|
|
الاستقلال والسيادة الوطنية المبتورة في زمن الإمبريالية الجديدة .
رياض الشرايطي
الحوار المتمدن-العدد: 8866 - 2026 / 10 / 22 - 00:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تمثّل إشكالية السيادة الوطنية في فضاء القرن الحادي والعشرين المأزق الأنتولوجي والأكثر تعقيدا في مسارات التحرر الإنساني ببلدان الجنوب العالمي؛ إذ لم يعد ممكنا، من الناحية المنهجية، مقاربة مفهوم "الاستقلال" بالاعتماد على الأدوات النظرية والتحليلية الكلاسيكية التي اختزلته لعقود في تجلياته الإجرائية، والشكلية، والقانونية المحضة. إن الانزياح البنيوي في طبيعة الإمبريالية الجديدة ونشوء رأسمالية المنصات والمراقبة المعولمة قد نقلا آليات السيطرة الدولية من فجاجة الاحتلال العسكري المباشر والمكلف إلى ديناميكيات ناعمة، خفية، وأكثر فتكا وتغلغلا في الأنسجة الاجتماعية. إنها هيمنة لا تتطلب حضور الجسد الكولونيالي في العاصمة، بل تتمحور حول هندسة شروط الحياة اليومية، وتأبيد الديون كأداة افتراسية، وتكريس الاستعمار الرقمي والمعلوماتي الذي يستلب إرادة المجتمعات وسيادتها المعرفية. من هذا المنطلق الإبستمولوجي، تطرح هذه الدراسة النقدية قراءة تفكيكيّة المقتضبة تبحث في جدلية الانتقال من "تحرر الدولة" ككيان حقوقي مجرد ومسلوب الإرادة الفعلية خلف قناع السيادة الإجرائية، إلى "تحرر المجتمع" كبنية إنتاجية، ومادية، وثقافية قادرة على الفكاك الجذري من سلاسل التبعية البنيوية. ومن خلال إسقاط هذا الإطار التحليلي المادي على الخصوصية التاريخية والراهنة للفضاء التونسي، يسعى هذا النص إلى تعرية وتفكيك كواليس التحالف العضوي والمصلحي بين مراكز رأس المال المعولم والبورجوازية الكومبرادورية والريع المحلي. مسترشدة في ذلك بأطروحات ومقولات جيلين من الثوار والمنظرين النقديين (قدامى ومعاصرين) الذين فضحوا باكرا حقيقة أن السيادة التي لا تترجم عينا إلى خبز، وعدالة اجتماعية، ومدرسة، ومستشفى، وسيادة معرفية رقمية، ليست سوى قوقعة فارغة ووهم أيديولوجي يعيد إنتاج علاقات الاستعمار القديم ولكن بأقنعة وطنية جديدة تشرعن الاستغلال من الداخل.
أولا: أوهام السيادة الإجرائية وخديعة الفضاء الشكلي، تفكيك الأنتولوجيا القانونية للاستقلال
لم يعد مفهوم الاستقلال في سياق القرن الحادي والعشرين مجرد معطى قانوني، أو معاهدة بروتوكولية، أو حالة إجرائية يمكن اختزالها في المشهدية الاحتفالية لخروج الجيوش الأجنبية، أو رفع العلم الوطني فوق المؤسسات الرسمية، أو امتلاك الدولة لحق إصدار القوانين وإقامة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء. فهذه المكاسب، على أهميتها التاريخية الرمزية كعلامات على تصفية الاستعمار المباشر، تظل مجرد قشرة خارجيّة، وبنية حقوقية "فوقية" (بالمفهوم الغرامشي) لا تكفي وحدها لتحديد مدى تحرر المجتمع الفعلي من الهيمنة، بل إنها في كثير من الأحيان تعمل كقناع أيديولوجي يحجب المفاصل الحقيقية التي تمتلك القدرة الفعلية على توجيه الاقتصاد، وتحديد أولويات الإنتاج، وصياغة السياسات النقدية، وتوزيع الثروة. لقد شهدت أشكال السيطرة الإمبريالية طفرات تحول بنيوية كبرى، حيث تخلت عن فجاجة الاحتلال العسكري المباشر والمكلف اقتصاديا وسياسيا، لتنتقل إلى "هندسة لا مرئية" لشروط الحياة اليومية عبر آليات بنيوية ناعمة ولكنها أكثر فتكا واستدامة. إن الإمبريالية الجديدة لا تحتاج إلى إقامة إدارة استعمارية مباشرة في العاصمة لتوجيه القرار الوطني، بل تعمل من خلال مصفوفة معقدة من شبكات التمويل العابرة للحدود، واتفاقيات التجارة الحرة غير المتكافئة، واحتكار براءات الاختراع والتكنولوجيا، والتحكم في سلاسل التوريد العالمية، وهندسة الديون السيادية كأداة افتراسية. هذه المنظومة تفرض على الدولة المستقلة شكليا "قيدا بنيويا خارقا" يقلص فضاء الممكن السياسي الداخلي، ويجعل مؤسساتها الوطنية والتشريعية مضطرة، بموجب قوانين السوق العالمية، إلى إعادة إنتاج علاقات التبعية والارتهان من داخل أجهزتها السيادية ذاتها. إن هذه المفارقة تكشف عما يمكن تسميته بـ "خديعة الفضاء الشكلي"، حيث تُمنح الدولة السيادة القانونية كاملة في القانون الدولي، بينما تُجرد مجتمعاتها من سيادتها الفعلية على مواردها الحيوية. فالسيطرة المعولمة على العملات الاحتياطية، والتحكم في أسعار الفائدة من خلال الفيدرالي الأمريكي والمصارف المركزية في المتروبول، والقبضة الاحتكارية على الطاقة والغذاء والدواء، كلها أدوات قادرة على خنق أي قرار وطني لا يتوافق مع مصالح رأس المال المعولم. وتتحول الديمقراطيات والانتخابات التعددية في الأطراف، في ظل هذا الارتهان، إلى طقوس إجرائية لانتخاب مدراء محليين لأزمة التبعية، لا يملكون من "السيادة" سوى حق تطبيق الإملاءات التقنية التي تصدرها مراكز النفوذ المالي الدولي. وفي هذا السياق المعقد، يبرز التفكيك المعرفي والتحذير الاستشرافي الفذ للمنظّر والثائر المارتينيكي فرانز فانون في كتابه العمدة "معذبو الأرض"، حيث كان من أوائل من فضحوا البنية الهشة لدولة ما بعد الاستقلال. يكتب فانون محذرا: «إن الاستقلال ليس مجرد طقس سحري أو صك قانوني يمارس في ساحات العواصم لتكريس بورجوازية وطنية بديلة تأخذ مكان المستعمر، بل هو تحول بنيوي وجذري في الوعي الجمعي وفي بنية علاقات الإنتاج برمتها. وإلا فإن العلم الوطني لن يكون سوى قطعة قماش ملوّنة تغطي استمرار الاستغلال القديم بأقنعة محلية جديدة، وتتحول الدولة إلى مجرد شاشة عرض تخدم مصالح الكارتيلات الكولونيالية العتيقة». إن فانون يفكك هنا الخطيئة التأسيسية لوعي النخب الوطنية التي اعتقدت أن نقل السلطة الإدارية من المفوض السامي الأجنبي إلى الموظف الوطني يمثل نهاية المعركة، متغافلة عن أن البنية الاقتصادية التحتية للموانئ والمناجم والمصارف وآليات تسعير المواد الأساسية قد صممت لتلبي احتياجات المركز الرأسمالي لا المجتمع المحلي. وبالتالي، فإن الاستقلال الذي يكتفي بـ "تحرر الدولة" ككيان قانوني مجرد، دون "تحرر المجتمع" كقوة إنتاجية ومادية سيدة على قرارها، ينتهي حتما إلى تزييف الوعي وتأبيد التبعية في قوالب وطنية الطابع.
ثانيا: التناقض التاريخي لفكر ما بعد الاستقلال ومأزق الكومبرادور، التفكيك المادي لبنية الوساطة الطفيلية .
حمل الاستقلال الوطني في منتصف القرن العشرين في أحشائه وتكوينه الجنيني تناقضا تاريخيا وبنيويا عميقا؛ فمن جهة، كان يمثّل ضرورة تحررية وجودية وحتمية تاريخية مكنت شعوب المستعمرات من انتزاع حقها في الوجود السياسي، وإنهاء أشكال السيطرة الكولونيالية المباشرة التي نهبت الأرض واستعبدت قوة العمل البشرية، وفتح المجال أمام إرساء مؤسسات وطنية وتعميم التعليم والصحة وتحديث البنى الأساسية. ولكن من جهة أخرى، أخفق هذا الاستقلال إخفاقا ذريعا في صياغة قطيعة جذرية (معرفية واقتصادية ومادية) مع أنماط الإنتاج وعلاقات الاستغلال التي ورثها عن الحقبة الاستعمارية. لقد تحول مفهوم سيادة الدولة في كثير من الأحيان إلى مجرد درع قانوني يحمي صعود طبقات محلية وسيطة، أطلقت عليها الأدبيات النقدية والماركسية وصف "البورجوازية الكومبرادورية" أو البورجوازية الطفيلية والوكيلة، والتي ارتبط وجودها العضوي، ومراكمتها للأموال، وامتيازاتها الطبقية، بقدرتها على تسهيل وإعادة إنتاج نهب الثروات المحلية وتدفقها نحو المركز الرأسمالي المعولم. لقد خرج المستعمر كجسد عسكري إداري من القصر ومن الثكنات، لكن بنية الاقتصاد الوطني ظلت وفية ومخلصة للنموذج الاستعماري القديم القائم على تقسيم العمل الاستعماري، حيث استمرت الدولة المستقلة حديثا في لعب دور الطرف التابع الذي يقتصر نشاطه على استخراج وتصدير المواد الأولية والمنتجات الفلاحية منخفضة القيمة المضافة، واستيراد السلع المصنعة، والخدمات الاستشارية، والتكنولوجيا ذات القيمة العالية من المركز. لم تكن هذه الاستمرارية البنيوية مجرد بقايا عابرة أو آثار نفسية وتاريخية يمكن تجاوزها بمرور الوقت، بل كانت نتاجا لهندسة واعية وتواطؤ مادي بين رأس المال الدولي المالي وبين تلك النخب الكومبرادورية المحلية التي لم تكن تمتلك أي أفق تاريخي لبناء اقتصاد إنتاجي مستقل. إن هذه البورجوازية الطفيلية لا تعيش من خلال تطوير القوى المنتجة المحلية أو تحفيز التصنيع الوطني، بل تقتات على "ريع الوساطة"؛ أي من خلال الوكالات التجارية للشركات الأجنبية، وعقود الاستيراد الاحتكارية، والمضاربات العقارية والمالية، مما يربط مصيرها ومصالحها ارتباطا وثيقا بضمان بقاء بلدها في حالة تبعية بنيوية دائمة. هذا التناقض البنيوي الفادح في أحشاء الدولة الوطنية هو ما صاغه المنظر والزعيم الغاني كوامي نكروما بدقة فائقة وعمق استشرافي عند نحته لمفهوم "الاستعمار الجديد" في ستينيات القرن الماضي، حيث كتب قائلا «إن جوهر الاستعمار الجديد يكمن في أن الدولة التي تخضع له تكون، من الناحية النظرية والاسمية والقانونية الدولية، مستقلة وتمتلك كل مقومات السيادة الدولية وعلمها الخاص ومقعدها في الأمم المتحدة، ولكن نظامها الاقتصادي في الواقع، وبالتالي سياستها الداخلية والخارجية برمتها، يتم توجيهه وهندسته بالكامل من الخارج عبر آليات مالية، ونقدية، وتجارية غير مرئية. إن الاستعمار الجديد هو أسوأ أشكال الإمبريالية؛ لأنه بالنسبة لأولئك الذين يمارسونه، يعني السيطرة دون مسؤولية، وبالنسبة لأولئك الذين يعانون منه، يعني الاستغلال دون وسائل للتعويض أو الانعتاق الشكلي». تتلاقى رؤية نكروما مع التحليل الجذري الذي قدمته "نظريات التبعية" وروادها مثل أندريه غوندر فرانك وتيوتونيو دوس سانتوس، الذين فككوا مقولة "التخلف" وأثبتوا أنه ليس مرحلة ما قبل التطور، بل هو نتاج بنيوي ومستمر لعملية تطور الرأسمالية العالمية نفسها التي تحول الأطراف إلى خزان للموارد والعمل الرخيص لخدمة تراكم رأس المال في المركز. وبذلك، تصبح النخب الكومبرادورية الحاكمة في الأطراف مجرد "حراس محليين لبنية التبعية"، يمارسون سلطة القمع والأجهزة البيروقراطية للدولة لتأمين الاستقرار الاجتماعي والسياسي اللازم، وضمان عدم تمرد الفئات الشعبية، ليبقى تدفق فائض القيمة والأرباح نحو المراكز الإمبراطورية مستمرا دون انقطاع.
ثالثا: وهم الدولة المحايدة وتأبيد علاقات الإنتاج الطبقية، تفكيك الأيديولوجيا البيروقراطية وأوهام التنمية الإدارية .
إن الخطيئة النظرية والمنهجية الفادحة التي وقع فيها جانب واسع من الفكر الوطني، والتيارات الإصلاحية، واليسار التقليدي في مرحلة ما بعد الاستقلال، تمثّلت في السقوط في فخ أيديولوجيا "الدولة المحايدة". لقد جرى التعامل مع جهاز الدولة الذي أُفلت من يد المستعمر المباشر باعتباره وعاء فارغا، أو قوة فوق-طبقية محايدة، أو أداة تقنية بحتة يمكن استخدامها لقيادة التنمية وتحقيق العدالة الاجتماعية بمجرد امتلاك النخبة الوطنية للقرار السياسي والإداري وإصدار المراسيم الفوقية. هذا الوهم البرجوازي الصغير حجب حقيقة أن الدولة ليست أداة تقنية محايدة، بل هي تكثيف مادي لعلاقات القوة الطبقية، وأن نقل الهياكل القانونية والإدارية من المفوض الاستعماري إلى الموظف الوطني دون تغيير بنية علاقات الملكية، والإنتاج، والتوزيع، لم يفعل سوى تأبيد واستمرار آليات التفاوت والاستغلال تحت مسميات وطنية براقة. لقد تحول بناء "الاقتصاد الوطني" في أغلب تجارب ما بعد الاستقلال إلى مرادف لتوسيع البيروقراطية الحكومية، وتضخيم الأجهزة الإدارية، وإنشاء الشركات العامة الاحتكارية، وزيادة حجم الاستثمارات الكمية، دون أن يترافق ذلك مطلقا مع بناء قدرة اجتماعية وديمقراطية حقيقية تتيح للمجتمع ورقابته الشعبية السيطرة الفعلية على وسائل الإنتاج وتحديد وجهة الفائض الاقتصادي. وحين احتكرت الدولة وسلطتها البيروقراطية القرار الاقتصادي باسم "المصلحة العليا للوطن" أو "معركة التنمية التحديثية"، لم يكن هذا الاحتكار البيروقراطي تعبيرا عن سيادة المجتمع أو سلطة المنتجين الحقيقيين، بل تحول سريعا إلى آلية لإنتاج فئة من "بورجوازية الدولة" أو البيروقراطية الريعية التي استخدمت احتكارها لأجهزة السلطة والموارد العامة والمصادرة الإدارية لتوزيع الامتيازات، والتهرب من المحاسبة، وإعادة إنتاج الاستقطاب الطبقي. وهكذا، لم تختف التناقضات الطبقية بعد الاستقلال، بل أعادت تشكيل نفسها وصياغة تحالفاتها داخل الدولة الجديدة، ليصبح جهاز الدولة ذاته أداة لقمع الحركات العمالية والفلاحية و الشبابية الثائرة حماية لنموذج تراكم رأسمالي تابع مشوه. وهنا تبرز الأطروحة التأسيسية والعمدة للمفكر الاقتصادي الماركسي المعاصر سمير أمين حول ضرورة "فك الارتباط" كأفق وحيد للتحرر. كان سمير أمين يحذر في كتاباته وتفكيكه لنظام التبادل غير المتكافئ من "أوهام اللحاق بالغرب" من داخل المنظومة الرأسمالية العالمية، مؤكدا أن، «السيادة الحقيقية لا تبدأ، ولا يمكن أن تتحقق، بالاستيلاء على جهاز الدولة الاستعمارية وتسييره بنفس منطق الإدارة القديم، بل بالقدرة الجسورة على "فك الارتباط"؛ أي إخضاع النظام الاقتصادي الوطني وتوجيه الفائض الإنتاجي لمتطلبات التطور الداخلي الشعبي، والقطع المطلق مع قانون القيمة الرأسمالي العالمي الذي يفرضه المركز. إن فك الارتباط ليس انكفاء شوفينيا أو انعزالا عن العالم، بل هو رفض حاسم لمنطق العولمة الإمبريالية وإملءاتها التجارية والنقدية. وبدون هذا القطع البنيوي، فإن أي محاولة للتنمية من داخل السوق العالمية لن تكون سوى استسلام مقنّع، يعيد في نهاية المطاف بناء الدولة كوكيل محلي للشركات الاحتكارية العالمية، ويحول نخبها إلى حراس يحمون مصالح المركز ضد إرادة شعوبهم». من هذا المنظور التفكيكي، تصبح معركة السيادة الوطنية في جوهرها صراعا طبقيا داخليا واجتماعيا حادا لإعادة صياغة طبيعة الدولة ووظيفتها؛ فلا يمكن الحديث عن سيادة دولة مرتهنة، بل عن سيادة شعبية تنتزع جهاز الدولة وتحوله من أداة لإعادة إنتاج التبعية والريع إلى رافعة للتحول الاجتماعي الشامل.
رابعا: هندسة التبعية البنيوية وتقسيم العمل الدولي، تفكيك ميكانيزمات التبادل غير المتكافئ وجغرافيا الافتراس المعولم .
يكشف التفكيك النقدي المعمق للمنظومة الاقتصادية المعاصرة أن السوق العالمية لا تقوم على تبادل حر أو متكافئ بين دول وقوميات تتساوى في القدرة، والإمكانات، والسيادة الإنتاجية، بل تتأسس بنيويا على "تقسيم دولي صارم وغير متكافئ للعمل" . هذا التقسيم يضع مناطق شاسعة في الجنوب العالمي والأطراف في موقع جيوسياسي واقتصادي محدد سلفا، وهو دور المزود الدائم بالمواد الخام، والمنتجات الزراعية الأساسية، والسلع الصناعية البسيطة منخفضة القيمة المضافة التي تعتمد على كثافة اليد العاملة الرخيصة. في المقابل، تحتكر قوى المركز الرأسمالي الإمبراطوري مفاصل التحكم العليا في الاقتصاد المعولم، وهي التمويل الدولي، والتكنولوجيا الصلبة، والبرمجيات، والتصميم الهندسي، وحقوق الملكية الفكرية، والمعايير الصناعية، وشبكات التسويق والتوزيع الاحتكارية. إن البلد التابع في الجنوب يتحمل الكلفة المادية المباشرة، والنزيف البيئي، والاستنزاف الطاقي، والأضرار الصحية والاجتماعية الناتجة عن عمليات استخراج الثروات الطبيعية أو تجميع الصناعات الملوثة والمفككة التي نقلها المركز إلى الأطراف بحثا عن عمل رخيص وقوانين بيئية مرنة. ومع ذلك، فإن الشركات الاحتكارية عابرة القارات، التي تملك العلامة التجارية وحق التسويق والتكنولوجيا، تستأثر بالقسم الأكبر (الذي قد يتجاوز 90%) من "فائض القيمة" القيمة المتولدة عن هذه الدورة الإنتاجية. في ظل هذه الهيكلية الافتراسية، لا تكون التبعية مجرد ظاهرة تقنية مثل عجز في الميزان التجاري أو نقص في الصادرات يمكن حله ببعض السياسات الترقيعية، بل هي "علاقة بنيوية مستدامة وتوليدية" تعيد إنتاج تخلف الأطراف وتفوق المركز رأسماليا، مما يجعل الاقتصاد الوطني عاجزا بنيويا عن تطوير قواه المنتجة وفقا لاحتياجات مجتمعه الذاتية. وتلتقي هذه القراءة المادية مع التحليل الجذري والجسور الذي صاغه الثائر والمفكر الأرجنتيني الأممي تشي جيفارا في خطاباته التاريخية المدوية أمام المحافل والمنظمات الدولية (خاصة خطابه الشهير في مؤتمر التضامن الأفرو-آسيوي في الجزائر عام 1965) حول التحرر الاقتصادي لشعوب الجنوب. لقد فكك جيفارا بجرأة طبيعة هذا الاستغلال المعولم قائلا بوضوح لا لبس فيه، «إن الدول الاشتراكية والنامية تواجه منظومة عالمية صممتها الإمبريالية لنهب الشعوب بصمت عبر لغة الأسعار والتبادل. لا يمكننا دحر الإمبريالية وتصفية الاستعمار ما لم نكشف، أولا وقبل كل شيء، خيانة وتواطؤ البورجوازيات المحلية والكومبرادورية التي ترتبط مصالحها الطبقية والعضوية ارتباطا حتميا ببقاء السيطرة الأجنبية واستمرار هذا التقسيم الجائر للعمل. إن العدو ليس وراء البحار فقط، وليس مجرد جيوش غازية، بل إنه يجلس في مجالس إدارة مصارفنا الوطنية، ويتكلم لغتنا، ويستفيد مباشرة من شقاء عمالنا وبؤس فلاحينا لتأمين مكانته الطفيلية في النظام الرأسمالي المعولم. إن معركة التحرر هي معركة لقطع الأيدي الخارجية والداخلية معا التي تنهب عرق الشعوب». إن جيفارا يعيد هنا إرجاع مفهوم الإمبريالية إلى صلب الواقع المادي؛ فهي ليست مجرد قوة خارجية محضة أو مؤامرة قادمة من بعيد، بل هي شبكة مصالح مادية واقتصادية تخترق النسيج الاجتماعي والطبقي الداخلي للأمم التابعة، وتجد لها وسطاء محليين يدافعون عن استمرار هذا التقسيم الدولي للعمل لأنه يضمن امتيازاتهم على حساب تدمير مقومات السيادة الوطنية الحقيقية للمجتمع.
خامسا: الديون كأداة لإعادة الاستعمار والتقشف كشرطي سري، الهندسة الافتراسية للماليّة المعولمة وتفكيك السيادة العينية .
تتخذ الديون السيادية والالتزامات المالية موقعا مركزيا واستراتيجيا في هندسة الإمبريالية الجديدة وآلياتها الافتراسية. فالدين، في جوهره البنيوي، ليس مجرد أداة محاسبية أو آلية مالية تقنية تقترض عبرها الدول لتغطية عجز عابر في موازناتها أو لتمويل مشاريع تنموية، بل هو "علاقة قوة سياسية وافتراسية طبقيّة" مصممة بدقة لتحديد أولويات الدول وصادرة مستقبل أجيالها. عندما تتفاقم المديونية وتتحول "خدمة الدين" (سداد الأقساط والفوائد المتراكمة) إلى البند الأكبر والأضخم في الإنفاق العام للدولة، تضطر السلطة السياسية إلى إخضاع كامل سياستها المالية والنقدية لإملاءات الدائنين وتكنوقراط المؤسسات المالية الدولية (وفي مقدمتها صندوق النقد والبنك الدوليين، ونوادي الدائنين كـ باريس ولندن). تتلخص هذه الإملاءات المشروطة دائما في ثالوث نيوليبرالي حاد، التقشف القاسي عبر تقليص الإنفاق الاجتماعي، التحرير الشامل والكسوح للأسواق والعملة، والخصخصة الممنهجة للمؤسسات والقطاعات العمومية الحيوية. وتكون النتيجة الحتمية تدمير شبكات الأمان الاجتماعي، وتجميد الأجور، وتفكيك البنى التحتية، وتفاقم البطالة، مما يدخل الدولة في حلقة مفرغة ودوامة لا تنتهي من الاقتراض الجديد لمجرد سداد فوائد القروض القديمة. هذا الواقع المرير والافتراسي هو ما دفع الثائر والمفكر الإفريقي الشاب توماس سانكارا إلى إطلاق صرخته التاريخية والمدوية أمام قمة منظمة الوحدة الإفريقية في أديس أبابا عام 1987 قبل اغتياله بأشهر قليلة، حيث فكك ميكانيزمات هذا الارتهان قائلا «إن الديون هي شكل مستحدث من أشكال الاستعمار الذكي والمقنع، المصمم بدقة لإعادة احتلال القارة الإفريقية ودول الجنوب وإخضاعها تماما دون حاجة لإرسال بوارج حربية أو جنود غزاة. إنها آلية افتراسية تجعل أراضينا، وثرواتنا، وقراراتنا التشريعية مرهونة نهائيا لمراكز رأس المال. الديون تجعل الحكومات مجرد وكلاء جباية ضد شعوبها. وإذا لم نقاطع هذه الديون بشكل جماعي كقارة واحدة، فسنموت جوعا وتخلفا على أبواب نوادي الدائنين العالمية، فالذين يقرضوننا اليوم بشروط مجحفة هم أنفسهم الذين استعمرونا، واستعبدوا أجدادنا، ونهبوا خيراتنا بالأمس. الدين لا يمكن سداده لأنه ببساطة نتاج لنهب أصيل غير متكافئ». وتتكامل وتتقاطع رؤية سانكارا التحررية مع الأطروحة النظرية المعاصرة للجغرافي والمفكر الماركسي ديفيد هارفي حول مفهوم "التراكم بنزع الملكية" يرى هارفي أن الرأسمالية المعاصرة في أوقات أزماتها البنيوية وفي ظل هيمنة المضاربات المالية، لا تعتمد فقط على استغلال قوة العمل داخل المصانع (التراكم الكلاسيكي)، بل تلجأ بشكل متزايد إلى "نزع ملكية الشعوب" ومصادرة مشاعاتها وثرواتها العامة عبر آليات عنيفة تقودها المالية المعولمة، مثل افتراس الأراضي، والخصخصة القسرية للتعليم والصحة والطاقة، والتلاعب بالديون السيادية لتجفيف الأصول العامة للدول التابعة وتحويل الثروات العامة إلى أيدي الكارتيلات متعدية الجنسيات. كما تتلاقى هذه القراءة مع الأطروحة الفلسفية المعاصرة للمفكرين مايكل هارت وتوني نيغري في كتابهما العمدة "الإمبراطورية"، إذ يشير هارت بوضوح إلى أن «الدائنين، والأسواق المالية الدولية، ووكالات التصنيف الائتماني العالمية يعملون اليوم كـ "أجهزة شرطة سرية وغير مرئية للسيادة العالمية". إنهم لا يحتاجون إلى استخدام العنف العسكري المباشر لإخضاع الدول والسيطرة على قراراتها؛ بل يكفيهم خفض التصنيف الائتماني لبلد ما، أو التهديد بقطع خطوط الائتمان والتمويل، لخنق أي تجربة تحررية اجتماعية أو وطنية في مهدها، وإجبار الحكومات المستقلة شكليا على الركوع التام وتطبيق سياسات التقشف التي تفقر شعوبها لصالح كارتيلات رأس المال المعولم». وبذلك، يتحول التقشف من مجرد خيار اقتصادي تقني إلى أداة سياسية طبقية بامتياز لكسر إرادة الشعوب وتصفية سيادتها العينية.
سادسا: تفكيك الاستعمار الرقمي ورأسمالية المنصات، جيوسياسية الخوارزميات وافتراس السيادة المعرفية والبيانات .
في الفضاء المعاصر للقرن الحادي والعشرين، شهدت الإمبريالية تمددا بنيويا غير مسبوق تجاوز الحدود المادية للجغرافيا الكلاسيكية ليتوطن في "الفضاء السبراني والافتراضي" عبر ما يُعرف بـ "الاستعمار الرقمي" . إن هذا النمط المستحدث والأكثر خطورة من أشكال الهيمنة الإمبراطورية يتخطى مجرد احتكار السلع المادية أو التحكم في الموانئ والمناجم، لينتقل نحو الاحتكار المطلق للبنى التحتية البرمجية، ومراكز البيانات العملاقة، والمجالات السحابية السيادية، والخوارزميات المعقدة، والذكاء الاصطناعي التوليدي؛ وهي أدوات تهيمن عليها بالكامل بضع شركات تكنولوجية كبرى تتخذ من المتروبولات الغربية مقرا لها. من خلال هذه الترسانة الافتراضية، يتم تحويل دول ومجتمعات الجنوب العالمي والأطراف، ومنها تونس، إلى مجرد حقول شاسعة ومفتوحة لاستخراج "البيانات الخام" دون أي سيادة وطنية، أو حماية قانونية، أو مناعة معرفية فعلية. إن هذه البيانات المستخرجة من تفاصيل الحياة اليومية للمواطنين تعاد هندستها ومعالجتها في الخارج عبر خوادم احتكارية، ليعاد تصديرها إلى الأطراف في شكل برمجيات مغلقة المصدر، أو أدوات توجيه سلوكي واجتماعي قادرة على هندسة الوعي الجمعي، وتسييل النقاش العام، والتحكم المطلق في الخيارات السياسية، والذوقية، والاقتصادية للشعوب. يجري تسويق هذا الارتهان التكنولوجي المعاصر من قِبل النخب النيوليبرالية المحلية تحت مسميات تكنوقراطية براقة مثل "الانتقال الرقمي"، "الإصلاح الهيكلي للخدمات"، و"رأسمالية المعرفة الذكية". لكن التفكيك المعرفي والسياسي يكشف أن هذا التحول ليس في عمقه سوى إعادة إنتاج فجة للتقسيم الدولي القديم للعمل في قوالب برمجية؛ حيث تُحرم دول الجنوب بنيويا من امتلاك ناصية المعرفة الصلبة، وتوطين التكنولوجيا، وصناعة المكونات الدقيقة وأشباه الموصلات، ويُختزل دورها التاريخي في الاستهلاك السلبي المدفوع الأجر للمنصات، أو تقديم كفاءات هندسية شابة تعمل في إطار هندسة "المناولة الرقمية" بأجور زهيدة لخدمة خوادم وأنظمة معولمة لا تملك المجتمعات المحلية عليها أي سلطة أو رقابة. وفي هذا الصدد، يبرز النقد الإبستمولوجي والمعرفي للمفكر الراحل إدوارد سعيد الذي فكك آليات الهيمنة الثقافية والمعلوماتية، حيث تتكامل أطروحاته تاريخيا لتبين أن، «الإمبريالية المعاصرة لا تكتفي بوضع اليد على الأرض والموارد المادية، بل تسعى للسيطرة التامة على الفضاءات الثقافية، والمعلوماتية، والمعرفية، والرمزية؛ لتصبح عملية إنتاج المعرفة وتداولها، وتصنيف المعلومات، أداة لترسيخ دونية المجتمعات التابعة وتأبيد استتباعها الذاتي وطمس قدرتها على التفكير خارج أطر المركزية الغربية». ويتطابق هذا الطرح التاريخي مع الأطروحة السوسيولوجية والسياسية الفذة لعالمة الاجتماع المعاصرة شوشانا زوبوف حول "رأسمالية المراقبة"، حيث تجادل بأن: «الاستعمار الرقمي يمثل إعلانا لسيادة إمبراطورية من نوع جديد لا تحتاج إلى جغرافيا محددة أو حدود برية؛ فهدفه الحقيقي هو استعمار الطبيعة البشرية، وتحويل التعدين والاستخراج من باطن الأرض والبحار إلى باطن العقل البشري والسلوك اليومي. إن تحويل السلوك الإنساني إلى بيانات رقمية قابلة للتنبؤ والتوجيه يدر أرباحا طائلة للشركات الاحتكارية، ولكنه في الوقت نفسه يجرد الشعوب والمجتمعات المستقلة شكليا من قدرتها على التفكير السيادي الحر وصياغة إرادتها السياسية والاجتماعية المستقلة، ليصبح الوعي الجمعي ذاته مرهونا لخوارزميات أجنبية تسّير الجماهير وفق حسابات جيوسياسية عابرة للحدود». وبذلك، تكتمل حلقة الاستعمار الجديد عبر احتلال العقول الافتراضي بعد احتلال الأرض المادي.
سابعا: الخصوصية التونسية، ريع الكومبرادور، وهندسة الاقتصاد التابع، وتفكيك المرفق العام تحت مقصلة التقشف .
تتجسد هذه التناقضات البنيوية للإمبريالية الجديدة بشكل صارخ وفج في الفضاء التونسي المعاصر، عبر دراسة بنية اقتصاد ريعي وكومبرادوري ظل يعاني تاريخيا ومنذ فجر الاستقلال الشكلي من محدودية قاعدته الإنتاجية، وارتهانه العضوي المفرط بالأسواق الأوروبية والمؤسسات المالية الدولية. إن مرحلة بناء "الدولة الوطنية" في تونس ما بعد الاستقلال لم تشهد قطيعة مع الإرث الاستعماري، بل شهدت إعادة صياغة وهندسة لهذا الإرث عبر إرساء تحالف متين وتاريخي بين البيروقراطية الحاكمة ونخبة بورجوازية ريعية وعائلية نافذة (الكومبرادور المحلي). هذه النخبة الطفيلية نمت واغتنت، لا من خلال تحفيز الاستثمار الإنتاجي أو توطين المعرفة والتصنيع الثقيل، بل عبر احتكار الرخص الإدارية، والامتيازات الجبائية، وتأمين مسالك الاستيراد للسلع الاستهلاكية، والمناولات الصناعية الطرفية منخفضة القيمة المضافة (مثل النسيج وتجميع الكابلات)، وسياحة بروتوكولية موسمية ومكثفة تستنزف الثروات الطبيعية والمائية والبيئية دون خلق قيمة مضافة حقيقية أو إحداث طفرة تكنولوجية سيادية. لم تكن هذه الاختيارات التنموية الفاشلة مجرد أخطاء تقنية أو سوء تقدير من التكنوقراط، بل كانت ترجمة مادية وفية للمصالح الطبقية لهذه النخبة الوسيطة التي فضلت حماية ريعها الاحتكاري عبر القطع مع أي أفق للتصنيع الوطني أو السيادة الغذائية. وقد تجلى ذلك في إبقاء الأجور منخفضة لضمان "التنافسية" المزعومة في السوق الأوروبية، مما أدى إلى تعميق الفوارق الطبقية والتمييز التنموي التاريخي ضد الجهات الداخلية والمهمشة التي ظلت تعامل كخزان للمواد الخام (كالفسفاط والزيت والملح) واليد العاملة الرخيصة. ومع توالي أزمات المديونية وتجفيف احتياطيات العملة الصعبة، تحولت الدولة التونسية تدريجيا إلى وكيل محلي لإدارة مصالح الدائنين وتصريف الإملاءات الهيكلية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. لقد فرضت هذه المؤسسات عبر حزم "الإصلاح الهيكلي" سياسات استهدفت تفكيك الدولة الاجتماعية عبر الخصخصة المقنعة، وتحرير الأسعار، ورفع الدعم عن المواد الأساسية والمحروقات، وتفكيك النسيج الفلاحي التقليدي لحساب الفلاحة التصديرية (مثل التمور والقوارص) المستنزفة للمائدة المائية، إلى جانب استهداف البذور التونسية و خاصة القموح منها و شبه اعدامها لتعويضها ببذور هجينة،مما ضرب في الصميم السيادة الغذائية الوطنية وجعل قوت التونسيين رهنا لتقلبات البورصات والمضاربات العالمية. وينعكس هذا الاندماج القسري والتابع اليوم بشكل تدميري ومأساوي على قطاعين يمثلان عصب السلم الاجتماعي والمناعة الوطنية، الصحة والتعليم. فبتحريض مباشر من إملاءات التقشف المالي لتقليص عجز الموازنة، جرى تجميد الانتدابات في الوظيفة العمومية، ورفع الدولة يدها عن تمويل البنية التحتية للمؤسسات التربوية والاستشفائية. وفي قطاع التعليم، أدى هذا التمزيق الممنهج إلى تراجع مكانة المدرسة العمومية كمصعد اجتماعي، وفتح الباب على مصراعيه لسلعنة المعرفة ونمو التعليم الخاص الذي يكرس فرزا طبقيا يعيد إنتاج الفقر والتهميش. أما في القطاع الصحي، فإن أزمة الديون ونقص السيولة وجفاف الموارد المالية قد تجلت في النقص الحاد للأدوية الحيوية، وتدهور الخدمات في المستشفيات العمومية، وهجرة جماعية وواسعة للكفاءات الطبية التونسية نحو المركز (أوروبا تحديدا)، في مقابل نمو سرطاني للمصحات الخاصة التي تحول المرض إلى سلعة وتقتات على مدخرات العائلات التونسية. وبذلك، يتحول الحق في الوعي والحق في الحياة، في ظل نمط التبعية التونسي، من حقوق مواطنة مكفولة ودستورية إلى امتيازات طبقية مرتبطة بالقدرة الشرائية والمادية لا بالصفة الإنسانية للمواطن.
ثامنا: أفق التحرر المجتمعي، وتجاوز نسق التبعية، والانعتاق الأنتولوجي للشعوب .
إن النتيجة المعرفية والأنتولوجية الحتمية التي يقودنا إليها هذا التفكيك البنيوي المقتضب لآليات الإمبريالية الجديدة والاستعمار الرقمي، تتمثل في ضرورة الهدم المعرفي للتعريف البرجوازي التاريخي والمستقر لمفهوم السيادة، وإعادة صياغته لا كحالة قانونية ثابتة ومضمونة بوجود جهاز الدولة، بل كـ "ممارسة تحررية وديناميكية مستمرة" لا تكتسب شرعيتها إلا بقدر ما تنتجه ماديا على الأرض من شروط يومية للمقاومة والانعتاق الفعلي للمجتمع. إن رهان المستقبل في بلدان الجنوب العالمي، وفي الفضاء التونسي على وجه التحديد، لم يعد معلقا بأي حال من الأحوال على أوهام إصلاح أجهزة الدولة التابعة، أو استجداء عدالة تاريخية مفقودة من داخل صلب النظام العالمي المعولم؛ بل بات مشروطا بنيويا بقدرة القوى الاجتماعية الحية على ابتكار "مسارات موازية وجذرية" للإفلات من قبضته التدميرية. إن هذا الأفق البديل يفرض الانتقال من التفكير الإداري الفوقي إلى "الهندسة العينية للسيادة التحتية"؛ وهو ما يتطلب صياغة بدائل مادية ملموسة تبدأ من القاعدة: أولا، من خلال بناء شبكات تضامن فلاحي وتعاوني مستقلة تقطع مع منطق الفلاحة التصديرية، لتؤسس لسيادة غذائية شعبية تحمي قوت المجتمع من مضاربات البورصات العالمية. ثانيا، عبر ابتكار وتوطين برمجيات وأنظمة معرفية مفتوحة المصدر ومراكز بيانات تعاونية محلية، لتقويض بنية الاستعمار الرقمي ورأسمالية المراقبة، واستعادة الحق الإنساني في حماية البيانات والوعي الجمعي من الافتراس الخوارزمي. إن السيادة في زمن الإمبريالية الجديدة ليست شعارا يرفع، بل هي المعركة اليومية لانتزاع "الحق في الخطأ الذاتي والتجريب التاريخي المستقل" خارج مصفوفة الإملاءات والوصفات الجاهزة للمتروبول. وفي نهاية المطاف، لن تقاس هزيمة المنظومة الإمبريالية بمدى انغلاق الدول خلف حدودها الجغرافية أو بلاغتها الدبلوماسية، بل بمدى نجاح المجتمعات في "نزع السلعية القسرية" عن حقوقها الحياتية والمعرفية الأساسية، من الماء والغذاء والطاقة، إلى الصحة والمدرسة والفضاء الرقمي، وتحويلها إلى "مشاعات شعبية وتشاركية" غير قابلة للافتراس المالي أو الاحتكار الطبقي. إنها اللحظة التاريخية الفارقة التي يتوقف فيها المجتمع عن أن يكون مجرد مفعول به أو حقل تجارب لتاريخ يكتبه المركز الرأسمالي، ليتحول بكامل وعيه وقواه المنتجة إلى الفاعل الحقيقي والوحيد في كتابة تاريخه الخاص وصياغة مصيره الإنساني الحر.
#رياض_الشرايطي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شذرات ... الجامعة التونسية، الاتحاد العام لطلبة تونس، ورأس ا
...
-
اليمين والسعودية .. حين تنكسر هيبة النفط أمام إرادة الشعوب
-
حين ينتفض التلاميذ على مستقبلهم .. المدرسة الفرنسية في مواجه
...
-
الوثيقة عدد 9 : من ثورة 1949 إلى رأسمالية الدولة الصينية .
-
مرسوم إعادة هندسة الشرعية الانتخابية .
-
المديونية : حين يتحول مستقبل شعب إلى سندات في يد رأس المال .
-
تنقيح المرسوم 54، إعادة هندسة للعقوبة، وليس هدم لفلسفة العقا
...
-
الثورة الدائمة في قرن لا يشبه قرنا سابقا .
-
النيولسانية واستعادة الزمن .
-
توحيد اليسار ... توحيد الخط الثوري لا لمّ الشمل .
-
الجينيالوجيا في الخطاب اليساري في القرن الحادي والعشرين
-
العفوية في النشاط الاجتماعي والسياسي : حين يتقدم الشارع على
...
-
حين تتحول الشهادة العلمية إلى تهمة
-
الاحتجاج الدغمائي، حين يصبح الرفض بديلا عن الفعل .
-
بُرُوتُوكُولُ القَلْبِ
-
الصهيوني خلف الزناد… و الامبريالي خلف الذّخيرة
-
الجزائر والإمارات ،، ضد التبعية وضد الاستبداد .
-
حين يجلس العامل إلى الطاولة : المجالس، الحزب والثورة التي لا
...
-
المثقّف الذي يحمل وجع الناس في قلبه .
-
الExtra-terrestre: الإنسان الذي جاء من خارج الأرض .
المزيد.....
-
ترامب: حرب إيران -من أعظم الإنجازات التي حققناها- لهذا السبب
...
-
-اي بي سي-: واشنطن تسحب قواتها من قواعد عسكرية في الأردن وقط
...
-
السعودية تعلن حصيلة الضحايا والمصابين بعد هجوم حوثي استهدف م
...
-
استعداد روسي لتفاوض ثلاثي بشأن أوكرانيا
-
الخارجية الروسية: موسكو مستعدة للقيام بدور الوسيط في الشرق ا
...
-
قطر وفرنسا تدينان الهجمات الإيرانية وتطالبان بحرية الملاحة ف
...
-
رئيس السلفادور يعلن إطلاق عملية لتحرير الرهائن في هايتي
-
ما هو -مكعب روبيك- الذي استخدمه مبعوث ترامب لوصف مستقبل سوري
...
-
واشنطن تأمر بعض دبلوماسييها بمغادرة السعودية
-
Axios: مقاتلات إسرائيلية عبرت أجواء سوريا والعراق ونفذت -است
...
المزيد.....
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
المزيد.....
|