|
|
المديونية : حين يتحول مستقبل شعب إلى سندات في يد رأس المال .
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 22:50
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس الدين العمومي في تونس رقما باردا في جداول وزارة المالية، ولا مجرد نتيجة حسابية لعجز ميزانية يمكن إصلاحها ببعض التقشف وبعض «الإصلاحات الهيكلية» . وراء الرقم طبقات كاملة من التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وراءه علاقة غير متكافئة بين العمل ورأس المال، بين الدولة والأسواق المالية، بين تونس والمراكز الرأسمالية الكبرى، وبين مجتمع ينتج الثروة ودائنين ينتظرون نصيبهم منها . حين ينتقل رصيد الدين العمومي من 83.33 مليار دينار سنة 2019 إلى 141.665 مليار دينار سنة 2025، مع تقدير يبلغ 156.704 مليار دينار في قانون مالية 2026، فنحن لا نكون أمام مجرد ارتفاع في رقم محاسبي، بل أمام تعمق لمسار جعل الدولة أكثر ارتباطا بالدين وأكثر اضطرارا إلى إعادة تمويل نفسها . وتظهر بيانات وزارة المالية أن الدين بلغ 82.1 بالمائة من الناتج سنة 2025، مع تقدير في حدود 83.4 بالمائة لسنة 2026، مقابل 67.8 بالمائة سنة 2019 . لكن اليسار الثوري لا يقرأ الأرقام كما يقرأها موظف خزينة أو خبير صندوق نقد دولي . الرقم عندنا ليس نهاية التحليل، بل بدايته . نحن لا نرى في الدين مجرد «مشكلة تمويل»، بل نرى فيه علاقة اجتماعية وسياسية وطبقية . لا نسأل عن كيفية إبقاء الدولة قادرة على دفع الدائنين فقط، وإنما ننظر إلى المجتمع الذي يُطلب منه في كل مرة أن يدفع ثمن هذا الدين، وإلى الثروة التي يجري تحويلها من المجتمع إلى جهاز مالي عالمي ومحلي لا يشبع من الفوائد ولا يتوقف عن المطالبة بمزيد من «الإصلاح» . ماركس لم يكن يتحدث عن تونس حين كتب عن الدين العمومي، لكنه ترك لنا مفتاحا لا يزال صالحا لفتح هذا القفل . لقد رأى في الدين العمومي إحدى أقوى روافع التراكم الرأسمالي، لأن المال المقرض للدولة يتحول إلى سندات وحقوق مالية، وتتحول الدولة نفسها إلى مجال مضمون لتراكم رأس المال . المسألة إذن ليست أن الدولة «مدينة» وحسب؛ المسألة أن هناك من يملك الدين، ومن يحصل على فوائده، ومن يتحمل كلفة سداده. هنا يبدأ الفرق بين قراءة يسارية وقراءة ليبرالية . القراءة الليبرالية ترى العجز وتبحث عن تقليصه . ترى الدين وتبحث عن تخفيضه . ترى الإنفاق وتبحث عن ضغطه . ترى المؤسسات العمومية فتسأل عن مردوديتها المالية . ترى الأجور فتراها كلفة . ترى الدعم فتراه عبئا . ترى العامل في جدول النفقات . أما القراءة الثورية فتنظر إلى الطرف الآخر من المعادلة : من يملك الثروة؟ من يسيطر على الائتمان؟ من يستفيد من الفائدة؟ من يملك القدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة؟ ومن يدفع ثمن الإنقاذ كلما اهتز النظام؟ وهنا ينبغي أن نقولها بلا مواربة : صندوق النقد الدولي ليس مؤسسة خيرية، والبنك العالمي ليس جمعية إنسانية، والاتحاد الأوروبي ليس قوة فوق المصالح الطبقية، ولا البنوك والمؤسسات المالية العربية والخليجية والإفريقية تعمل خارج منطق رأس المال . إنها مؤسسات مختلفة الوظائف والأشكال، بينها فروق حقيقية، لكن جميعها تتحرك داخل عالم تحكمه علاقات القوة الرأسمالية وتفاوت هائل بين المراكز والأطراف . ولا يعني هذا أن كل قرض مؤامرة، أو أن كل مشروع ممول من الخارج شر في ذاته . هذا تبسيط لا يليق بالماركسية . لكن رفض التبسيط في اتجاه لا يعني الوقوع في التبسيط في الاتجاه الآخر . فالقضية ليست لون الدائن ولا جنسيته، وإنما موقعه في علاقة الإنتاج والتمويل، وشروط القرض، ووظيفته، والجهة التي تستفيد منه، والكلفة الاجتماعية التي يحملها . صندوق النقد الدولي يحتل موقعا خاصا في هذه المنظومة، لأنه لا يقدم المال فقط، بل يربط التمويل ببرامج اقتصادية وإصلاحات ومراجعات دورية . ففي أكتوبر 2022 أعلن الصندوق التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء حول برنامج تمويل ممتد لتونس بقيمة تقارب 1.9 مليار دولار، مع ربط البرنامج بمجموعة من السياسات والإصلاحات . ومنذ ذلك التاريخ ظل الصندوق حاضرا في المشهد الاقتصادي التونسي حتى مع عدم تحول اتفاق 2022 إلى برنامج منفذ بالكامل أمام مجلس إدارته . وفي 31 اوت 2026 كان الرصيد القائم من قروض تونس لدى الصندوق نحو 317.8 مليون وحدة حقوق سحب خاصة . هذه الأرقام مهمة لأنها تفكك أيضا خرافة أخرى : تونس ليست غارقة فقط في «ديون صندوق النقد» . صندوق النقد جزء من شبكة أوسع بكثير . لكنه جزء له خصوصيته السياسية، لأن تمويله يرتبط ببرنامج اقتصادي وبإصلاحات وبشروط ومراجعات، أي أن علاقة الدائن بالمدين لا تتوقف عند تحويل المال . وهنا يكمن جوهر عدائنا السياسي للصندوق : ليس لأن موظفيه أشخاص أشرار، وليس لأن كل ورقة تصدر عنه مؤامرة، وإنما لأن المؤسسة نفسها تنتمي إلى منظومة مالية دولية نشأت وتطورت داخل الرأسمالية الإمبريالية، وتتعامل مع أزمات البلدان المدينة من زاوية استعادة الاستقرار المالي والقدرة على السداد وإعادة هيكلة الاقتصاد وفق منطق السوق والانضباط المالي . حين يدخل صندوق النقد إلى بلد مأزوم، فإنه لا يدخل إلى فراغ . يدخل إلى مجتمع فيه عمال وفلاحون وفقراء وطبقات وسطى ورأسماليون وبنوك ومؤسسات عمومية واحتكارات وقطاعات تصديرية وقطاع غير منظم . ولذلك فإن كل «إصلاح» له آثار موزعة اجتماعيا بصورة غير متساوية . رفع الأسعار ليس قرارا محايدا . تجميد الأجور ليس قرارا محايدا . تقليص الدعم ليس قرارا محايدا . إعادة هيكلة المؤسسات العمومية ليست قرارا محايدا . توسيع الجباية على الاستهلاك ليس قرارا محايدا . تحرير الأسعار ليس قرارا محايدا . كل هذه القرارات تعيد توزيع الدخل والثروة بين الطبقات، حتى عندما تقدم في لغة تقنية باردة لا تحتوي كلمة واحدة عن الطبقات . وهنا ينبغي أن نكون أكثر جذرية : النيوليبرالية لا تحتاج إلى إلغاء الدولة؛ إنها تحتاج إلى دولة تعيد تنظيم نفسها لخدمة شروط تراكم رأس المال . الدولة لا تختفي . تتغير وظيفتها . تصبح مطالبة بتأمين السوق، وحماية النظام المالي، وضمان القدرة على السداد، وتهيئة المجال للاستثمار، وضبط الإنفاق الاجتماعي، وإعادة تنظيم المؤسسات العمومية بما يتلاءم مع منطق الربح . وهذه هي الدولة التي يريدها رأس المال المالي : دولة قوية حين يتعلق الأمر بفرض الانضباط على المجتمع، و«خفيفة» حين يتعلق الأمر بالخدمات والحقوق الاجتماعية . أما البنك العالمي، فله موقع آخر داخل هذه المنظومة . هو يمول مشاريع في المياه والطاقة والفلاحة والحماية الاجتماعية والبنية التحتية وغيرها، كما يقدم دعما فنيا ومشورة في الإصلاحات والسياسات العامة . وتظهر بيانات البنك العالمي أن التزاماته لمشاريع تونس بلغت نحو 13.9 مليار دولار عبر 169 مشروعا حتى أغسطس 2026، مع موافقات حديثة لتمويل مشاريع في الأمن المائي والفلاحة والحماية الاجتماعية والقدرة على مواجهة الكوارث . لا معنى لليسار أن يقول إن كل هذه المشاريع سيئة لمجرد أن البنك العالمي يمولها . قد يكون مشروع للماء أو الري أو الحماية الاجتماعية ضروريا فعلا للناس . لكن هذا لا يعفي المؤسسة من النقد . فالبنك العالمي لا يكتفي بتحويل الأموال؛ لديه برامج للمساعدة الفنية والحوار حول السياسات والإصلاحات الهيكلية . وبرنامج «المرونة الاقتصادية والإدماج» في تونس يقدم نفسه صراحة كأداة لدعم الإصلاحات الهيكلية والحوار حول السياسات . وهنا بالضبط يظهر الفرق بين مشروع يخدم المجتمع ومشروع يعيد إنتاج التبعية. الماركسية لا تحكم على القرض من عنوانه، وإنما من موقعه داخل بنية الاقتصاد . إذا موّل القرض شبكة مياه تضع حدا لعطش منطقة محرومة، فهذا شيء . وإذا موّل مشروعا يوسع اعتماد البلد على التكنولوجيا والشركات الخارجية ويخلق تدفقات مالية مستمرة نحو الخارج، فذلك شيء آخر . وإذا كان القرض يمول عجزا جاريا ثم نحتاج بعد سنوات إلى قرض آخر لسداد القرض الأول، فهذه ليست تنمية . هذه إدارة للتبعية . وهنا يأتي الاتحاد الأوروبي . الاتحاد الأوروبي ليس صندوق النقد، وليس البنك العالمي، وليس مؤسسة إقراض واحدة أصلا . إنه كتلة اقتصادية وسياسية كبرى ترتبط تونس بها تجاريا واستثماريا وماليا وسياسيا . وهو يقدم لتونس منحا وقروضا ومساعدات مالية وبرامج تعاون . وبعض التمويلات الأوروبية كانت في شكل منح، وبعضها في شكل قروض، وبعضها مرتبط ببرامج إصلاح ودعم مالي . ولذلك لا يجوز وضع كل الأموال الأوروبية في سلة واحدة . لكن لا يجوز أيضا النظر إلى أوروبا كجار كريم لا مصالح له . الاتحاد الأوروبي قوة اقتصادية كبرى لها مصالحها في السوق التونسية، وفي الطاقة، والاستثمار، والهجرة، والاستقرار السياسي والأمني، وسلاسل التوريد . والاقتصاد لا ينفصل عن السياسة حين تكون المصالح بهذا الحجم . لقد أثبت تاريخ الرأسمالية أن التجارة والاستثمار والدين والهجرة والأمن ليست ملفات منفصلة تماما . إنها حلقات في علاقة قوة واحدة . والأمر نفسه ينطبق على البنك الإفريقي للتنمية . من الخطأ أن نسميه ببساطة «أداة غربية» لأن الغرب يملك نفوذا في النظام المالي العالمي، ومن الخطأ المعاكس أن نعتبره تقدميا تلقائيا لأنه إفريقي . المؤسسة الإفريقية تمول مشاريع في تونس وتشارك في تمويل النقل والطاقة والمياه والزراعة والقطاع المالي وغيرها . لكن المؤسسة القارية نفسها تتحرك داخل الاقتصاد الرأسمالي العالمي . المقياس الثوري لا يكون بالهوية الجغرافية . القرض الأوروبي ليس سيئا لأنه أوروبي فقط . والقرض الخليجي ليس جيدا لأنه عربي . والقرض الإفريقي ليس تقدميا لأنه إفريقي . والقرض الصيني ليس ثوريا لأنه صيني . والقرض من بنك تونسي ليس شعبيا لأنه داخلي . القرض يقاس بعلاقته بالإنتاج والسيادة والطبقات . وهنا نصل إلى التمويلات العربية والخليجية والصناديق والمؤسسات المالية العربية والإسلامية . لقد حصلت تونس على تمويلات من الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، والصندوق السعودي للتنمية، والصندوق الكويتي للتنمية، والبنك الإسلامي للتنمية وغيرها، كما عرفت علاقاتها مع دول عربية وخليجية أشكالا مختلفة من التمويل والودائع والمساعدات . نحن لا نرفض التمويل لأنه عربي، ولا نقبله لأنه عربي. نرفض أن تتحول تونس من تبعية مالية إلى تبعية مالية أخرى . لا نريد أن نستبدل وصاية واشنطن بوصاية أبو ظبي. ولا بروكسيل بغيرها . ولا واشنطن بموسكو . ولا صندوق النقد بصندوق عربي . الماركسية لا تؤمن بتغيير صاحب القيد مع بقاء القيد . لقد علمنا لينين أن الإمبريالية ليست مجرد علم أمريكي أو جندي أجنبي . إنها مرحلة من الرأسمالية يندمج فيها رأس المال البنكي والصناعي ويتعاظم دور رأس المال المالي، ويتحول تصدير رأس المال إلى أداة أساسية من أدوات الهيمنة الاقتصادية . ولذلك فإن التبعية المالية لا تحتاج إلى احتلال عسكري مباشر حتى تكون تبعية . هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع . الإمبريالية الحديثة لا تحتاج دائما إلى جندي على الحدود . يكفي أحيانا أن تحتاج الدولة إلى العملة الصعبة . أن تحتاج إلى إعادة تمويل ديونها . أن تحتاج إلى موافقة الدائن . أن تحتاج إلى المستثمر الخارجي . أن تحتاج إلى السوق الخارجية . أن تحتاج إلى التكنولوجيا المستوردة . أن تحتاج إلى الطاقة والغذاء من الخارج . عندها تبدأ السيادة الاقتصادية في التضيق . وهذا لا يعني أن تونس بلا سيادة، ولا يعني أن كل قرار تتخذه الدولة يمليه الخارج . لكنه يعني أن استقلال الدولة السياسي لا يلغي تفاوت القوة داخل النظام الاقتصادي العالمي . وهذا هو جوهر نظرية التبعية والتطور غير المتكافئ التي وجد فيها تروتسكي أحد أهم مفاتيح فهم البلدان الواقعة على هامش المراكز الرأسمالية . تونس ليست بلدا خارج الرأسمالية . إنها داخلها . لكنها داخلها في موقع غير متكافئ . وهذا الموقع ينتج أشكالا من التبعية الصناعية والتكنولوجية والغذائية والطاقية والمالية . والدين واحد من أكثر أشكال هذه التبعية وضوحا . هنا تصبح الـ73 مليار دينار التي أضيفت إلى رصيد الدين منذ 2019 أكثر من رقم . إنها أثر مادي لعجز النموذج الاقتصادي عن إنتاج ما يكفي من الموارد لتمويل حاجات المجتمع . كورونا سرعت الأزمة . الحرب الروسية الأوكرانية عمقتها . الجفاف ضغط على الفلاحة . ارتفاع أسعار الطاقة زاد الكلفة . لكن هذه كلها صدمات فوق أرضية قديمة . الأزمة أعمق من كورونا . وأقدم من الحرب . وأكبر من صندوق النقد . صندوق النقد يستفيد من الأزمة ويقدم وصفته . البنك العالمي يتدخل في الإصلاح والتمويل . الاتحاد الأوروبي يفاوض من موقع قوته الاقتصادية والسياسية . البنوك المحلية تمول الدولة . المؤسسات العربية والخليجية تقدم تمويلات . البنك الإفريقي يمول مشاريع . لكن كل هذه الحركات تدور فوق اقتصاد يعاني من اختلال بنيوي. وهنا نصل إلى أخطر جزء من القصة : الدين الداخلي . الدولة التونسية اتجهت بدرجة أكبر نحو التمويل الداخلي، ومع ارتفاع الدين الداخلي يصبح الجهاز البنكي المحلي طرفا مركزيا في علاقة الدولة بالدين . وهذا لا يعني أن الدين الداخلي «أكثر وطنية» . الرأسمال لا يصبح شعبيا لأنه يحمل عنوانا تونسيا . حين تقترض الدولة من البنك التونسي، هناك أيضا فائدة . هناك مال ينتقل . هناك أصحاب رأس مال . هناك علاقة دائن ومدين . الفرق أن الدائن هذه المرة موجود داخل الحدود . لكن الطبقة التي تدفع لا تختفي . وهنا يصبح السؤال الطبقي واضحا . الدولة تجمع الموارد من المجتمع . ثم تدفع خدمة الدين . فتتحول موارد عامة إلى خدمة التزامات مالية . في 2025 بلغت تسديدات أصل الدين نحو 17.983 مليار دينار، بينما بلغت فوائد الدين نحو 6.459 مليارات دينار، وتقدر فوائد الدين لسنة 2026 بنحو 7.208 مليارات دينار وفق بيانات وزارة المالية . هذه هي قلب المأساة . ليس لأن الدولة تدفع الدين . بل لأن خدمة الدين تصبح بندا ضخما ينافس الإنفاق الاجتماعي والاستثمار العمومي، بينما يظل المجتمع مطالبا بإنتاج موارد جديدة حتى يستمر النظام المالي في العمل . وهنا ينبغي أن نقول للطبقات الشعبية شيئا مختلفا تماما عما يقوله خطاب التقشف : أنتم لستم مسؤولين بالتساوي عن هذه المديونية . العامل الذي يعيش من أجره لم يصنع النظام المالي العالمي . الفلاح الصغير لم يضع شروط التجارة الدولية . العاطل لم يقرر سياسة الاقتراض . المواطن الذي يدفع الضريبة على استهلاكه لم يكتب العقود المالية . الجهات المهمشة لم ترسم السياسة الصناعية . لكن الجميع يطلب منه الدفع . وهذه هي الخدعة الكبرى في خطاب «التضامن الوطني» حين يستعمل لتوزيع كلفة الأزمة بالتساوي على مجتمع غير متساو أصلا . لا يوجد تضامن طبقي بين من يملك الثروة ومن لا يملك إلا قوة عمله . هناك صراع مصالح . وقد كتب ماركس منذ البداية أن تاريخ المجتمعات هو تاريخ صراعات الطبقات . والدين لا يلغي هذا الصراع . إنه يكشفه . كلما ارتفعت كلفة الدين، يبدأ البحث عن الموارد . وعندما لا تريد السلطة المساس بما يكفي بالثروة الكبرى، يكون الطريق الأسهل هو الاستهلاك والضرائب غير المباشرة والخدمات والأجور . وهنا يصبح التقشف سياسة طبقية . ليس لأن كل مسؤول عن المالية العامة يخطط بالضرورة لإفقار الناس، وإنما لأن بنية النظام نفسها تدفع نحو تحميل الكلفة لمن هم أضعف قدرة على مقاومتها . وهذا هو بالضبط ما يجب أن يرفضه اليسار الثوري . لا يمكن أن يكون «حل أزمة الدين» هو أفقر الناس . لا يمكن أن تكون المدرسة العمومية هي الضحية . لا يمكن أن يكون المستشفى العمومي هو الضحية . لا يمكن أن يكون العامل هو الضحية . لا يمكن أن تكون الجهات الداخلية هي الضحية . لا يمكن أن تتحول المؤسسات العمومية إلى فريسة تحت عنوان «الإصلاح» . المطلوب هو العكس تماما . ضريبة تصاعدية حقيقية . ضرب التهرب والتهريب والاحتكارات والريع . إعادة بناء الصناعة الوطنية . إعادة الاعتبار للفلاحة والسيادة الغذائية . تطوير الطاقة الوطنية والمتجددة . استعادة دور المؤسسات العمومية . توجيه الائتمان إلى الإنتاج . ربط الاستثمار العمومي بالجهات المحرومة . إعادة توزيع الثروة . ووضع الدين العمومي كله تحت رقابة اجتماعية حقيقية . نحن لا نحتاج إلى خبراء صندوق النقد حتى يخبرونا أن تونس مدينة . نحتاج إلى معرفة من استفاد من الدين . ومن استفاد من الامتيازات . ومن تهرب من الضريبة . ومن احتكر السوق . ومن حوّل الأموال . ومن راكم الأرباح . ومن حصل على الدعم . ومن حصل على القروض . ومن دفع الفائدة . ومن يدفع اليوم ثمن الدين . هنا يصبح التدقيق في الدين العمومي فعلا سياسيا ثوريا . ليس المقصود إطلاق شعار أجوف من نوع «إلغاء كل الديون» ثم العودة إلى الحياة الطبيعية . بل فتح دفاتر الدين أمام الشعب . كل قرض . كل عقد . كل فائدة . كل مشروع . كل مستفيد . كل وسيط . كل شرط . كل التزام . وتمييز الديون التي مولت استثمارا حقيقيا عن الديون التي مولت العجز أو أعادت تمويل دين سابق . عندها فقط يصبح المجتمع قادرا على تحديد ما الذي يمكن الاعتراف به وما الذي ينبغي رفضه أو إعادة التفاوض بشأنه . فليس كل دين مقدسا . وليس كل عقد عادلا لمجرد أن الدولة وقعت عليه . وليس كل التزام مالي فوق النقد . السيادة الشعبية تعني أن المال العام ليس ملكا مغلقا لوزارات المالية والدائنين . وهنا يجب أن تكون الماركسية واضحة : الدولة ليست فوق الطبقات . الدولة ساحة للصراع الطبقي . ميزانيتها أيضا ساحة للصراع الطبقي . جبايتها ساحة للصراع الطبقي . دينها ساحة للصراع الطبقي . وحتى اختيار الدائن ساحة للصراع الطبقي . لذلك لا نريد «إدارة أفضل للمديونية» فقط . نريد الخروج من اقتصاد المديونية . لا نريد فقط تفاوضا أفضل مع صندوق النقد . نريد أن يصبح صندوق النقد أقل قدرة على تحديد مستقبل تونس . لا نريد فقط شروطا أفضل من البنك العالمي . نريد اقتصادا يقلل حاجته إليه . لا نريد فقط قرضا أوروبيا أقل كلفة . نريد علاقة مع أوروبا تقوم على الندية لا على حاجة دائمة إلى التمويل . لا نريد فقط تمويلا خليجيا بديلا . نريد أن نتحرر من منطق الدائن مهما كان اسمه . ولا نريد أيضا أن نستبدل التبعية الغربية بتبعية أخرى . التحرر الحقيقي هو أن تصبح تونس قادرة على إنتاج حاجاتها الأساسية، وأن تتحكم في مواردها، وأن توظف ثرواتها لصالح شعبها . هذا هو معنى السيادة الاقتصادية . وهذا هو الفرق بين الوطنية البرجوازية والوطنية الشعبية . الوطنية البرجوازية تريد دولة قادرة على التفاوض باسم أصحاب رأس المال . الوطنية الشعبية تريد اقتصادا يكون فيه العامل والفلاح والموظف والشباب والجهات جزءا من القرار حول الثروة التي ينتجونها . ومن هنا يصبح الحديث عن المؤسسات العمومية مسألة مركزية . نحن لسنا مع بيروقراطية فاسدة باسم الاشتراكية . ولا مع إدارة عمومية تتحول إلى مزرعة للمحسوبية . لكننا ضد الكذبة التي تقول إن المؤسسة العمومية يجب أن تباع لأنها لا تحقق الربح . المرفق العمومي له حساب آخر . المستشفى ليس محلا . المدرسة ليست شركة . الماء ليس سلعة عادية . النقل ليس مجرد مشروع تجاري . الطاقة ليست مجرد فرصة للمضاربة . المناجم ليست ملكا لمجموعة من المستثمرين . المؤسسات العمومية التي فشلت في الإدارة لا ينبغي بيعها؛ ينبغي إخضاعها للرقابة وإعادة بنائها، وإبعادها عن الزبونية والفساد، وإشراك العمال في إدارتها، وربطها بخطة إنتاج وطنية . هنا يمكن أن يصبح اليسار جديا . ليس يسارا يبكي على الماضي . ولا يسارا يكرر شعارات السبعينات . ولا يسارا يتخيل الاشتراكية كمجرد تأميم إداري . بل يسارا يريد ملكية اجتماعية حقيقية، وديمقراطية اقتصادية حقيقية، وتخطيطا يشارك فيه المنتجون، وسيطرة شعبية على القطاعات الاستراتيجية . هذا هو الرد الحقيقي على المديونية . ليس أن نقول فقط : «لا لصندوق النقد» . بل أن نبني الشروط التي تجعل صندوق النقد أقل قدرة على فرض شروطه . ليس أن نقول فقط : «لا للبنك العالمي» . بل أن نبني دولة قادرة على الاستثمار في الماء والطاقة والفلاحة والصناعة دون انتظار قرض مشروط . ليس أن نرفض الاتحاد الأوروبي كشعار . بل أن نعيد بناء علاقة اقتصادية معه على أساس المصالح المتبادلة والندية، لا على أساس الحاجة الدائمة إلى التمويل والأسواق . ليس أن نرفض التمويل الخليجي والعربي والإفريقي لمجرد أنه يأتي من هناك . بل أن نرفض كل تمويل يحول تونس إلى تابع، ونقبل فقط ما يخدم إنتاجها وسيادتها ومجتمعها وفق شروط شفافة وعادلة . هذا هو الفرق بين الرفض الثوري السطحي والرفض الثوري الذي يمتلك بديلا . لقد كان لينين واضحا في أن الإمبريالية ليست مجرد سياسة خارجية لدولة ما، وإنما بنية اقتصادية وسياسية مرتبطة بالرأسمال المالي . وكان تروتسكي أكثر إصرارا على أن البلدان المتأخرة تدخل النظام العالمي في شروط غير متكافئة، فتتداخل فيها أشكال حديثة ومتخلفة من الإنتاج والتبعية . وروزا لوكسمبورغ فهمت بدورها أن توسع رأس المال يحتاج باستمرار إلى إخضاع مجالات جديدة لمنطق السوق والتراكم . هذه ليست متاحف نظرية. إنها أدوات . وتونس اليوم تحتاج إلى هذه الأدوات أكثر مما تحتاج إلى خطب خبراء المال . لأن الأزمة ليست في عدم معرفة حجم الدين . الأرقام منشورة . الأزمة في أن المجتمع يعرف حجم الدين ولا يملك القوة الاجتماعية والسياسية الكافية لتحديد من يدفعه ومن يستفيد منه . وهنا تقع مهمة اليسار . أن يحول الرقم إلى وعي . والوعي إلى تنظيم . والتنظيم إلى قوة . والقوة إلى سياسة . لا أن يكتفي بالتعليق على بيانات وزارة المالية . المطلوب أن يتحول ملف الدين إلى قضية شعبية، إلى قضية عمال وفلاحين وشباب وموظفين ونقابيين ومثقفين، إلى قضية ترتبط بالأجر والأسعار والتعليم والصحة والماء والطاقة والسكن والعمل . فالدين ليس في السماء. إنه موجود في رغيف الخبز . في فاتورة الكهرباء . في تذكرة النقل . في أجر العامل . في مستشفى الجهة . في مدرسة القرية . في مصنع أغلق أبوابه . في شاب هاجر . في أرض عطشى . وفي ثروة تُستخرج من باطن البلاد ولا تتحول بالقدر الكافي إلى تنمية اجتماعية . لهذا لا يمكن أن نترك ملف الدين للخبراء . ولا يمكن أن نتركه لصندوق النقد . ولا للبنك العالمي . ولا للبنوك . ولا للوزارات وحدها . إنه ملف الشعب . ومعركته يجب أن تكون معركة الشعب . المسألة في النهاية ليست أن تونس اقترضت كثيرا . المسألة أن اقتصادا كاملا بُني بطريقة تجعل الاقتراض ضرورة متكررة . وكلما حاولنا الخروج من الحلقة أعادنا إليها عجز الإنتاج، والتبعية، واختلال توزيع الثروة، وضعف الاستثمار، والاعتماد على الخارج . لهذا لا نريد إدارة أفضل للسلسلة . نريد قطع السلسلة . لا نريد بلدا ينتظر رضا الدائن . نريد بلدا يملك القدرة على قول «لا» . لا باعتبارها كلمة غضب، وإنما باعتبارها نتيجة لقوة اقتصادية واجتماعية حقيقية . حين نمتلك غذاءنا أكثر . حين ننتج طاقتنا أكثر . حين نصنع أكثر . حين نطور علمنا وتكنولوجيتنا . حين نعيد بناء مؤسساتنا العمومية . حين نفرض الضريبة الحقيقية على الثروة . حين نوجه الائتمان إلى الإنتاج . حين يصبح العمال شركاء فعليين في القرار . حين تتقدم الجهات المهمشة . حين يصبح القرار الاقتصادي ديمقراطيا . عندها فقط تصبح كلمة «السيادة» أكثر من شعار . وعندها يصبح صندوق النقد مؤسسة خارجية، لا سلطة فوقية . ويصبح البنك العالمي ممولا يمكن التعامل معه أو رفضه، لا حكما على مستقبل البلاد . ويصبح الاتحاد الأوروبي شريكا تجاريا يمكن التفاوض معه، لا مركزا اقتصاديا يملك أوراق الضغط كلها . وتصبح القروض العربية والخليجية والإفريقية مجرد أدوات تمويل، لا أبوابا جديدة للتبعية . هذه هي المعركة . ليست معركة ضد قرض واحد . إنها معركة ضد اقتصاد الدَّين . وليست معركة ضد مؤسسة واحدة . إنها معركة ضد الرأسمالية الإمبريالية حين تحول المال إلى سلطة والسياسة إلى تابع للتمويل . وليست معركة من أجل أن تتخلف تونس عن العالم . إنها معركة من أجل أن تدخل العالم من موقع مختلف : موقع بلد ينتج، ويملك، ويخطط، ويتفاوض، ويوزع ثروته بعدالة، ولا يمد يده كل عام إلى الدائنين كي يشتري حقه في البقاء . إن الـ73 مليار دينار الإضافية ليست قدرا . والتبعية ليست قدرا . والتقشف ليس قدرا . والفقر ليس قدرا . والدين ليس قدرا . كلها علاقات تاريخية صنعتها قوى اجتماعية ويمكن لقوى اجتماعية أخرى أن تغيرها . ولهذا فإن اليسار الثوري لا ينبغي أن يطلب من العمال أن يتحملوا فاتورة أزمة لم يصنعوها . ولا أن يطلب من الفقراء الصبر حتى يستعيد الدائنون أموالهم . ولا أن يجمّل وصفات صندوق النقد باسم الواقعية . ولا أن يحوّل البنك العالمي إلى شريك إنمائي فوق النقد . ولا أن يضع الاتحاد الأوروبي في خانة الصديق الذي لا مصالح له . ولا أن يستبدل الإمبريالية الغربية بتبعية عربية أو خليجية أو غيرها . نحن ضد كل إفرازات الإمبريالية لأننا مع استقلال القرار الاقتصادي والاجتماعي للشعوب . وضد صندوق النقد لأننا ضد تحويل الدين إلى أداة لإعادة هندسة المجتمع من فوق . وضد البنك العالمي حين يتحول التمويل إلى بوابة لفرض نموذج اقتصادي تابع . وضد كل سياسة تجعل العامل يدفع ثمن إنقاذ رأس المال . وضد كل خصخصة تحول ملكية المجتمع إلى ربح خاص . وضد كل تقشف يبدأ من الخبز والصحة والتعليم والأجر وينتهي بحماية الثروة والريع . وضد كل خطاب وطني يخفي وراءه مصالحة بين من يملك ومن لا يملك . إن المعركة ليست من أجل أن تكون تونس مدينة لدائن «أفضل» . المعركة من أجل أن تصبح تونس أقل حاجة إلى الدائنين جميعا . وهذا لا يتحقق بالتوسل إلى الأسواق . ولا بتبديل الوزراء . ولا بإعادة تدوير القروض . ولا ببيع المؤسسات . ولا بإفقار العمال . إنه يتحقق بإعادة بناء القوة المنتجة للمجتمع، وبإعادة توزيع الثروة، وباستعادة القرار الاقتصادي من قبضة رأس المال المالي، وبإقامة اقتصاد شعبي منتج، وبناء دولة اجتماعية ديمقراطية، وبجعل من ينتج الثروة شريكا في تقرير مصيرها . ذلك هو الطريق الوحيد الذي يجعل الدين يتراجع لا في الجداول فقط، بل في حياة الناس . أما أن نبقى نستدين لكي نسدد، ونسدد لكي نستدين، ونقترض من صندوق، ثم نعيد التمويل من بنك، ثم نستبدل الدائن بدائن، ونقدم كل ذلك للناس باعتباره «إصلاحا»، فذلك ليس خروجا من الأزمة . إنه فقط إطالة عمرها . والثورة الاجتماعية تبدأ حين يتوقف الشعب عن قبول فكرة أن مستقبله ملك للدائنين . ونصل إلى المسألة الأكثر حساسية : ليس كل دين عمومي دينا مشروعا بالمعنى السياسي والأخلاقي، وليس كل قرض حصلت عليه الدولة ينبغي أن يعامل وكأنه التزام مقدس لا يجوز الاقتراب منه . فهناك فرق هائل بين دين استعمل لبناء مدرسة أو مستشفى أو شبكة نقل أو منشأة إنتاجية تخدم المجتمع، وبين دين استعمل لتمويل نظام استبدادي، أو لإنقاذ منظومة مالية، أو لتمويل عجز سببه نهب الثروة، أو لشراء السلاح لقمع الشعب، أو لإعادة تمويل ديون قديمة، أو لتمويل سياسات فرضتها مؤسسات مالية دولية على بلد تابع، ثم تأتي الأجيال اللاحقة لتدفع الفاتورة. هنا يظهر مفهوم "الدين القذر" أو "الدين غير المشروع"، وهو المفهوم الذي اكتسب حضورا تاريخيا في نقاشات الديون السيادية، وإن كان تحديده القانوني يختلف من حالة إلى أخرى ولا توجد قاعدة دولية واحدة تعطي كل دولة حقا آليا في إلغائه . بالنسبة إلى اليسار الثوري، لا يمكن أن يبدأ النقاش من السؤال الذي تفرضه البنوك والدائنون : كيف ستدفع تونس؟ يجب أن يبدأ من سؤال آخر أكثر جوهرية : كيف نشأ هذا الدين؟ ومن اقترض؟ ولمن ذهبت الأموال؟ ومن استفاد؟ ومن وقع العقود؟ وما الذي بقي منه في الاقتصاد الحقيقي؟ ومن يتحمل اليوم كلفة سداده؟ هذه ليست أسئلة تقنية . إنها أسئلة طبقية وسياسية في صميم الصراع على السلطة والثروة . الدين العمومي التونسي بلغ، وفق معطيات وزارة المالية، نحو 141.665 مليار دينار سنة 2025، وتقدّر قوانين مالية 2026 رصيده بنحو 156.704 مليار دينار، أي 83.4 بالمائة من الناتج الداخلي الخام. لكن الرقم، مهما كان ضخما، لا يقول وحده شيئا عن طبيعة الدين . فالرقم يخفي وراءه عقودا وقرارات وأنظمة تمويل ودائنين ومؤسسات وشروطا وأسعار فائدة، والأهم يخفي علاقات قوة . ولهذا فإن أول خطوة في أي سياسة يسارية جدية يجب أن تكون فتح ملف الدين العمومي كاملا أمام الشعب . نحن بحاجة إلى تدقيق شعبي وديمقراطي في الدين، لا إلى تدقيق محاسبي مغلق داخل وزارة أو بنك مركزي أو مكتب استشاري تابع للدائنين . تدقيق يبحث في أصل كل قرض كبير، وتاريخ إبرامه، وشروطه، وسعر فائدته، والجهة التي منحته، والجهة التي وقعت عليه، ومجالات استعماله، والمشاريع التي مولها، والمستفيدين الحقيقيين منه، والعمولات المرتبطة به، والوسطاء الذين حصلوا على الأرباح، ومدى احترامه للمصلحة العامة . ومن خلال هذا التدقيق يمكن التمييز بين الدين الذي يمكن الاعتراف به ضمن مسؤولية الدولة، والدين الذي تحوم حوله شبهات الفساد أو الإهدار أو خدمة مصالح الأقلية، والدين الذي استعمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة لإعادة إنتاج التبعية الاقتصادية والسياسية . فكرة "الدين القذر" لا تعني أن اليسار يستطيع بمجرد إطلاق التسمية أن يلغي أي قرض يريد . المسألة أكثر جدية من ذلك . المطلوب هو بناء ملف سياسي وقانوني واقتصادي يثبت عدم مشروعية بعض الديون أو عدم استفادة المجتمع منها، ثم تحويل هذا الملف إلى أداة تفاوض وصراع جماهيري . هنا يصبح تدقيق الدين فعلا من أفعال السيادة الشعبية، لا مجرد تمرين مالي . لقد عرفت تونس أنظمة سياسية طويلة استعملت المال العام وأجهزة الدولة لخدمة شبكات المصالح والزبونية والاستبداد . ولذلك فإن تحميل الأجيال الجديدة كامل كلفة الاختيارات المالية التي اتخذتها أنظمة سابقة دون مساءلة عن كيفية استعمال الأموال هو قلب للعدالة الاجتماعية رأسا على عقب . الشعب الذي لم يقرر القرض لا ينبغي أن يعامل باعتباره المسؤول الوحيد عن سداده، بينما تختفي المسؤولية السياسية والاقتصادية لمن اتخذ القرار ومن استفاد منه . ومن هنا يصبح مطلب إلغاء الديون غير المشروعة جزءا من برنامج اليسار الثوري . إلغاء الدين غير المشروع ليس "تهربا من المسؤولية"، كما يحب الخطاب المالي الرسمي أن يصوره، وإنما يمكن أن يكون فعلا من أفعال استعادة المسؤولية الشعبية . فالمسؤولية الحقيقية تبدأ عندما ترفض الدولة أن تجعل المجتمع يدفع ثمن عقود لم تخدم المجتمع أصلا . أما بالنسبة إلى بقية الديون، فإن المطالبة بإعادة الجدولة ليست تنازلا أيديولوجيا ولا قبولا أبديا بمنطق الدائنين . إنها أداة صراع ضرورية عندما يكون حجم الاستحقاقات وفوائدها قد أصبح عائقا أمام الإنفاق الاجتماعي والاستثمار العمومي . إعادة الجدولة تعني التفاوض على آجال أطول، وفوائد أقل، وفترات سماح، وإعادة توزيع الاستحقاقات، وربما تخفيض جزء من أصل الدين عندما تكون القدرة على السداد قد وصلت إلى حدود تهدد الاقتصاد والمجتمع . وتؤكد UNCTAD منذ سنوات ضرورة وجود آليات منظمة وعادلة لإعادة هيكلة الديون السيادية، كما أشارت في تقاريرها الأخيرة إلى أن ارتفاع كلفة خدمة الدين يضغط على الموارد العمومية ويقيد الاستثمار والتنمية . لكن اليسار الثوري لا ينبغي أن يحول "إعادة الجدولة" إلى كلمة تقنية فارغة . إعادة الجدولة في ظل استمرار السياسات نفسها يمكن أن تتحول إلى تأجيل للأزمة لا إلى حل لها . أن نمدد أجل الدين عشر سنوات أو عشرين سنة بينما نستمر في الاقتراض لتمويل العجز نفسه، ونستمر في تحويل موارد الدولة إلى خدمة الدين، ونستمر في استيراد الطاقة والغذاء، ونستمر في إضعاف المؤسسات العمومية، ونستمر في إخضاع الاقتصاد لشروط الدائنين، يعني أننا نؤجل الانفجار ونورثه لأبنائنا . لذلك ينبغي أن تكون إعادة الجدولة جزءا من برنامج أوسع : وقف النزيف، تدقيق الدين، إلغاء ما يثبت أنه غير مشروع، تخفيض كلفة الديون المتبقية، إعادة توزيع العبء الضريبي، مقاومة التهرب الجبائي، إخضاع القطاع المالي لسياسة ائتمانية وطنية، إعادة بناء المؤسسات العمومية، توجيه الائتمان نحو الإنتاج، واستعادة السيطرة على قطاعات الطاقة والغذاء والنقل والماء والصحة والتعليم . وهنا بالضبط يجب أن يكون الموقف من صندوق النقد الدولي والبنك العالمي أكثر وضوحا . القضية ليست أن تونس تحتاج إلى "اتفاق أفضل" مع صندوق النقد، وكأن المشكلة تكمن فقط في بعض البنود السيئة داخل الاتفاق . القضية الأعمق هي رفض أن تتحول الحاجة إلى التمويل إلى مدخل لإعادة صياغة الاقتصاد والمجتمع وفقا لأولويات الدائنين . وحين يصبح الحصول على القرض مرتبطا بإعادة ترتيب الدعم والأجور والمؤسسات العمومية والجباية والأسعار والإنفاق الاجتماعي، فإن القرض يتحول من أداة تمويل إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي . وهذا لا يعني أن كل قرض من صندوق النقد أو البنك العالمي يحمل القيمة نفسها أو أن كل مشروع ممول من مؤسسة دولية يمكن وضعه في خانة واحدة . التحليل الجدي يميز بين الأشكال المختلفة للتمويل، لكنه يرفض في الوقت نفسه الوهم القائل إن المؤسسة تصبح محايدة لمجرد أنها تمول مشروعا اجتماعيا أو بنية تحتية . المطلوب هو النظر إلى التمويل ضمن البنية الكاملة لعلاقات القوة التي تحيط به . والمفارقة الكبرى أن خطاب الدائنين يتحدث دائما عن "استدامة الدين"، بينما لا تعني الاستدامة عندهم بالضرورة استدامة حياة الناس . قد يصبح الدين "مستداما" في جدول حسابات صندوق أو بنك طالما أن الدولة قادرة على دفع الفوائد، حتى لو كان ذلك على حساب المستشفى والمدرسة والنقل العمومي والقدرة الشرائية والاستثمار المنتج . اليسار يقلب المعادلة : الدين يجب أن يكون مستداما بالنسبة إلى المجتمع أولا، لا بالنسبة إلى الدائن فقط . لقد أصبحت هذه المسألة عالمية إلى درجة أن تقرير الأمم المتحدة حول الدين الخارجي والتنمية لسنة 2026 يؤكد استمرار الضغوط الكبيرة لخدمة الديون في البلدان النامية وارتفاع كلفة الفوائد، ويدعو إلى تحسين آليات إعادة الهيكلة وخفض كلفة التمويل . كما أن UNCTAD أشارت صراحة إلى أن إلغاء الدين يمكن أن يكون جزءا من معالجة حالات عدم الاستدامة الشديدة، إلى جانب إعادة الهيكلة ووقف خدمة الدين أثناء مسار التفاوض . لكن اليسار الثوري يذهب أبعد من الإصلاح التقني . فهو لا يطالب فقط بجدولة الدين، وإنما يطرح مسألة القوة التي تقف وراء الدين . من يملك القرار في الاقتصاد؟ من يحدد اتجاه الاستثمار؟ من يحدد ما الذي تنتجه البلاد وما الذي تستورده؟ من يقرر حجم الأجور والإنفاق الاجتماعي؟ من يقرر ما إذا كان البنك يمول مؤسسة عمومية أو سندات خزينة؟ من يدفع الضرائب ومن يستطيع الإفلات منها؟ ومن يحصل في النهاية على القسم الأكبر من الثروة التي ينتجها المجتمع؟ هذه هي النقطة التي تجعل الدين قضية طبقية بامتياز . فحين تدفع الدولة مليارات الدنانير لخدمة الدين، لا يختفي المال . إنه ينتقل من مكان إلى آخر . ما يخرج من الميزانية يدخل إلى حسابات دائنين ومؤسسات مالية وحاملي سندات ومصالح رأسمالية مختلفة . ولذلك فإن الصراع حول الدين هو أيضا صراع حول توزيع فائض القيمة والثروة الاجتماعية . ومن الخطأ كذلك أن نتصور أن الدين الداخلي أقل خطرا لمجرد أنه مقوم بالدينار وأن الدائنين مؤسسات مالية تونسية . فحين تضع البنوك قسما ضخما من مواردها في سندات الدولة، تصبح الدولة مدينة للقطاع المالي، ويصبح المجتمع أمام علاقة قوة أخرى بين المال العمومي ورأس المال المالي . وقد حذرت UNCTAD من أن تزايد اعتماد الحكومات على التمويل الداخلي يمكن أن يقلص الائتمان المتاح للقطاع الخاص ويخلق تشابكات ومخاطر بين الدولة والبنوك والمؤسسات المالية . لهذا فإن شعار "الدين الوطني" لا ينبغي أن يخدع اليسار . ليس كل ما هو داخلي شعبيا، كما أن ليس كل ما هو خارجي أجنبيا بالمعنى السياسي البسيط . السؤال الحقيقي هو دائما : من يملك المال؟ من يقرر؟ من يستفيد؟ ومن يدفع؟ ومن هنا يصبح مطلب اليسار الثوري واضحا : تدقيق شامل ومستقل وشعبي للدين العمومي، تعليق خدمة الديون المشكوك في مشروعيتها أثناء التدقيق والتفاوض، إلغاء الديون التي يثبت عدم مشروعيتها، وإعادة جدولة بقية الديون بشروط تضع الحاجات الاجتماعية والتنمية والسيادة الاقتصادية فوق مصالح الدائنين . ولا ينبغي أن تكون إعادة الجدولة عملية سرية بين الحكومة والدائنين . يجب أن تكون قضية عامة، تخضع للنقاش والمراقبة الشعبية، وأن تنشر العقود والشروط والضمانات والفوائد والاستحقاقات . فالدين الذي يدفعه الشعب يجب أن يكون للشعب الحق في معرفة كل تفاصيله . وفي اللحظة التي يطالب فيها اليسار بإلغاء الديون القذرة وإعادة جدولة بقية الديون، لا يكون قد أعلن الحرب على فكرة المسؤولية المالية، كما يريد خصومه تصوير الأمر، وإنما يكون قد أعاد تعريف المسؤولية المالية من موقع الأغلبية الاجتماعية . المسؤولية ليست أن تدفع الدولة كل شيء مهما كان مصدر الدين ومهما كان المستفيد منه . المسؤولية هي أن تحمي المجتمع من تحويل الدين إلى آلة دائمة لاقتطاع الثروة منه . ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست من أجل أن تكون تونس مدينة لصندوق النقد بدل البنك العالمي، أو للبنك العالمي بدل بنك تجاري، أو لدائن أوروبي بدل دائن خليجي، أو لدائن داخلي بدل دائن خارجي . تغيير اسم الدائن لا يغير جوهر علاقة المديونية . المطلوب هو كسر منطق الاقتصاد الذي لا يستطيع أن يتنفس إلا بالقروض . نريد تونس التي تقترض عندما يكون الاقتراض ضروريا لمشروع إنتاجي يخدم المجتمع، لا تونس التي تقترض كي تسدد قرضا سابقا، ثم تقترض من جديد كي تسدد القرض الجديد، ثم تقدم المزيد من التنازلات كي تحصل على القرض التالي . نريد اقتصادا ينتج أكثر مما يستهلك من الخارج، ويصنع أكثر مما يستورد، ويزرع أكثر مما يستورد، وينتج طاقته بدل أن يبقى رهينة لفاتورة الطاقة، ويستعيد مؤسساته العمومية بدل تحويلها إلى أوراق تفاوض مع الدائنين . وعندما نقول إلغاء الديون، فإننا لا نعني إسقاط الحساب والهرب من الواقع . نعني فتح الحساب الحقيقي لأول مرة . حساب ما اقترضته الدولة، وما دفعته، وما دفعته فوائد، وما بقي، وما سرق، وما أهدر، وما استعمل لقمع الشعب، وما استعمل لإنقاذ مصالح الأقلية، وما يمكن إثبات عدم مشروعيته . وعندما نقول إعادة الجدولة، فإننا لا نعني تمديد السلسلة إلى الأبد، وإنما شراء الوقت الضروري لتغيير الاقتصاد نفسه . إن اليسار الذي يكتفي بالصراخ ضد صندوق النقد دون أن يطرح برنامجا للدين يبقى أسير رد الفعل . واليسار الذي يطالب بالتفاوض مع الدائنين دون أن يطرح مسألة الملكية والطبقات يبقى أسير الإصلاح المالي . أما اليسار الثوري فعليه أن يربط بين الأمرين : إلغاء ما يجب إلغاؤه، إعادة جدولة ما يجب إعادة جدولته، وقطع الطريق على إنتاج الدين من جديد . ذلك هو المعنى الحقيقي للسيادة الاقتصادية . ليست السيادة أن نغير الدائن، وإنما أن نغير العلاقة التي تجعل مستقبل شعب كامل رهينا للدائنين . ليست السيادة أن نستبدل وصاية مالية بوصاية مالية أخرى، وإنما أن يصبح القرار الاقتصادي في خدمة المنتجين والكادحين والأغلبية الاجتماعية . وحين يصبح الدين قيدا على الخبز والعمل والصحة والتعليم والسكن والنقل، يصبح النضال ضده جزءا من النضال الطبقي نفسه . وحين يصبح الدين وسيلة لحماية الثروة في أعلى الهرم وتحميل كلفتها إلى أسفل الهرم، فإن رفضه يتحول من مسألة مالية إلى مسألة عدالة اجتماعية . لهذا ينبغي أن يكون شعار المرحلة واضحا : لا دفع أعمى لديون لم يصنعها الشعب، لا قداسة لعقود ثبتت لا مشروعيتها، لا خدمة للدين على حساب الحاجات الأساسية، لا قروض جديدة لإخفاء أزمة القروض القديمة، لا وصاية لصندوق النقد ولا للبنك العالمي ولا لأي دائن آخر، نعم لتدقيق الدين، نعم لإلغاء الدين غير المشروع، نعم لإعادة الجدولة الجذرية، ونعم لاقتصاد منتج يحرر تونس من الحاجة الدائمة إلى الاقتراض . فالديون ليست قدرا منزلا من السماء . إنها قرارات بشرية وعقود ومصالح وعلاقات قوة . وما صنعته الطبقات الحاكمة والمؤسسات المالية يمكن للشعوب أن تعيد النظر فيه . والمعركة، في جوهرها، ليست من أجل أن تكون تونس مدينة لدائن "أفضل"، وإنما من أجل أن تصبح تونس أقل حاجة إلى الدائنين جميعا، وأكثر قدرة على إنتاج ثروتها وتقرير مصيرها الاقتصادي بنفسها . هناك يبدأ المعنى الحقيقي للتحرر : حين يتوقف مستقبل البلاد عن أن يكون قسطا في جدول سداد، وحين يصبح المال العام مالا اجتماعيا، والثروة ملكا لمن ينتجها، والاقتصاد أداة لتحرير الإنسان لا آلة لإدامة الدين .
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تنقيح المرسوم 54، إعادة هندسة للعقوبة، وليس هدم لفلسفة العقا
...
-
الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .
-
النيولسانية واستعادة الزمن .
-
توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
-
الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
-
العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على
...
-
حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
-
الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
-
بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
-
الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
-
الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
-
حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا
...
-
المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
-
الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
-
الفساد حين يأكل من لحم الناس .
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
-
الهجرة ليست هروبا ...
-
أمريكا اللاتينية ... القارة التي لم تتصالح مع الظلم ولم تتعل
...
-
من المعرفة إلى الهيمنة : قراءة في أطروحة الطيب تيزيني بعد عق
...
-
ما بعد 25 جويلية: حين يشيخ الحكم ... ولا يولد البديل ..
المزيد.....
-
الأردن يبدأ تنفيذ تعداده السكاني السابع لتحديث بياناته الديم
...
-
الهند تعلن نقل طيار -فلاي دبي- المصاب إلى أبوظبي لتلقي العلا
...
-
بوتين يؤيد عقد لقاء ثلاثي مع ترامب وشي جين بينغ
-
بوتين: التسوية في فلسطين ممكنة فقط مع إقامة دولة فلسطينية مك
...
-
بوتين: مقترح نقل اليورانيوم الإيراني إلى روسيا لا يزال قائما
...
-
أوروبا تحكم أبوابها: مراكز ترحيل خارجية وقواعد أكثر صرامة بع
...
-
الصليب الأحمر الدولي يحذر من -تداعيات إنسانية فادحة- في الضف
...
-
بوتين: الذكاء الاصطناعي عسكريا يتخذ قرارا بنفسه من رؤيته الخ
...
-
مواجهة في السماء: تفاصيل درامية في قمرة القيادة خلال رحلة -ف
...
-
-غرفة تعذيب-.. تجربة مثيرة حول إحساس الذكاء الاصطناعي بالأل
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|