيضا يمكن الاستفادة من إتيان باليبار في ربط الديمقراطية بالمواطنة والمساواة وبالصراع حول من يدخل فعليا في فضاء الحقوق . فالمساواة السياسية القانونية لا تصبح مساواة فعلية إذا بقيت شروط المشاركة الاجتماعية مختلة . هذه النقطة شديدة الأهمية في تونس . لا يمكن الحديث عن ديمقراطية كاملة بينما تبقى الجهات الداخلية تعاني من اختلالات عميقة في التنمية والخدمات وفرص العمل والثروة . لا يمكن أن تكون قيمة الصوت الانتخابي منفصلة تماما عن القيمة الاجتماعية للمواطن الذي يحمل هذا الصوت . ولا يمكن أن يكون المواطن في ورقة الاقتراع مساويا للجميع بينما يظل في الحياة اليومية أقل قدرة على الوصول إلى الإعلام، والتنظيم، والتمويل، ومراكز القرار . وهنا يعود التحليل الطبقي إلى قلب المسألة . الانتخابات لا تلغي الطبقات . القانون لا يلغي علاقات الملكية . المساواة أمام الصندوق لا تلغي عدم المساواة خارج الصندوق . ومن ثم فإن الديمقراطية السياسية تحتاج إلى قاعدة اجتماعية تجعلها قابلة للحياة . وهذا يعني أن الدفاع عن استقلال هيئة الانتخابات، في القراءة اليسارية، لا ينبغي أن يكون غاية نهائية . استقلال الهيئة جزء من منظومة أوسع : حرية التنظيم، حرية النقابات، حرية الصحافة، الحق في الاحتجاج، استقلال القضاء، الشفافية المالية، العدالة الجهوية، والمشاركة الاجتماعية. وإلا فإننا نكون قد دافعنا عن صندوق مستقل داخل مجتمع غير ديمقراطي اجتماعيا . وهنا يظهر الفرق بين اليسار الليبرالي واليسار الثوري . اليسار الليبرالي يميل إلى التركيز على قواعد اللعبة : استقلال القضاء، نزاهة الانتخابات، استقلال الهيئة، التعددية، الشفافية . أما اليسار الثوري فيضيف سؤالا آخر : من يملك شروط اللعبة الاجتماعية نفسها؟ من يملك الإعلام؟ من يملك رأس المال؟ من يملك وسائل الإنتاج؟ من يملك الوقت للمشاركة السياسية؟ من يستطيع تأسيس حزب أو نقابة أو جمعية؟ من يستطيع الوصول إلى المواطن؟ من يملك القدرة على تحويل المال إلى نفوذ؟ هذه الأسئلة لا تلغي الديمقراطية الانتخابية؛ إنها تكشف حدودها الاجتماعية . ولهذا فإن أي قراءة جذرية للمرسوم عدد 3 ينبغي أن ترفض اختزال النقاش في معسكرين : مؤيدون للمرسوم ومعارضون له . التحليل الحقيقي أكثر تعقيدا . فبعض عناصر التعديل يمكن أن تعزز الاستقرار المهني والمؤسساتي، مثل الولاية الطويلة غير القابلة للتجديد والتجديد الجزئي . وإدخال الخبرات التقنية يمكن أن يستجيب لتعقيد العملية الانتخابية الحديثة . لكن هذه العناصر لا تحسم وحدها مسألة استقلال المؤسسة، لأن الاستقلال يرتبط كذلك بمن يملك القرار النهائي في تشكيلها . وهنا ينبغي التفريق بين الكفاءة والاستقلال . الكفاءة تجيب عن سؤال القدرة على إدارة الانتخابات . الاستقلال يجيب عن سؤال العلاقة بمراكز السلطة . النزاهة تجيب عن سلوك الأشخاص . الديمقراطية تجيب عن علاقة المجتمع بالسلطة . لا يجوز دمج هذه المفاهيم في كلمة واحدة هي "الحياد" . فالحياد الإداري ليس هو الاستقلال السياسي، والاستقلال السياسي ليس هو الديمقراطية الاجتماعية . هذا التفريق ضروري حتى لا يتحول النقاش إلى معركة شعارات . ومن هذه الزاوية، فإن مرسوم 2026 يمثل لحظة كاشفة في مسار الدولة التونسية بعد الثورة . فالدولة لم تعد تعيد إنتاج نفسها بالطريقة القديمة نفسها، لكنها لم تتحول أيضا إلى دولة ديمقراطية اجتماعية . نحن أمام عملية إعادة تركيب : مركزية رئاسية أكبر، مؤسسات يعاد تعريف علاقتها بمركز الدولة، وانتخابات أصبحت أكثر تقنية وأكثر ارتباطا بإدارة البيانات والتمثيل المحلي والجهوي . إنها دولة جديدة تتشكل فوق أنقاض تناقضات المرحلة السابقة . وهنا يستعيد تروتسكي مفهومه عن الثورة الدائمة، ليس باعتباره دعوة إلى تكرار التجربة الروسية، وإنما باعتباره رفضا لفكرة أن الثورة تنتهي عند إنجاز مرحلة سياسية واحدة . الثورة، في هذا المنظور، لا تنفصل فيها الديمقراطية السياسية عن الصراع الاجتماعي . فإذا تحولت المطالب الديمقراطية إلى مجرد إجراءات، بقيت الثورة ناقصة . وإذا تحولت الثورة الاجتماعية إلى بيروقراطية، ماتت الديمقراطية من الداخل . لقد كان تروتسكي نفسه واضحا في ضرورة الدفاع عن المطالب الديمقراطية في مراحل الصراع السياسي، ورفض فكرة أن الشعارات الديمقراطية تصبح عديمة القيمة لمجرد أن المجتمع لم يدخل بعد في مرحلة ثورية مكتملة . وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة إلى اليسار التونسي . لا يجوز ترك الديمقراطية الشكلية لليبراليين، كما لا يجوز ترك العدالة الاجتماعية للشعارات الشعبوية . ولا يجوز ترك الانتخابات للبيروقراطية الانتخابية، كما لا يجوز ترك التنظيم الشعبي للعفوية وحدها . الديمقراطية التي تحتاجها الطبقات الشعبية هي ديمقراطية مزدوجة الحركة : تنتزع مساحات من الدولة، وفي الوقت نفسه تبني قوة اجتماعية خارجها؛ تستخدم المؤسسات ولا تستسلم لها؛ تخوض الانتخابات دون أن تختزل السياسة في الانتخابات؛ تدافع عن الحريات دون أن تجعل الحريات منفصلة عن العدالة الاجتماعية . هنا يصبح درس 2011 واضحا . الانفجار الشعبي التونسي لم يكن منظما وفق نظرية سياسية واحدة، ولم ينتظر حزبا طليعيا لكي يمنحه الشرعية . لكنه أظهر في الوقت نفسه حدود العفوية عندما لا تتحول إلى تنظيم دائم وقوة سياسية مستقلة . وبعد سقوط رأس النظام، عادت أجهزة الدولة ومؤسساتها وأحزابها ونخبها إلى إعادة تنظيم المجال السياسي . كانت الجماهير قد فتحت الباب التاريخي، لكن مؤسسات الدولة عادت لتحدد شكل البيت . وهذه ربما واحدة من أهم مفارقات الثورة التونسية : قوة اجتماعية هائلة استطاعت إسقاط رأس النظام، لكنها لم تنتج وحدها شكلا مستقرا جديدا لعلاقات السلطة . لذلك ظل الصراع بعد 2011 صراعا على المؤسسات والدستور والانتخابات والقضاء والإعلام والنقابات والجهات، أي على الدولة نفسها . وهذا ما يجعل هيئة الانتخابات جزءا من الصراع التاريخي على إرث الثورة . ليس لأنها تختصر الثورة، وإنما لأنها تقع عند نقطة تحويل الإرادة الاجتماعية إلى شرعية مؤسساتية . ومن هنا فإن المسألة لا تنتهي عند مرسوم 3 لسنة 2026 . إنها تبدأ منه . فالخطر الأكبر ليس أن تكون لدينا هيئة قوية أو ضعيفة، تقنية أو سياسية، مستقلة أو غير مستقلة بالمعنى القانوني الضيق . الخطر الأكبر هو أن تتحول الديمقراطية نفسها إلى جهاز إداري منفصل عن المجتمع . عندما يصبح المواطن رقما في سجل الناخبين، وعندما تصبح مشاركته نسبة مئوية، وعندما يصبح صوته وحدة إحصائية، وعندما تتحول السياسة إلى إدارة بيانات، يمكن أن يبقى الشكل الديمقراطي قائما بينما يختفي جوهر المشاركة الشعبية . وهنا تتقاطع ماركس مع روزا وتروتسكي وغرامشي وبولانتزاس وبن سعيد، رغم اختلافاتهم النظرية والتاريخية : السياسة ليست تقنية محايدة، والدولة ليست جهازا فوق المجتمع، والديمقراطية لا تختزل في الإجراء، والتمثيل لا يساوي المشاركة، والمؤسسة لا تعوض القوة الاجتماعية. لهذا فإن القراءة الجذرية للمرسوم عدد 3 ينبغي أن تنقل النقاش من مستوى "هل تغير القانون؟" إلى مستوى أعمق : أي دولة تتشكل من خلال هذا التغيير؟ دولة تعتبر الشعب مصدرا للشرعية لحظة التصويت فقط؟ أم دولة تصبح فيها السيادة الشعبية علاقة مستمرة بين المجتمع ومؤسسات الحكم؟ هذه ليست مسألة قانونية فحسب . إنها مسألة طبقية وسياسية وتاريخية . لأن الطبقات المالكة تستطيع أن تتكيف مع أشكال مختلفة من الديمقراطية الانتخابية، ما دامت علاقات السيطرة الاقتصادية والاجتماعية لا تمس في جوهرها . أما الطبقات الشعبية، فإن الديمقراطية بالنسبة إليها لا تكتمل بمجرد امتلاك حق التصويت؛ إنها تبدأ حين يتحول الحق السياسي إلى قدرة اجتماعية . ومن هنا فإن النقد اليساري الجذري لمرسوم هيئة الانتخابات لا ينبغي أن ينتهي بالمطالبة بهيئة "أكثر حيادا" فقط . عليه أن يذهب إلى أصل المسألة : من يحدد شروط الديمقراطية؟ ومن يملك مؤسساتها؟ ومن يراقب من؟ وكيف تتحول الجماهير من موضوع للانتخابات إلى قوة سياسية منظمة قادرة على التأثير في قواعد الدولة نفسها؟ هذا هو الحد الذي يبدأ عنده التفكير الثوري الحقيقي . فالانتخابات ليست الثورة، والهيئة ليست الشعب، والدستور ليس المجتمع، والدولة ليست الجماهير . لكن الصراع حول الانتخابات والهيئة والدستور والدولة يظل جزءا من الصراع الاجتماعي الذي يحدد موقع الجماهير في التاريخ . ومن هنا لا تكمن القضية النهائية في أن يكون للصندوق حارس مستقل، بل في أن يصبح المجتمع نفسه قادرا على مراقبة الحارس، ومساءلة السلطة، وتنظيم نفسه خارج حدود اللحظة الانتخابية، وتحويل المساواة القانونية إلى قوة اجتماعية فعلية . عندها فقط تتجاوز الديمقراطية حدودها البرجوازية الضيقة، لا بإلغاء الانتخابات، وإنما بتجاوز اختزال الديمقراطية فيها . وعندها أيضا يصبح معنى الثورة مختلفا : ليست الثورة مجرد إسقاط رأس السلطة، وليست مجرد تغيير قانون أو دستور أو هيئة . الثورة، في معناها الأعمق، هي عملية طويلة لإعادة توزيع القدرة على تقرير المصير الاجتماعي، من القمة إلى القاعدة، من الجهاز إلى المجتمع، ومن المواطن الذي يُستدعى إلى التصويت إلى الإنسان الذي يمتلك الوسائل الفعلية للتدخل في صناعة التاريخ . وهنا تحديدا تكمن المسألة التي يفتحها مرسوم 3 لسنة 2026 : ليس من يدير الصندوق فقط، بل من يملك مفاتيح الشرعية التي يخرج منها الصندوق؛ وليس أي قانون ينظم الانتخابات فقط، بل أي علاقة بين الدولة والمجتمع يجري تثبيتها تحت اسم الديمقراطية .
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المديونية : حين يتحول مستقبل شعب إلى سندات في يد رأس المال .
-
تنقيح المرسوم 54، إعادة هندسة للعقوبة، وليس هدم لفلسفة العقا
...
-
الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .
-
النيولسانية واستعادة الزمن .
-
توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
-
الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
-
العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على
...
-
حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
-
الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
-
بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
-
الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
-
الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
-
حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا
...
-
المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
-
الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
-
الفساد حين يأكل من لحم الناس .
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
-
الهجرة ليست هروبا ...
-
أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل
...
-
من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق
...
المزيد.....
-
مراسلة CNN تجرب خدمة -قطارات الاتحاد- الجديدة بين أبوظبي ودب
...
-
ترامب يعود إلى -إير فورس وان- القديمة.. ماذا يحدث لطائرة الر
...
-
الكويت.. الداخلية تعلن ضبط 5 مصريين وسوريين وتكشف ما فعلوه
-
وزير الدفاع البلجيكي: أوروبا لا تملك موارد كافية لخوض حرب
-
الجزائر تستنكر الاعتداء على محطة كهرباء -طيبة- بالمدينة المن
...
-
-هآرتس- تنشر وثيقة تعتبر مصر والأردن -دولتان عدوتان- وتدعو ل
...
-
المبعوثة الأممية تبحث مع الخارجية الروسية دفع الانتخابات الل
...
-
جمعوا مبالغ طائلة.. القبض على 5 مقيمين في الكويت لاستغلالهم
...
-
ألماني وسوريان في قفص الاتهام: تفاصيل جديدة عن -خلية إرهابية
...
-
صحيفة: تضرر أكثر من 560 مؤسسة تعليمية خلال الاحتجاجات في فرن
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|